PDA

View Full Version : الخطوة الأولى تبدأ من قلبك !



RandomAcceSS
29-09-2007, 01:25 PM
السلام عليكم ورحمة الله
من الأخطاء الكبيرة التي تدور في خلد كثير ممن يحب الالتزام بدين الله أنه يعتقد بأن الالتزام بالدين إنما يأتي بالطاعة المباشرة لتعاليم الدين و قسر النفس عليها دون التطرق إلى " التصور الشرعي للأشياء " و هذا خطأ لأن الله عز و جل في ترتيب امتحانه لعباده جعل التصور هو الشيء الأول الذي يسأل عنه الناس لمعرفة صحة إيمانهم و هو من العلم الذي طلبه الله من العبد قبل العمل بل هو قوام العلم الذي قال تعالى عنه : ( فاعلم أنه لا إله الا الله و استغفر لذنبك ) و قد بوب البخاري في صحيحة لهذه الآية فقال : " باب العلم قبل القول و العمل " , و هذا لأنه إن كان في التصور خلل فقد علمنا أن ما بني عليه مردود و لهذا ثبت في صحيح السنة أن النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد معرفة حقيقة شيء ما في نفوس أصحابه سأل اصحابه عن فهمهم و تصورهم له ثم بعد ذلك أرشدهم إلى الفهم و التصور الأمثل فقد قال كما في الصحيح و هو يلقن أصحابه درساً في صحة التصور قال ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منا أحد الا ماله أحب إليه من مال وارثه قال اعلموا انه ليس منكم أحد الا مال وارثه أحب إليه من ماله مالك من مالك الا ما قدمت ومال وارثك ما أخرت وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تعدون فيكم الصرعة قال قلنا الذي لا يصرعه الرجال قال لا ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تعدون فيكم الرقوب - هو الذي لا يعيش له ولد - قال قلنا الذي لا ولد له قال لا ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا ) و مرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( استحيوا من الله حق الحياء قالوا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله قال ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) رواه الترمذي وحسنه الألباني , و قال رجل من قريش يقال له أبو ريحانة بعد أن تكلم النبي صلى الله عليه و سلم عن الكبر : والله يا رسول الله اني لأحب الجمال وأشتهيه حتى إني لأحبه في علاقة سوطي وفي شراك نعلي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس ذاك الكبر إن الله عز وجل جميل يحب الجمال ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس بعينيه ) رواه احمد , و قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس ( تدري أين تذهب ؟ ) . قلت الله ورسوله أعلم قال ( فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى ( الشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) رواه البخاري و قال عليه الصلاة والسلام متوعداً المصلين في زمانه : ( أما يخشى الذي يرفع راسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار ؟ ) كل هذا لأنه لم يكن يتصور الفهم الحقيقي للوقوف بين يدي الله و معنى أن يكون له إمام فهل جعل الإمام إلا ليؤتم به ؟ فمجرد الطاعة الغير منضبطه بالفهم الصحيح قد تجعل الانسان عند الله بمنزلة الحمار و هو يحسب أنه من القانتين حتى أن الخوارج الذين قال رسول الله لأبي بكر و عمر سوف تحقرون صلاتكم عند صلاتهم و صيامكم عند صيامهم لم يمنع هذا أن يكونوا عند الله هم كلاب النار , و عندما أراد صلى الله عليه و سلم أن يمتحن إيمان جارية كانت ترعى الغنم قال لها : ( أين الله ؟ ) فقالت : في السماء . فقال : ( ومن أنا ؟ ) فقالت : أنت رسول الله . فقال لصاحبها : (أعتقها فإنها مؤمنة ) فعندما علمت أن الله في السماء و ليس صنما على الأرض أو طاغوتا يعبد و أنه هو رسول الله و أنها تقبل بحكمه و شرعه فقد تحقق ايمانها لأن هذا ملخص سؤال القبر و هو أن العبد في قبره يسأل أولا و قبل كل شيء أسئلة ثلاث ليس فيها ذكر صلاة و لا صوم و لا زكاة و لا حج و لا جهاد و إنما هي أسئلة يتلخص من خلالها التصور الكامل للدين عند المسؤول في مراتب ثلاث فإن صح تصوره لها كان ما بعدها صحيح بلا ريب و هي :
من ربك ؟ فحسب تصور المسؤول للربوبية و معناها و ما تقتضيه و ما يترتب على الايمان بها و ما تشمله من مخلوقات الله و معانيها الشرعية تجد أن المسؤول يجيب أو لا يجيب فمثلا الذي يرضى بحكم غير الله فيما قد جاء به حكم صريح من الله لا يكون قد أدرك المعنى الحقيقي للربوبية ولهذا قال تعالى ( اتخذوا أحبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله ) و هي طاعتهم في التحريم و التحليل على ما يخالف ما جاء من الله , وهكذا .
من نبيك ؟ و هذه هي المرتبة الثانية من التصور فمعرفة نبيك تحدد مدى علاقتك بخبر السماء و مدى انتماؤك لأمة الاسلام و تاريخها و الشعور بها و مدى معرفتك بتفاصيل ما جا به النبي صلى الله عليه و سلم ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وإن ماحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله ) رواه الترمذي و حسنه , بهذا تعرف كيف هو تصور المسؤول لمعنى " شهادة ان محمدا رسول الله " .
ما دينك ؟ و هنا يتضح المعنى الحقيقي للدين بحيث أن من تصور الدين على هواه أو جعل هواه هو الدين أو جعل الدين وسيلة وليس غاية فكل هذا له علاقة بتصور توظيف الشرع في حياة ذلك الانسان و مدى صدقه في العبودية لله و شرعه و قد جاء في حديث ثبت مرسلا باسناد صحيح و حسنه بعض أهل العلم بطرقه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر : ( كيف بك يا عمر بفتاني القبر إذا أتياك يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها) قال عمر : وأنا على ما أنا عليه اليوم قال : ( وأنت على ما أنت عليه اليوم ) قال إذا أكفيكهما إن شاء الله . و الشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه و سلم : ( وأنت على ما أنت عليه اليوم ) فتبعاً لتصور الانسان في هذه الحياة الدنيا و ما وقر في قلبه من ذلك التصور تكون إجابته في القبر .
هذه كلها تصورات كان ينبغي على من يرغب بالالتزام أن يبحث فيها و يطيل النظر اليها فالتعلق بالله كرب للعالمين و الاعتماد عليه و التوكل عليه في كل ما تقضيه ربوبيته و التعرف عليه كما وصف هو نفسه أمر مهم في بعث الحياة في نفس الراغب بالالتحاق بركب المستمسكين بدين الله و كذلك معرفة النبي صلى الله عليه و سلم و انزاله منزلته من التعظيم و الاجلال فكل هذا يفتح شغاف القلب لتعظيم أمر الله و أمر رسوله و معرفة ميراث الأمة المتمثل في جهاده صلى الله عليه و سلم و اصحابه و التضحيات التي دفعها صفوة الرجال من هذه الأمة كل هذا يبعث في نفس الانسان الذي يرغب في الالتزام معاني الجد و الصدق فهذا الدين ذهبت في سبيله رقاب و سالت لأجله الدماء و افنيت في مراحل تكوينه المهج و مرت على البشرية نماذج من قصص التضحية والفداء و البطولة و الايمان ما لا يكاد عقل آدمي أن يتخيله ثم ياتي بعد ذلك كله الحديث عن الدين ذلك الشيء الثمين الذي حدثت من أجله كل تلك الملاحم منذ عهد آدم عليه السلام إلى يومنا هذا , فهذا شيء من التصور الذي لا ينبغي لصادق في السعي إلى الله أن يغفله و يغفل النظر فيه و قبل هذا كله عليه بالتعرف على نفسه قبل التعرف على ربه و نبيه و دينه لأن الذي يجهل نفسه لا يمكن أن يتعرف على أي شيء آخر بصدق و بشكل صحيح فقد قيل لخالد بن الوليد بعد اسلامه أين كان عقلك يا خالد ؟ سبقك الناس إلى الاسلام و أنت مقيم على الكفر في مكة فقال : لقد كان أمامنا رجال كنا نرى أحلامهم - اي عقولهم - أمثال الجبال فلما ذهبوا و آل الأمر الينا لم نجد للاسلام مدفع , فقد كان رضي الله عنه لا يعرف قيمة نفسه و لا عقله و قد أسند إلى أبي جهل و أمية بن خلف و من معهم حق التفكير و لإدراك بدلا منه فلم تكن له شخصيته و لم يكن له فهم صحيح لنفسه فلهذا آمن الناس و مكث خالد رضي الله عنه على الكفر خلف أبي جهل و حزبه مع أنه كان له رب يعبده على طريقته و موقف من الرسالة و الرسول صلى الله عليه و سلم فقد كان لديه تصور تجاه الله تعالى و تجاه رسوله الجديد ولكنه لم يكن لديه تصور حقيقي عن نفسه من حيث نشأة بني جنسه من البشر و نشأة العالم من حوله و مآله فيما بعد الموت و لهذا تجد أن الله تعالى يكرر كثيرا قصة آدم و إبليس و قصة نشأة العالم و خلق السماوات و الأرض لأن هذا هو مفتاح الخيال الشخصي تجاه الألوهية الحقه و الربوبية الحقه فالايمان بالله حاجة شخصية ناتجة عن الافتقار إلى الله في الفطرة و التجربة و كلما وقف الإنسان على ضعفه و حقيقة فقره إلى خالقه بمعرفة جذور نشأته صار أكثر انقيادا لطاعة الله و إيمانا بأنه لا ملجأ منه إلا إليه و لهذا قلت اعرف نفسك قبل أن تعرف ربك و نبيك و دينك لأن طبيعة ضعفك و صدق شعورك بأنك مخلوق فقير إلى خالقه هذا هو الذي سينتج عنه الحاجة للايمان بالله و رسله أما الذي يقول بأنه يؤمن بالله ومع هذا لا يرى لله عليه فضل و لا يرى أن له حاجة إلى الله كما قال تعالى ( كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) فهذا ليس بمؤمن لأنه جهل قدر نفسه فجهل قدر الله عز و جل , و التعرف على النفس أولا ً كوسيلة للإيمان بالله هو المنهج الإلهي في الدعوة حيث قال تعالى : (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) .
تحية تشبهك و سلام

في صمتك مرغم
29-09-2007, 01:55 PM
لأن طبيعة ضعفك و صدق شعورك بأنك مخلوق فقير إلى خالقه هذا هو الذي سينتج عنه الحاجة للايمان بالله و رسله أما الذي يقول بأنه يؤمن بالله ومع هذا لا يرى لله عليه فضل و لا يرى أن له حاجة إلى الله كما قال تعالى ( كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) فهذا ليس بمؤمن لأنه جهل قدر نفسه فجهل قدر الله عز و جل
ههنا خير كثير
جزاك الله خيرا

دواس
29-09-2007, 02:07 PM
جزاك الله خيراً يا أخ جميل

بشبوش أفندي
29-09-2007, 03:34 PM
**


بارك الله فيك وجزاك الله خيرا


ينقل لمنتدى الرصيف حيث مكانه المناسب .!


تحياتي


_

جنة رائد
29-09-2007, 07:24 PM
فالتعلق بالله كرب للعالمين
-

جزيت الخير يارب /ولك الشكر
لكن ممكن تفسر لي كيف أن تعلقي بالله "كرب" ؟

لا تقل لي معرفتي بنفسي ثم معرفتي بخالقي
أبي معنى كرب _ وهل تقصد التعب ؟

-

أمريكيوم
29-09-2007, 08:12 PM
أبي معنى كرب _ وهل تقصد التعب ؟

-
وتلوم أهل الجنوب فيك؟!:xc:



ألا يا مصبّر الموعود...!!:g:

جنة رائد
29-09-2007, 08:33 PM
^
إذن فسر أنت
ولا يهمك لا تلوم أحد بس كيف كرب
لكن لا تتدخل وترمي كلمة وتطلع
فسر بارك الله في علمك / آمين /
-

ماوكلى
29-09-2007, 10:55 PM
كــــ ... رب يا أخت جنه وليس كرب

كـــ رب للعالمين.

(سلام)
30-09-2007, 04:22 AM
جنة
"كرب" الكاف حرف مستقل عن كلمة "رب"
كأن يعاملك أطفالك كأم

وصلت ؟


راندم ، بارك الله فيك يا أخي
نحتاج مثل هذا الفهم ، صدقاً

Abeer
30-09-2007, 07:50 AM
اللهم اغنني بالافتقار إليك .. ولا تفقرني بالاستغناء عنك ..


لك الشكر أيها الكريم

RandomAcceSS
30-09-2007, 01:44 PM
جزاكم الله خير

RandomAcceSS
30-09-2007, 01:44 PM
و قد يسلك كثير من الناس مسالك منحرفة يرون في قرارة انفسهم أنها من توقير الذات و احترامها فمثلا تجد أن الفلاسفة الملحدين الذين ينكرون الوحي و النبوات و يرون الحياة " مسألة ذهنية " يحاولون تفسيرها بالفرضيات و النظريات و يزعمون أنهم يقومون بهذا الأمر لأنهم يحترمون عقولهم المفكرة من أن تكون تحت خنوع الاستسلام للنصوص الدينية التي تدعوا إلى الايمان بها بمجرد ثبوتها حتى و لو لم توجد قرائن مادية تدل على صحة تلك النصوص فهم ينفون مثل هذا التصرف عن عقولهم و يقولون نحن نلحد لأننا نحترم أنفسنا و نرى بأن للعقل شرف كبير لا تحصره حواجز الحلال و الحرام و ربقة الانقياد الأعمى لنصوص الدين التي تريد أن تكون وصية على عقولنا . عندما تتأمل هذا الكلام تجد أنه كلام فيه " نزعة الحرية الطامحة إلى الحقيقة " و هذا أمر جميل يغري كل أحد أن يكون في فلكه و أن يدور مع أهله حول هذا المبدأ المقدس بالفطرة في نفس كل إنسان , و الخطأ ليس في اصل الفكرة أي في الطموح إلى الحقيقة و لكن الخطأ في التصور في أن الحقيقة المطلقة تكون باطلاق الحرية للعقل في كل شيء ثم لو أنك تتبعت نهاية هذا الاطلاق لوجدته ينتهي ليس إلى " احترام الذات و توقيرها " بل إلى " تحقير الذات و تدميرها " فالذي رفض الايمان بالغيبيات كالايمان بالله و الملائكة و الشياطين و الروح و النبوة و التكليف و الجنة و النار تجد أنه في آخر تحرره من كل ذلك سيجد أنه مرغماً تبعاً لفرضياته و نظرياته أن يساوي نفسه بالبعر و الشجر و الحجر فيقول " لا إله و الحياة مادة " أو يدخل في خرافات فلسفية تفقده عقله الذي من أجل الفخر به تكبد عناء كل هذا الكفر وهذا الجحود فينتهي به المطاف إلى " مريض نفسي يسمى فيلسوف " حتى أن فيلسوفا من كبار فلاسفة أوروبا في عصر النهضة اسمه " شوبنهور " عندما يأس من تفسير العالم و تعليل تقلبات المجتمعات عبر الزمان مع إلحاده و ضعف عقله وضع نظرية فلسفية مشهورة هي ( نظرية عدم جدوى الوجود ) التي مفادها أن البشر في هذا العالم - بالتجربة و استقراء التاريخ - لن يبلغوا درجة الإنسانية المطلوبة و المأمولة بحيث يعيشون في ود و سلام بلا ظلم و بلا استعلاء و تكبر فيما بينهم و بلا سفك دماء و بناءا على ذلك فقد نصت النظرية على حث البشر على عدم التناسل لكي يقوم البشر بعملية انقراض طوعي لجنسهم و عنصرهم و جعل الجيل الذي كتبت فيه النظرية هو آخر جيل على وجه الأرض لكي تتوقف هذه التجربة الكونية الفاشلة للإنسان على حد زعم ذلك الفيلسوف الذي في حقيقة الأمر لم يكن الا رجلاً مصاباً بالاكتئاب الحاد و لو أنه عاش فترة شبابه كبقية أقرانه الفسقة في رخاء اقتصادي و توفيق وظيفي و اجتماعي في أحضان فتاة جميلة في باريس ما كتب تلك النظرية السخيفة ولكن له تاريخ اجتماعي متفسخ كئيب معلوم أدى به إلى هذه النهاية البائسة ! . و لم تكن هذه نزعة فردية في الغرب بل كان يرافقها كثير من السفاهات التي كانت تطرح على أعلى المستويات العلمية مثل ما فعله فيلسوف ألماني كان يقول بأنه لا يستطيع أن يتصور بأن هذا العالم نشأ بلا رب و عندما قيل له من قبل زملائه الفلاسفة الملحدين كيف تصر على الايمان بأن لهذا العالم رب خلقه و انت ترى كل هذا الظلم فيه ؟ أين ربك ليعدل بينهم ؟ فما كان منه لنقص عقله و شدة غباوته إلا أن قال عبارته المشهورة عندهم : ( إن ربي خلق هذا العالم ثم مات ! ) تعالى الله عما يقولون , و لو أن فلاسفة اوروبا قرأوا صحيح البخاري مؤمنين به لوجدوا قوله صلى الله عليه و سلم : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ) و لما دعوا البشرية إلى أن تبيد كما باد الديناصور و لما زعموا أن لهم رب خلق العالم ثم مات كأي نجارٍ هرم ٍ مسكين غير ان الله يختص بنوره من يشاء.
هذه نماذج فقط لأناس ظنوا بأنهم يحترمون أنفسهم بتلك الأفعال ثم انتهى بهم الأمر إلى تلك النهايات المؤلمة و لو انهم عدلوا في تفكيرهم و أعطوا كل شيء حقه لاكتملت لديهم الصورة ولخرجوا من الظلمات إلى النور و لكنها نزغات الشيطان التي تنفث في نفس الانسان نزعة الكبر و الغطرسة حتى على الحقيقة ذاتها !. الأصل في صحة بناء كل شيء أن يقوم على العدل كما في قصة عبد الله بن رواحة و يهود خيبر عندما أرادوا رشوته و هو يخرص نخلهم فقال لهم كما في صحيح ابن حبان بسند صحيح : ( يا أعداء الله أتطعموني السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض ) فعلى العدل قامت السماوات و الأرض و يقول الله تعالى ( و السماء رفعها و وضع الميزان * أن لا تطغوا في الميزان * و اقيموا الوزن بالقسط و لاتخسروا الميزان ) فكل شيء موزون فإذا اختل ميزانه سقط , والعقل شيء من تلك الأشياء و هو اداة مركبة من الدماغ و القلب و الفطرة السوية فكلها بمجموعها تشكل العقل و هو القوة الدافعة على الاقدام أو الاحجام لمعنى من المعاني , فواحد مضاف إلى واحد يساوي اثنان فلا شيء يمنع دماغك أو ذهنك من ان يصرح و يعلن هذه النتيجة الذهنية لا القلب و لا الفطرة , و لو قيل لك بأنك ستكسب مئات الآلآف من الدنانير إن أخذت مسدسا ً من عشرة مسدسات و صوبته على رأسك و ضغطت على زناده مع العلم أن تسعة مسدسات فارغة و مسدس واحد فقط هو الذي فيه الرصاص لقال دماغك بأن نسبة الهلكة هي العشر و هي ضئيلة بالنسبة إلى تسعة أعشار من النجاة و لكن فطرتك التي جبلت على كره الموت سترى أن الاقدام على ذلك أمر شديد الخطورة و ستمنعك من ذلك , ولو أن رجلا قالت له نفسه لماذا لا تغرر بامرأة من محارمك فتزني بها - والعياذ بالله - فالدماغ سيقول بأن ذلك أوفر في كلفته المادية و لا يحتاج إلى مزيد حيلة و تخفي عن أعين الناس و الفطرة التي جبلت على غريزة الشهوة ستستثار و تتحرك إن أطلق لها العنان و لكن القلب الذي اكتسب أحكام الله التي تحرم ذلك و اكتسب خشية الله و مراقبته و توقير اعراف الناس من حوله سيمنع كل الحسابات الذهنية و يطفئ كل الغرائز الفطرية و سيقول كلمته النهائية في ذلك ( حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم , الآية ) و هكذا . المشكلة في أهل العقلانية و الالحاد أنهم اختزلوا العقل في الأشياء الذهنية مع أنهم يمارسون الأشياء المتعلقه بالعقل القلبي فهم يحبون و يكرهون و يبنون أفكارهم تبعا لمشاعرهم ثم يتنكرون لقلوبهم في مسألة فهم الوجود و تعليله فالذهن الذي أوصل شوبنهور إلى عشق الانقراض و الدعوة اليه ابداً لن يستطيع إقناعه بأن يربط على عنقه حبل المشنقة و ينتحر لأن عقله الفطري يرفض قرار الموت حتى و إن دعى إليه ذهنه و منطقه الذهني ولهذا لم يقل شوبنهور في نظريته " اقتلوا أنفسكم لكي ننقرض " و لكنه دعى الناس إلى عدم التناسل لأنه يعلم بأن هذا القرار الذهني بطلب الانتحار سيكون هناك ما يعارضه حتى في نفس شوبنهور ذاته و هو العقل الفطري المحب للحياة و هذا كما قال الشعبي رحمه الله للحجاج عندما سأله عن خروجه في فتنة ابن الأشعث فقال : (لم نكن فيما فعلناه أتقياء بررة و لا اقوياء فجرة ! ) و من الغباء أن يتجاهل الانسان نفسه و يعتقد بأن هذا هو الحل السليم فطالما أن هناك شيء بداخل الانسان يدعوه إلى الحياة فلابد أن يستجيب له و أن يعالجه بشكل واقعي شرعي صحيح بعيداً عن نزعات الهروب الفصامية التي تقتل الحياة بيد و تتشبث بها باليد الأخرى و شوبنهور فيلسوف خائن جبان فعندما جبن عن ترك الحياة و جبن عن دعوة الناس إلى الموت دعاهم إلى خيانة الأجيال القادمة و قتلها قبل أن تولد و يولد معها حب الحياة الذي سيمنعها من الانقراض كما منع شوبنهور الجبان و قومه . فإذا أراد إنسان أن يحترم نفسه فعليه بأن يوفق بين ذهنه و قلبه و فطرته فلا يقول بسفور المرأة و هو يرفض ان يضاجع الأجنبي زوجته على سريره لأنه رفض بما بقي لديه من فطرته ما جاء به ذهنه و تفكيره فهو رجل فصامي المبادئ عليه أن يعالج نفسه من هذا الفصام ثم يتحدث بعد ذلك في أمر العامة و إن دعى إلى ذلك و قبل أن يضاجع الأحنبي زوجته على سريره فهو دابة خبيثة خالف من فطرته ما لم يخالفه الخروف و الثور و الحمار فهو بهيمة خبيثة الطبع عليه أن يتعلم أصول المبادئ البشرية أولا ثم يحدث الناس عن الخير و الشر , و كل شيء هكذا و على هذا المنوال يطرح . و لو راجع الانسان نفسه لوجد أن الدين هو الخيط الوحيد الذي سوف ينظم له فكره و قلبه و فطرته في نظام متوافق لا يختل فالفطرة تكره الموت و القلب يحب التملك و السيطرة و الاستمتاع و الذهن يصور الخيالات و الأحلام الجميلة فجاء الدين وقال بأن الروح تكره الخروج من الجسد لأنها لا تفنى على الصحيح من اقوال اهل العلم و ذلك بقوة الله و مشيئته و طبع الشيء الخالد أنه يكره النهايات التي لها معنى الفناء حتى و إن لم تكن فناءا في حقيقتها فكره الموت في طبيعة الروح بشارة بالخلود و الموت في عقيدة المسلم بداية الحياة الحقيقية و القلب الذي يحب التملك و السيطرة أخبر بأنه إن آمن صار له جنان خلد فيها من النعيم ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و الذهن الطامح إلى الأحلام الجميلة و الخيالات الفارهة الواسعة سيلقى من العجائب في تدبر كتاب الله و ما جاء به من وصف النعيم و حياة أهل الجنة ما سيجعله أكثر خصوبة و أشمل طمعاً مما هو عليه في حال تعلقه بحسابات الحياة الدنيا التي لا تستطيع الخروج عما في جداول الضرب و القسمة حتى أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يعتني بمثل هذه الأشياء الجميلة المنعشة لخيال المؤمن على نعمة ربه فيذكرها لأصحابة حيث قال مرة لعبد الرحمن بن ساعدة رضي الله عنه عندما قال كنت أحب الخيل فقلت يا رسول الله هل في الجنة خيل فقال إن أدخلك الله الجنة يا عبد الرحمن كان لك فيها فرس من ياقوت لها جناحان تطير بك حيث شئت . رواه الطبراني وحسنه الألباني و قال مرة كما في حديث أنس عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكوثر ؟ قال ذاك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيها طير أعناقها كأعناق الجزر - أي الإبل - قال عمر إن هذه لناعمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلتها أحسن منها . رواه الترمذي و حسنه و غير هذا الكثير و بهذا الإشباع الكلي للعقل يكتمل البناء العقلي و تستوي الروح على الجسد فلا يطغى شيء على شيء و يحدث التوافق في اتخاذ القرارات و الصدق في انتحال المبادئ , والله أعلم .
إن أول مبدأ يجب على كل إنسان يحترم نفسه أن يفهمه هو أنه لا يمكنك أبداً أن تحترم نفساً أنت لا تفهمها , فعليك أن تفهم نفسك أولا و فهم النفس يقع في خمس مستويات :
- فهم الإنسان لأصل خلقته من حيث أنه مخلوق من ماء مهين و أنه مخلوق من جسد و روح و تفاصيل هذه النشأة من الناحية المادية و الشرعية كما في حديث ابن مسعود عن الصادق المصدوق في مراحل خلق الجنين في بطن أمه و أن له نفس ركبت فيها الفطرة و الشهوة و له قلب يكتسب و بناء عقلي و نفسي ينبني على مكتسباته , و هكذا .
- فهم الإنسان لأصل جنسه من أنه مخلوق من سلالة آدم عليه السلام و أن آدم مخلوق من تراب ثم من طين لازب ثم من حمأ مسنون و صلصال ثم نفخ فيه الروح و قصة آدم عليه السلام و خروجه من الجنة لأن التركيب النفسي لآدم عليه السلام ينبغي أن يتكرر في كل شخص منا بحيث يؤمن أنه خرج من الجنة و إليها ينبغي أن يعود و أنه مبتلى بهذا الوجود و أن الحياة ليست كما يصورها بعض الناس من أنها فرصة وحيدة للسعادة و إنما هي في حقيقة اصلها مشكلة تحتاج إلى حل و مصيبة تحتاج إلى احتساب و أن هذا الوجود لحظي و أننا نعيش على الأرض كلاجئين إلى حين , وهكذا .
- فهم الإنسان للنفس المثالية التي ينبغي على من كان مثله أن يكون عليها تبعاً لما جاء في الكتاب و السنة .
- فهم الإنسان لواقعه العام الذي يعيشه بحيث يعلم اين هو ممن حوله فزمانه الذي يعيش فيه هو المقياس الحقيقي لقدرته و عجزه كما قال مطرف بن الشخير عند أبي نعيم في الحلية : عقول الناس على قدر زمانهم . فلا يقول قائل و لو فعلنا ما فعلنا فهل ندرك الصحابة أو فلان أوفلان فهذا من تلبيس الشيطان لأن قدر الايمان مرتبط بزمانك و من يعيش فيه فإن كنت من خيار خيار زمانك فأنت على الخير كله و قد ثبت في ذلك أحاديث كقوله صلى الله عليه و سلم : ( إنكم اليوم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه من ترك عشر ما يعرف فقد هوى ويأتي من بعد زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه من استمسك بعشر ما يعرف فقد نجا ) و هو في صحيحة الألباني .
- فهم الإنسان لواقع نفسه الشخصي بحيث يتأمل سيرته الذاتيه و كيف تقلب به الحال و على أي وجه يستطيع أن يكون إنسانا ناجحاً نافعاً و أن يعلم الانسان قدر جهله في دين الله فالذي يرى أنه يعلم من الدين ما يكفيه لدخول مناظرة في مسألة شرعية مع أنه في واقع حاله جاهل لا يعرف كم من الحجارة يجزؤه لينظف مؤخرته و يصلي مع المسلمين فهذا لن يتذوق رونق الإيمان و لذته لأنه وقف ينافح عن تلك القطعة المقيتة التي ذكرها ابن القيم عندما ذكر بأن في كل نفس قطعة من حب انتحال الإلوهية فمن الناس من عظمها حتى قال " أنا ربكم الأعلى " و منهم من جاهدها حتى استقرت به الحال في بحبوحة العبودية فلا تتكبر على الجهل فهو أبوك و أولى بك من غيره فاعرف قدر نفسك فما عند الله لا ينال بسخطه و لا تغتر بشهادة أو منصب علمي أو معرفي لأن الدين " علم خاص " لا يناله المرء بالحذلقة و لي اللسان و كثرة الحبر على الورق و إنما يناله العبد بالتعرف إلى الله و رسوله صلى الله عليه و سلم و ما جاء في الكتاب و السنة فالعلم بالدين شيء من الموهوبات حتى و إن دخل فيه الاكتساب كما في حديث ابن مسعود مرفوعا و صححه الألباني : ( إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الايمان- وفي رواية : الدين - إلا من أحب ) و صحح الدارقطني الموقوف , غير أن هذا لا ينفي وجود المنافق عليم اللسان الذي علم القران و أكل به و إنما المقصود بالعطية في الحديث العلم النافع فقد يمنح الله العبد علما نظريا في الدبن ولكنه ليس بعالم لأنه تعالى قال و قوله الحق " إنما يخشى الله من عباده العلماء " . و قد سقت كل هذا التحذير من الجرأة على دعوى فهم الدين من قبل من هو جاهل به لأنك إن زعمت بأنك تفهم الدين و ليس لديك اشكال في فهمه مع أن الواقع غير ذلك ثم آمنت بهذا الذي تقول صار لديك يقين بأنك على الحق و لا تحتاج إلى مزيد تغيير و لا مزيد بحث فتبقى على جهلك بدين الله و على فسوقك عن شرع الله أضحوكة للشيطان و هذا ما نريد عدم الوقوع فيه و لو أنصف الإنسان من نفسه لعلم أنه جويهل على كل حال فعمر بن الخطاب الصحابي وزير النبوة المحدث على جلالته يمشي مع رسول الله فيقول كلمة يعلق عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول بأنها من الشرك عندما حلف فقال : لا و أبي فقال صلى الله عليه و سلم : من حلف بأبيه فقد أشرك فمن كان حالفاً فليحلف بالله , ثم يخرج اليوم أقوام لا يبلغون شسع نعال عمر يقسمون أنهم لا يقولون في دين الله إلا الحق و أنهم لا يجهلون , و هكذا هي الحال .
عندما تنتهي من هذه المستويات الخمس تجد أنك على علم و يقين بأنك يجب أن تكون الانسان الفلاني الذي يؤمن بكذا و كذا و يقول كذا و كذا و يفعل كذا و كذا و ستجد أن الحياة تحولت إلى خريطة كبيرة تعلم أنت تمام العلم موقعك عليها الآن و اتجاهك المفترض غدا و أين كل عنصر من عناصر هذه الحياة على تلك الخريطة فيترتب ذهنك و تصورك للحياة من حولك و تجد أن الحياة أصبحت اقل عثرات كما قال تعالى : ( أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على سراط مستقيم ) فصاحب الهدف البعيد يرفع رأسه ينظر إليه في أقصى الأفق لا يختفي هدفه عن عينيه لأنه هدف عال ٍ شديد الوضوح فهو يمشي سويا على سراط مستقيم بينما الذي يبحث عن أهدافه على قارعة الطريق تجده مكباً على وجهه كلما مر عليه زمان في حياته تغير تفكيره تبعا لما يصادفه من مغريات فتارة يعشق النساء و تارة يعشق المال و تارة يعشق الامارة و تارة يعشق الظهور فهو في تعثر دائم و شغف دائم بالبحث عن البديل الجديد و هكذا هي الحال حتى يموت و قد أمضى حياته يجمع اللقطات من على قارعة الطريق فلا كنزاً جمع و لا إلى فلاح ألفى , والله المستعان .

أيمن ابراهيم
01-10-2007, 09:04 AM
اللهم آت نفوسنا تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها
رفع الله قدرك

أشعار
03-10-2007, 05:05 AM
..
هذا الحديث مثل مناجاة الضمير قر أذان الفجر , هذا الحديث " وضوء " ..
ممتنة بقدرِ دعائي الطيّب لك .
.