PDA

View Full Version : الأدب الروسي . الشهر الثقافي الرابع



محمد العدوي
09-02-2007, 10:55 PM
الأدب الروسي
الشهر الثقافي الرابع


http://upthings.googlepages.com/russia2.JPG


قد تعيش ولا تعلم ان في الدنيا مدينة تجاورك فيها ما لم تعلمه ثم ينقضي عمرك ولا تشعر بالأسى أن فاتك من هذا شيء .

بل إنك لو حسبت ما يفوتك في الدنيا لوجدت أنك لا تأخذ منها شيئا ذا بال . ومع ذلك تعيش يتساوى حزنك مع فرحك ورضاك مع سخطك ولا تشعر أن شيئا فاتك . فإذا عرفت أن وراء الأفق بحر آخر وخلف التلة مدينة مسحورة وتحت الجليد كنز وهاج رغبت في خوضه و التعرف إليه .
تقرأ .. تظن الأدب في فلان وفلان ثم ترى أن في الدنيا ضوءا من غير الشموع وحلاوة من دون العسل .
المعرفة هي التي فتحت لك باب الرغبة في الأولى وهي التي كشفت لك الضوء والحلاوة . وهي التي خلخلت الإيمان بالمبادئ الاشتراكية في فترة من فترات الاتحاد السوفيتي . وهي التي صنعت الخلخلة في المجتمع الريفي المصري في فترة من الفترات ، فليست المعرفة خيرا في كل حين !
قد يبدو لك الا ارتباط بين الشاهدين لكن هذا محور حديث من أحاديث هذا الشهر فلن اطيل فيه هنا .
في المكان الذي هو غايتنا هذا الشهر بلغت المعرفة بالنفس البشرية شأنا عاليا وبلغ التعبير عنها حرفية سابقة كما بلغ التنكيل بالإنسان فيها شأنا أبعد . بلغ العمل فيها حده وبلغت الفوضى فيها أبعد من حدها .
وإذا كان الانجليزي قد فرض علينا شيئا من الرهبة في نظرتنا إليه مع ما تركه في جسدنا من جرح قد تقيح وبلغ حد البتر وجمع معها العجز عن هذا البتر فإن جراح الروسي أنكى وما لهن ألم تدركه به .
الأدب الروسي هو المحور الأساسي هذا الشهر .


أصله ونشأته .
علاقته بالثقافة الإسلامية باعتبارها جاره القديم وأحد روافده الرئيسية .
نزوحه إلى الأوروبية وتعلقه بها .
ماذا تركت الثقافة الإسلامية في الأدب الروسي .
ماذا تركت الثقافة الروسية في الحياة العربية المعاصرة .


في بيت تولستوي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108624)
شاعر روسيا العظيم // ألكسندر بوشكين (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109236)
ليرمنتوف ... شاعر من العباقرة (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109370)
"دستويفسكــي".... في أعينهــم (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=103574)
غوغول .. أديب الحياة الواقعية (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108964)
سحر الشرق في الأدب الروسي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108966)
المعطف .. نيقولاي غوغول (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108615)
مختارات من الشعر الروسي – السوفييتي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109032)
(( أول من صنع الخمر )) مسرحية لـ تولستوي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109029)
توافه الحياة .. وقصص أخرى ((تشيخوف)) (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109030)
الأم .. مكسيم غوركي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108445)
قرأت لك ( المقامر ) فيودور دستويفسكي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=107843)
من هو.. غريغوري راسبوتين؟! (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108800)
رواية للشاعر الروسي أندري فوزينييسيينسكي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109268)

للتحميل:
بطل من هذا الزمان..ميخائيل ليرمونتوف (http://www.4shared.com/file/12074617/b47f00d5)
الطلقات الاخيرة.. يوري بونداريف (http://www.4shared.com/file/12076896/ab365fca)
كيف حدثت ثورة اكتوبر في روسيا (http://www.4shared.com/file/12080853/d0d22c44/oktober.html)
الانسان الصرصار..دُوستويفسكي (http://www.alsakher.com/books/Dostoevsky.zip)
أنا كارنينا . تولستوي (https://www.4shared.com/file/3517415/8402c812/_online.html)
طريق النور. تولستوي (http://www.4shared.com/file/8749471/b2c5a63f/tarik_nor.html)
قصص.. أنطون تشيخوف (http://www.alsakher.com/books/Chekov-stories.zip)
المهلة الأخيرة..فالنتين راسبوتين (http://www.alsakher.com/books/almuhla_ala5era.zip)
الجريمة والعقاب.. دستويفسكي
مقسمة لستة أجزاء :
الجزء الأول (http://www.alsakher.com/books/part1.zip)
الجزء الثاني (http://www.alsakher.com/books/part2.zip)
الجزء الثالث (http://www.alsakher.com/books/part3.zip)
الجزء الرابع (http://www.alsakher.com/books/part4.zip)
الجزء الخامس (http://www.alsakher.com/books/part5.zip)
الجزء السادس (http://www.alsakher.com/books/part6.zip)

محمود الحسن
10-02-2007, 12:02 AM
الله يسامح الأخ أعلاه , فأنا ولا فاهم حاجة في أي حاجة , لذلك أيّها القارئ العربي الكريم أنصحك أن تنتقل إلى الرد اللي بعدي مباشرة ً لأنني من مخلفات اللاشيء وأشياء أخرى ... الخ الخ

الأدب الروسي
الشهر الثقافي الرابع ( بلا راتب :p )

الأدب الروسي القديم :

بالمقارنة مع أوربا الروس اعتنقوا المسيحية في وقت ٍ متأخر , توجد بعض الكتابات الأدبية القديمة التي تعود إلى القرن الحادي عشر , كانت مكتوبة بلغة قديمة جداً , أقرب الآثار الادبية تعود الى القرن الحادي عشر. حيث كُتبت باللغة ( السلافية ) القديمة , . أكثرالمخطوطات التي بقيت هي تلك التي كانت في كييف ، التي كانت تقع على مفترق طرق التجارة الدولية الكبرى ، وهي واحدة من أكثر مدن أوروبا التي ازدهرت ثقافياً في العصور الوسطى , من أشهرالاعمال في تلك المرحلة هي قصة من قديم الزمان ، تتناول تاريخ السلاف الشرقيين ووُصفت بأنها تاريخية , حيث صورت أحداث الفترة بين 860-1240
أكبرانجاز أدبي في مرحلة كييف كان كتاب مجهول المؤلف في القرن الثاني عشر. فيه قصيدة تتحدث عن سوء المرحلة التي حكم بها الملك ايغور(1185)
ساءت بعد ذلك أحوال روسيا هجمات البولنديين والليتوانيين والسويديين وقبلهم التتار، فضلا عن الانقسامات بين أجزاء روسيا نفسها , . لكنهم في معركة كوليكوفو (1380) وبقيادة الملك ديمتري دونسكي نجحوا للمرة الاولى في تحقيق النصر على قوى التتار
في تلك القرون المضطربة استمر الأدباء الأوائل في انتاجاتهم الأدبية وكان معظمه مركز على المعارك مع الغزاة والحروب. كثير منهم تأثر بأساليب أدبية أخرى مثل بولندا.


الأدب الروسي في القرن الثامن عشر :

كان الاهتمام الأكبر لبطرس الأكبر هو الانفتاح على أوروبا الغربية .ونال الأدب في عهده بعض الاهتمام, وخلفته الملكة اننا ايفانوفا (1730-1740) واليزابيث بيتر (1741-1762) في ذلك , العلامات الأولى لأثر الثقافة الفرنسية في تطوير الأدب الروسي كانت واضحة في فترة حكم كانتيمير (1708-1744) & وفي فترة تريدياكوفسكي (1703-1768).

أثناء عهدها الطويل الملكة ايكاترينا(1762-1796) ، شجعت على الترجمة من الآداب الأخرى وخصوصاً الفرنسي لكي تكون قدوة يتعلم منها الأدباء والشعراء ومن الكُتاب الفرنسيين الذين تُرجمت لهم أعمال كثيرة إلى الفرنسية موليير وراسين وفولتير ،
وظهر عدد من الشعراء الروس في تلك المرحلة مثل ديرجافين الذي يُعد شاعر القرن الثامن عشر ( في روسيا طبعاً )

سوماروكوف (1717-1777) يسمونه أب الدراما والمسرح كان أحد مؤسسي أول مسرح في عام1756 في سانت بطرسبورغ , وتعد تلك السنة هي بداية تاريخ المسرح الروسي ( المشهور )
في عام 1769 الملكة ايكاترينا أسست أول مجلة أدبية روسية ..

( بتصرّف )

يُتّبع ..

محمد العدوي
10-02-2007, 09:07 PM
هذا في الأصل موضوع عضوة اسمها كليوباترا بمنتدى صديق وقلت نراسلها حتى تضعه هي بس لأنهم هناك يشترطون كام رد علشان تصلح خاصية المراسلة وتوفيرا للنفقات قلت اجيبه أنا و لها الشــكر ...


(1)

ـــ آنا أخماتوفا شاعرة الحب _
ترجمة:د.ثائر زين الدين
ولدت الشاعرة الروسيّة آنّا أخما توفا في 24 حزيران 1889، في مدينة أوديسّا، لأبٍ يُدعى أندري أنطو نوفيتش غورنكو، ويعملُ مهندسَ ميكانيك سفن، وبالتالي فاسمها الحقيقي آنّا أندريفنا غورنكو؛ أمّا كنيتها: أخماتوفا، فهي بمثابةِ لقبٍ أو اسمٍ أدبي استعارتهُ الشاعرة من كنية أم جَدّتِها لأُمِّها (وهي من أصلٍ تتري) تنقّلت مع عائلتها منذ طفولتها، فكان لها أن ترى شواطئ البحر الأسود، وأسوار بطر سبورغ، إلى أن أقامت أسرتُها في (تسارسكوي سيلو) –الضاحية القيصريّة فعاشت آنّا هناك حتى السادسة عشرة من عُمرِها وتلقّت تعليمها أيضاً، وكان لهذهِ الضاحيّة –كما عَبّرت الشاعرة فيما بعد – (1) أثر نفسي كبير في تكوينها، لقد كانت كثيرة الحدائق، غزيرة الخضرة والألوان، تخفقُ في جنباتها ظلالُ بوشكين وعصره ورفاقِه، وخلالَ تلك الفترة اعتادت أُسرَةُ الشاعرة أن تقضي إجازات الصيف في سيفاستوبل على البحر الأسود، وفي إحدى تلك الإجازات –وكانت آنّا قد بلغت الحادية عشرة من عمرها –كتبت أولى محاولاتها الشعريّة.‏
حدثَ الفراق بين والديها عام 1905 فانتقلت مع والدتها وأخوتها إلى الجنوب وفي كييف بعد أن تحصل الشاعرة على الشهادة الثانويّة 1907 تدخل كليّة الحقوق وتدرُسُ تاريخَ الأدب، وتتعلّم بعض اللغات الأجنبيّة، لكن بوشكين يظلُّ هواها الأكبر إلى جانب مجموعة من الشعراء والكتاب على رأسهم هوميروس، وفيرجيل وكاتول ودانتي، وستقعُ الأساطيرُ الشرقيّة والأناجيل موقعاً طيّباً في نفس الشاعرة فتُغرَمُ بها وتحفظُ الكثير منها.‏
في إبريل 1910 تتزوج آنّا أخماتوفا نيكولاي غوميليوف (1886 –1921)، وهو شاعرٌ مرموقٌ في ذلك الوقت، وعلى يديهِ سترى أولى قصائد الشاعرة النور، حين ينشرها لها على صفحاتِ مجلّة صغيرة الحجم "سيروس" سنة 1911 وكانت هذهِ المجلّة قد ظهرت لفترةٍ قصيرة في باريس، مطبوعةً باللغةِ الروسيّة.‏
كان نيكولاي ستيبا نوفيتش غوميليوف رفيق سنواتِ الدراسةِ الأولى في الضاحية القيصريّة، وقد أحبّتهُ الشاعرة بقوة، وبعد زواجهما سافرا إلى باريس لقضاء شهر الزواج الأوّل، لكنهما عادا إليها أيضاً في ربيع 1911.‏
وفي 1912 كان لآنّا أخماتوفا أن تزور إيطاليا وسويسرا، وفي هذا العام تُرزق طفلها الوحيد ليف غوميليوف، الذي أصبح منذُ زمن بعيد دكتوراً في التاريخ.‏
منذُ بداية عام 1911 حتى صيف 1917 تعيشُ آنّا أخماتوفا فيما يشبهُ مزرعة أو (إقطاعة) تعودُ لأهل زوجها وتسمّى سليبنيفو، وهي لم تعد موجودة منذُ زمنٍ بعيد.‏
في تموز 1913 في تلك المزرعة تكتب الشاعرة قصيدتها التي مطلعها:‏
"وفي وحدتي القاسيّة /أتذكّركم بألم..."، وقد كان هناك أسباب لمثل هذهِ القصيدة، ففي نيسان من ذلك العام غادرَ الزوجُ الشابُ إلى إفريقيا، في مهمّةٍ خاصة، وفي عام 1914 يلتحقُ طائعاً بالجيش للمشاركة في الحرب، وقد كانت الشاعرة في تلك الفترة تُرسِلُ لَهُ الرسائل، ولا تكتفي بالحديث فقط عن الشؤون الأُسريّة، بل تكتبُ لـه أشعارها الجديدة التي تحملُ في معظمها الحنين والشوق إليه، وتتلقّى منهُ التعليقات والآراء المختلفة. ومن الجدير بالذكر أن نيكولاي ستيبانوفيتش غوميليوف قد قُلِّدَ بعد ذلك وسامين قيصريين هامين لشجاعتِهِ وبسالتِهِ في المعارك التي خاضها عامي 1915 و1916 –وقد كان ذلك الوسام يدعى "صليب جيورجي".‏
في تلك العُزلة أو الوحدة التي تحدّثت عنها الشاعرة في قصيدتها السابقة عَمِلت بجدٍ ومثابرة فكتبت معظمَ قصائِدِ مجموعتها "السرب الأبيض" التي شارك في إعدادِها للطباعة الكاتب الروسي المعروف م. ل. لوزينسكي، وقد أهدتهُ الشاعرة قصيدتَها المكتوبة في سليبنيفو والتي مطلعها: "إنهم يطيرون /إنهم لا زالوا في الطريق..." وعن هذهِ المرحلة المبكّرة من حياة الشاعرة نشرت إحدى صديقاتها وهي فيرا أندريفنا نيفيدومسكايا كتاباً في نيويورك أسمتهُ: "عش النبالة الحقيقي" وتحدّثت فيه عن مزرعة غوميليوف وآنّا ومما قالتُه ُ(2) : "كانَ لآنّا أخماتوفا وجهٌ صارمٌ، كل ملامحها حادة، ووجهها جميل، عيناها رماديتان بلا ابتسامات. كانت تجلسُ إلى الطاولة صامتة: كُنتَ تحسُّ مباشرةً أنها غريبة في عائلة زوجها، لقد كانت هي وزوجها كغرابين أبيضين في هذهِ العائلة البطرياركيّة، لقد أغضبَ الأم أن ابنَها لم ينتسب إلى الحرس، ولا إلى السلك الدبلوماسي، ولكنّه أصبحَ شاعراً، قد يضيعُ في أفريقيا، بل وقد أحضرَ إلى مزرعتهم زوجته الغريبة هذه التي تكتبُ الشِعر أيضاً، وتلبسُ بطريقةٍ غريبة غير عصريّة.. الخ"‏
ذات يوم وفي بداياتِها، تكتبُ آنّا أخماتوفا المعروفة بحيائِها إلى فاليري بريوسوف الشاعر المشهور، طالبةً منهُ العون في مجال النشر؛ وتتحقق لها مقابلة مع رئيس تحرير مجلّة "أبولون" سرغي ماكوفسكي، الذي يقومُ بدورهِ باختيار مجموعة من قصائدها، وينشُرُها في مجلّتِهِ، وهي يوم ذاك مجلّة تشجّع زُمرةً من شعراء بطرسبورغ، الذين وضعوا أنفسهم مقابل الشعراء الرمزيين الروس وأطلقوا على مدرستهم اسم "الأكمييزم"، ولعلّ اسم هذا الاتجاه الأدبي مأخوذ من الكلمة اليونانيّة "أكمي" أي الذروة، وقد أدعى هؤلاء الشعراء بالفعل السعيَ إلى الكمال الفنّي، إلى الذرى الشعريّة الباهرة وستنتسب آنّا أخماتوفا بعد فترةٍ إلى هذا الاتجاه الفّني الأدبي.‏
عام 1912 تُنْشَرُ المجموعةُ الشعرية الأولى للشاعرة وتحملُ عنوان "مساء" ويُقّدم لها الشاعر المعروف ميخائيل كوزمين ورغم أن عدد نُسَخِها لم يتجاوز الثلاثمئة نسخة إلا أنها تثير انطباعاً جميلاً بين الشعراء والنقّاد.‏
وفي عام 1914 تُنْشَرُ المجموعة الثانية للشاعرة تحت عنوان "سُبْحَة" وبعد الحرب العالمية الأولى في 1917 تظهرُ المجموعة الثالثة للشاعرة الموسومَة بـ "السرب الأبيض" لكنّ القراء والنقّاد لا يستقبلونها كما تتوقع الشاعرة، ولعلّ أحداث تلك السنة العاصفة كانت وراء التعتيم والإهمال الذي طالَ "السرب الأبيض". في مكتبة أحد المعاهد الزراعيّة ستعملُ الشاعرة بعد ثورة أكتوبر 1917، وستُصدر في 1921 مجموعتها "مزمار الراعي وفي عام 1922 مجموعة جديدة بعنوان:" –"ANNO DOMINI"، وبعد ذلك بسنة تصدُر مجموعتها "في الصيف الإلهي" بعد ذلك ستتوقّفُ الشاعرة عن النشر حتى الأربعينّيات، لكن ذلك لا يعني التوقف عن العمل والترجمة والدراسة وقد انصرفت فترة طويلة لدراسة أشعار بوشكين وأعماله الأخرى.‏
في بداية الأربعينّيات تعيش آنّا أخماتوفا تجربة حصار لينينغراد، وتشاركُ غيرها من المواطنين في أعمال المقاومة ومنها الحراسة الليليّة للمواقع الروسيّة التي تقاوم الطيران الألماني، ثم تنتقلُ بعد ذلك على متن إحدى الطائرات إلى موسكو ومنها إلى طشقند، لتعودَ في ربيع 1944 إلى موسكو... وبعد ذلك تعود من جديد إلى لينينغراد وهي خلال كل ذلك تعملُ على ترجمة الشعر الشرقي؛ الكوري والمصري القديم وستجمع بعد ذلك نتاجات ترجماتِها هذهِ في بضعةِ كتب هي:‏
"الشعر الكوري الكلاسيكي 1956" –"أصوات الشعراء –شعر أجنبي –‏
1965"‏
"الشعر الغنائي المصري القديم –1965" –ثم يظهرُ بعد وفاتها كتابٌ آخر بعنوان "أشعار الشرق القديم 1969".‏
عام 1962 تُنهي أخماتوفا قصيدتها الطويلة التي بدأتها عام 1940 وتسمّيها "ملحمة بلا بطل"، وفي عام 1964 تتلقّى دعوةً لزيارة إيطاليا حيثُ تمنح جائزة (اتنو تاورمينو) تقديراً لإبداعاتها كوجهٍ من الوجوهِ الشعرية الهامة في القرن العشرين، وفي عام 1965 تُدعى الشاعرة إلى بريطانيا لتمُنحَ شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة أُكسفورد.‏
كانت آنّا أخماتوفا من النساء المبدعات الجميلاتِ في مرحلتِها، وقد كتَبَ عنها عددٌ غير قليل من الشعراء. جُمِعَت قصائِدُهم في كتاب سُمّيَ "صورة أخماتوفا" نُشِرَ عام 1925. ولقد وضع لها عددٌ هامٌ من الفنانين التشكيليين رسوماً شخصيّة وبورتريهات منهم: مودلياني، فودكين، سارايان، ألتمان.‏
وكُتِبت مجموعة من الأعمال الموسيقيّة عن قصائدها لموسيقيين من أمثال:‏
فيرتينسكي، بروكوفييف، لورا...‏
كانت أخماتوفا –كما يؤكد دارسوها –شاعرةَ الحب أولاً، شاعرة القلب الإنساني الكبير الطافح بالمشاعر الإنسانية النبيلة، شاعرة الكثافةِ والاقتصادِ والعمق ولعلّ هذهِ الإضمامة التي أُقدِّمها للقارئ العربي قادرة على رسم صورةٍ واضحة عن شاعرية آنّا أخماتوفا.‏
توفيت الشاعرة عن سبعٍ وسبعين سنة من العمر، في الخامس من آذار 1966، بعد أن تجاوزت ثلاث أزمات قلبّية، لم تفلح في اقتناص روحِها المتمسِّكةِ بالحياة، ودفنت في إحدى ضواحي لينينغراد "كوماروف"، حيثُ اعتادت بعد سنوات الحرب أن تقضي استراحة الصيف في بيتٍ ريفي صغير.‏

محمد العدوي
10-02-2007, 09:20 PM
مخـــــتارات‏


1- وحدة‏

كم من حجارةٍ قذفتُ بها‏
حتى أصبحتُ لا أخشى منها شيئاً‏
وأصبَحَ الشَرَكُ بُرجاً أهيف‏
سامِقاً بينَ أبراجٍ سامقة.‏
إنني أشكر من بنوهُ لي،‏
وأتمنى أن تتلاشى أحزانهم وهمومهم؛‏
فمن هُنا أرى الفجرَ قبلَ غيري‏
ومن هُنا يعبرُ فَرِحاً آخرُ خيطٍ من أشعة الشمس،‏
ومراراً تهبُّ نسائِمُ البحار الشماليّة،‏
على شبّاك غرفتي،‏
والحمامُ يلتقطُ حبّات القمح من يدي‏
أما الورقة التي لم أكتبها بعد‏
فستُسطِّرُها بإلهام‏
اليد السمراء الهادئة‏
والرقيقة لربّة القصيد.‏
6حزيران 1914‏
سليبنيفو‏

2-الليلة البيضاء‏

السماءُ بيضاءٌ بشكلٍ رهيب‏
والأرض –كالفحم، كالغرانيت‏
وتحت ذلك القمر الناحل‏
ما من شيءٍ يتألّق.‏
صوتٌ أنثويٌ أبحُّ ومهتاج‏
لم تكن صاحبتهُ تغنّي –بل تصرخُ وتصرخ.‏
فوقي شجرةُ حورٍ سوداء قريبة‏
ساكنة لا تهتزُّ لها ورقة.‏
أ لأجلِ ذلكَ قبلتُك؟‏
أ لأجل ذلك تعذّبتُ بحبّك؟‏
كي أتذكرّك الآن هادئةً وتعبى‏
وبشيء من الاشمئزاز؟‍!‏
17 حزيران - سليبنيفو‏ (3)‏

لأنني مجدّت الخطيئة‏
وامتدحتُ المارقَ بحرارة؟‏
سقطتُ من السماء الليليّة‏
على هذهِ السهوب اليابسة‏
ونهضتُ، وإلى بيتٍ غريبٍ‏
مشيت، متظاهرة أنني من أهلِه‏
شعوراً شريراً حامضاً‏
حملتُ من السهوب التمّوزية،‏
وأمّاً أصبحتُ للطفل‏
وزوجاً للرجل الذي يغنّي‏
ولكن الريح العُلْوية ظَلّت تصفر‏
بسخطٍ وخشونةٍ من خلفي‏
1914‏

(4)‏
قبلَ الربيع تمرُّ أيامٌ كهذه:‏
تحتَ الثلج الكثيف يرتاحُ المرج:‏
والأشجارُ الجافةُ تحفحِفُ بفرح‏
والريحُ الدافئة رقيقة وحانية.‏
جسدك تدهِشُهُ خفّته،‏
وبيتكَ تنسى مكانَه‏
وتلكَ الأغنية التي كنتَ قدْ مَللتَها‏
ستغنّيها بانفعالٍ، كما لو كانت جديدة.‏
ربيع 1915‏
سليبنيفو‏

(5)‏
لا أعلم أحيٌ أنتَ، أم ميت؟‏
وهل بإمكاني أن أبحثَ عنكَ في الأرض‏
أم فقط في رؤى المساء‏
حين نتذكّرُ بحزن شفيفٍ أولئك الذاهبين‏
كل شيءٍ لك: الصلاة النهارية‏
حمى السهاد اللذيذة‏
أشعاري "السرب الأبيض‏
والحريق الأزرقُ في عينيَّ‏
ما أحببتُ أحداً من قبل هكذا‏
وما عذّبني أحدٌ هكذا‏
حتى ذلك الذي باعني للألم‏
حتى ذلك الذي لاطفني ونسيني‏
صيف 1915 - سليبنيفو‏

(6)‏
لماذ تظهرُ لي‏
مَرّة ريحاً، وأخرى حجراً، وثالثةً طيراً؟‏
لماذا تبتسمُ لي من السماء‏
مع ومضة البرق المفاجئ؟‏
لا تعذّبني أكثر، لا تزعجني‏
دعني لهمومي النبوية...‏
يتمايل اللهبُ السكران‏
فوق المستنقعات الرمادّية الجافة.‏
وربّة الشِعر ذات النقابِ الرث‏
تغنّي غناءً طويلاً وكئيباً‏
ففي كآبتها الحديثة والقاسيّة‏
تكمنُ قوّة إبداعِها.‏
تموز 1915‏
سليبنيفو‏

(7)‏
لم يَغْتَبني، ولم يمتدحني‏
كما يفعل الأصدقاء، والأعداء‏
فقط تركَ عندي روحَهُ‏
وقالَ: حافظي عليها.‏
والآن شيءٌ واحدٌ يُعذّبني:‏
لو حدثَ ومات‏
فسيجيءُ إليّ ملاك الربِ‏
طالباً تلكَ الروح.‏
كيفَ سأُخبئُها عندئذٍ‏
كيفَ أخفيها عن الرب؟‏
تلكَ التي تغنّي وتبكي‏
لا بُدّ لها أن تكونَ في جنّته.‏
تموز 1915‏

8- تنويمة‏
بعيداً في الغابة الكبيرة‏
قرب الأنهار الزرقاء‏
عاشَ مع أولادهِ في كوخهِ المظلم‏
حطابٌ فقير.‏
ابنه الصغير كان بطول الإصبع‏
كيف يمكنني أن أُهدِئكَ‏
نم يا صغيري‏
إنني أمّ حمقاء.‏
نادراً ما تطير الأخبارُ‏
إلى منطقتنا؛‏
لقد أهدوا أباكَ‏
صليباً أبيض.‏
كانت الآلام، وستكونُ الآلام‏
ليسَ للألم من نهاية‏
فليحفظ يغوري المقدّس‏
أباك.‏
1915‏

(9)‏
هناكَ بقيَ ظِلّي كئيباً،‏
في الغرفةِ الزرقاء ذاتِها ما زالَ يعيش،‏
وينتظرُ ضيفاً من المدينةِ، يأتي بعد منتصفِ الليل،‏
ويقبّلُ مينا الأيقونة.‏
في البيتَ ليست الأمور على ما يُرام:‏
يشعلون النار، ولكنَ الظلمَةَ لا تختفي..‏
ألهذا تبدو صاحبةُ البيت الجديدة ضَجرة!‏
ألهذا يُعاقِر صاحبُ البيتِ خمرَته،‏
منصتاً عبر الجدار الرقيق،‏
إلى حديثي الدائر مع الضيف؟‏
كانون الثاني 1917‏
سليبنيفو‏

(10)‏
الآن وداعاً أيتها العاصمة‏
وداعاً يا ربيعي‏
فالحنينُ يعذّبني‏
إلى أرضِ كوريل.‏
إلى السهوب والحقول‏
هادئة الخضرة‏
إلى المياه العميقة‏
والسماء الشاحبة‏
حوريّة المستنقع‏
سيّدة تلكَ الأماكن‏
تنظرُ إلى صليب برج الكنيسة‏
وتزفرُ بأسف.‏
والقبّرة، صديقةُ‏
أيامي البريئة‏
عادت البارحة من الجنوب‏
وراحت تصرُخُ بينَ الأغصان،‏
من المعيب أن تبقوا‏
في المدن حتى أيّار؛‏
تختنقُون في المسارح‏
وَتَملّونُ في الجُزر.‏
ولكنَ القُبّرةَ لا تعلم‏
والحوريّة لا تُدرك‏
كم يلذُّ لي أن أُقبِّلَه،‏
ورغمَ ذلك، فأنا اليوم‏
عند منحدر النهار الهادئ‏
أغادرُ. يا بلادَ لله‏
خذيني إليكِ‏
1917‏

(11)‏
أصفر ورحبٌ ضوء المساء.‏
حانيةٌ نسمات أبريل؛‏
لقد تأخرتَ لسنواتٍ عديدة،‏
ورغمَ ذلك فأنا فرحةٌ بك.‏
إلى هُنا.. اجلسْ قريباً منّي،‏
وانظر بعينينِ فرحتين:‏
ها هو ذا دفترٌ أزرق.‏
يضمُّ أشعاري الطفوليّة‏
اعذرني؛ فقدْ عشتُ في حداد،‏
وقلّما فرحتُ بالشمس.‏
اعذرني، اعذرني، فقد استقبلتُ‏
الكثيرينَ غيرك على أنهّم أنت!‏
1915‏
(12)‏
أنا أعلمُ: أنتَ هديّتي؛‏
لقاءَ سنواتِ الألم والتعب،‏
لقاءَ أنني ما منحتُ نفسي أبداً‏
للأفراحِ الأرضيّة،‏
لقاءَ أنني ما قلتُ للمحبوب يوماً‏
"أنتَ حبيب"‏
ولأنني سامحتُهم جميعاً‏
ستكونُ أنتَ ملاكي.‏
1916‏

(13)‏
أنا لا أطلبُ حبّك‏
إنه الآن في مكانٍ آمنٍ.‏
وكن واثِقاً أنني لن أكتبَ‏
لخطيبتكَ رسِائلَ غَيْرَة‏
لكنني أنصَحُكَ‏
أن تقدّمَ لها قصائدي،‏
واعطها صورتي،‏
فهكذا يفعَلُ الأزواجُ اللطفاء!‏
أمّا زوجاتهنَّ الحمقاوات‏
فيلزمهن الإحساسُ بالنصر الكامل‏
عوضاً عن أحاديث الصداقة المضيئة،‏
وذكرى الأيام الأولى الجميلة.‏
وعندما تنفق مع صديقتك اللطيفة‏
قروش السعادة الزهيدة‏
ويُصبحُ كل شيءٍ مُمِلاً‏
لروحكِ المُشبَعة –‏
في ليلة عيدي، لا تأتِ إلي‏
أنا لا أعرفُك.‏
وكيفَ أُساعِدُك"!‏
من السعادةِ لا أُشفي أحداً!!‏
1914‏

(14)‏
أيّها الأسير الغريب: لا أحتاجُ الغُرباء!‏
فقد تعبتُ من إحصاءِ أسراي‏
لكن لماذا هذهِ الفرحة‏
برؤيةِ شفتيكَ الكرزيتين؟!‏
فليغتبني ويذّمني إن أراد‏
إنني أسمَعُ في عباراتِهِ أنيناً مكبوتاً‏
لا؛ لن يقنعني أبداً‏
إنه متيّمٌ بامرأةٍ أخرى.‏
ولن أصدّق أبداً، أن بإمكانِهِ‏
بعد هذا الحُبِّ السماوي الخفي‏
أن يضحكَ ويبكي بحرقةٍ‏
ويلعنَ قُبلاتي.‏
1917‏

(15)‏
لقد تعلمتُ أن أعيش ببساطة وحكمة؛‏
أنظرُ إلى السماء، وأصلّي.‏
وأتسكّعُ طويلاً قبلَ المساء‏
لكي أرهقَ القلقَ الفائض‏
وعندما تحفحفُ أوراق الحَرْشَف في طريقي‏
وينحني عنقودٌ برتُقالي من شجرةِ الغُبيراء‏
أكتبُ شِعراً فَرِحاً‏
عن هذه الحياةِ الزائلة؛ الزائلة والرائعة‏
وأعودُ. يَلْحَسُ كفّي‏
هِرّي طويلُ الوبر، ويخرخر بنعومة.‏
تتوهّجُ النارُ بشدّة؛‏
فوقَ برجِ قطّاعةِ الأخشابِ، عند البُحيرة.‏
وقدْ يخرقُ السكونَ قليلاً‏
صياحُ اللقلق وهوَ يحطُّ على السطح!‏
وعندها لو طرقتَ بابي،‏
فأظنني لن أسمعك‏
1912‏

(16)‏
كم كان لذيذاً الجلوسُ إلى الموقد‏
بعدَ الريحِ والصقيع.‏
هناكَ –حيثُ كنت –لم أتمكّن من الانتباهِ لقلبي‏
ولهذا فقد سرقوهُ منّي.‏
طالَ احتفالُ رأس السنة، وعلا الصخب،‏
تعّرقت سيقانُ ورود العيد،‏
وفي صدري لم يعدْ يُسْمَع‏
خفقانُ أجنحة الجراد.‏
آخ، ليسَ صعباً عليَّ أن أكتشفَ السارق،‏
لقد عرفتُهُ من عيونه.‏
لكنَ المُرعب؛ أنه قريباً جداً‏
سيعيدُ لي مسروقاتي بنفسه!‏
1914‏

(17)‏
كانَ بإمكانِكَ ألا تُكثَر من زيارتي في الحُلم‏
فغالباً ما نلتقي‏
ولكنّكَ في حَرَم الظلمة فقط‏
تكونُ حزيناً، مُرتبكاً، وحنوناً،‏
ويكون إطراء شفتيك العذب لي‏
أحلى من مدائح الملائكة.‏
أوه! هناكَ لا تخطيءُ باسمي‏
ولا تزُفُر بحنقٍ، كما تفعل الآن.‏
1914‏

(18)‏
تهبُّ ريحُ التِم (3)‏
السماءُ كحليّة مخضّبة بالدماء‏
ها قدْ جاءت الذكرى السنوّية‏
لأيام حبّكَ الأولى.‏
لقد حطّمتَ طلاسمي‏
وانساحتْ السنواتُ كالماء.‏
فما الذي يبقيكَ شاباً‏
كما كُنتَ يومَ ذاك؟‏
نغمات صوتكِ الرقيقة أصبحت أعلى‏
لكنَّ أجنحةَ الزمن‏
ظللت جبهتك الهادئة‏
بإكليل المجد الثلجي!‏
1922‏

19-صفصافة‏
"... وجذعُ شجرةٍ هرم..."‏
بوشكين‏
كبرت في هدوءٍ موشّى.‏
في طفولةٍ معتدلة لقرنٍ شاب.‏
وما كانَ صوتُ الإنسان مُحبباً لي‏
لكنني كنتُ أفهمُ لغةَ الريح‏
وأحببتُ نبات الحرْشَف والقَرّاص‏
لكنَّ الأحب إلى قلبي: كانت صفصافة فضيّة.‏
صفصافة عاشت حياتها معي‏
شاكرةً ممتنّة، بأغصان باكية..‏
مغرقةً أرقنا بالأحلام‏
ولكنني –يالدهشتي! –عشتُ بعدَها‏
هناكَ الآن بقيّةٌ من جذعها تنتصب؛؛‏
وهناكَ تحت سمائِنا‏
صفصافاتٌ أخريات يَقُلنَ شيئاً ما‏
بأصوات غريبة..‏
أما أنا فصامتة؛ كما لو أنني فقدتُ أخاً لي‏
1940‏

20 -الصلب‏
"لا تبكيني، يا أُم‏
في القبرِ نورٌ شديد"‏
1-
سبّحت جوقةُ الملائكةِ للساعةِ العظيمة،‏
وانشقّت السماءُ بسحائبَ من نار.‏
قالَ للأب: "لماذا تخلّيتَ عنّي؟"‏
قالَ للأم: "آه، لا تبكيني.."‏
-2-‏
المجدليّةُ لطمت وناحت.‏
وتلميذهُ الأحبُ إلى قلبِهِ تحجّر.‏
لكنَ أحداً لم يجرؤ أن ينظر‏
إلى ذلكَ المكان حيثُ وقفت الأم صامتة.‏

(21)‏
"إلى الكسندر بلوك"‏
وأتيتُ أزور الشاعر.‏
تماماً في منتصف النهار. من يوم الأحد.‏
الهدوءُ كان يجلّلُ الغرفة الواسعة‏
والصقيعُ خلفَ النوافذ.‏
والشمسُ العُنّابيّة‏
ترتفعُ فوق دخانٍ أزرق شعث.‏
أما مُضيفي فصامت‏
ينظرُ إليَّ بصفاء‏
عيناه من النوع الذي‏
لا يمكنُ لأحدٍ أن ينساه،‏
ولهذا فالأفضلُ لي أنا الحذرة!‏
ألا أنظرَ إليهما أبداً.‏
لكنني سأذكُرُ حوارَنا،‏
سأذكر تلكَ الظهيرةَ المشبعةَ بالدخان،‏
يومَ الأحد، في البيتِ الرمادي العالي‏
على رصيف نهر النيفا.‏
كانون2 1914‏

22-عن الشعر‏
إلى فلاديمير ناربوت‏
إنّهُ - عصارةُ الأرق.‏
إنه –ذوبُ الشموع المحنيّة.‏
إنه أوّل ضربةٍ صباحيّة‏
لمئات الأجراس البيضاء.‏
إنه –حافة النافذةِ الدافئة‏
تحت ضوء القمر‏
إنه –نحلٌ، إنه زهر الحندقوق‏
إنهُ –غبارٌ، وسرابٌ، وقيظ.‏
1960‏

محمود الحسن
10-02-2007, 10:48 PM
الأدب الروسي في القرن التاسع عشر :

أول 40 سنة في القرن التاسع عشر تسمى بالعصر الذهبي للشعر الروسي. أهم ما ميز هذه الفترة هو ظهورأعظم شاعر روسي الكسنر سيرغيفيتش بوشكين (1799-1837), الذي كتب في العام 1830 رواية شعرية ( أكثر من 5000 بيت ), بوشكين كتب عدةأعمال شعريةعظيمة ، كقصيدة الفارس النحاسي التي تتحدث عن الملك بطرس الأول والفارس النحاسي هو تمثال في وسط بطرس بورغ يعد رمزاً لها ..


الكثير من الشعراء الروس اتخذوا من بوشكين مدرسة شعرية لهم مثل الشاعر كريلوف
لا ننسى أيضاً الإشارة إلى أهمية وابداع الشاعر ليرمانتوف صاحب الرواية الشهيرة " بطل هذا الزمان " , ويمثل مع تيوتشيفا وبوشكين العصر الذهبي للشعر الروسي
من أعظم كتاب الروايات في تلك المرحلة نيكولاي غوغل ( 1809 1832 ) ( ربما يكون له حضور كبير في هذا الشهر )

شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر ازدهاراً استثنائياً حدث على خلفية الاضطراب السياسي في عهد نيقولا الأول (1825-1855)

كما كتب الناقد بيلنسكي نقداً للأدباء كي يصوروا في كتاباتهم المشاكل الاجتماعية التي عانى منها الروس في تلك المرحلة , وسار على نهجه نقّاد آخرون مثل تشرنوفسكي ودوبروليوف الذين سعوا كي يكون الأدب الروسي باهمية الآداب الأوروبية والتفوق عليها أيضاً ..

وسط الكثير من كُتاب الرواية اشتهر بعضهم على مستوى العالم مثل تورغينوف (1818-1883) , ودستويفسكي (1821-1881) صاحب الرواية الشهيرة " الجريمة والعقاب " , وأيضاً الكاتب العظيم تولستوي (1828-1910) كاتب الرواية العظيمة " الحرب والسلام " التي صور فيها تاريخ الحروب وطبيعة البشر وكان أسلوبه سهلاً يمكن لكل الناس قراءة رواياته, وكتب رواية من أجمل روايات الحب هي رواية " أننا كارينا "

قال النقاد عن دستويفسكي بأنه يحلل شخصيات رواياته بشكل لم يسبق له مثيل في كل الآداب العالمية ويقف متفرجاً دون أن يدخل الجانب الذاتي في الروايات ..
ليأتي بعدهم مكسيم غوركي , والطبيب تشيخوف الكاتب المسرحي الكبير

اذاً القرن التاسع عشر شهد ازدهاراً كبيراً في الأدب والنقد وفتح آفاقاً جديداً
لكن بدايات القرن العشرين شهدت ثورة 1917 التي هاجر بعدها الكثير من الكتاب إلى الغرب من أشهرهم الشاعر الكبير الكسندر بلوك ..

يتّبع .. :p

قبرالشر
12-02-2007, 09:12 PM
جهـد جبـار تشكـرون عليـه .. شكراً لكم يا أدبـاء

محمود الحسن
12-02-2007, 11:24 PM
الأدب الروسي بعد عام 1917 :

في السنوات المضطربة التالية 1917 , ومع وجود قوى اجتماعية جديدة ظهرت مجموعات أدبية , كانت تشكل هذه المجموعات العامل الوحيد لتطوير الفن في الاتحاد السوفييتي . كان هناك تنافس كبير مع أولئك الذين بقوا في تقليد أدبي كبير لما قبل عام 1919. بعض الأعمال النثرية ساهمت في خلق روح واقعية ونجحت في وصف الحرب الاهلية الدامية عام1918 , الموضوع الرئيسي للنثر كان هو الثورة , كان هناك تنافس بين التحديث والرجوع إلى القديم , تجلى ذلك في روايات فيدين (1892-1977) مثل رواية " المدن والأيام " وروايته " الأخوة , كما ظهر ذلك في روايات ليونوف كروايته " السارق " وسيره على نهج دستويفسكي
في غياب الرقابة السياسية في السنوات الاولى من الحكم السوفياتي أخذ الأدب منحى جديد , فكان طبيعي جداً أن تقرأ قصصاً وروايات عن احتيال المسؤولين والموظفين .
أما الحزب الشيوعي فأخذ على عاتقه التنظيم القانوني للأدب مع الخطة الخمسية الأولى (1928-1932)
في عام 1932أُمر بإغلاق جميع الجمعيات الأدبية وتأسيس اتحادالكتاب في الاتحاد السوفييتي الذي عقد أول مؤتمر له بعد سنتين من تأسيسه

وخلال هذه الفترة ، الكاتب شولوخوف كتب روايته " دوون " الصامت و نال جائزة نوبل في عام 1965.
بعد الغزو الألماني لروسيا في أوائل الأربعينيات اتجهت كل الكتابات لدعم النضال الوطني , وساهم كل حرف بصورة أو بأخرى في الدفاع عن الوطن
بعد الحرب : كان الكتاب السوفييت يأملون بأن يمنحهم الاتحاد السوفييتي مزيداً من الأضواء الخضراء في الأدب كما كان الأمر في الحرب , لكن القرار الذي اتخذته اللجنة المركزية في الأدب المؤرخ 14 آب / اغسطس 1946 حطم هذه الآمال. وأكد أن الفن والأدب يرتبطان بالسياسة , إن الأدب يجب أن يخضع للسياسة السوفييتية و " للاشتراكية "
في الستينات استعاد المسرح الروسي أمجاده , واستأنف ما انتهى عليه مسرح العشرينات , كما ترعرع الشعر والرواية القصيرة
ثم انقسم الأدب بعد ذلك إلى أدب مهجري وأدب سوفييتي , لكن أغلب المبدعين توفوا في السنوات الأولى ولم يطبع الكثير من ابداعاتهم ولم يظهر مبدعون جدد لفترة طويلة حتى منتصف الثمانينات .

محمود الحسن
14-02-2007, 10:37 PM
مأساة غوغول! ـــ عدنان جاموس

عدَّ نفسه مسؤولاً أمام وطنه، وتوجّه إليه يسأله بتأثر:‏
"روسيا! ما الذي تبغينه مني؟ أية صلة لا تُدرك تربط خفية أحدنا بالآخر؟‏
لِمَ تنظرين إليّ هكذا، ولماذا كل شيء فيك يوجه إليّ ناظريه الطافحين بالرجاء؟".‏
وكتب عنه المفكر الثوري ـ الديمقراطي والمنظّر الجمالي والناقد الأدبي الكبير نيكولاي تشيرنيشيفسكي: "لم يشهد العالم منذ زمن بعيد كاتباً مهماً لشعبه كما غوغول لروسيا".‏
وقال عنه دوستويفسكي معترفاً بفضله على كل من أتى بعده من الكتاب الروس: "كلنا خرجنا من معطف غوغول"، مشيراً بهذه التورية إلى قصة غوغول الشهيرة "المعطف".‏
ومع أن غوغول عاش طفولته وصباه في أكرانيا بعيداً عن عاصمتي روسيا (بطرسبورغ وموسكو)، إلا أنه لم يكن منقطعاً عن متابعة الحركة الفكرية والأدبية في عصره وعن التأثر بها والطموح إلى التأثير فيها، وظل يسعى إلى ذلك حتى أصبح على حد قول المفكر الثوري ـ‏
الديمقراطي والناقد الرائد فيساريون بيلينسكي: "كاتب روسيا المعاصرة الأول".‏
* * * *‏
ولد نيكولاي غوغول في قرية سوروتشينتسي الكبرى التابعة لقضاء ميرغورود بمقاطعة بولتافا في أكرانيا عام 1809. وتربّى منذ طفولته في أحضان المسرح المنزلي الذي كان يرعاه أحد الوجهاء من أقارب آل غوغول. وكان والد الكاتب فاسيلي أفاناسيفتشٍ يشارك في هذه العروض المسرحية بصفته كاتباً ومخرجاً وممثلاً هاوياً. كما تأثر غوغول فكرياً بآراء ونظرات بعض أساتذته في أثناء دراسته (1821 ـ 1828) في "مدرسة العلوم العليا" في مدينة نيجن. وكان طلاب المدرسة يقضون أوقات فراغهم في تمثيل أشهر المسرحيات التي كانت تعرض على خشبات المسارح في روسيا وأوربا الغربية. وقد تميز غوغول آنذاك بصفته مخرجاً ومصمم ديكور وممثلاً، ولا سيما في أداء الأدوار الكوميدية، كما كان لـه قصب السبق بين زملائه الموهبين في حقل النشاط الأدبي. وكان في الثامنة عشرة من عمره عندما كتب لأمه رسالة يقول لها فيها: "أمتحن قواي للقيام بعمل هام ونبيل في سبيل إفادة الوطن وإسعاد المواطنين وتحسين حياة الناس" (24 /آذار/ 1827).‏
ثم كتب لها في 13 /تشرين الثاني/ 1827 عن أنه اتخذ قراره النهائي ونذر حياته لمهمة واحدة هي العمل "من أجل خير الوطن وفائدته". ولذلك اختار بعد تفكير طويل وعميق دراسة "الحقوق" كي يكون "نافعاً حقاً"، ويكافح "الشر الأعظم في العالم"، وهو الظلم، وهكذا فإنه لم يختر الطريق الذي اختاره الديسمبريون، وهو طريق التغيير الثوري، بل أراد أن يساهم في إدخال مبادئ العدالة في النظام الحقوقي الروسي وتطبيق هذه المبادئ عملياً. ولكن سرعان ما أدرك أن تحقيق هذه المهمة دونه خرط القتاد.‏
ولم يجد في بداية حياته الوظيفية في العاصمة بطرسبورغ سوى وظيفة دواوينية تستهلك معظم وقته. وعلى الرغم من أنه ذاق مرارة الخيبة بعد نشر أول أعماله الأدبية الكبيرة وهو قصيدة "رعوية" بعنوان "غانتس كيوخيلغارتن" (1829) فاستقبلها النقاد برؤوس الحراب ظل يحلم بولوج عالم الأدب الرحب؛ وكان نجمه الهادي في أثناء حلمه هذا هو الشاعر الشهير الكسندر بوشكين الذي كان قد سحر الأوساط الأدبية بالفصول الأولى من روايته الشعرية "يفغيني أونيغن" وقصيدته الطويلة "بولتافا"، ومسرحيته الشعرية "برويس غودونوف"، ومجموعة مقطوعاته الشعرية المبكرة. وعلى الرغم من مساعيه الحثيثة للتعرف به آنذاك فإن الظروف لم تتح لـه تحقيق هذه الأمنية إلا في عام 1831، بعد أن كان قد نشر في الصحف بعض قصص مجموعته الشهيرة "أمسيات في القرية قرب ديكانكا"، وما إن أصدر المجموعة في جزأيها الأول (1831)، والثاني‏
(1832)، حتى أصبح اسمه معروفاً في الأوساط الأدبية على نطاق واسع.‏
وقد جمع غوغول في هذه القصص بين كل ما يزخر به الفولكلور الأكراني من حكايات وشخصيات ومعتقدات وتخيلات وتقاليد وعادات من جهة، وحياة الشعب الأكراني الواقعية من جهة أخرى؛ محافظاً في أثناء ذلك على البنية الفنية المتماسكة والنسيج السردي المنسجم، ومُغنياً قاموس اللغة الأدبية بكثير من الكلمات الطازجة والعبارات العذبة الإيقاع، فافتتنت الأوساط الأدبية الروسية والأكرانية بأسلوبه وباللغة التي يكتب بها، وراحت تنتظر بلهفة وتشوق أعماله الجديدة. وكان غوغول في أثناء ذلك يسعى إلى التخلص من رتابة الوظيفة الدواوينية التي لا تنسجم مع مزاجه وطموحه إلى "خدمة الدولة"، واستطاع الانتقال في بداية عام 1831 إلى العمل مدرساً لمادة التاريخ في "المعهد الوطني"، ثم أصبح في عام 1834 أستاذاً مساعداً في كلية التاريخ العام في جامعة بطرسبورغ. وبذل جهوداًً كبيرة في دراسة علم التاريخ، وألقى سلسلة متكاملة من المحاضرات في تاريخ العصور الوسطى والعالم القديم، ونشر بعضها في الصحف المتخصصة؛ ومن أهم دراساته في تاريخ القرون الوسطى بحثه الشهير حول عهد الخليفة "المأمون". وقد حضر كل من جوكوفسكي، عميد الشعراء الرومنتيكيين الروس الأوائل، وبوشكين "شمس الشعر الروسي" محاضرة غوغول عن "المأمون" التي قارن فيها بين أنموذجين من نظام "الحكم": الأول هو أنموذج "الحكم" في عهد هارون الرشيد الذي أوصل الدولة إلى ذروة قوتها وتألقها، وذلك بفضل إدراكه العميق لمصالح شعبه القومية وحرصه الدائب على العناية بشؤون الدولة، والحؤول دون طغيان الولاة واستبدادهم في مختلف أقاليم الخلافة؛ والثاني هو أنموذج "الحكم" الذي ساد في عهد ابنه "المأمون" الذي أولع بالعلم والثقافة، وأحاط بلاطه بالفلاسفة والعلماء والشعراء، وارتقى بمستوى العلم والمعرفة إلى أعلى الدرجات، ولكنه لم يكن "يتفقد بنفسه" أحوال معيشة شعبه، وراح يزرع في البلاد ثقافة أجنبية متعصباً لعقيدة دينية بعينها، و"مسقطاً من حسابه تلك الحقيقة العظيمة التي تقول إن الشعب يجب أن يتطور انطلاقاً من طبيعته القومية" وإن دور الثقافة المستعارة يجب حصره في حدود "المساعدة على التطور الذاتي" المستند إلى الأصالة الشعبية.‏
وقد أدى هذا الأسلوب في "الحكم"، حسب رأي غوغول، إلى نشوء سوء تفاهم بين الشعب والحاكم، وإلى استفحال طغيان الوزراء والأمراء والولاة مما جعل مشاعر السخط تنتشر في أوساط الشعب؛ أُعجب بوشكين أيما إعجاب بعمق التحليل، وأصالة المنهج اللذين ميزا الدراسة، وهنأ غوغول على أسلوبه الجذاب في الإلقاء وبلاغته في التعبير. ولكن إعجابه بغوغول أديباً كان يفوق بكثير إعجابه به باحثاً في التاريخ، إذ كانت القصص التي يقرؤها لـه غوغول قبل نشرها تبهره بأصالتها وجدتها، وكان يمتدح موهبته ويرى أنها تتجلى في كونه أول كاتب روسي استطاع أن يظهر الابتذال والضحالة في الحياة بمثل هذا الوضوح أمام أنظار الجميع، وأن يفضح هذه النقيصة في الإنسان، ويسخر منها بأسلوب مبتكر يجعلها تثير الشعور بالاشمئزاز لدى القارئ الذي كان بصره قبل ذلك ينزلق عن هذا العيب بدون أن يلحظه. وقد ظل غوغول مسكوناً بالقلق والشك في صوابية الطريق التي سلكها لخدمة وطنه على النحو الأمثل، ثم ما لبث أن عقد عزمه في عام 1835 على العزوف عن التدريس وتكريس كل قدراته وجهوده للإبداع الأدبي الذي رأى فيه أخصب حقل يمكن لموهبته أن تتفتح فيه وتعطي أينع ثمارها التي من شأنها أن تعود على وطنه وشعبه بالفائدة المرجوة.‏
وأصدر غوغول في العام نفسه مجموعتين قصصيتين هما: مجموعة "أرابيسكات" التي تضم "جادة نيفسكي" و"اللوحة" و"مذكرات مجنون" ومقالات ونصوصاً أخرى.‏
ثم مجموعة "ميرغورود" وتضم قصته الشهيرة: "تاراس بولبا"، وأقاصيص أخرى. وصور في قصته التاريخية "تاراس بولبا" بطولات القوزاق وسائر الشعب الأكراني، وتضحياته الجسيمة في نضاله ضد التسلط البولوني والتتري ـ التركي في القرنين السادس عشر والسابع عشر. يقول بيلينسكي عن هذه القصة "إن "تاراس بولبا" هي مقطع أو مشهد من ملحمة حياتية عظمى لشعب بأكمله. ولو أمكن وجود ملحمة هوميرية في زماننا لكانت هذه القصة أنموذجها الأسمى، ومثلها الأعلى، وأصلها الأول". وإذا كان غوغول قد وجه في مجموعة "ميرغورود" سهام سخريته اللاذعة إلى نماذج شخصياته المستمدة من مجتمع ملاك الأراضي الآيل إلى الانهيار، فإنه في قصص مجموعة "أرابيسكات" الثلاث وقصتيّ "الأنف" (1836) و"المعطف" (1842) التي أطلق النقاد عليها جميعاً اسم "القصص البطرسبورغية" قد شرّح بمبضع النقد الحاد جسد مجتمع المدينة الكبرى، ليكشف عن العلل والآفات التي تفتك به، والتناقضات التي تنهش أحشاءه. وتهيمن في جميع هذه القصص "البطرسبورغية" فكرة الصدام بين الحلم الجميل المشروع الذي يراود خيال الإنسان البسيط الشريف، والواقع البشع الذي يحطم هذا الحلم تحطيماً مأساوياً. ويكتب غوغول بهذه القصص صفحة جديدة في تاريخ تصوير "الإنسان الصغير" في الأدب الروسي متابعاً بوشكين فيما كان قد بدأه في بعض أقاصيصه النثرية، وسابقاً دوستويفسكي فيما سيكتبه عن أمثال هذه الشخصيات في رواياته. وهل كان من قبيل المصادفة أن يتذكر "مكار دييفوشكين" بطلُ "الناس الفقراء" كلاً من "سامسون فيرن" بطل "ناظر المحطة" و"أكاكي بشماتشكين" بطل "المعطف"؟‏
وكما تألقت موهبة غوغول في كتابة القصة والأقصوصة تألقت أيضاً في التأليف المسرحي، فكتب عدداً من المشاهد الدرامية والمسرحيات القصيرة من أشهرها مسرحية "الزواج" التي بدأ كتابتها في عام 1833، وصدرت في عام 1842، وعندما أنهى كتابتها بصيغتها المبكرة أرسلها إلى بوشكين وطلب منه أن يوحي إليه بموضوع ملهاة جديدة قائلاً في رسالته ".. يدي ترتعش.. لكتابة مسرحية كوميدية.." ووعده بأنها ستكون "مضحكة أكثر من الشيطان..." شريطة أن تكون "الحادثة روسية بحتة"؛ وروى لـه بوشكين فيما بعد قصة موظف صغير قادم من العاصمة إلى إحدى مدن الأقاليم، وقد ظنه المسؤولون هناك شخصاً "هاماً" جاء متنكراً ليتفقد الأحوال العامة، وعاملوه وفقاً لذلك، واستغل هو هذا الالتباس "أحسن" استغلال. نحّى غوغول جانباً كل ما كان يعمل عليه، وعكف على كتابة ملهاته الجديدة "المفتش العام"، وسرعان ما انتهى من كتابتها في بداية كانون الأول عام 1835، وعُرضت المسرحية في بطرسبورغ في 19 نيسان 1836، وصدرت أول مرة في طبعة مستقلة في العام نفسه. وقد حضر العرض الأول القيصر نيكولاي الأول مع ثلة من رجال البلاط وكبار المسؤولين والموظفين في الحكومة القيصرية، وعدد كبير من الاستقراطيين والمثقفين من شعراء وكتاب ونقاد منهم كاتب الأمثولات الشهير كريلوف وبوشكين وزوجته والشاعران جوكوفسكي وفيازيمسكي وحشد كبير من هواة المسرح. كان المشاهدون جميعاً يتوقعون مشاهدة ملهاة تضحكهم وتسليهم. وقد علت أصوات الضحكات من هنا وهناك في البداية، ولكن ما إن أخذ مضمون المسرحية يتكشف أكثر فأكثر حتى راحت ردود الفعل في المسرح تزداد تبايناً بين المقدمة والمؤخرة. فالوزراء والمستشارون وكبار الموظفين شعروا بأنهم يتعرون فوق الخشبة، ويظهرون على حقيقتهم: مرتشين، فاسدين، أنانيين، وصوليين، يستغلون مناصبهم لمنافعهم الشخصية، ويتلاعبون بالقوانين كما تملي عليهم أطماعهم ومصالحهم الفردية. ولولا تظاهر القيصر بالتماسك والابتسام بين الفينة والأخرى لكانت دمدماتهم الغاضبة قد تحولت إلى صرخات استهجان وسخط مدوية. أما المشاهدون في الصفوف الأخيرة والأروقة العالية فقد كانوا يصفقون مشجعين، ويعبرون عن إعجابهم وتقديرهم لهذا الإبداع المسرحي الساخر الذي لم يسبق لـه مثيل في روسيا. وقد استدعى هذا الجمهور غوغول للظهور على الخشبة كي يحييه، ولكن الكاتب لم يستجب، إذ كانت ردود الفعل السلبية قد آلمته كثيراً، وخصوصاً عندما سمع بعض التعليقات الساخطة من كبار الموظفين المحتشدين في الردهة استعداداً للمغادرة. كان يتساءل بينه وبين نفسه: هل يتحدث هؤلاء عنه وعن مسرحيته؟! كان كل همه أن يرى الناس الكذب والزيف في حياتهم، والعيوب التي تشوه معيشتهم ودنياهم، ولم يكن يفكر البتة في الدعوة إلى إسقاط الحكم القائم، أو إلى التمرد على السلطات! وعندما اقترب منه بوشكين لتهنئته بعمله الرائد رد عليه غوغول بمرارة: ـ يملؤني شعور بالغم والاستغراب... ومع أنني كنت أتوقع كيف ستجري الأمور فإني أشعر الآن بالأسف والضيق، لقد بدا لي عملي كريهاً وغريباً عني وكأنه ليس لي.‏
وأخذ بوشكين يقنعه بأنه غير محق في نظرته إلى الأمر على هذا النحو، وفي أثناء ذلك اقترب منهما الشاعر فيازيمسكي وشرع يهنئ غوغول بحرارة قائلاً لـه: ـ"المفتش" نجحت نجاحاً باهراً على الخشبة، أما أقاويل جمهور "الموظفين" فالهدف منها أن يظهروا ملكيين أكثر من الملك!‏
ورد غوغول: ـ إن هذه الآراء لم تكن لتؤثر فيّ لولا رأي الحكم الذي كنت أخشاه أكثر من الجميع، وهو أنا نفسي. فقد كنت أشعر أن في داخلي شخصاً يلومني على ما فعلته.. وأعرف أن سبب استهجان بعض الجمهور للمسرحية لا يمت إلى الفن بصلة.‏
أجل! كان غوغول آنذاك قد بدأ يطمح إلى استخدام الفن لسلاح يمكن أن يحقق به أهدافاً سامية، ولكن بما أن السلاح، على رهافته وجودته، لم يبلغه الغاية، فقد أشعره بشيء من خيبة الأمل.‏
وزاد من شعوره بالضيق قيام حملة شعواء ضده لا في الأوساط الحاكمة فحسب، بل في أوساط النقاد والمثقفين المحافظين أيضاً، مما اضطره إلى مغادرة روسيا والسفر إلى أوربا الغربية.‏
وقضى غوغول في الخارج نحو اثني عشرة عاماً تمتد من حزيران عام 1836 حتى نيسان عام 1848، ولم يعد إلى الوطن في أثناء ذلك سوى مرتين لفترة تقارب السنة والنصف، وقد زار في اغترابه العديد من البلدان والمدن إما للاطلاع أو الاستشفاء أو لقاء الأصدقاء، وعاش معظم مدة اغترابه في مدينة روما، حيث استأنف كتابة تحفته الخالدة "النفوس الميتة" التي كان قد بدأها في روسيا منذ عام 1835، وكان بوشكين هو الذي أوحى إليه بفكرتها. كتب غوغول في "اعتراف مؤلف": "كان يدفعني منذ مدة طويلة إلى الإقبال على عمل كبير، وأخيراً، بعد أن قرأت لـه ذات مرة وصفاً تصويرياً مقتضباً لمشهد مقتضب أدهشه أكثر من كل ما كنت قد قرأته لـه قبلاً، قال لي: "كيف يمكن لصاحب مثل هذه المقدرة على أن يخمّن حقيقة الشخص ويصوره ببضعة ملامح ويقدمه للقارئ دفعة واحدة، وكأنه حي، كيف يمكن لـه ألاّ يقبل على كتابة عمل كبير! إن هذا، ببساطة، إثم".‏
وفي النهاية أعطاني موضوعاً كان يحتفظ به لنفسه، وأراد أن يستخدمه لكتابة عمل ما: قصيدة أو ما يشبه ذلك. وهو موضوع لم يكن ليقدمه، حسبما قال، لأي إنسان آخر. وكان هذا هو موضوع "النفوس الميتة". وعندما زاره بوشكين لوداعه قبل السفر طلب إليه أن يقرأ لـه الفصول الأولى التي أنهى كتابتها من رواية (أو "قصيدة) "النفوس الميتة" (كما سماها غوغول فيما بعد)، فقرأ لـه الفصلين الأولين، وامتدت القراءة إلى ما بعد منتصف الليل. كان بوشكين يصغي صامتاً ووجهه يزداد تجهماً شيئاً فشيئاً، وعندما انتهت القراءة قال بصوت مفعم بالأسى والكآبة: "ـ يا إلهي، كم هي محزنة روسيانا!".‏
ثم عانق غوغول بحرارة وودعه وخرج، وكان هذا آخر لقاء بينهما.‏
وظل بوشكين في نظر غوغول مثلاً أعلى لـه في الحياة والفن حتى عندما تخلى كاتب "المفتش العام" و"النفوس الميتة" عن كثير مما كان يؤمن به وأحاطت به حفنة من السلفيين الذين يرفضون أية أفكار تقدمية ويرى بعض الغلاة منهم في بوشكين وأمثاله أشخاصاً من أتباع الشيطان المسخرين لإفساد البشر وتدنيس "المقدسات". وكان نبأ وفاة بوشكين من أشد الصدمات التي هزت كيان غوغول وأوهنت عزيمته قبيل تفاقم أزمته النفسية والفكرية التي بلغت ذروتها في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. تلقى غوغول الخبر المفجع في أواخر شباط عام 1837 عندما كان في باريس. وكان قد غادر لتوه المسرح حيث شاهد مسرحيتين لموليير، وذهب ليقضي أمسيته في صالون سيدة المجتمع الروسية الكساندرا سميرنوفا التي كانت تزور بدورها باريس ويجتمع في صالونها صفوة المثقفين الروس هناك. وبينما كان المجتمعون منخرطين في الحديث عن الأحداث الباريسية في جو يسوده المرح وتعلو فيه الضحكات وصل شخص من السفارة الروسية وأعطى أندريه كارامزين ـ ابن الأديب والمؤرخ الروسي الشهير نيكولاي كارامزين ـ رسالة موجهة أليه من موسكو. فانتحى جانباً وأخذ يقرأ الرسالة في سره، وفجأة ندت عنه صرخة مكبوتة وامتقع لونه وارتخت يده المرتعشة التي يحمل بها الرسالة، فنظر إليه الجميع بقلق وتوجس. تمتم بصوت متلجلج وقد اغرورقت عيناه بالدموع:‏
ـ بوشكين قُتل برصاصة دانتس.‏
انفجرت سمير نوفا بالبكاء، واقشعر بدن غوغول وسرى فيه حذر موهن، وتجمدت يداه وقدماه من الشعور بالبرد، وجلس في إحدى الزوايا كالميت بدون أن ينطق بحرف. وصعق جميع الحاضرين بالنبأ المفاجئ وعلت أصوات نشيج وتعليقات غاضبة وزفرات حارة هنا وهناك. نهض غوغول بتثاقل وقال متوجهاً إلى الحاضرين: "هذا أسوأ خبر يمكن أن يأتي من روسيا. كل مسرات حياتي وأجمل ما كنت أتمتع به قد اختفت برحيله! يا إلهي! إن عملي الحالي الذي أوحى إليّ به من إبداعه هو.. ولم أعد أقوى الآن على متابعته.." صمت فجأة ثم توجه إلى الباب بدون أن يودع أحداً. وعندما وصل إلى مكان إقامته تمدد على سريره ولم يعد يستطيع النهوض. استدعى صديقه دانيليفسكي الطبيب وظل أسبوعاً كاملاً يعتني به إلى أن استعاد غوغول بعض قوته. وذات مرة توجه إلى صديق صباه هذا وقال لـه شاكياً: ـ أنت تعرف كم أحب أمي. ولكن حتى لو فقدتها هي، لما شعرت بمثل هذه اللوعة التي أشعر بها الآن. وكتب كارامزين في رسالة إلى أمه يصف لها فيها الانطباع الذي أحدثه نبأ وفاة بوشكين:‏
".... كان منظره (أي منظر غوغول) مؤثراً ويثير الشفقة. منذ ذاك الوقت لم يعد كما كان. ترك ما كان يكتبه وصارت تستولي عليه الكآبة عندما يفكر في العودة إلى بطرسبورغ التي غدت مقفرة في نظره".‏
ولم يكن هذا الحزن العميق لرحيل بوشكين مجرد تعبير عن الحب اللامتناهي للشاعر العظيم، بل كان كذلك شاهداً على التقارب الفكري والإبداعي بينهما آنذاك. وقد كتب غوغول في إحدى رسائله لصديقه بوغودين:‏
".. عندما كنت أبدع لم أكن أرى أمامي سوى بوشكين.. كل ما هو جيد لدي.. أنا مدين به لـه." وما إن تجاوز أثر الصدمة الصاعقة التي ألزمته الفراش حتى قرر أن يغادر باريس إلى إيطاليا بعد أن يزور الشاعر البولندي الشهير آدم ميتسكيفتش، الذي كان مقيماً في باريس آنذاك، وكان قد عاش في روسيا بضع سنوات وتعرف على بوشكين عن كثب، وأصبح يكنّ لـه مشاعر محبة وتقدير صادقين.‏

يتّبع ..

محمود الحسن
14-02-2007, 10:41 PM
لاشك في أن الشعور بالغربة والوحدة، والبطء الشديد في العمل على إكمال الرواية، والتوعك الدائم، والأزمات المرضية الحادة كان لها أكبر الأثر في السوداوية التي أصابت الكاتب وجعلته نهباً للوساوس والتفكير المضني بالموت، والشك في سلامة الطريق التي اختارها. وفي هذا الأجواء وجد نفسه يصغي إلى "نصائح" بعض السلفيين المتعصبين الذين كانوا يوحون إليه بأن أعماله لا تخدم الغاية السامية التي خلق الإنسان من أجلها. ولكن موهبته الأصيلة عصمته من التخلي عن الصدق الفني، وساعدته على متابعة إبداعه إلى أن أنهى الجزء الأول من "قصيدته" في عام 1841، ولكنه لم يتمكن من نشرها إلا بعد بذل جهوداً مضنية وتدخُّل الكثير من الأصدقاء والمعارف ـ ومنهم بيلينسكي ـ وإدخال بعض التعديلات التي أصرت الرقابة عليها. وما إن صدرت الرواية في أيار عام 1842 حتى "هزت روسيا بأسرها" (كما كتب المفكر والأديب الروسي غيرتسن) وقسمتها إلى قسمين: بعضهم وجد في الرواية صورة صادقة للواقع المر الذي تعيشه روسيا، والذي يبعث في النفس الأسى والغضب ويستنهض الهمم لتغييره، وبعضهم رأى فيها تهويلاً مبالغاً فيه يستدعي الاستنكار والنفي، وقد تصدى الناقد بيلينسكي للنقاد الرجعيين الذين حاولوا النيل من القيمة الفنية والفكرية التي تنطوي عليها الرواية، ودافع عنها بحرارة بصفتها ظاهرة أصيلة وجديدة في الأدب الروسي: فوسط الموجة الطاغية من الكتابات الضحلة التافهة الخالية من الموهبة، ووسط الأعمال الغثة الباهتة والفقاعات الأدبية الفارغة والألاعيب الصبيانية، والمشاعر الزائفة والوطنيات المنافقة والشعبية المعسولة المصطنعة، وسط كل هذه القتامة لمع برق باهر بدد الظلمة، وانهمر غيث صاف أزال الجفاف، وظهر عمل إبداعي روسي محض، يتسم بأصالة قومية، وينفذ إلى أعماق الحياة الشعبية، ويصور الواقع بصدق، ويكشف الغطاء عن حقيقة الأمور، وهو مفعم بحب خارق للبذور الخصبة التي تحتويها التربة الشعبية الروسية. إنه عمل يتسم بقيمة فنية لا متناهية من حيث الفكرة والتنفيذ وتصوير طبائع الشخصيات وتفصيلات الواقع المعيشي الروسي، كما أنه يتسم بقيمة اجتماعية وتاريخية عالية.‏
وقد سمحت فكرة العمل للكاتب بأن يصور روسيا من أقصاها إلى أقصاها: بجميع فئاتها وبيئاتها إذ أن "بطل" العمل الرئيسي "تشيتشيكوف"، الذي يمثل الفئة الفاسدة الطفيلية من رجال الأعمال المزيفين الذين يفرزهم النظام الرأسمالي الوليد، يطوف على عدد من ملاّك الأراضي في مختلف أرجاء البلاد، ويقابل مختلف النماذج من الفئة الإقطاعية، ثم يعود ليتعامل مع شخصيات تمسك بزمام الحكم والإدارة في المدينة حيث يعشعش الفساد في كل الزوايا، وبهذا يكشف الكاتب عن حقيقة الأوضاع في روسيا القيصرية بأسلوب ساحر مبتكر، ولغة حية طازجة، وصور فنية ساطعة تجعل من الرواية قمة في فن السرد الواقعي النقدي الذي سيتأثر به جميع الكتّاب الروسي الكبار فيما بعد. ولكن أياً كانت المعاني التي استخلصها النقاد والقراء من هذا العمل الإبداعي الواقعي الذي يتجلى فيه الصدق الفني بأوضح صوره فإن "غوغول نفسه لم يكن يهدف منه الدعوة إلى تقويض أسس النظام الاجتماعي والسياسي في روسيا، ولم يقصد توجيه النقد لمبادئ الحكم الملكي. بحد ذاته، بل كان كل همه أن يدين " الفساد" و"البشاعة" في روسيا معتقداً أن مهمة الكاتب الساخر أن يناضل بالضحك والتهكم ضد العيوب والمثالب التي تشوّه حياة المجتمع. وكان يَعُدّ نفسه شخصاً يقف خارج ميدان السياسة كما يذكر في رسائله. ويرى أن "الانخراط في السوق الدنيوية" ليس من "مهام الشاعر". فالخلاص يأتي عن طريق النشاط التنويري وسيادة المبادئ الأخلاقية والشعور بالواجب، والالتزام الصادق بتنفيذ القوانين القائمة، وحرص الحكومة وفي مقدمتها القيصر على رعاية شؤون الشعب والدولة، وهذه بالذات ما كان قد دعا إليه غوغول ـ البروفيسور في محاضرته عن الخليفة "المأمون". كان غوغول آنذاك ينتمي بأفكاره الأيديولوجية إلى ذاك التيار الديمقراطي العام الذي تشكّل بعد إخفاق حركة النبلاء الثورية. ولم تكن الآراء والنظرات الفكرية العامة السائدة في صفوف هذا التيار تتسم بالنضج والتماسك المنطقي الداخلي، بل كانت مزيجاً تتشابك فيه على نحو معقّد آراء ونظريات تقدمية ومحافظة. بيد أن أيديولوجيا غوغول في الثلاثينات كان يغلب عليها الطابع الديمقراطي التقدمي. وكان قربه من بوشكين والوسط المحيط به يقوّي هذه النزعة التقدمية في نظرته إلى العالم. ولكن ابتعاده عن روسيا، ووقوعه تحت تأثير الأوساط المحافظة سواء في أثناء وجوده في الخارج أو في أثناء زياراته لروسيا، والظروف الذاتية المعقدة التي انعكست على نفسيته بقوة عجز عن مقاومتها، وكذلك الظروف الموضوعية المتمثلة في تطور الرأسمالية في روسيا والخوف من أن تندلع فيها "اضطرابات وتمردات" دموية كما يحدث في بعض البلدان الأوروبية ـ كل هذه العوامل كان لها تأثير حاسم في تكوين قناعات غوغول الفكرية في السنوات العشر الأخيرة من حياته. وقد عقد غوغول العزم على أن يظهر في الجزء الثاني من روايته "الوجه الآخر" لروسيا، فالفن، حسب اعتقاده، يجب ألا يقتصر على إظهار "كل السمات والخصائص الشعبية النبيلة، بما في ذلك تلك التي لم تجد متسعاً لتتطور بحرية، ولم يلحظها الجميع ويقدروها حق قدرها". ولكن حيث كانت الغلبة لمبدأ الصدق الفني والإخلاص للموهبة الأصيلة كان تصوير الطباع لديه يخضع لمبدأ النمذجة الواقعية الإبداعية، فتظهر الشخصيات الأنموذجية أشخاصاً من لحم ودم، يفكرون ويتصرفون وفقاً لما تمليه عليهم طبائعهم التي تكونت في كنف ظروف اجتماعية ـ تاريخية محددة؛ أما عندما كان الكاتب يقسر ريشته على تصوير شخصيات إيجابية من وسط أولئك الإقطاعيين أنفسهم، ويحاول أن يجد في أوساط الفئة البيروقراطية الحاكمة أشخاصاً نزيهين وشرفاء يمكن بفضل جهودهم التغلب على الفساد، وإصلاح المجتمع وتحقيق العدالة عن طريق نشر المعرفة، وتهذيب النفوس، وإصلاح الأخلاق، عندئذ كان تصوير الشخصيات يبدو متكلفاًً، ويغلب عليه طابع التخطيط الذهني الذي لا يستمد مادته من الواقع المعالج إبداعياً.‏
ولكن الكاتب الذي أصبح في أواسط الأربعينات يشعر بأنه مكلّف بإرشاد الناس إلى السبيل القويم صرف جل اهتمامه إلى مراسلة الأصدقاء لينصحهم بالعكوف على قراءة الكتب الدينية، والتضلع من تعاليم آباء الكنيسة ومواعظهم، ورأى من واجبه تبيان سبيل الخلاص بأوضح صورة، وأن أعماله التي كشف فيها عما يحتويه الواقع من شر وفساد لم ترتق إلى المستوى الكافي فرشاد الناس إلى ما ينبغي فعله من أجل الوصول إلى الغاية المرجوة. وأخذ يشك في قيمة عمله الإبداعي الجديد، ثم اتخذ قراره النهائي وهو في مدينة هامبورغ التي قدم إليها في ربيع عام 1845 للاستشفاء بمياهها المعدنية. وهناك أقدم على حرق عمله الذي قضى في كتابته خمس سنوات كاملة، وكتب بعد ذلك في دفتر ملاحظاته وكأنه يقدم تقريراً للأجيال القادمة: "أُحرق الجزء الثاني من "النفوس الميتة" لأن هذا ما يجب أن يكون. وكما يقول "كِتابُ الرُسُل": "لن تُبْعثَ إذا لم تمت"... لم يكن من السهل على حرق عمل استغرق خمس سنوات مليئة بالتوترات المؤلمة... وأشكر الرب لأنه منحني القوة لأفعل هذا. وما إن التهمت النار الصفحات الأخيرة من الكتاب حتى بُعث مضمونه فجأة (في ذهني) بشكله المُطهّر الوضّاء كما الفينيق من النار...".‏
وبعد أن كتب غوغول هذه الأسطر تمدد في السرير وغطى رأسه بالوسادة وطفق يبكي.‏
ولم يجد من وسيلة يحقق ما تصبو إليه نفسه الغارقة في هواجس آخروية ومشاعر صوفية وأفكار غيبية سوى أن ينشر مختارات من مراسلاته الأخيرة المليئة بالمواعظ والأفكار المحافظة، فعمد إلى جمع هذه المنتخبات وأرسلها إلى روسيا لنشرها في كتاب، وصدر هذا الكتاب في أوائل عام 1847 بعنوان: "مقاطع مختارة من المراسلات مع الأصدقاء"، فأثار ضجة تكاد لا تقل عن الضجة التي أثارها نشر الجزء الأول من النفوس الميتة"، ولكن معسكري المادحين والقادحين تبادلا الأماكن هذه المرة.‏
فقد انهالت عبارات الثناء والتهنئة على غوغول من معسكر السلفيين والرجعيين، وأثار الكتاب موجة عارمة من الاستنكار والسخط لا من جانب التقدميين والثوريين فحسب، بل حتى من جانب أصدقاء غوغول المعتدلين من أمثال سيرغي أكساكوف الذي اختتم رسالته إلى غوغول بقوله: "... لقد ارتكبت خطأً فاحشاً يدعو إلى الرثاء. ضللت وتشوشت وناقضت نفسك في كل خطوة، وإذا كنت تظن أنك بهذا ترضي السماء والإنسانية فاعلم أنك قمت بإهانة الرب والإنسان". وكتب بيلينسكي في مجلة "المعاصر" مقالة فنّد فيها آراء غوغول الرجعية، ونقد مضمون الكتاب نقداً لاذعاً بقدر ما تسمح به الرقابة. فردّ عليه غوغول برسالة يحاول أن يبرر فيها فعلته، ويبرئ نفسه من التّهم التي توجه إليه. وعندئذ وجّه إليه بيلينسكي رسالته الشهيرة المؤرخة في 15 تموز 1847 والتي غدت منذ ذاك الوقت بياناً فكرياً ثورياً ووثيقة هامة تتناقلها الأيدي سراً، ويعاقب القانون كل من تضبط لديه. (وكانت قراءتها في إحدى الحلقات الثورية هي التّهمة الرئيسة التي وجهت إلى دوستويفسكي عندما حكم عليه بالإعدام ثم استعيض عنه بالنفي والأشغال الشاقة).‏
وكان دافع بيلينسكي الرئيس لكتابة هذه الرسالة هو الغيرة على غوغول كفنان عظيم والرغبة في إعادته إلى محراب الإبداع الرائع، ومما قاله لـه في رسالته: "أجل، لقد أحببتك حتى الهيام، كما الإنسان المرتبط ببلاده لحماً ودماً يهيم بأمل هذه البلاد وشرفها ومجدها، وبواحد من زعمائها العظام في مضمار الوعي والتطور والتقدم... أنت تعرف روسيا بعمق بصفتك فناناً فقط، لا بصفتك مفكراً، ولم يحالفك التوفيق البتة في تقمصك دور المفكر في كتابك الخيالي... لقد اعتدت طوال سنين عديدة النظر إلى روسيا من مغتربك البعيد الرائع، ومن المعروف أنه ليس هناك أسهل من أن ترى الأشياء من بعيد كما تريد أن تراها... ولذا فإنك لم تلاحظ أن روسيا لا ترى خلاصها في التصوف ولا في التنسك ولا في المذهب التَّقويّ، بل تراه في نجاحات الحضارة والتنوير والمذهب الإنسانوي.‏
ليست المواعظ هي ما تحتاج إليه (فقد سمعتْ فيها ما يكفي!) ولا الأدعية (فقد كررت منها ما يكفي!) إنها بحاجة إلى إيقاظ الشعور بالكرامة الإنسانية في نفس الشعب... وهي تمثّل الآن مشهداً فظيعاً لبلاد يتاجر فيها الناس بالناس، دون أن تملك تبريراً لهذا كالتبرير الذي يستخدمه مبكر أصحاب المزارع الأمريكيون الذين يزعمون أن الزنجي ليس إنساناً... يا داعية السوط ورسول الجهل ونصير التعتيم والظلامية ومدّح الأخلاق التترية ما الذي تفعله؟ انظر إلى ما تحت قدميك: إنك تقف فوق هاوية... وإذا كنت ـ ويا للبؤس ـ قد أقدمت باستكانة أبيّة على التبرؤ من أعمالك العظيمة حقاً، فإن عليك الآن أن تتبرأ باستكانة صادقة من كتابك الأخير، وأن تكفّر عن إثم إصداره المنكر بإبداعات جديدة تُذكّر بإبداعاتك السابقة".‏
أشعلت رسالة بيلينسكي النار في نفس غوغول؛ فالناقد الذي طالما امتدحه وسماه أبا الأدب الروسي بعد بوشكين يصفه الآن بأنه يدافع عن سلطة السوط والحكم المطلق! أوَهذا ما كان هو يريد قوله في كتابه "المشؤوم؟" كان كل همّه أن يرشد الناس إلى سبيل الصلاح والمصالحة والسلام. ومه أنه حاول في ردّه على الرسالة أن يبرئ نفسه من التّهم الموجهة إليه، إلا أنه اعترف في الوقت نفسه بأن في رسالة بيلينسكي "جزءاً من الحقيقة"، وأنه لم يعد يعرف روسيا وما تغيّر فيها بعد غيابه عنها طوال هذه المدة، وأنه لن ينشر شيئاً في المستقبل إلا بعد أن يعود إلى الوطن ويرى الواقع بعينيه ويلمسه بيديه. واستقر عزمه على أن يعبر عن كل ما يريد قوله لا بوساطة المحاكمات العقلية والأفكار المنطقية المجرّدة، بل بوسائل الفن الإبداعي. وكتب إلى جوكوفسكي بهذا الصدد: "... مهمتي أن أتكلم بالصور الحية لا بالمحاكمات الذهنية، عليّ أن أشخّص الحياة لا أن أتحدث عن الحياة".‏
وعاد غوغول إلى الوطن نهائياً في 16 نيسان 1848 بعد أن حج إلى القدس في شباط من العام نفسه. وعكف على كتابة الجزء الثاني من "النفوس الميتة" من جديد، عازماً على أن يكون هذا الجزء هو "المطهر" و"الفردوس" بعد الجزء الأول الذي أصبح ينظر إليه على أنه "الجحيم" في "قصيدته" الملحمية الكبرى. فقد أراد أن يصور في هذا الجزء طريق خلاص الأمة من "الجحيم" الذي تعيش فيه. ومع أنه كان يرى أن أفضل سمات الطبع الروسي تتجسد في أوساط الفلاحين الكادحين الذين صور بعض نماذجهم في "الجزء الأول" إلا أن نظرته إلى الأمة الروسية على أنها متماسكة داخلياً كالجسد الواحد جعلته يبحث عن أشخاص تتجسد فيهم المثل الأخلاقية العليا في أوساط تلك الفئات الفاسدة التي سخر منها سخرية مُرّة في الجزء الأول من "قصيدته". وهنا كان غوغول ـ كما سبق أن أشرنا ـ ينحرف عن مبدأ "الصدق الفني"، وترجح لديه كفة العقيدة الأيديولوجية النظرية المجردة، ولذا اتسم تصوير الشخصيات الإيجابية في الجزء الثاني من الرواية بالجفاف والاختلاق الذهني والابتعاد عن الحقيقة الحية. وقد أنهى غوغول إعادة كتابة الجزء الثاني في عام 1851 وأخذ يعد العدة لطباعته وإصداره كما ورد في رسائله إلى أصدقائه. ولكن المرض اشتد عليه فوهنت قواه الجسدية والنفسية، واستولت عليه هواجس الخوف من الموت، وامتلأت نفسه بالمشاعر الغيبية، وتناهبته الشكوك في سلامة تصرفاته وانسجامها مع ما يفرضه عليه واجبه الديني. وفي ليلة الثاني عشر من شباط عام 1852 قضى الهزيع الأول من الليل في الصلاة، ثم نادى الخادم في الساعة الثالثة ليلا،ً وطلب منه أن يحضر لـه محفظته من الخزانة، وأخرج منها رزمة من الدفاتر، وألقى بها في المدفأة الجدارية وأشعل فيها النار... واحترق مرّة أخرى العمل الذي قضى غوغول في كتابته نحو عشر سنوات.‏
ولم يبق للقراء من الجزء الثاني من روايته "النفوس الميتة" سوى مسودة الفصول الخمسة الأولى منها. وبعد عشرة أيام من تلك الليلة المشؤومة فارق غوغول الحياة، ولكن أعماله الإبداعية بقيت حيّة وخلدت اسمه في عالم الأدب لا في أوساط الشعب الروسي فحسب، بل في أوساط العديد من شعوب العالم.‏

مبتدئ
18-02-2007, 03:50 AM
دسمٌ وشهي,


سأعود.. بإذن الله

داليا الهواري
19-02-2007, 02:52 AM
ليس مصادفة أن تأتي معظم - إن لم تكن كل _ مؤلفات فالنتين راسبوتين بنهايات مفتوحة مثل بداياتها أيضا. فهو يبدأ وكأن هناك شيئا ما قديما قد حدث ، أو مازال يحدث ، أوان صداه لايزال يطن في الذاكرة. بعد ذلك ينتهي العمل على الورق ، ولكن دائما هناك شيئا ما سوف يحدث. ففي رواية "عش وتذكر" لا أحد يدري مصير أندريه جوسكوف ، النهاية مفتوحة تماما، بل ويمكن لأي كاتب آخر أن يكتب رواية كاملة عن مصير هذا الانسان. وفي «المهلة الأخيرة " نظل نفكر ونتألم: من من أولاد العجوز ( أنا) سيحضر دفنتها، إن راسبوتين يترك الأمر لكل منا على حدة ليواجه نفسه بذلك السؤال. وفي معظم مؤلفاته نجد ما يسمى بالصلاة الأخيرة أو صلاة الوداع ، صلاة الوداع لـ"ناستينا" في «أعش وتذكر" ، وللعجوز في "المهلة الأخيرة ، وللعجوز أيضا في قصته القصيرة "العجوز" ، وفي قصته "لا أستطيع ". يشكل موضوع الحياة والموت عند راسبوتين أهمية كبيرة لدرجة أنه يكاد يصير موضوعا قائما بذاته. فلديه دائما شيء ما يخرج ، أو أحد ما يذهب ، يرحل من العالم والحياة. هنا الكثير الذي يذهب لكي يتذكره الانسان والكثير الذي يبقى أيضا لكي يفكر فيه الانسان.. من هنا كان هذا الحوار الذي أجراه معه في موسكو أشرف الصباغ
فالنتين جويجوريفيتش ، ظلت وسائل الاعلام لفترة طويلة تحتفل بعيد ميلادك الستين ، فهل جعلك ذلك تشعر بثقل السنوات؟ ويحجم ما قدمته من ابداع ثقافي ، وبالكفاية الذاتية؟ وهل تحقق كل ما كنت تود تحقيقه عموما، أم لديك بعد ما لم يتم انجازه لأسباب ما؟
أنا لا أعرف ذلك الكاتب الذي يمكنه أن يقول إنه قد قام بانجاز كل ما كان يجب أن ينجزه فصنعتنا التي ليست مقصورة على مهمة محددة تدفعنا دوما الى الشك في اكتمال النتائج الابداعية
هناك عشر سنوات - فترة السبعينات - في حياتي الابداعية كانت كثيفة الانتاج للغاية ، حيث كتبت تقريبا الجزء الأكبر من انتاجي الأدبي. أما السنوات العشر التالية لها - بل وحتى أكثر منها - فقد صرفت ، كما يقولون ، على النشاط الاجتماعي. كان من الضروري الدفاع عن بحيرة "بايكال "، وبشكل عام عن تلوث البيئة والايكولوجيا، كان من الضروري أيضا الدفاع عن رموز التاريخ والثقافة ، وبشكل عام عن الثقافة نفسها، وكلمة "ضروري" هذه دفعتني الى تأجيل العمل الأدبي، وان كان كل ذلك بطبيعة الحال نسبيا، فقد كانت هناك بعض القصص ، ورواية "الحريق " ثم كتاب "مقالات عن سيبيريا". والكتاب الأخير خرج بصعوبة بالغة اذا ما تحدثنا عن جمع عادته ، ولكنه على أية حال كتب بسعادة والهام. وأعتقد أن هذه المقالات يمكن أن تعد نوعا من أنواع الفنون. ولكن مع الأسف ، فكتاب "سيبيريا... سيبيريا" لم يقرأه إلا القليلون ، حيث صدر في بداية سبتمبر 1991م ، في فترة مخزية بتاريخنا ، وفي نسخ قليلة لم تصل الى القراء ، بعد ذلك ، وفي وقت متأخر وقع الكتاب في أيدي التجار الذين قاموا بتوزيعه بأسعار عالية. ومع ذلك فقد انشغلت أكثر بالأدب الاجتماعي قبل أغسطس 1991م ، وبعده أيضا. حيث أقبل زمن الاضطرابات والأهوال الاجتماعية ، والكتاب الروس - كما هو معروف دائما - دخلوا هذه الحركة بأعداد ضئيلة ، وكنت أرى بالنسبة لنفسي على الأقل أن تجنب الدخول فيها أمر مستحيل
من المعروف (وكما يقال عادة) أنه من أجل ممارسة الابداع الأدبي بشكل كامل يجب التفرغ التام له. وبالتالي يطرح الكثيرون سؤالا هاما. هل الأدب الاجتماعي ضروري؟ وما الذي يدفع الكاتب الى طرح منهج الرواية جانبا والتوجه مباشرة الى الناس. ومن أمثال ذلك أعمال "لا أستطيع الصمت " ، "جزر سخالين " ، "الوفاق "؟ هل هذه خصوصية روسية؟ فعادة ما ينحي الكتاب الكبار وراياتهم ويتخلون عن الابداع الأدبي ليتوجهوا مباشرة الى الدعية أو المواعظ على اعتبار أن التأثير الفني - الأدبي الخالص على المجتمع ليس كافيا بالنسبة لهم. وما لتالي يحاولون تغيير مجرى الأحداث عن طريق الممارسات الحياتية نفسها
ان الأدب الروسي لم يكن أبدا في غنى عن الأدب الاجتماعي. وأعتقد أنه لا يمكن الاستغناء عنه إطلاقا ، لقد بدأ الأدب الروسي بالأدب الاجتماعي تحديدا، فمثلا "كلمة عن حرب ايجوريف " و" كلمة حول موت الأرض الروسية " ما هي الا أدب اجتماعي ، فكم كان تاريخنا صعبا ومأساويا، وكم كانت حياتنا متوترة ومشحونة ، وكم كانت فضاءاتنا عظيمة وشاسعة الأمر الذي جعل الكلمة الهادئة غير مسموعة ، ومن هنا فلا أحد من مبدعينا الكلاسيكيين تمكن من الاستغناء عن الأدب الاجتماعي، لقد ظل تشيخوف يشعر كما لو أنه متهم أمام المجتمع الى أن كتب "جزر سخالين وديستويفسكي" في "يوميات كاتب " أخرج نفسه من بين الأقواس كفنان ، وظهر كانسان روسي وكاتب عظيم بدون تحفظات ، ولو لم تكن "مختارات من المراسلات مع "الاصدقاء" لظل جوجول في الأدب عبارة عن عجوز رافض وحسب ، وانسان ذي روح غامضة حالكة - ولكن فجأة تتفتح هذه الروح بصفاء وسعادة في صلاتها التي لم تكن أبدا في الأستطراد الوجداني الذاتي وحسب ، وانما كانت في جوهرها استطرادا اجتماعيا - فثم كان جوجول الوطني عظيما حقا

يتبع

داليا الهواري
19-02-2007, 02:53 AM
ان الفنان في عمله الأدبي يضع أبطاله في عالم مختلق قريب من الواقع ولكنه ليس واقعيا. وهذا العالم يسمح للفنان أن يتحدث عن الانسان والحياة بشكل أكثر عمقا واتساعا ، وبصورة حسية ملموسة ، وأكثر امتاعا وتشويقا مما هي عليه في الحقيقة ، ولكن عادة ما تأتي في ابدا عات الكاتب لحظات ، كما في حياة الناس مراحل ، تتطلب لا فنانا أو كاتبا، وانما شاهدا ومفكرا، وحاليا يمكن ذكر العديد من أسباب انصراف الناس عن القراءة قراءة الأدب بالذات ، وعلى ضوء حديثنا يمكن الاشارة الى سبب واحد هام ، وهو أن الحياة الآن أفظع بكثير ، وأقسى من تلك التي يقدمها الأدب ، والمسألة تتطلب وقتا من أجل التغلب على هذا التنافر
نتذكر جميعا المؤتمر العام للكتاب ، الذي ثارت فيه ضجة عالية ونقاشات حادة بخصوص الكاتب والسياسة ، فهل يمكن للكاتب الروسي أن يكون بمعزل عن السياسة؟ أم أن عدم الاهتمام بالسياسة هو في حد ذاته سياسة بالنسبة لشرائح معينة من الكتاب؟ انني أعرف جيدا أن هذا الجدل يدور في ورح كل كاتب ، ولكن الكاتب لا يمكنه أن يجد أي شيء محترم في السياسة ، وفي نفس الوقت فالابتعاد عن السياسة أمر قاتل للموهبة. فهل أكون مخطئا اذا قلت أنه لا داعي الى تلك الاستجابات الفورية وردود الأفعال القوية على مختلف الأحداث السياسية ، وأن يتفرغ الكاتب فالنتين راسبوتين لأعمال أدبية جديدة يمكنها أن تكون أكثر تأثيرا على القاريء؟
يمكن أن تكون الفائدة أكثر للأدب ، ولي أيضا على المستوى الشخصي، فلا شيء يقضي على الانسان في هذا العالم مثلما يقضي عليه الصراع مع تلك القوى الخفية - الهائلة - التي ليس لها عنوان أو ملامح محددة. ولكن تعال لنتصور: في عامي 91-1992م لو لم أكن أنا وبيلوف ورازوف وفلا سوف وكوجينوف وكونيايف وبوندارينكو، تصور: أنه لو كنا قد ارتأينا جميعا أنه من المريح لنا أن نمارس فقط عملية الابداع الأدبي، فهل يمكن أن نتصور أي أفكار كانت الممكن أن تسيطر وتتسيد في روسيا الآن ، وبأي لغة كانوا سيجبرون روسيا على الكلام. فنتذكر معا: "الوطنية - صفة الأوغاد" (تشيرنيتشينكو). "روسيا قادرة على انجاب العبيد فقط " (يوري أفاناسييف). لنتذكر بأي سخرية وتهكم كانوا يتحدثون عن مقالتي المقدمة في الحرب الوطنية العظمي. ان كل ذلك كان قريبا من كونه أيديولوجيا الدولة / الحكومة والى ممارساتها. وكان من الطبيعي الا يسمح العديد من الأدباء بذلك ، وأن يقفوا معا ضده ، ولا أحد كان بإمكانه أن يحل محلنا في تلك المعركة. واذا كانت السلطة غير الوطنية بلا تحفظات - مضطرة اليوم للحديث عن الأفكار الوطنية ، فليس هذا بفضل جامعة هارفارد ، وانما هذا فضل ومأثرة صحف مثل "اليوم " و"الغد" ، انها مأثرتنا الجماعية ، ومأثرة هؤلاء الذين من أجل روسيا تركوا مكاتبهم ومختبراتهم
ولكن ماذا عن الكتاب الذين قاتلوا في المقدمة ولم يعودوا من الحرب؟ أين كان من الممكن الاستفادة منهم بشكل أكبر؟ لا ، ان روسيا تعرف أكثر كيف يمكننا أن ندبر أمورنا ونتصرف ، وتعرف أكثر من يمكنها دعوته ، والى أين تبعث به
معنى ذلك أن الأمر ليس مصادفة حين يلتف جميع المطالبين بالسلطة حول مسألة الوطنية ، بداية من يلتسين وتشيرنوميردين الى ليبيد وزيوجانوف ولوجكوف حتى تشوبايس
انهم مضطرون لأن يكونوا وطنيين ، وخاصة تشوبايس. ولاسيما اذا كنا نتصور أن ذلك من صميم قلبه. ولكن أين كانت وطنيته عندما باع روسيا بعدة قطع من الفضة لهذا ولذاك مثل يهوذا
عموما ففي الأدب الروسي يوجد شيء ملموس خلافا لأي أدب آخر، وهو أن الأدب عندنا كان دائما أوسع من الفن ، وكان تعبيرا عن مصائر الناس. هذا الأدب وجد ليس من أجل تسلية القاريء ، وانما من أجل لضمه في ، أو ضمه الى الجسد الروحي الوطني
لقد اتفقوا في روسيا ، في العهود القيصرية ، وكذلك في المرحلة السوفييتية على أن الأدب لم يكن أبدا قضية خاصة وفردية ، وانما كان على الدوام يعيش في براكين السياسة ، يتنبأ ، ينذر، يلعن ، يفضح ، يمجد ، يبصر، كما أن الكاتب لم يكن أبدا انسانا فرديا منكفئا على ذاته ومعزولا. ولذا فقد كانوا يحترمونه ويخافونه. واضطهاد الأدب والتنكيل به في مختلف العصور يعتبر في نفس الوقت اعترافا قويا ودامغا به ، واثباتا لمكانته الاجتماعية الرفيعة. أما اليوم ، وخاصة في وسائل الاعلام - الديمقراطية - يطلق نداء غريبا جدا: الأدب لا يجب بالضرورة أن يكون محط اهتمام الناس جميعا، وأن الكتابة عملية ذاتية وخاصة تماما، وبالتالي فعدم اهتمام الناس بالطبع والنشر والقراءة شي ء طبيعي ، حيث أن الكاتب في النهاية يكتب بدافع ذاتي ومن أجل ذاته ويكفي أن يقرأ له عدة أشخاص وليس بالضروة كل الناس
يمكن لوسائل الاعلام ، ولبعض الكتاب أن يتصوروا أنفسهم كما يشاؤون ، وأن ينادوا بأية مباديء يريدونها. ومع ذلك فلا يمكن أن تكون لهم أية علاقة بالأدب الروسي. فهم لديهم قلوب أخرى. وكلمات أخرى، وأصول أخرى، ومواهبهم تتصف بالتعالي والازدراء والسلبية ، أو في أحسن الأحوال تكون شخصياتهم الابداعية وانطلاقاتهم الأنانية بعيدة تماما عن التربة الوطنية الروسية ولا تتلاءم معها في ذات الوقت. ومن الطبيعي ، فمن أجل أن ينصبوا من أنفسهم ورثة للادب الروسي ، كان من المطلوب أن يعلنوا عن موته ، والآن على كل المستويات ، وفي المجموعات والشرائح وبالنسبة لجميع المواهب الابداعية يتكرر شيء واحد فقط وبشكل شرير ومغرض ، لقد مات الأدب الروسي (بمعنى أنه مات مثل التيار الروحي والأخلاقي الذي يصكك جذورا ضاربة في عمق مصير الانسان الروسي) ، لقد خبت المياه في بحر الأدب ، وصار هذا البحر- في وقتنا الحاضر - مجرد قناة رفيعة وجافة أيضا يمكن أن نرى فيها كاتبا أو اثنين لا أكثر، ولنتذكر معا، منذ عدة سنوات وقبل البدء من جديد في اعادة بناء معبد المسيح المنقذ على أنقاض حمام السباحة الشهير، تجمع هناك عبدة الشيطان والشاذون جنسيا وراحوا يمارسون طقوسهم الوضيعة ، وفعلوا ما فعلوه ، وجدفوا ما جافوه ، من أجل تلويث هذا المكان المقدس. ومع ذلك فقد ارتفع المعبد واعتلاه الصليب ، وذاب عبدة الشيطان والشاذون... وهذا ما حاولوا عمله مع الأدب الروسي ، أرادوا منعه ، ولكن دون جدوى فطالما هناك روسيا، فلسوف يكون هناك على الدوام أدب روسي
روسيا القديمة التي تتجسد في وعيك تعتبر هي الملاك الحارس لروسيا اليوم ، تظهر دائما في أزمنة الانحطاط مثلما كان في الحرب الوطنية العظمي.. وهي التي تضفي الصبغة الروسية على جميع المشاريع الأممية - الكونية ، مشاريع التحولات الضخمة ، ومهما كانت الانقلابات التي جاءت من أعلى ، فروسيا القديمة - الحقيقية تسير في طريقها الخاص.. تعطي صبغتها المميزة للجان الاقليمية ، واللجان البلدية.. تنمو وتتأصل في الجيش ، وتتغلغل في الصواريخ والفضاء، تجرب الأسلحة وتشيد ميادين الرماية والمدن العلمية والمصانع ، ومع كل ذلك فالأدب الروسي كان هو مسمار الأمان لروسيا ولسانها المعبر، فقد جاءت ثورة 1971 م عام بالتروتسكيين الأمميين الى السلطة ، بأفكارهم حول الثورة العالمية ، وبأن روسيا يجب أن تختفي ، ومرت عشرات السنين ، وظهرت روسيا القومية /الوطنية مرة أخرى. يبدو أن ذلك سوف يحدث مرة ثانية الآن ، وسوف تقوم روسيا القديمة بتغيير مجرى الأحداث. فالسلطة العليا في عام 71 19 م كان من السهل القضاء عليها، وطار كل المشوهين من العاصمة سانت بطرسبورج وقتها الى باريس ولندن وبراج وهاربن مديرين ظهورهم الى "سمو" الامبراطور، ولكن روسيا القديمة جمعت امبراطورية روسية جديدة أكثر جمالا وعظمة ، والآن ، مرة ثانية ، كان من السهل القضاء على السلطة السوفييتية ومرة ثانية تعلو أصوات الكآبة والانكسار والذعر، مرة ثانية يبدو القطاع المهيب للدولة منزوع الارادة من أجل المقاومة
في عام 1917 ، وفي 1991م جاءت الى السلطة مجموعات علوية غير راضية ، ولكن على الأقل ففي عام 17 19م كانت هناك سلطة لديها أفكار، أما في عام 1991م فلم تكن هناك سوى المطامع والنزوات ، في عهد بريجنيف تحول الحزب من حزب شيوعي الى حزب وصولي نفعي - انتهازي - يحتوي على مجموعة الليبراليين (الطابور الخامس) التي لم تستطع الصمود فهربت تجر من خلفها ذيول العار. فمثلا يلتسين وياكوفليف وجيدار وبوربولس وتشوبايس كانوا جميعا مشوهين شيوعيا، ولا مبدئيين كونهم مع جناح ما على حد سواء مع جناح آن مما جعل منهم مجموعة واحدة متحدة. وهذا أمر لا يثير الدهشة اطلاقا. لكن الخارج من نطاق الفهم هو كيف تقع مثل هذه الدولة الضخمة تحت سيطرتهم. ومن البديهي يمكن تصور التفسيرات ، مع أنها قد طرحت مسبقا ولكن هذه التفسيرات نفسها لا تساوي أي شيء بالمقارنة مع ما حدث ، فلم يحدث أبدا أن كانت روسيا القومية وفي تاريخها كله ، بهذا القدر من غياب الارادة وخاصة مثلما حدث في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات
ولكن كيف ترى أنت مشاركتك في السلطة ، ومشاركتك في مجلس الرئاسة في فترة حكم جورباتشوف؟ هل كان ذلك مفيدا بالنسبة لك ، وبالنسبة للمجتمع؟ من الممكن تخمين أحاسيسك حينما وافقت على الاشتراك في مجلس الرئاسة: لابد أن يكون هناك انسان فعال ومؤثر في الاتجاه القومي. فهل نجحت هذه المحاولة؟
لم تنته مشاركتي في السلطة بأي شيء. كانت دون جدوى على الاطلاق. انني بكل خجل أتذل حواراتي مع جورباتشوف (ذهبنا مرتين الى جورباتشوف ، أنا وفاسيلي بيلوف. وتحدثت أنا معا ثلاث مرات على انفراد) حول التحول الثقافي والأخلاقي الذي سبق التحول الحكومي ، بدا لي أنني قابلت تفهما كاملا ولكن لم يتغير أي شيء. وأنا بالمناسبة ، غير مؤمن اطلاقا بأن جورباتشوف منذ البداية ، مع وصوله الى المكان الأول في الدولة ، قد فكر في عملية تدمير الدولة ولكنه كان أقل مما فكر فيه بخصوص "البيريسترويكا" (بالطبع ليس هو الذي فكر فيها، وعموما ففي أغسطس ا 199م أظهر أيضا أنه جبان)، وأخذ يسلم موقعا بعد آخر، بالاضافة الى أنه لم يكن واثقا في قدراته ، وكان أنانيا ولديه احساس عال بالذات ، وقد أدارت رأسه فكرة المجد لأشهر انسان في العالم ، ومن أجل ذلك ضحى مرة أخرى بمصالح روسيا عندما ضحى بالاتحاد السوفييتي ، وبحلفائه الذين حذروه من الأخطار ولدرجة أنه ضحى حتى النهاية - بل وبصق على الذين كانوا في داخل جهازه وخارجه أيضا. لقد ذكرتني بالتأثير القومي، بمعنى تأثير النخبة القومية في تلك الفترة ، وهذا هو المضحك في الأمر حيث إنها لم تكن موجودة بشكل متكاتف في الجهاز الأعلى للسلطة ، ولنتذكر مؤتمر الكتاب في 1989. والذي تم فيه اختيار ما أطلق عليهم نواب الشعب عن طريق القائمة لنتذكر كيف جاهد الليبراليون بأظافرهم وأسنانهم لشق طريقهم الى هذه القائمة ، وبالتالي أزاحتنا منها، ولقد حاولوا دفعي بالقوة الى هذه القائمة في حين لم يوافق فيكتور أستافيف مباشرة ، أما فاسيلي بيلوف فراح يفكر (وانضم الى قائمة أخري). وبالنسبة الى يفتوشينكو وتشيرنيتشينكو فلم يتمكنا من المرور الى هذه القائمة ، ولكنهما تمكنا من التحرك على مستوى الأقاليم ، ومن البديهي فقد حالفهما الحظ ، انني أود بذلك القول أن القوى اللاقومية كانت تعد لانقلاب وأحسوا وقتها بالامكانيات المتوافرة لديهم ، لقد كنا نناقش ونتحدث عن العدالة ، أما هم في ذلك الوقت أسسوا مجموعة دولية تخريبية وديمقراطية ، تماما ، من أجل انهيار الاتحاد السوفييتي
ولكن الانشقاق الأدبي قسمكم الى قطبين متباعدين والى أدبين لا يمكن لهما أن يتلاقيا أبدا. هل بالفعل كان حتميا؟ وعلى الرغم من أنها كانت عملية منظمة ، بالطبع لم تكونوا أنتم الذين نظموها وانما يفتوشينكو وأتباعه ، فهل من الممكن الاستمرار على هذا الحال؟ وهل الأكثر راحة أن يعيش الانسان في وسطه فقط ويلتقي مع من يماثلونه فقط في الفكر، أما من الضروري أن تقوموا بعملية تقارب جديدة ، وادماج جديد لاتحادي الكتاب؟
الانشقاق كان حتميا ، مثله مثل أي شيء أثناء أية ثورة. وقد جاء في اتجدد معاد للقومية بأحداث 1989، 1991م. فإذا كان الجزء الأول من الأدب كونيا، استخف بكل ما هو قومي، وخاصة بكل ما هو روسي ، فإن الجزء الثاني مثل مضمون وروح هذا القومي، فأية أخوة يمكن أن تكون في ذلك؟ ففي التليفزيون جعلوا كل من تشيرنيتشيكو ويفتوشينكو يتناوبون في دوريات من أجل القضاء التام على أي تيار يمكن أن يشير ولو من بعيد الى الاتحاد السوفييتي الملعون ، وروسيا الملعونة ، وبعدها راحوا ينكلون بنا جميعا، لقد كان الانشقاق في الأدب حتميا ولا مفر منه. وأعتقد أن ذلك مجد للغاية. فكل حزب أدبي أخذ طريقه والآن لا أحد يخفي مبادئه وأهدافه ، ولا أحد أيضا يخلط بيننا. ان كلا منا يعبد إلها مختلفا، ونحن الآن قد بدأنا الافتراق كل في طريقه، ربما يكون ذلك مبكرا ولكنه سيتحقق. عموما فبيننا وبينهم روسيا المدمرة والمكللة بالعار، مع المسعورين لن يتحقق شيء، ولكن لدينا علاقات جيدة مع الكتاب ذوي وجهات النظر المعتدلة ، ومع المواهب غير الشريرة ، وأعتقد أنهم لم ينحازوا الى أية مجموعة مهما كانت ، ومهما كان الأمر
ولكن ماذا يحدث الآن مع الأدب نفسه؟ لماذا لا يتعاطى أحد الأدب الآن تقريبا؟ أين ذهب ملايين القراء؟ لماذا ضاعت الرغبة لدى الكثيرين في الكتابة؟ هل شعر الكتاب باستنفاد الأفكار وتلاشيها، وأنه لا يوجد ما يستحق الكتابة عنه ، أم أنهم لا يعرفون ماذا سيحدث غدا، ولا يعرفون الى أين تسير روسيا، وماذا - بعد انتهاء حضارة كاملة حضارة الاتحاد السوفييتي - سيحدث بعد ذلك - الآن لا أحد يعرفه هل ما هو موجود حكم ملكي أو جمهورية برلمانية ، أم ديكتاتورية قومية أم استعمارية ، لا يمكن الآن التكهن بأي شيء ولو حتى لمدة ستة أشهر الى الأمام ، الكتاب لا يعرفون الى أين يمكنهم ارسال أبطالهم ، ولا يعرفون في الوقت نفسه لغة جديدة
من أجل أن يعمل الكاتب لابد أن يشعر بالحاجة الى كتبه. والأدب - عملية مزدوجة تجري في علاقة تبادلية بين الكاتب والقاريء. الكاتب قد أفرغ يديه لأن القاريء قد رفع يديه عن الكتاب. خلال عدة سنوات انغمست روسيا تماما في مستنقع من العفن والعار والخوف ، والألم المتواصل. ولن نتحدث عن الصراع المستمر من أجل الحصول على لقمة العيش ، ولكن الجو المؤلم للدولة ، الذي يعذب الانسان ، لا يتيح الفرصة للقراءة ، هل تلاحظ كيف تغير أسلوب الكتاب ، ولغة الخطاب؟ لقد أصبحت لغة قلقة متوترة ، مضطربة وغير انسيابية ، وكل شي ء ليس في مكانه ، بما في ذلك الروح والقلب معا. اضافة الى أن القاريء أصبح يخاف الكتاب ، وليس صحيحا أنهم نقلونا كليا الى منظومة قيم وأذواق أخرى، فالوقاحة وعبادة الشيطان والقسوة والرياء، والكذب عن روسيا، والأصنام الجديدة في رداء قطاع الغرق والمجرمين والمومسات والأشكال الأخرى من الشذوذ لا يتقبلها القاريء الروسي. والسوق يطرح عليه كميات هائلة من هذا الأدب بالتحديد، وتدعمها منظومة الاعلانات وما يقف وراءها من مؤسسات وجهات ضخمة مشبوهة ، فماذا تريدون من القاريء! انه يفعل الشيء الصحيح برفضه هذا الادب ، ويحجبه الثقة عنه كله باعتباره ثمرة فاسدة في سلة واحدة مع غيره ، وسوف يبدأ القراءة بمجرد أن تعود الحياة الى شكل أكثر هدوء وطمأنينة ، وبمجرد أن يفصح الأدب عن عظمته ورسالته ودوره في مصائر الناس ، وعن حبه وعذاباته ومعاناته تجاه الانسان. سوف يعود القاريء، ولكنا سيكون قارئا آخر، ذلك القاريء الذي يحتاج الى أشياء أخرى من الأدب ، أفكار أخرى، ونوعية أخرى للتعامل مع الحياة ، فبعد عام 1917م كان على الأدب أن يؤكد نفسه ، فظهر شولوخوف ويسنن وبعدهما بولجاكوف وبلاتونوف ، هؤلاء الذين كان على القاريء أن يتعامل معهم جميعا، وبالتالي فمن المفروض علينا أن نكتب اذا كنا نريدهم أن يقرأونا، فروسيا لا يمكن انتزاعها عن الكتاب
تقولون أنه بعد الثورة ظهر شولوخوف ومايكوفسكي ويسنن وبلاتونوف وبولجاكوف هؤلاء الذين كان يقبل عليهم القاريء. فهل توجد اليوم أسماء جديدة يمكنها أن تجتذب القاريء؟ وبعد أكثر من عشر سنوات من البيرسترويكا ، هل يوجد في روسيا جيل جديد من الأدباء الروس؟ أم أنه مجرد احساس بأن هناك أدبا روسيا جديدا؟
أنا لا أعرف هذه الأسماء. وهذا لا يعني أنها غير موجودة. أعتقد أن الجيل القادم سوف يأتي بعد يوري كازلوف وألكسندر سيجين. هذا الجيل سيكون جيل فنانين يصبون في مطلع القرن الثالث والعشرين ، ويدركون تلك اللوحات والحقائق التي لم يتوافر لنا ادراكها
وعموما سوف نعود بعد ذلك الى قضية القاريء الروسي ، ولكن كيف ترون الآن مكانة الكسندر سولجينيتسين؟ وهل هو ممتع وهام بالنسبة لك؟
ان أية قيمة كبيرة تثير من حولها آراء مختلفة ، وتصنع علاقات صعبة ، والكسندر ايسايفيتش قيمة ضخمة جدا، وهذا ما لم أشك فيه أبدا - منذ ظهور "يوم واحد في حياة ايفان دينيسوفيتش" وحتى آخر لحظة. ومن الرائع أنه عاد الى روسيا ، ومرة ثانية يعيش فيها، فمن أجل أن نسمع هذه الأرض الحبيبة ، حقيقتها وألمها ، يجب أن ننشأ ونعيش فيها ، وبقلوبنا. سولجينيتسين اليوم ليس هو سولجينيتسين اذا ما قارناه بذلك الرجل العائد الى الأرض الروسية بعد عشرين عاما من الفراق. أن تقويماته ومقولاته ، وآخر مقالاته تتحدث كلها عن ذلك. واتضح أن الذي أطاح بالشيوعية هو اليوم في السلطة ، وهما معا يطيحان بروسيا. أن سولجينيتسين لم يعترف بذلك مثل فلاديمير مكسيموف ، انها علاقة تبعية مباشرة وأعتقد أنه يفهمها جيدا. ولكن من ناحية أخرى يجب الاتفاق مع عمله المكتوب بعنوان ،اكيف يمكننا بناء روسيا»، فالزمن أثبت أنه كان على حق
ولقد دعا الى الاتحاد الفيدرالي بين روسيا وبلا روسيا وأوكوانيا وشمال القوقاز. ولكن ليس لكم اليوم الا أن تحلموا فقط. واتضح فعلا أنه كان على حق في تكهناته
ومع ذلك فهناك "النقاط " والمواقف التي أواصل فيها خلافي مع سولجينيتسين. أنا لا أستطيع أن أفهم ، أو أقبل تعظيمه لكتاب (تيار "الدون الهاديء")، فبفضله هو تم توزيعه في جميع انحاء العالم ، ومن ثم عادت "الأغنية " القديمة بخصوص اثارة الشكوك حول شولوخوف. في روسيا أدب عظيم ، ومهما كان عدد الكتاب العظماء فيها، فلا يجب أن يشعر أحد منهم بالضيق أو المزاحمة ، فلكل يوجد مكان
أنا لا اتفق معه بخصوص الشيشان ، اننا باعطاء الشيشان نعطي شمال القوقاز كله. وبالإستغناء عن شمال القوقاز ، فإننا لا نصب الماء على البارود وانما نصب البنزين على النار، في جميع الانفصاليين من الفولجا حتى سيبريا، وبذللك نضع مستقبل روسيا موضع الشك
هل تقصدون مخاطر الحرب الأهلية؟ أم أن أسباب هذه المخاطر في طريقها الى الزوال
يساورني احساس بأننا قد تجاوزنا مخاطر الحرب الأهلية ، كان من الممكن توقع ذلك في عام 1993، وبعده أيضا أما الآن فذلك بعيد عن التصور. ان الجميع مضربون عن الطعام (وأقصد هؤلاء الذين يمكنهم المطالبة بحقوقهم)، والجميع - أيضا - يتم اسكاتهم بهبات ومنح لا تسد رمقهم ، وفي الحقيقة غير مفهوم ، هل هذه حكمة ، أم غريزة الدفاع عن النفس ، أم هو فقدان القدرة على الحياة ، القضية تتلخص في أن الغرب لو أمرنا باقامة حرب أهلية فسوف ننفذها بالطبع ليس من أسفل ، وانما من أعلى وبالتالي سيحصل يلتسين على جائزة نوبل العالمية
ان القوى الشعبية والقادة ، رهن نداء اللحظة التاريخية الحتمية ، ولكن لنعتبر الآن أنها لم تحن بعد. يمكن للذاكرة أن تستعيد من التاريخ 250 عاما من الاحتلال التتاري لروسيا. ولكن ماذا حدث؟ لقد هبت روسيا ، هب الروس من تحت الأرض ، وجدوا السلاح والعدة والعتاد، واستعادوا روسيا، ان روسيا "التحت أرضية " غير نائمة ، انها تحافظ على نفسها بالصبر والاحتمال ، وهي دائمة كانت تنقذ نفسها عن طريق المعاناة
فالنتين جويجوريفيتش ، أنت من سيبيريا ، وهذه المنطقة الغنية تمتلك تاريخا وثقافة وتقاليد: لا يستهان بها، وفي نفس الوقت يقطنها سكان ينتمون لقوميات عديدة. وما نحن نسمع مؤخرا عن تناقضات عديدة - يمكن أن فطلق عليها أفكارا انفصالية - مع الجزء الأوروبي من روسيا. فما هي الأخطار المحدقة بها على وجه التحديد في إطار ما يحدث لروسيا كلها؟ وكيف ترون مستقبل سيبيريا مع روسيا؟
للأسف ، فهذه المشكلة موجودة فعلا، ان سيبيريا كانت على الدوام مجرد مستعمرة «مصدر المواد الخام " - في البداية للامبراطورية الروسية ، وبعد ذلك للاتحاد السوفييتي. وعلى الرغم من كون هذا الاقليم يمثل جزءا كبيرا من روسيا ، الا أن سكانه قليلون جدا، ولذلك ، كما يبدو لي ، فجميع محاولات غزو واستيعاب سيبيريا لم تأت بالنتائج المطلوبة ، ولأن سيبيريا متعددة القوميات ، فالتوجهات الانفصالية الحالية تجد دعما وتشجيعا ، وهذا يتم تحريكه بالطبع من أعلى: حيث أنه ما يزال حتى الآن يجري التعامل معها كمصدر للمواد الخام كما كان في السابق ، ومع ذلك فأي شخص سليم التفكير يمكنه أن يدرك أن روسيا لا يمكنها الحياة بدون سيبيريا كما أن سيبيريا لا يمكنها أن تعيش بدون روسيا
ان موسكو ، كمركز ، تحاول بكل الطرق تقوية ودعم التوجهات الانفصالية في سيبيريا. ورغم أن سيبيريا كانت على الدوام معها بهذا القدر من الغدر والشراسة والاحتقار، انهم يبيعونها على المكشوف ، ويتاجرون بكل شيء فيها، لقد كانت سيبيريا قلعة ضخمة لكل شيء بما فيها الصناعات الثقيلة ، فعلى سبيل المثال كان أضخم أربعة مصانع للألومنيوم من خمسة في العالم تنتمي الى روسيا - سيبيريا، وطبعا لا ينتمي أي منها حاليا الى روسيا، الآن يباع كل شيء من المنبع: الذهب ، النفط ، اليورانيوم ، الزئبق ، الغابات. ان حكام المقاطعات في حالة هلع ، فكل ما ينتمي الى المقاطعة ينتمي على نحو ما الى مواطني اسرائيل ، ومنذ فترة تقدمت أمريكا، مرتين ، باقتراح لشراء سيبيريا بالكامل على غرار ما حدث مع ألاسكا. من هنا تأتي التوجهات الانفصالية بمحاولة بيع سيبيريا، الا ترى أنه من الأفضل للسلطة الفيدرالية أن تتخلص بسرعة من تشوبايس وأتباعه من أن تبيع سيبيريا؟
تجرى حاليا محاولات كثيرة حول فكوة قومية من أجل روسيا يمكنها أن توحد جميع الشعوب الناطقة بالروسية. فهل يمكننا الاطلاع على موقفكم تجاه هذه الأفكار، وأيها تناصرون؟
لو تأملنا تاريخ روسيا والدول الأخرى، - نجد أن الأفكار الوطنية كانت دائما موجودة وقابلة للتفعيل ، بما فيها أفكار المصالحة الوطنية. والسياسيون الذين كانوا يرفضون حتى وقت قريب هذه الأفكار، مضطرون اليوم الى البحث عن أفكار قوية عامة موحدة. اذن فما هي تلك الفكرة القومية؟ انها قبل كل شيء فكرة استقلالية روسيا، وليست على الاطلاق وسيلة استعمارية لترسيخ دورها في العالم كما يبدو للبعض. وعندما ،تحدث عن الفكرة القومية من أجل روسيا، فنحن نقصد بداهة كل الشعوب الروسية في مجموعها. ولا يجب أن يغيب عنا أنه في روسيا حوالي 80% من السكان من أصل روسي ، وهم كما يوضح التاريخ ، قادرون على الحياة بجوار الشعوب الأخرى، والطموحات الاستعمارية لدى روسيا لم تكن موجودة أبدا، وعلى الارجح فقد كان منوطا بها دور المبشر والمنور الذي ساعد العديد من الشعوب الروسية على الحياة
و لكن لن تؤدي بشكل عام أية فكرة روسية عامة.قومية أو تاريخية أو ثقافية / اثنية - الى عملية مساواة سطحية / شكلية توتاليتارية حيث تصبح الأولوية لشيء ما رئيسي وكل ما عدا ذلك في الدرجة الثانية؟
عندما نتحدث عن تلك الفكرة القومية ، فهذا فقط بمقتضى الحالة المرضية الحالية للمجتمع وهذا كما يقال عصا بطرفين: فهي حتى مستوى معين دواء للمريض ، وضرر للانسان الصحيه. وعندما نجتاز الاصلاحات ونقف على أقدامنا، فسوف يتعامل الناس مع المشكلة القومية بشكل مختلف تماما وليس على نحو حاد كما يحدث الآن ، وعموما فهذه مرحلة لابد من المرور بها. ان الأفكار الوطنية تسمح باعادة ادراكنا لأنفسنا في ضوء تاريخنا وثقافتنا وأدبنا، وهذا يعني في الاقتصاد أيضا- عماد حياة الدولة
نعود مرة أخرى الى الثقافة والأدب بشكل عام ، والى القاريء الروسي في عصر الروس الجدد بشكل خاص ، ان قضية الكاتب والقاريء لا تشغل تفكير الروس فقط ، وانما تشغل تفكير الشعوب كلها. ولكن على اعتبار أن الشعب الروسي منذ سنوات فقط كان يعد أحد أكبر الشعوب.المحبة للقراءة ، ان لم يكن أكبرها على الاطلاق وهذا، من مشاهداتنا نحن الأجانب في روسيا، فماذا حدث بالضبط وماذا يحدث؟
ربما يكون من الضروري تحديد أننا لا نقصد ذلك القاريء الذي يعيش دون صدق أو اخلاص: فليس لديه أي شيء، ولا توجد لديه أية علاقة مع أي شيء سوى الافرازات الفيزيولوجية ، وبالتالي فلا جدوى من انتظاره ، اننا نتحدث عن القاريء الذي يمتلك ذوقا صحيحا وقواعد صحيحة ، عن ذلك الانسان الذي يلجأ كسابق عهده الى الأدب كوجبة للعقل والقلب على حد سواء
أجل ، لقد أصبحوا يقرأون أقل بكثير وبشكل مفاجيء بعد الازدياد المطرد في نهاية الثمانينات. ان هذه الـ"مفاجيء" وهذه السرعة الخارقة لاهمال الكتاب وفقدان الرغبة في التعامل معه ، تفصح عن شذوذ هذه الظاهرة ، وعن رعب ما فظيع من مواجهة الكتاب ، ان الرعب من مواجهة الكتاب بالذات ، هو ما يجب أن نعترف بأنه أحد الأسباب الهامة - كما قلت سابقا - في الهبوط الحاد لعدد القراء. أما السبب الرئيسي هنا، فهو بالطبع فقر القاريء الروسي. وعدم قدرته على شراء كتاب أو الاشتراك في مجلة ، والسبب الثاني هو انكسار الروح من جراء انفجار "المواد السامة " تحت غطاء القيم الجديدة ، وتلك الحالة التي لا يمكن التفكير في ظلها الا في انقاذ النفس فقط. والسبب الثالث هو: ماذا يقدم سوق الكتاب؟ فليس لدى كل قاريء الحنكة والخبرة بمعرفة الأسماء، وحتى اذا كانت لديه تلك الحنكة والدراية ، فهو - مثلا - يأخذ الكتاب الجديد لكاتبه المحبب فيكتور استافيف. وهناك يجد السباب والشتائم المقذعة ، ومشاعر التأفف والنفور تجاه الانسان الذي أوقعه مصيره في الشيوعية. وربما يأخذ عملا لمؤلف مشهور مثل سوفوروف ليجد فيه مكاشفة عن أن هتلر هو الذي لم يبدأ الهجوم على بلادنا عام 1941م ، بل نحن الذين تعدينا أولا على ألمانيا. وها هو النقد "الديمقراطي" الذي أخذ يطنطن في أذني فيكتور يروفيف حول "جميلاته الروسيات " ، وفي النهاية نرى أنة تلزمنا رجولة غير عادية ، ليس فقط لقراءة مثل هذه المؤلفات وانما أيضا لحفظها في منازلنا. لدى القاريء انطباع لا ارادي بأن جميع الأعمال الأدبية الحالية. أو تقريبا كلها، على هذا النحو، وبالتالي فمن الأفضل عدم التعرف أو الاطلاع
ان القاريء يذهب الى المكتبة ، أية مكتبة ، فيقولون له: هناك اقبال كبير على القراءة كما في السابق ، ليس طبعا مثلما كان قبل عشر سنوات ، ولكن على أية حال لم يكف الناس عن القراءة تماما. ونرى الهزليات الأمريكية تقدم للأطفال في الوقت الذي أصبح فيه جورج سوروس يقوم بإصدار وتوزيع مجلاتنا مثن "الراية " و" العالم الجديد" و"نيفا" و"النجم "، وبالطبع فالقاريء يصنع خيرا عندما يبتعد عن الآثام ويتجه الى الكلاسيكيات
و لكن ما رأيكم فيما يقال عن الحملة المكثفة المتواصلة ، وبعيدة المدى لابادة الثقافة الروسية؟ على من الممكن ايقافها؟ والى أي مستوى وصلت نتائجها؟
اذا كانت السلطة قد ألقت بالجيش في مهب الريح ، وبالدفاع ، والعلوم، وتجري اصلاحات التعليم على أنماط غربية غير مناسبة ، وغير متوافقة مع متطلباتنا الوطنية ، فعلى أي شيء يمكن أن تستند ثقافتنا الوطنية؟ لم يعد لدينا الا ثقافة واحدة ، ثقافة التهليل والتطبيل ومناهضة السلطة ، ان كل شي ء يموت ويفنى بالتدريج ، يذهب الى العدم ، المكتبات ، النوادي، انهم يحاولون ابعاد مكتبة نيكراسوف العريقة من مكانها في موسكو، بل والتخلص منها نهائيا من أجل اقامة ناد ليلي ، لقد هلكت نصف ثقافتنا تقريبا ، والباقي في حالة يرثى لها، وما يشغل وزير ثقافتنا حاليا هو كيف يعود الى ألمانيا ما غنمناه في الحرب العالمية الثانية طامعا بذلك في الحصول على جائزة «أفضل ألماني" أو على الأقل "ألماني العام " ، لكن هل يمكن تعويض الخسائر؟ بالطبع مستحيل ، ومع ذلك فروسيا غنية بثقافتها ، ولو وفقنا في اعادتها الى حالتها الطبيعية ، فلسوف تبدأ مرة أخرى في الغناء، والتحليق ، وسوف تساهم بثروتها ليس في المزادات وانما من أجل الثراء الروحي للوطن
وكم أود هنا أن أذكر بأن أطول ذاكرة لا ترحم ليست فقط لدى التاريخ (على الرغم من أنه يمكن اصلاح التاريخ أو اعادة كتابته)، وانما لدى الثقافة ، ولسوف يكون لديها ما تتركه لأحفادنا عن زمننا الملعون ، ان بطرس الأول الذي يتشبه به رئيسنا ويحاول أن يساوي نفسا به ، قد اشتهر في التاريخ على أنه مصلح روسيا، وأنه فتح نافذة على أوروبا، لكنه مع ذلك يعرف في الذاكرة الشعبية بـ"عدو المسيح » ، أو «المسيخ الدجال " الذي حطم دون رحمة العقيدة والعادات والتقاليد ، وسوف تمر ثلاثمائة سنة وسيبقى ويظل المسيخ الدجال في الذاكرة الشعبية
فالنتين جريجوريفيتش ، كيف تري نفسك: كاتبا سوفييتيا أم روسيا؟ هذا على اعتبار أنك كتبت معظم انتاجك في المرحلة السوفييتية؟ وكيف ترون مفهوم الأدب السوفييتي؟ وكيف تقومونه؟ ففي رأيي الشخصي أن كلا من شولوخوف وليونوف - على سبيل المثال - كاتبان ليس فقط روسيين ، وإنما سوفييتيان أيضا
انني أرى نفسي دائما ، وفي أي حال من الأحوال ، كاتبا روسيا، فكلمة سوفييتي لها طابعان: أيديولوحبي وتاريخي، لقد كان هناك عصر بطرس ، وعصر نيكولاي، والناس الذين عاشوا فيهما كانوا بطبيعة الحال ممثلين لهما. لم يرد في ذهن أي أحد أن يرفض عصره. وبالضبط هكذا نحن الذين عشنا وأبدعنا في العصر السوفييتي أطلقوا علينا كتاب المرحلة السوفييتية. ولكن الكاتب الروسي أيديولوجيا ، وكقاعدة ، اتخذ موقف العودة الى روسيا القومية التاريخية في حالة اذا ما كان غير مرتبط بالحزب. وأعتقد أن الأدب في الفترة السوفييتية وبدون أية مبالغة استطاع أن يحتل أفضل المواقع في العالم. ولأنها كانت أفضل ، فقد كان عليها ، من أجل تجاوز الصراع الأيديولوجي، أن تظهر قدرتها الفنية الكية الى جانب قوة النهوض الروحية المنبعثة من الحياة القومية. والأدب مثل أية قوة حياتية يتطلب المقاومة من اجل أن يكون واضحا وجليا وقويا، وهذا لا يعني بالضرورة مواجهة الرقابة (عن الرغم من انني كنت على الدوام ومازلت أقف الى جانب الرقابة الاخلاقية أو البوليس الاخلاقي - وليسمها أي أحد كما يشاء)، ولكن يمكن ان يكون مواجهة الميكانيزمات الخفية المضادة مثل الرأي العام. وعلى سبيل المثال الميكانيزم الحالي الذي يرى أن اللص والمومس هما أكثر الناس احتراما، والذي يمنح الخائن شهادة تقدير. وبالمناسبة ، فالرقابة السوفييتية صنعت من الكسندر سولجينيتسين قيمة عالمية ، أما الافكار " الديمقراطية" الحالية فقد جعلته اهم وصنعت منه قيمة قومية
بمناسبة الرقابة ، في زمن ما اشتكى الجميع - يساريين ويمينيين - من هيمنة وطغيان الرقابة. وفي الواقع ، فاية رقابة تسيء دوما وبصورة فظيعة لاي شكل من أشكال الابداع. ويقال أنه لا توجد حاليا رقابة. فهل «عاقتك الرقابة في السابق؟ وهل منحتك الحرية الحالية شيئا ما ملموسا؟ هل هناك ما لم تتمكن من قوله في أعمالك بسبب الرقابة ، في أي من المرحلتين؟ ومن ناحية أخرى هل تري معي أن الرقابة قد عودت المبدع على الطاعة والنظام بارغامه على التعبير بشكل محدد عن كل ما هو خاضع للرقابة؟ فهل تمكنت من قول كل ما تريدا بوسيلة ما خفية؟
بالطبع كل ذلك ممكن. ففي روسيا القيصرية كانت هناك رقابة ، ومع ذلك فالأدب كله تقريبا كان في اتجاه "النقدية الواقعية " و" الديمقراطية الثورية ". وهو الأدب الذي قام بدور كبير. في تغذية العقول بالأشياء الثورية. اما الرقابة السوفييتية ، فلم تقف ضد فيكتور استافيف عندما كتب اعظم كتبا. انها لم تكن لتسمح برواية مثل "الملعونون والمقتولون. وفي الحقيقة فقد كتب عن الحرب في هذا الكتاب بشكل غير معقول ، شرير، وفقط كان الشر والغيظ ، وأيضا اليأس ، كما أنه وضع بعض المفاهيم في دائرة الشك ، مثل مبدا "الوطنية "، و" الحرب الوطنية ألعظمى». ومن المعروف أن ليف تولستوي لم يكن يعترف بمبدا «الوطنية " ولكن روايته "الحرب والسلام " وخصوصا موقعة بارادين ، تفصح عن عظمة ومجد الجندي الروسي ، ولا يوجد في أدبنا الروسي رواية "وطنية " أعظم من هذه الرواية ، وقد تم وضع رواية "أرخبيل الجولاج " في اطار هذا الأدب الوطني لما فيها من آلام حول ما حدث في روسيا، وليس ابدا لما فيها من شماتة وتشف
لقد كنا نشكو جميعا من الرقابة في الفترة السوفييتية ، ورغم ذلك فقد كان هناك ادب ، وأي أدب ، الرقابة كانت تقف عاجزة امام الفنية العالية والرفيعة. لقد عرفنا جيدا أنه من اجل أن تقول مقطعا ما يمكنه أن يفلت من تحت سلطة الرقابة ، كان يجب أن تقوله بشكل جيد، وليس بشكل عاري أو عادي، عليك ان تشفره من أجل الرقابة ، وتترك الباقي على القاريء. وأعتقد ان هذا هو أحد شروط الابداع الأدبي - هو أن تقول بشكل جيد. وعموما فالقارت ، لم يكن يقرأ القشور، وانما كان يتعمق ويتوغل ويهتم جدا، ويدرك ما هو موجود بين السطور، وأحيانا كان يستقري، النص بنفسه
كنت اود ، قبل ان ننهي حديثنا ، ان اسألكم عن النقد الادبي في روسيا، هل هو موجود في الوقت الحال؟
يوجد نقد أدبي، نعم ، فهناك فالنتين كورباتوف وفلاديمير بوندارينكو وليف أنينسكي، وآخرون ، فهم يقومون بكتابة يوميات نقدية وملخصات ، يعرضون الكتب ، يقدمون الكتاب الجديد، ولكن ليس هناك تلك الحركة النقدية التي من شأنها التأثير على الذوق العام ، والتي يمكنها 1ن تكون صدى للراي الشعبي، ليس هناك ذلك النقد القادر على التقدم أمام الادب والتأثير على مساره، ان ذلك النقد غير موجود حاليا، ولا يمكنه ان يوجد في ظن فوضى الاتجاهات والمدارس الموجودة

محمود الحسن
20-02-2007, 01:23 PM
**هذه القصة خيالية بعض الشيء ولا أعرف عنوانها وهي للكاتب الروسي مكسيم غوركي ** , ولو ما عجبتك يا نشيد خلّي أوفيليا تكملها بمعرفتها :)


منذ ُ أسابيع َ عدة والمدينة محاطة بالأعداء , لقد عاثوا فيها تقطيعاً بالأشجار وتخريباً بالبساتين

كانت المدينة مفتوحة ً من كل الجوانب , وأطلقت المدافع النار بشكل ٍ شبه يومي , كما تجوّل الجنود بشوارعها العريضة , بعد أن خارت قواهم من الجوع وخوض المعارك الطاحنة

انبعثت من نوافذ البيوت أنات الجرحى وبكاء الأطفال

أصبحت الحياة في المساء شبه مستحيلة , فعندما يخيّم السكون يبقى دويّ الصراخ والبكاء مميزاً , ولم يجرؤ أحد على إشعال الضوء في بيته , كانت المدينة معتمة ً جداً , ووسط هذه العتمة الحالكة وبهدوء ٍ شديد مرّت امرأة ٌ ترتدي معطفاً أسوداً ..

تساءل من شاهدها هناك:

هل هذه هي ؟

هي .

أحاطوا بها من كل الجوانب , كان هذا بالنسبة لها هو الموت بعينه , أصبحت وحيدة ً من جديد , لكنها وبكل هدوء سارت باتجاه ٍ ما ..

هي مواطنة وأم .. فكرت بولدها وبالوطن , كان دائماً يقف في طليعة الناس , الذين أفسدوا جمال المدينة ودمروها, كان وسيماً وبهيَّ الطلعة , لكنه كان شديداً وقاسياً

منذ ُ فترة ليست بعيدة كانت تنظر إليه بفخر ٍ واعتزاز , كما لو أنه هدية ثمينة للوطن , أو كقوة خرجت من رحمها لتساعد الآخرين ..

كانت دائماً ما تتجول في شوارع المدينة ليلاً , حتى أنها ذات مرة شاهدت امرأة ً أخرى , كانت جاثية ً على ركبتيها قرب قبر ٍ , كانت تتضرع وتصلي رافعة ً يديها للسماء

أم الخائن سألتها :

هل هذا قبر زوجك ؟

لا

أخوكِ اذاً

لا إنه ولدي , لقد قُتل زوجي منذ ثلاث عشرة يوماً , أما هذا فقد قُتل اليوم

إن مريم العذراء ترى كلَّ شيء , وتعرف ُ كلَّ شيء وأنا أشكرها

وما مناسبة ُ هذا الكلام ؟ سألتها أم ذلك الخائن

فأجابت : أستطيع القول أنه أدخل الرعب والخوف إلى قلبي منذ ذلك اليوم الذي قُتل فيه دفاعاً عن الوطن , كان يحب الحياة المرحة , ولكن الغريب في الأمر أنه من أجل هذا قد فعل ما فعله لهذه المدينة , لقد فعل ابن ماريانا فعلته في عقول هؤلاء الجنود , زعيمهم , تباً له عدو الله والناس , لعن الله الأم التي ولدته..!

غطّت ماريانا ( أم الزعيم الخائن ) وجهها وابتعدت شيئاً فشيئاً عن أنظار تلك المرأة , وفي الصباح ذهبت إلى الحرس المرابطين للذود عن المدينة

إما ان تقتلوني لأنني أم ذلك الوغد الذي أصبح عدوكم , أو اسمحوا لي بالعبور فأنا سأذهب أليه

أنت ِ مواطنة , والوطن يجب أن يكون هو الأهم بالنسبة لكِ , فولدك ليس فقط عدوك ِ بل عدو الناس جميعاً في هذا الوطن .

أنا أم , أنا أحبه وأعتبر نفسي مذنبة ً لأنه أصبح هكذا

راحوا يتشاورون فيما بينهم , ماذا سيفعلون معها

لا نستطيع قتلك ِ بجريمة ولدك ِ , لكنك ِ لا فائدة تُرجى منك ِ هنا , اخرجي من هذه المدينة حالاً

فتحوا لها بوابة العبور , وتفرجوا عليها وهي تمشي على الأرض المخضبة بالدماء , كانت تمشي ببطء ٍ شديد , وفي منتصف الطريق توقفت , نظرت طويلاً إلى المدينة

في معسكر أولئك الخونة لمحوها , اقتربوا منها وسألوها :

من أنت ِ ؟ وإلى أين تذهبين ؟

إن ابني هو زعيمكم

صدقها الجنود , رافقوها وراحوا يروون لها الحكايات عنه , وكم هو ذكي ٌ وشجاع

أنصتت جيداً لهم , رافعة ً رأسها بفخر ٍ نحو الأعلى , لم تستغرب أن تكون هذه هي صفاته فعلاً

وفجأة ً رأته :

أمّي , قبّل يديها : لقد قررت ِ أن تكونين معي , اذاً أنت ِ فهمتِني جيّداً , غداً ستكون هذه المدينة اللعينة بيدي أنا

هذه المدينة التي ولدتَ فيها يا ولدي

أنا ولدت ُ في سلام ومن أجل السلام , أنا لم أحتلّها , ولم أهدم بيوتها بسببك ِ , لكن الآن سأهدمها

والناس الأبرياء ؟

أنا أتذكرهم جيداً يا أمّي , إن لهم أهمية خاصة عندي , وسيخلّد في ذاكرتهم هؤلاء الأبطال

البطل هو صانع الحياة يا ولدي , قاهر الموت .

لالا , من يهدم هو بطل أيضاً , مثله تماماً مثل ذلك الذي يبني

جلست الأم ثم نظرت إلى المدينة , شعرت وكأنها أم لجميع أولئك الناس

تعال إلى هنا , ضع رأسك على صدري , وارتاح , تذكر كيف كُنت َ طفلاً مرحاً , وشجاعاً , وكيف كان الجميع يحبّك

قال وهو يغمض عينيه :

أنا أحب المجد فقط , وأحبك لأنك ِ أنجبتِني

غفى على صدر أمه الحنون كطفل ٍ صغير , فغطته بمعطفها الأسود , ثم غرزت السكين في قلبه , ومات َ حالاً , كانت تعرف جيداً أين يُقتل قلب ُ ولدِها

أنا كمواطنة عملت ُ كل ما بوسعي من أجل الوطن , وكأم سأبقى عند ولدي , حيث أنني لم أعد قادرة على إنجاب ولد ٍ آخر , وحياتي لا تهم أحد

تلك السكين ما زالت تحتفظ بسخونتها من دمه , وبيد ٍ قوية غرزتها في صدرها هي , لقد اخترقت السكين صدرها كما أرادت لها هي ذلك , اذ كان قلبها مريضاً فيسهل للسكين اختراقه

حقوق الترجمة محفوظة http://arbins.com/adab/images/smilies/smoke100.gif

Ophelia
24-02-2007, 05:42 PM
^
^
والله جميلة ومؤثرة
وترجمة حلوة وواضحة
تسلم ايديك يا محمود
وياريت تجمع كل القصص التي قمت بترجمتها بموضوع واحد
حتى قصة الفصعون :biggrin5:


شكرا جزيلا لك

ديك الجن .
04-03-2007, 10:11 AM
العزيز محمود

لقد جعلتني اعيش سويعات موسكوفية رائعة يا صاحبي...ذكرتني بالايام الحلوة ...انا من القلة التي كانت ترتاد دار ( رادوغا ) للنشر في موسكو...وفي خلال السنوات التي قضيتها هناك كونت مكتبة رائعة تحتوي على عدد هائل من كتب الادب الروسي المترجمة الى العربية ...وبعد ذلك قمت بشحنها الى لبنان عند انتهاء دراستي ...افتخر بهذه الكتب وبما تحويه ...انها كنز...ولكن هنا في الصين...لا شيْ :e: ....حتى انني لا اكتم سراُ اذا قلت لك باْنني اصبحت شبه امي ;) ....على العموم يا محمود...لدي طلب ارجو ان تلبيه اذا كان ذلك ممكناُ :

هناك قصة رائعة للاديب الروسي الكسندر بولغاكوف ...اسمها ( المعلم ومرغريتا )...انها تحفة ادبية ...وهي مترجمة الى العربية ولدي نسخة منها ( ليست معي الان طبعاُ )...ما اريده هو ان تجدها او ان كانت في حوذتك ان تقوم بنشرها ...ستعجب القراء جداُ....وانا متاْكد من ذلك ...

اشكرك على مجهودك الرائع...وربي يحميك من صقيع سانت بيتربورغ

اخوك الضائع في مكان ما في الصين

ديك الجن

دمت

محمود الحسن
07-03-2007, 12:16 PM
^
^

أخي العزيز ديك الجن الصيني

جاري البحث يا صاحبي , ولكنني نذل بما يكفي لأن أخذلك :gh:

محسوبك لا يعرف بموسكو غير شارع الحمراء تبعها , وسفارة الوطن :)

ثم إن ترجمتها العربية موجودة في البلاد العربية , وكانت لدي بسوريا رواية متوسطة الحجم للكاتب ميخائيل بولغاكوف بعنوان " مذكرات طبيب شاب " تتحدث عن متاعب الأطباء وخاصة ً منهم من اختص بالأمراض النسائية , ولكنها - أي الرواية - سببت لي غثيان ودوار فأعطيتها لأحد أصدقائي الأطباء عله يجد حلاً للإجهاض المبكر :171:


أتمنى لك التوفيق في غربتك , وأن تتخطى سور الصين العظيم :i:


الأخت أوفيليا

الله يسلمك أيضاً , هما قصتان فقط , البقية لم يرينَ نور الكيبورد بعد , أو لنقل لم أحاول صياغتهن وتحويلهن إلى قصص يُمكن أن تُقرأ

والسلام عليكم جميعاً

قيس ابوتينة
07-03-2007, 06:17 PM
هذه رواية من اروع ما قرأت, تتحدث عن شخصية تمثل شخصية الكثير من شباب اليوم اللامبالين والذين يعيشون بلا هدف وبلا ماضي...



واليكم الرابط
http://www.filefactory.com/file/5ffd48/