PDA

View Full Version : الشهر الثقافي الخامس .. الأدب المغاربي



داليا الهواري
13-03-2007, 08:54 PM
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2001/12/17/1_71937_1_6.jpg


السلام عليكم



في الحقيقة، و من وجهة نظري الشخصية على الأقل، ليس ثمة أصعب من الكتابة عن الأدب المغاربي، لأنه يرتبط جغرافيا بأكثر من دولة، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا... و لهذا التطرق إلى الأدب المغاربي هو التطرق للخصوصية الفكرية و الثقافية و الأدبية لكل دولة، و أنا على ثقة أن في منتديات الساخر العديد من الأشقاء المغاربة الذين سيشاركوننا هذا الملف و سيضيفون الكثير لأجل التعرف، و لأجل قراءة عميقة لأدب المغرب العربي...



وعندما قلت أنه ملف صعب، فلأني أدرك من خلال اطلاعي على الأدب المغاربي، أن الحديث عنه يقود إلى الحديث عن جمالياته، عن مميزاته، عن عالميته، عن الأسماء التي تشكله، و الأهم: عن تناقضاته أيضا، لأن الأدب المغاربي انشطر في الحقيقة إلى نصفين، أدب مكتوب باللغة العربية الأم، و أدب مكتوب باللغة الفرنسية.. و يطلق عليه المغاربة مصطلح: الأدب الفرانكفوني الذي بدوره سقط في الكثير من التأويل و التهويل أيضا..



ربما لأن المشارقة ينظرون إلى الأدب الفرانكفوني بأنه أدبا فرنسيا، و الحقيقة التي يؤكد عليها العديد من النقاد الفرنسيين بالخصوص هي أن الأدب الفرانكفوني في المغرب العربي هو أدب بمميزات عربية و طقوس مغاربية و انتماء اسلامي في تصوير الواقع المغاربي باللغة الفرنسية لا أكثر و لا أقل، و لدينا الدليل في العبارة التي ذكرتها الروائية الكبيرة آسيا جبار (أكبر الأديبات الجزائريات الفرانكفونيات) حين نالت شرف الدخول الى الأكاديمية الفرنسية للآداب، قالت: أنا عربية مسلمة، و هي العبارة التي نقلتها العديد من الصحف الأوروبية وقتها.. لهذا من الصعب اتهام الأدب الفرانكفوني بأنه أدبا فرنسيا، بل هو أدب مغاربي مكتوب بلغة فرنسية ليس أكثر (كلمة قالها الناقد البلجيكي جاك جلبير).



سنحاول جميعا التقرب من الأدب المغاربي، من خلال أسماء أدبية جميلة سواء تلك التي تكتب بالعربية أو الفرنسية.. و الأهم هو أن نتشارك جميعا لأجل تقديم جدارية جميلة عن وجه نريد التعرف عليه عن قرب... ألا و هو الوجه الأدبي (الثقافي) لأشقائنا المغاربة..


حياكم الله
وننتظركم في شهرنا الثقافي عن الأدب المغاربي


ولد الهدى فالكائنات ضياء .. وفم الزمان تبسم وثناء (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=110506)
الأدب التونسي الحديث والمعاصر (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109786)
نصوص من الأدب التونسي الحديث والمعاصر (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109711)
فاطمة المرنيسي _ جيتك يا عبدالمعين تعين . (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109746)
الأدب الموريتاني على المحك العربي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109774)
روائع القصة المغربية القصيرة (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109353)
رواية وطن من زجاج. ياسمينة صالح (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=107795)
من رواية :مسالك أبواب الحديد / واسيني الأعرج (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=96614)
الأدب النسائي الجزائري قبل و بعد أحلام مستغانمي! (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109883)
سأهبك غزالة .. مالك حداد (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109907)
هل قرأت "نجمة" كاتب ياسين ؟ (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=110473)
المسرح الجزائري بين الخصوصية والعالمية (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109931)
الأديب الجزائري: عبد الحميد بن هدوقة (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109927)
الرواية الجزائرية باللغة الفرنسية (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109925)
.×. السجينة .×. (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=98801)
رواية البطاقة السحرية - محمد ساري (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109411)
للتحميل: تاء الخجل للروائية الجزائرية فضيلة الفاروق (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109976)
مجموعات قصصية من الأدب المغاربي (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=110099)
مجموعة روايات للروائي الجزائري الطاهر وطار (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=110069)
الأدب العربى المكتوب باللغة الفرنسية (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=110362)
الحلزون العنيد .. رواية بقلم رشيد بوجدرة (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=102832)
الـقـيـبـوح ـ قصة قصيرة من الأدب الجزائري (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=110233)
تاء الخجل للروائية الجزائرية فضيلة الفاروق (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=109976)


للتحميل:

ليلة القدر .. الطاهر بن جلون (http://www.4shared.com/file/8845783/629568e8/_____.html)
السجينة.. مليكة أوفقير (http://www.4shared.com/file/12556261/955091a3/______password____itharcom__.html) كلمة السر لفتح الملف هي ( ithar.com )
نزل المساكين _ الطاهر بن جلون (http://www.4shared.com/file/10821422/684e9ff1/nzl-almsaken-rwaeh-.html)
تلك العتمة الباهرة (عن معتقل تزمامارت ) .. الطاهر بن جلون (http://www.4shared.com/file/11018182/e4e60913/tlk-alatmh-albahrh-.html)
فى الادب المغربى المعاصر .. عبد الحميد يونس و حسن المصري (http://www.4shared.com/file/11556012/7174982d/_____________.html)
ابن حزم و اثر فكره الفلسفي على الادب المغربي .. سالم يفوت (http://www.4shared.com/file/11503519/1f53fc0c/____________.html)
مولد النسيان..محمود المسعدي (http://www.alsakher.com/books/mold%20alnsyan.zip)
في الطفولة..عبد المجيد بن جلون (http://www.alsakher.com/books/fi_altufuleh.zip)
عناكب الزوايا العليا..أحمد يوسف عقيلة (http://www.alsakher.com/books/3nakb.zip)
غناء الصراصير..أحمد يوسف عقيلة (http://www.alsakher.com/books/ghnae_alsaraseer.zip)
الشهداء يعودون..الطاهر وطّار (http://www.alsakher.com/books/alshohda.zip)
الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء..الطاهر وطار (http://www.alsakher.com/books/alwalee_altaher.zip)
مدينة الرياح.. موسى ولد إبنو (http://www.alsakher.com/books/madenet_alrya7.zip)
ذاكرة الجسد..أحلام مستغاني (http://www.alsakher.com/books/Ahlam2.zip)
فوضى الحواس..أحلام مستغانمي (http://www.alsakher.com/books/fawda.zip)
عابر سرير..أحلام مستغانمي (http://www.alsakher.com/books/Ahlam.zip)

[[طيف الأمل]]
14-03-2007, 03:14 PM
وعليكم السلام ورحمة الله

سعيدة بوجودي هنا .. ومتشوقة للتعرف على الأدب المغاربي ..

بارك الله في جهودكم

بالانتظااار

أحلام الزعيم
14-03-2007, 09:07 PM
يهمني أن أقرأ المزيد عن هذا الأدب

داليا الهواري
14-03-2007, 10:14 PM
];1078664']

وعليكم السلام ورحمة الله
سعيدة بوجودي هنا .. ومتشوقة للتعرف على الأدب المغاربي ..
بارك الله في جهودكم
بالانتظااار

هلا طيف الأمل حياك الله و يسعدني تواجدك عزيزتي أرجو أن تجدي كل مفيد ها هنا
حياك الله

داليا الهواري
14-03-2007, 10:20 PM
يهمني أن أقرأ المزيد عن هذا الأدب
يعطيك العافية ابقي معنا لمزيد من القراءة
حفظك الله من كل سوء

داليا الهواري
14-03-2007, 10:31 PM
اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي
بقلم: جلبير غرانغيـوم
ترجمة: محمد أسليم



لاشك في أن عملية هيكلة ثقافة وطنية تعتبـر واحدا من المشاكـل الأساسية التي يواجهها المجتمع المغاربي الراهن. وإذا كانت هذه المسألـة تمس مصالح سياسية هامة تتعلق على الخصوص بشرعنة سلطة الدولة، فإنها تقـوم أيضا على إواليات نوعية تمس جوانب عميقة كمفهوم الهويـة مثلا.

ولدى التطرق إلى هذه المسألة يجب تحاشي موقفين متطرفيـن: الموقـف الذي يـركز على دور العوامل السياسية باعتبارها تتدخل مباشرة في هـذا الحقـل الثقافي ويغفل القواعـد الخاصة بهذا الحقل، والموقف الذي يعتبر عالم الثقافة هذا بمثابة عالم مغلق لا تحكمه سوى ديناميته الداخليـة.
وسنحاول في الصفحات الآتية تحديد بعض المعالم في هذه المقاربة للثقافات الوطنية بالمغرب العربي. لقد انطلقنا في هذا التأمل من بحث في مشكلة التعريب وإدماجه في السياق الكلي للمغرب العربي فوجدنا أنفسنا منقادين إلى إظهار الدور المركزي الذي يجب إناطته باللغة التي لا ندرسها هنا في وظيفتها التواصلية، وإنما في علاقتها بالهوية.
تأخذ اللغة في المغرب العربي شكل واقع ثلاثي المكونات: فهناك اللغة الأم، والعربية، ثم الفرنسيـة. وبهذا يمكن اعتبارها بمثابة المحور الذي تتشكل حوله المجموعات الثقافية التي يصاغ التركيب الجاري انطلاقا منها. وإذا تفحصنا الدينامية التي تحرك هذه الثقافة لاحظنا أنها تقوم بموازاة أقطاب ثلاثة هي: قطب الإثنية، والأمة العربية، ثم القومية العصريـة. وهذه الأقطاب لا توجد دون استحضار المـرجعية اللغـوية الثلاثية التي تشكـل أيضـا معالم للهويـة.
تقتضي دراسة الثقافة في المغرب العربي ضمن هذا الطرح أن نتناول دائما الموقع الخاص بهذه «الأقطاب» الثلاثة، أي موقعها في المجال البنيوي وموقعها في دينامية علاقات القوى، بكيفية تتيـح الكشف عن القطب المرجعي والدلالـة الأساسية اللذين تتم الإحالة عليهما في ظواهر محدودة كظاهـرة تحديـد النسـل أو الأغنية، أو ظواهر أكبر مثل وضع المرأة أو سياسة التعليـم. وهذه الأقطـاب الثلاثة متداخلة في الواقع الـراهـن، ولا يجـوز الفصل بينها أثناء التحليل إلا إذا كان الهدف الأخيـر من هذا الفصل هـو إعـادة بناء تداخلها في الواقـع المـدروس.
ولبسط هذه الوجهات للنظـر، سنحدد أولا المعنى الذي نفهم به هذه الصلات القائمة بين اللغة والثقافة والهوية في حالة المغرب العربي، ثم ننتقل بعد ذلك لرؤية كيف يمكن تصور تداخلاتها في دينامية ثقافة وطنيـة.
1 - اللغة والهوية والثقافة في المغرب العربي
«لا تصلح اللغة للتواصل، بل تصلح للوجود»[1]. تعبر فكرة جاك بيرك هذه جيدا عـن العلاقة العميقة الموجودة اللغة والهوية. والسؤال المطروح هو: كيف يتمكن الفرد من تثبيت هويته داخل اللغة؟
إذا كان بالفعل في اللغـة علامة اعتـراف اجتماعي بين أفراد الجماعة الواحدة، كما بين ذلك سوسيولسانيون وإثنولوجيون، فإنه يتعين علينا المضي أبعد من ذلك لفهم ما هو جوهري في هذه العلاقة القائمة بين الإنسـان ولغتـه.
وتتمثل الأطروحة التي ندافع عنها في كون اللغة، شأنها شأن الثقافـة، تمثل بالنسبة للفرد واقعا مزدوجا. فهي، من جهة، تمثل القانون الذي يفرض نفسه على الفرد. إنها قانون الجماعة الذي يأتي ليؤطر «ارتجالات» طبيعة الفرد «المتوحشـة». لكنها، من جهة أخرى، تمارس عليه في الآن نفسه إغراء ينتج عنه انخراط في هذا القانون مادام الملفوظ، عندما يُحَدَّدُ التعبيرُ في حقل دلالي معطى، يترك «الكلمات تجتر وراءها»، إن صح القول، جميع التمثلات المقترنة بها. وهذه الكلمات لا تتيح قول كل شيء، وإنما تجبر الفرد على القول بكيفية معينة، لكنها تظل مشحونة بمجموع ما لا يمكـن قولـه، وهـو مجمـوع مقترن بها. وبذلك، يوجد ضمن هذه العلاقة التي تربط الفـرد باللغة فرض قانون واستثمار رغبـة في آن واحـد.
اللغة هي القانون الأول الذي يفرض نفسه على كل فرد خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي تقوده إلى الانتقال «من الطبيعة إلى الثقافة». إنها قانـون بمعنى الكلمة، أي أنها تـرغم الفـرد على تمرير عالم الرغبات والتمثلات الطفولية من مصفاة مقولاته الاختزالية. لكنه يحصل في مقابل تلك التضحية والاعتراف بذلك القانون على القدرة على «تسمية الأشياء»، أي التأثير فيها، و«ترسيخ قدمـه» في السجل الرمزي، في عالم الحياة الاجتماعية ونيل اعتراف الآخر. لا يمكن للطفل - ومعناه الحرفي هو الذي «لا يتكلم» (Infans) - أن يندمج في المجتمع ويحصل على هوية إلا إذا أدى مقابلا يتمثل في التضحية بقسط من «فردانيتـه». وبعد ذلك، ستعترف به الجماعة باعتباره عضوا كاملا فيها عبر اللغة و«الثقافـة» وخضوعه لحسن التصرفات، أي لما تعتبره جماعته سلوكات حسنـة. وبواسطة الضبط الذي يمر عبر اللغة والثقافة، يضطر الإنسان طيلة حياته إلى إجراء هذا التبادل: الخضوع لقانون مقابل الحصول على اعتراف بهويـة. وتطابق الهوية المفروضة - أي هوية القانون أو الضابط - هوية مرغوبة. فعندما أقبل التكلم بلغة هذه الجماعة التي لا تعبر بدقة عن حقيقة ما بداخلي، فإن أعضاء هذه الجماعة يعترفون بي باعتباري واحدا منهم، أي أتلقى هذه الهوية الجديدة التي تموضعني في العالم الواقعي وتحددني فيـه.
هكذا، فعندما أقبل الكف نهائيا عن تناول الطعام بأصابعي، فإني أحرم نفسي من لذة الاتصال الجسدي المباشر بالطعام. غير أنني، في الوقت نفسه، أخضع لقانون الجماعة. ومقابل هذا الخضوع أصير إنسانا من العالم المتحضر، أي أحصل على هذه الهوية التي تجذبني وتعلي من شأني، والتي - بعيدا عن هذه الممارسة المبتذلة المتمثلة في الأكل بملعقة - تجتذبني بما أشعر به من لذة وحظوة وحماية واطمئنان لكوني أنتمي إلى هذا العالم المتحضر «الذي ينتظر مني هذا السلوك». وإذا كان هذا القانون يجد مرجعه دائما في قيمة مطلقـة، كأن يكون المـرء رجلا مسلما عضوا في أسرة ما، فإنه مع ذلك ليس ذو محتوى جامدا لأنه يكون دائما هو تعبير الهوية المرجع (Référent) الذي عدلته الجماعـة. وبذلك، فالجماعات لا تعين دائما محتويات واحدة للهويات التي تريد أن تجسدها. مثلا، فالجماعات التي تفرض على أعضائها أن يكونوا مسلمين لا تجبرهم دائما على إقامة الصلاة باعتبارها شرطا لمشاركتهم في هذه الهوية الإسلاميـة.
يجري المجتمع التنشئة الاجتماعية للفـرد ويؤطره في عملية واحدة وكأنه لا يكف عن تدجينه احترازا من العواقب غير المتوقعة لفردانيته «المتوحشة». وتحتل اللغة المرتبة الأولى في هذه العملية كما أنها تظل ذات أهمية كبرى طيلة حياة الفرد. لكن الثقافة - التي تمر هي الأخرى عبر اللغة - تلعب نفـس الدور الكابح لطبيعة الفـرد الجامحة مقابـل اندماجه في الجماعة واعترافها به. وهناك نقطة أخرى مشتركة بين اللغة والثقافة في هـذا التحويل للإنسان إلى «إنسـان مثقف» تتمثل في أن اللغة لا تنقل سائر هذه التعليمات والشفرات (Codes) فحسب، بل تتضمنها أيضا وتعكسها في حقولها الدلالية وبنياتها النحوية المرتبطة على الخصوص بعالم التمثلات والاستيهامات التي تضفي عليها هالـة.
كل ما سبق يتعلق - طبعا وقبل كل شيء - باللغة الأم؛ بهذه اللغة التي يسمع الطفل فيها كلمة أمه ثم كلمة محيطه؛ بهذه اللغة التي، في ارتباطها بالاتصالات المتعددة التي يقيمها الطفل مع أسرته، تشكل بالنسبة إليه ذلك التجذر الأساسي أو الهوية التي تعترف له بها أمـه. وهذه اللغة هي التي «تطبع» الفرد مدى الحياة. غير أن المراحل اللاحقة تُجَمْعِنُ هذه اللغة الأم التي لا تعود مجرد لغة للحميمية العائلية، بل تصير أيضا لغة للجماعات المتعاقبة التي تفرض قانونها على الفرد وتتبناه باعتباره عضوا فيها.
وهكذا، تتدخل اللغة والثقافة في عملية التنشئة الاجتماعية للفرد باعتبارهما ضابطين أو قانونين يأتيان لتأطير الفرد ومنحه في المقابل هوية تُدْرَكُ بعبارات التماهي مع الوسط الذي يقبل هذا الفرد لغته واستعمالاتها.
2 - اللغات والثقافـات في المغـرب العربي
يتعلق ما قلناه حتى الآن بحالة لغة أم قد تظل اللغة الوحيدة أو الأساسية لفرد في مجتمع من المجتمعات. وإذا تأملنا حالة المغرب العربي لاحظنا أن الوضعية اللغوية فيه تتصف بالتعقيد. فهي، كما يعلم الجميع، تتمحور حول أقطاب ثلاثـة: اللغة الأم، وتكون عربية أو بربريـة، ثم لغتان مكتوبتان هما العربية والفرنسيـة.
والعربية المكتوبة تختلف عن العربية التي تستعمل في الحديث اليومي وتدعى في الغالب دارجة. ويكمن المشكل هنا في تقويم النتـائج الثقافية لهذا التعـدد اللغـوي.
اللغــــــة الأم
تكون اللغة الأم تارة لهجة عربية، وتارة لهجة بربريـة. وهي في الحالتين معا لغة شفهية. وقد كان الانتقال إلى الكتابة يتم باللغة «الكلاسيكية» منذ قرون. وعلى أية حال، فهذا ما تقوله الرواية الرسمية، ذلك أن دراسات حديثة قد أظهرت جيدا - فيما يبدو - أن التحفظ في الكتابة بـ«العربية الدارجة» في الماضي ما قبل الاستعماري كان أقل مما هو عليه في الوقت اللاحق. كما يحتمل أن الهوة بين العربية الشفهية والعـربية الكلاسيكية قد صارت الآن أعمق مما كانت عليه في الماضي بسبب الأهمية الجديدة التي حظيت بها الكتـابة في الحياة المعاصرة. وقد أذكى هذه «القطيعة»، أو بالأحرى شعور الرأي العام بها، كل من إبعاد اللغة العربية المكتوبة طوال فترة الاستعمار واحتكار اللغة الفرنسية لقطاعي الإدارة والتعليـم. وللسبب نفسه وجدت اللغة العربية المكتوبة نفسها قد أبعدت وتقلص تدريسها وانحصر استعمالها في مجالات ثانوية. وبذلك صار الانتقال إلى هذه اللغة في سياق المكتوب أكثر صعوبة وأقل شيوعا نظرا لأنه يغير اتجاهه غالبا نحو اللغة الفرنسيـة. وتهدف سياسة التعريب التي باشرتها دول المغرب العربي الثلاث بعد الاستقلال إلى منح اللغة العربية المكتوبة المكانة المتميزة التي كانت تحتلها اللغة الفرنسية، وذلك بجعلها تؤدي سائر الوظائف التي كانت تضطلع بها اللغة الفرنسية عندما كانت لغة رسمية.
ولذا، فالوضعية اللغوية الحالية في بلدان المغرب العربي تتصف بكونها وضعية ثلاثية الزوايا: فاللغة الأم، عربية كانت أو بربرية، تسود في الحياة العائلية والاجتماعية. كما تظل في الحياة الدراسية لغة للتواصل بين التلاميذ والمدرسين، ماعدا في العملية التعليمية التي تتم باللغة العربية الكلاسيكية أو الفرنسية. واختيار السجل اللغوي لا يكون محايدا: ففيما يهدف اختيار اللغة الأم إلى إجراء اتصال مباشر مع المستمع أو المشاهد يتجاوز استعمال اللغة الكلاسيكية - حتى في شكلها العصري الملطف - ذلك إلى الإيحاء بأن الأمر يتعلق بإعلان كلمة ضمـن «قـول» يتجاوز المستمع العـادي. ولهذا السبب، فإن نشرات الأخبار المتلفزة التي يقرأها بالعربية الكلاسيكية مذيع مُمِلٌّ تعطي الانطباع بأن الأمر يتعلق بقراءة بلاغ رسمي، أي توحي بالإبلاغ وليس بالإخبار. وكما لا حظ عمر إبراهيم (1978) جيدا[2]، بشأن خطابات قادة الدولة المصريين، بينما يعادل اختيار اللغة الكلاسيكية في خطاب شعبي فعلا حكوميا أو خطابا للسلطة يتموضع اختيار اللغة الدراجة الشعبية في مستوى من التواصل، بل ومن التقارب المباشـر. وقادة دول المغرب العربي أنفسهم يجيدون اللعب على هذين السجلين، مما يحملنا على الاعتقاد بأنهم لا يجهلون تدبير تأثيرات السلطة المرتبطة باللغة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فاللغة الدارجة بشكلها العربي وحده حتى الآن قد رسخت قدمها في السينما. فالشريط الجزائري «عمـر قتلاتو» [عمر قتلته] يستخدمها استخداما جيدا، بل وحتى استخداما مناضلا في هذا المشهد الذي يجد فيه خطيب يتحدث بالعربية الكلاسيكية نفسه قد انقلب إلى موضوع للسخريـة. إنها مناسبـة للمغاربيين كي يلاحظوا أن المصريين يغرقون الإنتاج السينمائي بلغتهم الشعبية منذ زمن بعيـد.
لا يقف في طريق اللغة الأم سوى حاجز الكتابة. وإذا كان هذا يصدق على العربية فهو ينطبق أكثر على اللغة البربرية التي لا تتوفر على نظام للكتابة خاص بها، إذ لا تنطبق هذه التسمية على حروف التيفناغ[3] إلا بصعوبة. ففي وضع الحضارة الراهن الذي عزز مكانة الكتابة وقرنها بجميع مراحل الحياة الاجتماعية يشعر أنصار قضية اللهجات بأن الشفهية الخالصة بمثابة عاهة أو شلل وعائق أمام الحصول على اعتراف. ولا شك في أن مطالبتهم بإدخال اللهجات ضمن البرامج الجامعية يهدف - ضمن ما يهدف إليه - إلى دعم هذه اللهجات بسند من الكتابة. وللرفض الدائم الذي يقابل به هذا المطلب في دول المغرب العربي الثلاث دلالته أيضا. غير أن الفكرة السائدة التي ترى أن ما من لغة شفهية خالصة إلا ومآلها الموت قريبا، تلك الفكرة ربما فقدت مصداقيتها شيئا ما في الوقت الراهن بفعل تطور وسائل الإعلام السمعية والبصرية في التواصل الاجتماعي، وهي وسائل يمكن أن تمنح هذه اللغات الشفهية وضعا معمما ومعترفا به، أي ذلك الوضع الذي كان في الماضي مقصورا على اللغات المكتوبة. وفي المقابل، بما أن وضع الشفهية يحول دون التدخل المعياري للكتابة، فإنه يترك اللغات المعنية في منأى عن كل رقابة أكاديمية ممكنة لحيويتها المتدفقة، ويجعلها ليست في متناول أضرب «النقاء» التي تحاول مختلف البرامج من نوع «لا تقل كذا، بـل قـل كذا» عبثا أن ترسخها فيها. وللاقتناع بذلك، يكفي أن نرى كيف حلت اللهجات العربية والبربرية معضلة «المصطلحات» التي لا زالت اللغة العربية الكلاسيكية تعاني منها. فقد حلتها بأن عمدت إلى اللغة الأصل للمصطلح التي تحتاج إليه (الإسبانية أو الفرنسية أو الإيطالية)، ثم استعارته منها كما هو، وأخضعته لنظامها الصرفي بحيث لم يعد يخامر المتكلمين أدنى شك في أن الأمر يتعلق بمصطلح محلي[4].
يمكن التساؤل: إلى أي حد لا تبدو هذه الفوضى اللغوية أو هذا الارتجال الجامح أمرا مزعجا للسلطة؟ لقد أوصى المؤتمر الدولي[5] المنعقد في طرابلس سنة 1975 جميع الحكومات المشاركة بمحاربة انتشار العامية في الفنون والكتابات. يضاف إلى ذلك أن هذا الموضوع، موضوع محاربة اللهجات الذي يردده الخطاب العالم باستمرار - مثلا في ندوة التعريب المنعقدة في تونس عام 1977[6] - لا يخلو من شبه مع ذلك التقليد الثقافي الحضري العربي الذي لا يكف عن إدانة القبلية والفوضى، أي ما يمكن تسميته بـ«خشونة» البدوي وفظاظة إنسان الفطرة أو مـا يسميه جاك بيرك «فوضى البدوي العريقـة»...

داليا الهواري
14-03-2007, 11:36 PM
4 - التيمـــات الثقافيـة والهويـة
لا نزعم الإحاطة بمجموع مشاكل الحياة الثقافية في المغرب العربي، ومع ذلك فقد ارتأينا من المفيد أن نتناول هنا بعض جوانبها الدالة لأنها تحيل على الهوية وتمثل، لهذا السبب، نقطا حساسة في فترة التحول الراهن. وسنكتفي هنا ببعض القضايا، وهي: مسألة العلاقة بالجسـد أو «الصحة العقليـة»، «مشكلـة المرأة»، ثم الأغنية والمسـرح.
العلاقـة بالجسـد أو مشكـلة المجنـون
سواء تحدثنا عن العلاقة بالجسد أو الصحة العقلية أو صورة المجنون، فالأمر هنا يتعلق بمشكل دَرَسَتْهُ الأنثروبولوجيا الحالية بكيفية جيدة. والمشكل المطروح هو مشكل الضابط (أو المعيار) (La norme) والهامش(La marge)، هو معرفة إلى أي حد يمكن لفرد من الأفراد أن يعبر عن ارتجالية رغبته خارج الإطار المعترف به كإطار سوي من لدن الوسط الذي يعيش فيه. ومن هذا المشكل تنحدر مشكلة أخرى تتمثل في نوع العلاج الواجب تخصيصه للفرد الذي لا يدخل في إطار الهوية التي يحددها المجتمع: أيجب التنقيص منه، أي إخفاؤه وعزله، أم يجب على العكس تركه حرا طليقا باعتباره فردا هامشيا يشهد، من خلال وضعه كمقصي، على كلية قدرة الضابط الاجتماعي؟ ومهما يكن من أمر، فإنه يجب إيجاد «علـة» لهامشيته، وتفسيرها، واقتراح علاج لـ«مرضـ»ـه إن تم اعتباره مرضا. هكذا، نلاحظ كيف يمثل هذا المشكل المكان المتميز للكشف عن الهوية في أي مجتمع من المجتمعات.
لقد شكل وضع المجنون موضوعا لعدد من الدراسات خارج الغرب، وفي المغرب العربي على الخصوص[11]. ولنكتف هنا بالتذكير بأن سجل القيم القديمة يعتبر المجنون عادة فردا مملوكا أو ممسوسا (Possédé)، أي تملكه أرواح يمكن أن تمنحه قدرات خارقة للعادة. ولذا، فهو يحظى باحترام وسطه ولا يولد أي شعـور بالإثـم الفردي أو الاجتماعي. وإذا تم التفكيـر في «التطبيب»، فذلك يكون في إطار استشارة اختصاصي، هـو الطالب أو الفقيه، أو القيام برقصة جماعية لتخليص المريض من الأرواح (حضرة أو جذبة Transe). وهذه الطقوس واسعة الانتشار، وممارستها تتم غالبا في إطار الزوايا. ورغم أن الأرثذكسية الإسلامية تركن إلى التفسير الأساسي نفسه، تفسير المرض العقلي باعتباره مسا من الجـن، فإنها تشجب الممارسات الخفية وتوصي بتخليص المملوك بقراءة القرآن لا غير. إلا أن الأشكال العقلانية العصرية لهذه الأرتذكسية تقترب من رد المرض العقلي إلى المرض الشائع الذي يتطلب، كسائر الأمراض، عون الله وممارسة المعرفة البشرية. أما الممارسة العصرية، ممارسة مستشفى الأمراض العقلية الذي تـرسخ جيـدا في المغـرب العـربي، فتغفـل كـل خصوصية ثقافية حتى - بـل وأساسـا - عندما يزاولها أطباء مغاربيـون، وتطمح إلى أن تكون مقاربة علمية للمرض الذي يتعين معالجته في جذره، أي باعتباره اختلالا عضويا معينا يمكن مداواته بعقاقيـر كيميائية.
هكذا يُستخدَم في حل مشكل الجنون منظورٌ شعبىٌّ يمكن نعته بالسحري، وتصور إسلامي أرثذكسي، ونظرة عقلانية غربية. والفرد الذي يجد نفسه منساقا إلى «العلاج»، أي الذي يسميه محيطه مجنونا أو مريضا، يضطر في الغالب إلى تجريب ثلاثة علاجات، إذ يقوده الفشل المتكرر لمستشفى الأمراض العقلية إلى زيارة طالب (فقيـه) أو إحدى الجماعات التي تمارس طقوس الصرع عن طريق الحضرة. إنها ممارسات ثلاث تحيل على ثلاثة ضوابط ثقافية كما تحيل غالبا على ثلاث لغات، هي: لغة السحر الطبيعي الشعبي الذي يسمى غالبا (سحراً) إسلاميا، ولغة الأرثذكسية الإسلامية كما يحددها العلماء والفقهاء الحضريون، ثم لغة «العلم العصري» الذي ينظر إليه باعتباره عالما للأجنبي الغربـي.
«مشكـــل المـــرأة»
يحضر هذا المشكل بقوة في الراهنية لأنه يعكس التطور العميق الذي يشهده المجتمع الحالي. وهو مشكل أساسي لأنه يمس تعريف هوية الرجل نفسه ويطرح - بما يؤسسه من تمييز (بين الذكـر والأنثى) - مسألة الجنس محيلا على وضع هذا الأخير في صلته بطبيعة المجتمع، وعلى الدور المناط به في تحديـد الضابط. ذلك أنه إن كان يوجد مكان لمعاينة الانتقال من النظام الطبيعي إلى النظام الثقافي، فذلك الفضاء بالتأكيد هو الجنس لأن ما من مجتمع إلا ويرى التحكمَ في القوى الغامضة والمبهمة أمراً ضرورياً. والكلمة هي التي تضطلع في البداية بمهمة إيقاف هذا السيل الجارف من أجل احتوائه داخل أشكال الرمزي. وبذلك فالعلاقة بالكلمة في هذا المجال علاقة مضبوطة جـــدا.
يوجد في المجتمع البدوي أو القروي وضع محدد للجنس - منه ينحدر وضع اجتماعي للمرأة - مختلف عن ذلك الذي نجده في الحاضرة الإسلامية، إذ تشارك فيه المرأة بقوة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وهو يرتبط في العمق بتصورات طبيعية للخصوبة رغم تغطيتها بحجاب الممارسة الإسلامية. وليس من باب العبث أن يكرس الإسلام الأرثذكسي نفسه في كل العصور - وحديثا جدا في الحركة الإصلاحية - لمناهضة هذه الممارسات «المتأخرة» و«الخرافيـة» (كما يدعوها غالبا) التي تستعيد بها المرأة - فيما يبدو - هوية خاصة بها وقدرة غامضة في الوقت معا. وأقل ما تدل عليه هذه الإدانات هو أن الممنوع المزدوج الذي تلقي به العقلانية الإسلامية أو عقلانية العلم على «أنوثـة الأصـول» هذه لا يؤدي بالتأكيد سوى إلى إذكاء عمق حيويتها. ففي المغرب العربي، عندما تفلت قوة الحياة النسوية من الانكسار داخل عزلة المدن وفردانيتها، فإنها تغور في أساس من الكلمات والحركات مختلف عن ذلك النموذج الذي اختاره فقيه الإسلام للمرأة. وتجليات هذا الأساس في الاجتماعات النسوية تضمن للجسد تعبيرا تحريريا لا تعرف المجتمعات الغـربية نظيرا لـه.
ويبدو هذا الوضع الذي يحاول النموذج الإسلامي فرضه على المرأة محددا لها مكانة سلبية وخاضعة وملزما إياها على الامتثال له في الحياة الاجتماعية، يبدو بمثابة الضابط الذي يريد الرجل أن يفرضه على المرأة لاحتواء طفح النظام الطبيعي الذي يراه يتفجر فيها، وربما أيضا لتحاشي ما يثيره فيه ذلك الطفح من خوف عميق. وقد صار الحجاب رمزا لذلك لأنه يحيل على نظرة للمرأة تجعل منها شيئا مخجلا أوخطيرا يجب إخفاؤه. والمشكل هنا يكمن في أن ما كتب من أدب غزير حول المرأة المغاربية لم يحاول تحديد الدور الذي أناطه النظام الرمزي الإسلامي بالجنس في علاقته بالرقابة الواجب ممارستها على الحياة الاجتماعية. ومن المؤكد أن هذا الدور مختلف جدا عن نظيره في النظام المسيحي الذي تبناه المجتمع اللائكي الغربي. وإذا كانت الدراسات التي شرعت في معالجة هذا المشكل في الغرب تختلـف في تفسيـره فهي، على الأقـل، تجمـع على الاعتـراف بالـدور الرئيسي الذي تلعبه الرقابة الجنسية في تركيبة المجتمع ككل. حقا، يبدو في الوقت الراهن أن التصور الإسلامي للجنس متمركزٌ بشدة حول الشرف فيما يتمحور نظيره الغربي حول النقد، لكن يتعين فهم كيفية تشكل آثار السلطة في النظاميـن.
أما نموذج المرأة الذي يقترحه الضابط الغربي وتنشره بكيفية واسعة الأجهزة المؤسساتية لـ«التطور»، فيتضمن بحثا عن تحرر اجتماعي يترتب عنه وضع جديد للمرأة مختلف عن الوضع السائد في المغرب العربي. ويعتبـر الصـدى الـذي يلقـاه هذا النموذج في المغرب العربي عاملا حاسما في التوترات القائمة حاليا حـول موضـوع المـرأة.
هكذا يعرف سياق المغرب العربي ثلاث هويات للمرأة، وهي هويات حاضرة في الواقع واللغة معا. ويبدو في الوقت الراهن أن صورة المرأة الغربية هي القوة الأشد تحريكا لأنها ترتبط بسياق التحرر والمُتْعِية (Hédonisme). غير أنه من الصعب تفسير ذلك: هل يتأتى تأثيـر تلك الصورة في المرأة المغاربية من جاذبيتها أم من الأصداء العميقة التي توقظها في ذلك «العمق الطبيعي التقليدي» الذي لا زال يحتفظ بكل حضوره إما على شكل ممارسات من صميم عالم النساء أو ميولات كبتها الممنوع الثقافي الإسلامي؟
الموسيقـى والغنـاء أو الكلمـة المغنَّاة
للموسيقى والغناء ميزة تفتقر إليها الكتابة، وتتمثل في ترميم هذا البعد «الشعبي» الذي غالبا ما تنتصب في وجهه الضرورات والأوامر الثقافية. بالإضافة إلى ذلك، فهما يحيلان مباشرة على أنماط التعبير اللغوي الثلاثة، وهي: اللهجة، واللغة العربية، ثم الفرنسية.
لن نتوقف عند الدور الذي تلعبه الموسيقى الغربية بين صفوف الشباب المغاربي. فتأثيرها يمكن تبينه من خلال ما تصادفه من انتقادات لدى الشرائح الشعبية التي ترى في اجتياح هذه الإيقاعات المرتجفة والكلمات التي ترافقها تشبعا بالحضارة الغربية في جانبها الأكثر لا أخلاقية: جانب انحطاط القيم وعدم الاكتراث بالأخلاق.
وما يسمى في الغرب موسيقى عربية يغطي، في الواقع، أشكالا متعددة يمكن تصنيفها إلى تيارين هاميـن: الأول يدعى طربا شعبيا، يستخدم أدوات كالناي والطبلة أو الطارة، ويستعمل كلمات دارجة، وهو ذو مرجعية بدوية وقروية. أما الثاني فهو على العكس حضري، يسمى أحيانا طربا كلاسيكيا (الأندلسي أو الملحون)، ويستعمل أدوات أخرى كالعود والكمان أو الرباب، ويرتكز على إيقاعات متنوعة، كما يستخدم في أغانيه اللغة العربية الكلاسيكية أو لغة حضرية منمقـة.
ومما تجدر ملاحظته في بريد قراء الصحيفة الجزائرية الجزائـر الجمهوريـة Alger Républicain، خلال النقاش الذي فتحته سنة 1969 حول اللغة المستعملة في برامج الإذاعة والتلفزة ونوع الموسيقى التي يليق بثها فيهما، أن المراسلين قد نظموا اقتراحاتهم تلقائيا حول أقطاب ثلاثة: قطب الموسيقى الغربية، واللغة الفرنسية أو الإنجليزية مع إعطاء حرية معينة (البنات اللواتي يرقصن التويست). ثم قطب الموسيقى العربية (المصرية) التي اعتبروها صعبة، مما يفصح عن وجود ضرب من الخلط في أذهانهم بين العربية الكلاسيكية والعربية المصرية من جهة، وبين الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى المصرية، من جهة ثانية. أقول اعتبروها صعبة وذات مرجعية خارجية تحدد، حسب الحالات، تارة في الأمة العربية الكبرى، وتارة في أمة أجنبية - هي مصر - ينظرون إليها باعتبارها أمة تسعى إلى الهيمنة. أما القطب الثالث والأخير، فهو قطب الموسيقى المسماة موسيقى شعبية أو وطنية، ويقرن المراسلون المطالبة بها ببث البرامج باللغة التي يتكلم بها الشعب، العربية أو البربرية، وبإرادة إثبات وتأكيد ما يحسون به باعتباره شيئا من صميم البـلاد.
وإذا كانت الموسيقى تشكل عالما تتعايش فيه تمثلات متعددة للهوية، فإن التعبير الشفهي يتيح للمرء أن يسمع فيه استيعابا مباشرا للعالم الراهن ومشاكله الشديدة الاختلاف عن مضامين الخطابات الرسمية المحلية حول الدولة أو الإسلام. وعلى سبيل المثال الدال - وهو ليس الوحيد - يجب ذكر مجموعة المغنين المغاربة التي تسمى «ناس الغيـوان»[12]. فهؤلاء المغنون الذين ينحدرون من أوساط شعبية بمدينة الدار البيضاء، وتلقوا تكوينهم في تجربة المسرح الشعبي، يعالجون في قصائدهم الشهيرة (مثل قصيدة «الصينية» أو «فين غادي بيا خويا؟» [إلى أين أنت سائر بي يا أخي؟] موضوع الاضطراب العميق الذي فرضه الغرب على المجتمع المغاربي، والتدمير البطيء الذي تشهده العلاقات الأكثر حميمية، والذي يرتبط بتفكك الاقتصاد والحياة الاجتماعية القديمين. كما يعالجون موضوع فقدان امتلاك عالم لم يكن عالما للتقنية المتخلفة فحسب، بل وكذلك عالما لسيادة قيم الشرف على قيم النقـد (Argent). والارتباك الذي أحس به النظام خلال مدة معينة، حيث منع إذاعة أغاني هذه المجموعة مدة عامين، يدل بما فيه الكفاية عما كانت تمثله هذه المجموعة. غير أن فنهم يكشف بالخصوص عن جانب كامن في تأكيد الذات. واللغة نفسها التي يستعملونها، وهي عربية دارجة عتيقة في بعض الأحيان وتعود بعض تراكيبها إلى الرافض المغاربي القديم عبد الـرحمان المجذوب الذي عاش في القرن XVI م (ج. سيل - ميلي وب. خليفة، 1966)، تلك اللغة تشهد على ثقـافة حقة عرفت كيف تحافظ على إيقاعاتها وشفراتها ولغتها خارج كل تطبيـع لغـوي أو إيديولـوجي.
ويعتبـر تكاثـر فـرق غنائية شابة في مجموع أنحاء المغرب العربي، تتأرجح بين الأقطاب الثلاثة للتعبيـر الثقافي، دليلا يشهـد على دينامية ملحوظة جدا لا سيما أن الأغنية الشعبية تظل في غياب فرصة التعبير السياسي - بسبب الممنوع الثقافي المرتبط بالقمع الذي يمارسه المكتوب واحتكار وسائل الإعلام والممنوع السياسي الذي تمارسه الرقابة - تظل المرآة التي يجد فيها مجموع سكان المغرب العربي صورة انشغالاتهم الجوهريـة.
المسـرح أو الكلمـة الملعوبــة
يوجد إنتاج مسرحي باللغات الثلاث. وهنا أيضا يمكن أن نتبين، من خلال اللغة المختارة، إحالات على الأمكنة الثلاثة المختلفة للهوية المغاربيـة.
أن يختار مؤلف ما العربية الكلاسيكية لكتابة نص مسرحي، فذلك ينطوي على اختيار سجل وتأثير نوعي جدا. ذلك أن اللغة الكلاسيكية تقتضي تكلفا في التعبير لا يتلاءم مع تلقائية الحركة، وذلك حتى عندما يتعلق الأمر بمسرحيات تعرض على شاشة التلفزة. والإحالة في هذه اللغة تتم طبعا إلى مقدس الإسلام أو ملحمة التاريخ العربي، وهما فضاءان يجد المغاربي نفسه دائما معنيا بهما في العمق ما لم يحل غموض اللغة بينه وبين النفاذ إليهما .
لقد احتل التعبير المسرحي باللغة الفرنسية مكانة هامة في المغرب العربي لمدة طويلة. فإلى جانب المسرح الكلاسيكي الذي كان يمثل «المسرحيات الكبرى» تطور مسرح آخر ذو توجه تقدمي وشعبي مستوحى في الغالب من المسرح الغربي الجديد كمسرح برتولد بريشت. وقد قام الإنتاج المسرحي هنا إما بإعادة تمثيل مسرحيات بريشت أو بإبداع مسرحيات جديدة تستوحي الواقع المغاربي.
إلا أن منطق التوجه الفني لهذا التيار نفسه فضل عموما للمسرح أن يعبر باللغة الدارجة، لأن اللهجة تظل أداة التعبير المفضلة بالنظر إلى أنها تتيح التعبير بتلقائية وحيوية، كما تتيح للمعيش الجمعي أن يقتحم الخشبة فضلا عن أنها تتيح بمفردها النفاذ إلى حساسية المتفرج وإحداث أصداء عميقة فيها وردود فعل غير متوقعة في أغلب الأحيان. ثم إن اللهجة تملك بالخصوص، من خلال سحر الكلمة والحركة، القدرة على الربط المفاجئ بين راهنية ساخنة وماض متجذر بعمق.
وكما ذكر المؤلف التونسي عز الدين المدني[13]، فاللغة المتكلمة التي تُعْرَضُ في الغالب باعتبارها مجرد زي خارجي إنما تخفي، في الحقيقة، مستويات مختلفة، بدءا من اللغة اليومية ووصولا إلى أشكال - قديمة في بعض الأحيان - أكثـر صنعة وتكلفا. أشكال لا تكون دائما في متناول المستمع العادي، غير أنها تظل مع ذلك محملة بقدرة إيحائية شديدة. وقد قادت عز الدين المدني أبحاثه في هذا الاتجاه إلى كتابة مسرحية خرافـة رأس الغـول وعرضها في تونس سنة 1969 في ذكرى جهاد الإمام علي ضد كفار اليمن. فقد استوحى التقليد الشعبي للحكايات الملحمية كما تروج في «الأدب الأصفر» - هذه الكتب الصغيرة التي تطبع في أوراق صفراء وتباع في الأسواق بأثمنة زهيدة - أو كما يحكيها في الأسواق القصاصون الشعبيون (المداحون)، فأخرج مسرحيا هـذه الحقيقـة الواقعيـة التاريخيـة والمتعالية عن الزمان، في الوقت معا، المتعلقة بالكفاح ضد الظلم مرموز إليه بشخصية الإمام علي العجيبة، أي بالجد الروحي للشيعة. ومن خلال لعب المؤلف على النص والإخراج توصل إلى وضع المتفرج أمام حرية الرجوع إلى الظلم الأبدي أو الظلم المجسد في الوضعية التاريخية التي يعيش فيها. وقد أحالت حركية الإمام علي المستوحاة مباشرة من التمثلات الشعبية، كما تصورها الرسوم الشهيرة على الزجاج، هذا المتفرج أيضا على الحساسية الفنية التي سبق له أن تشبع بها. وقد حفرت اللغة نفسها، من خلال تأرجحها بين الكلام العادي اليومي واللغة الأكثر طقوسية متمثلة في حديث القصاصين الشعبيين، حفرت في الراهن كلمات لكي تستوفي الأساس المنسي للرمزي الخاص بالثقافة الشعبية.
ومما سبق نلمس أيَّ استحضار للهوية يمكن أن يتحقق في المسرح أو الأغنية من خلال هذا التعمق في التقليد الشفهي الذي يعيد إلى اللغة الأم السمات المنسية لماض يشكـل مصـدر خصب لها على الدوام. ومن المحقق، كما يتضح ذلك من خلال النجاح الذي يلقاه هذا المسرح وهذه الأغنية، أن ما يتم استحضاره هنا إنما هو هوية حية مختلفة بالتأكيد عن التقليد الغربي، بل وكذلك عن التقليد العربي الإسلامي «المثقف».
لقد تطرقنا هنا إلى مجالات ثقافية مختلفة دون أن نسعى إلى الإحاطة بالحقل الذي تغطيه تلك المجالات، لأن قصدنا ينحصر في التقاط الأبعاد الثلاثة التي ندرسها وهي تشتغل داخل ذلك الحقل. ونلاحظ أنها حاضرة فيه، ويمكن التعرف عليها انطلاقا من معالم لغوية. غير أن تحديد الحقل الثقافي والفاعلين المتواجدين فيه لا يتيح التعرف على اللعبة. قد يصعب تصور دينامية بنيوية معينة تبرز العمل انطلاقا من طبيعة الفاعليـن. غير أنه من الهام معرفة قواعد اللعبة، ولذلك يجب التساؤل عن الفئات الاجتماعية التي تتخذها هذه الضوابط مرجعا وعن القوى السياسية التي تهيمن على الساحة، أي التساؤل - في حالة المغرب العربي - عن السياق الكلي لبناء الدولة وإرساء سلطتها.
5 - الدينامية الاجتماعية والثقافة الوطنية
لقد أتاحت لنا الصفحات السابقة الوقوف على أن اللغة، باعتبارها عنصرا أولا ومكاملا للثقافة، تبدو بمثابة الفاعـل المحرك لمثاقفة الفـرد، أي لتنشئته الاجتماعية من خلال كونها تجعله ينقل متخيلاته المنعـدمة الشكـل إلـى بنيـة الرمـزي. ويتم هذا الانتقال إلى «الثقافة» عند الفرد بقبولـه لقانون يجعله يتخلى عما «لا يمر» في اللغة، ولا يمر في الثقافة فيما بعد. لكن يترتب عن هذا القبول إدماج للفرد داخل الجماعة، أي إكسابه هوية تجذبه وتطمئنه. هكذا، وفي نهاية المطاف، إذا كانت اللغة والثقافة قانونين فهما أيضا قطبا جذب. فالسلطة والإغراء مترسخان في الحركة نفسها. السلطة تعمل بالغوايـة.
لقد حددنا في حالة المغرب العربي موقع ثلاث لغات أو ثلاث ثقافات، وبالتالي ثلاثة قوانين تمارس سلطتها في عملية التنشئة الاجتماعية، أي تعرض ثلاثة أقطاب للتماهي. وهذه المجموعات الثقافية تغطي مجموع الحياة الاجتماعية لدى الأفراد، إذ ما من ممارسة أو فعل إلا وهو «خاضع لضابط» قانون اجتماعي، أي لتعبير ثقافي. كما أن ما من ممارسة أو فعل إلا ويقال داخل اللغة. وما قلناه عن بعض الموضوعات قد ينطبق على مجموع ما يسمى ثقافة بمعنى أوسع، بمعنى مجموع حياة الإنسان: استهلاكه، عمله، تصوره للجسد والزمن والموت...
وكما أن اللغات لا تحتل مواقع متشابهة، فالأمـر كذلك بالنسبة للضوابط الثقافية التي تترجمها تلك اللغات. فاللغة الأم غير مكتوبة وغير معترف بها، ومع ذلك فهي اللغة التي تغور في أعماق الفرد، وهي التي يجد بداخلها التعبير عن هويته الأولى. أما اللغتان الأخريان اللتان تحيطهما سلطة «الثقافـة» والكتابة بهالة وتمنحهما نفوذا، فتستفيدان من وضع أرقى في الممارسة الاجتماعية. فالضوابط الثقافية التي تقابلهما تملك سلطة أقوى، لكنها تبقى سلطة خارجية عن الفرد وتظل، بهذه الصفة، أقل فرضا لنفسها عليه. ونظرا لأن تلك الضوابط تندمج في الدواليب العليا للمؤسسة السياسية، فإنها أكثر قدرة على إيصال تأثيرات تلك السلطة التي تمتلكها استراتيجية سياسية ما. والسؤال المطروح الآن هو معرفة كيف يتم إدماج هذه القوى الثقافية في الجهاز الكلي للحكم بهدف التأثير في الدينامية الاجتماعيـة.
الجماعـة القاعدية، العالـم الإسـلامـي، الأمـة[14]
عرف المغرب العربي طيلة الحقبة التاريخية السابقة للاستعمار قطبين أساسيين للانتماء الاجتماعي بالقياس إليهما كان يتم تحديد الهوية. الأول هو قطب الجماعة العائلية الممتدة بهذا القدر أو ذاك. وفيه كان يتم التفكير في الانتماء بمصطلحات النسب الذي يكون حقيقيا أو خياليا. وقد كانت أبعاد هذه الجماعة تمتد أحيانا من العائلة إلى القبيلة أو أي جماعة أخرى. كما كانت طرق الانتماء ودرجاته ترسم عموما حسب نموذج تفرعات شجرة النسب كما تبينه النظرية الأنثروبولوجية الانقساميـة[15]. ذلك النموذج هو مصطلح قـوم[16] الذي يطلق في التقليد اللغوي العربي على هذا النمط من الانتماء القائم على الدم. ونعرف قوة هذه الروابط الأساسية التي ذكرها ابن خلدون في مفهومه العصبيـة[17]، والتي تظل حقيقة واقعية ما لم يمحها إلى اليوم خطاب الإسلام المعياري الذي ينعتها بالتعصب أو خطاب الغرب الذي يـرُدُّها إلى عالم البدائيـة.
أما القطب الثاني للانتماء الاجتماعي، فهو الجماعة الإسلامية - الأمة، أي جماعة المؤمنين التي لا تقبل أي تمييز يقوم على أساس الدم أو العرق أو الانتماء القبلي، وذلك رغم أن العنصر العربي شكل دائما قلبها التاريخي. ومع ذلك، فما دامت هذه الجماعة جماعة روحية، ومادام لم يحاول أي حكم تسلطي إعطاءها شكلا واضحا، فإن كل مغاربي لا يجد مشكلا في الحياة ضمن هذه الهوية المزدوجة وهذا الانتماء المزدوج إلى عشيرته في الدم وجماعته في الديـن.
تعتبر فكرة الـ (Nation) بمعناها العصري، والتي تترجم أحيانا إلى العربية بكلمة وطن، فكرة غريبة عن التقليد السياسي العربي. فقد كانت - ولازالت - تعتبر بمثابة النتيجة التعسة لعملية «الْبَلْقَنَـةِ» التي أجراها الغرب داخل الأمـة (Nation) العربية الكبرى الوحيدة. أما اليوم، فقد فقد رجال الدولة - باسثناء بعض الساسة المثاليين أمثال العقيد معمر القذافي - الأمل القريب في إعادة منح إطار سياسي للأمة التي تظل الموضوع المثالي لمشروع يتناقض مع الحقائق السياسية الحديثة السائدة في الوقت الراهـن.
يتعين علينا مقابلة هذه المرجعيات الطوبولوجية الثلاث للهوية - الجماعة القاعدية، والأمة العربية، والأمة العصرية - بتلك التي تقدمها اللغات الثلاث، وهي اللغة الأم واللغة العربية الكلاسيكية واللغة الأجنبية الفرنسية. ولتوضيح هذه المقارنة يمكن رسم جدول للتطابق على الشكل الآتي:

الأمة القاعـدية
الأمة العربيـة
الأمة العصريــة
(قـــــوم)
(أمـــــة)
(وطــــــن)
اللغـة الأم
العربية الكلاسيكية
اللغة الفرنسية؟

وإذا كان يبدو من السهل إجراء التقابلين الأولين، فإن الثالث على العكس يطرح مشكلا. فاللغة الأم، عربية كانت أو بربرية، هي بالفعل لغة الجماعة الأصليـة للفـرد. بـل ويمكننا أن نذهب إلى القول إن اللغة الآن تحدد دائما الجماعة الأصغر، ونعني بها اللهجة التي تتكلمها هذه القرية أو تلك بخصوصيتها القبلية. فكونها تجَانِسُ بين وحدات اجتماعية مختلفة أمر يطابق اتساع دائرة العلاقات التي ترتبط بها هذه الوحدات فيما بينها. إن هذه اللغة هي أول عنصر للتماهي بين الأفراد. وهي تقع دائما في القسم الأسفل من المستوى الوطني. أما الانتماء القبلي بالمعنى الواسع الذي يشمل الانتماء إلى الوسط الاجتماعي القاعدي بمعناه المحلي، فيمثل - شأنه شأن اللغـة الأم - العنصـر الحاسـم، لكـن غير المعترف به في تحديد الهويـة.
طبعا، تحيل اللغة العربية الكلاسيكية على الأمة. وفي غياب اعتبارات أخرى تظل هذه اللغة، إلى جانب الدين، القاعة الراسخة والدائمة للأمة. ويترجم إصرار جميع الدول العربية على عدم اتخاذ أي لغة وطنية عدا العربية، ضمن ما يترجمه، ذلك التعلق الراسخ لدى هذه الدول بالجماعة الإسلامية الكبرى.
ويبدو التقارب بين اللغة الفرنسية والأمة (Nation) تقاربا جلي التناقض لأن ما من دولة من دول المغرب العربي الثلاث إلا واختارت اللغة العربية لغة وطنية. وسياسة التعريب تترجم هذه الإرادة إلى وقائع. ومع ذلك، يمكن التساؤل عما إذا كان هذا الالتقاء العرضي في الظاهر لا يترجم تماثلا عميقا بين اللغتين، لأنه إذا كانت اللغة الفرنسية لغة أجنبية في المغرب العربي وكان الاستعمار هو الذي أدخلها فيه، فمن الصحيح أيضا أن فكرة الأمة (Nation)، بإطارها المؤسساتي وإيديولوجيتها معا، قد تم إدخالها ضمن نفس الشروط. فالمغرب نفسه لم يكن يعرف الأمة بهذا الشكل رغم قدم النظام الملكي فيه. ويمكن أن يقودنا ذلك إلى التساؤل عن المعنى العميق للبنـاء الوطنـي.
البناء الوطني والتنميـة والتعريـب
لقد وجدت الدولة الوطنية في المغرب العربي نفسها إبان اضطلاعها بالحكـم فـي فجـر الاستقـلال أمام مهمـة مـزدوجـة أوكلتها إليها الأمـة ضمنيا: مهمة بناء شخصية وطنية أصيلة (وذلك على عكس عملية محو الشخصية المغاربية التي باشرها الاستعمار طيلة فترة الاحتلال) من جهة، وضمان تنمية البلاد وجعلها أمة عصرية بهدف ضمان تغطية الحاجيات الضرورية لكل فرد باعتبار تلك التغطية شرطا وقاعدة لاحترام كرامته، من جهة أخرى.
غير أن الانتقال إلى الممارسة سرعان ما فضح التناقض الذي يختفي في هذا الهدف المزدوج. فالتنمية كانت في الواقع تعادل تغريب البلاد، إذ لم تستطع أي دولة اقتراح طريق للتنمية أصيل ومختلف جذريا عن النموذج الغربي. وحتى تلك الطرق التي أطلق عليها في تونس والجزائر إسم اشتراكية لم تكن في الواقع سوى إعادة إنتاج صور معدلة بهذا القدر أو ذلك لرأسمالية الدولة في إطار تقنوقراطية بيروقراطية متحجرة. والحقيقة أنه لم يتم اقتراح أي طريق آخر. حقا، لقد اقترحت بعض الأوساط - وهي أقلية صغيرة في الواقع - اللجوء إلى تعريب جذري كشكل من المعارضة المطلقة للمجتمع الاستهلاكي، غير أنها لقيت على العموم نفورا بالإجماع في مجتمعات لازالت بعيدة عن تغطية الحاجيات الضرورية لمجموع سكانهــا.
إلى ماذا، إذن، تم اختزال البحث عن الأصالة؟ في الواقع لا شيء في البنية الكلية يتيح تقديم جواب حاسم: لا ذلك الحفاظ على أخلاق عمومية إسلامية الذي يكذبه على الفور هذا الزخم المؤيد لقيم غربية متناقضة مع القيم الإسلامية، ولا سياسة التعريب التي تهمنا بالخصوص.
في هذا السياق، تبدو المرامي الموضوعية للتعريب غامضة. حقا لقد كان من الهام إرجاع اللغة العربية إلى مكانتها اللائقة بها. وهنا ينطبق ما قلناه عن اللغة باعتبارها قانونا. فمعرفة اللغة العربية تحيل على الإرث الإسلامي والتاريخي العربي. غير أنه يتعين رؤية أن القانون العربي في الحالة الراهنة يوجد في موقع دونية بالقياس إلى القانون «الفرنسي» أو الغربي أو العالمي بالنظر إلى العناصر المحركة. فالقانون الأخير هو الذي يلهم مجموع سياسة التنمية التـي تترجم في الواقع بتغريب عميق لسائر دواليب المجتمع رغم التأكيدات النافية لهذا التغريب (Occidentalisation). ففي الواقع، تواصل الدولة الوطنية المهمة التي بدأها الاستعمار. وقد أكملت مخططاته في الغالب منذ السنوات الأولى للاستقلال. وبذلك فهي وريثة له. استلمت الحكم من الخارج، لكن يتعين عليها أيضا أن تحرز على اعتراف بمشروعيتها، وذلك بتأكيدها لذاتها باعتبارها ذاتا أخرى مختلفة عن ذلك المستعمر. وهنا تكمن وظيفة سياسة التعريب. فهي تهدف قبل كل شيء إلى استـرجاع سلطة الأجنبي المستعمـر لفائدة الدولة الوطنية. إلا أن ذلك الاسترجاع لا يمكن أن يتم إلا إذا أحرزت هذه الدولة الوطنية على مشروعيتها. والحالة هذه، لا يمكن لهذه المشروعية أن تأتي إلا من القيمة الوحيدة التي يعترف بها الجميع باعتبارها مختلفة عن الغرب ونابعة من الداخـل، ونعني بها الإسلام هذا القانون الوحيد المقبول في المغرب العربي منذ قرون وبدون اعتـراض. وبذلك تكون وظيفة التعريب هي إضفاء شرعية الإسلام على الدولة الوطنية بواسطة اللغة العربيـة. وهذا الإضفاء يتيح، في لحظة ثانية، تحييد ما قد يعترض في الثقافة الإسلامية على سياسة تنموية تؤدي إلى استيراد نماذج ثقافية أجنبيـة.
إنها هذه العملية التي تتحقق في اختيار لغة وطنية فرنسية في محتواها ووظائفها لكنها عربية في شكلها ومرجعياتها الدلالية. الأمر الذي يمكن اعتباره أيضا بمثابة تحويل لغة كانت في الماضي مقدسة تقديسا تاما إلى لغة لائكية ذات استعمال دولي، إلى لغة «للإسمنت والفولاذ»[18]. وبهذا المعنى تحدثنا عن التعريب باعتباره «حصان طروادة للتغريب». ولا يتعلق الأمر هنا بقول إنه كان بالإمكان اتباع طريق آخر بقدر ما يتعلق بمعاينة واقع كثيرا ما يراد له أن يظل مجهولا.
ولعل عملية البناء الوطني الناجحة هي تلك التي تجتذب لصالحها - بواسطة لغة وطنية عربية موحدة - فعالية التقدم التقنية مقرونة بالشرعية الإسلامية والتجذرات العرقية. فمن شأن عملية كهذه أن تحقق لفائدتها وحدة مكونات الثقافة الوطنية، وتتمتع لهذا السبب بسلطة ثقافية ذات هيبة ومناعـة.
التعريب والتحـول الاجتماعـي
تقود الأولوية المعطاة للتنمية والتقدم إلى التأمل في آثار دينامية هذه الثقافة بالنسبة للسياق الكلـي.
باعتبار تلك الأولوية تنحدر من النموذج الرأسمالي فهي تولد اللامساواة. وما يصدق على جميع البلدان يصدق على المغرب العربي أكثر حيث تحول التبعية الدولية والضغط الديمغرافي الداخلي دون وصول جميع شرائح السكان بطريقة متساوية إلى امتيازات التقـدم. ويتولـد عـن ذلـك تنافـس اجتمـاعي حـاد يمكـن أن تستعمل فيه جميع الوسائل للاستئثار بجانب من هذه الامتيازات. وآنذاك لا يبقى للطبقة الاجتماعية المستأثرة بعملية الترقية هذه إلا محاولة الإيهام بأنها هي التي تعمل بشدة من أجل ضمان غد زاهـر للجميع. فمن شأن هذا العمل أن يبرر الامتيازات التي تستفيد منها حاليا. ومن الأمثلة النوعية لهذا التنافس الاجتماعي سياسة التعليم التي ترمي إلى إشراك أكبر عدد من الأطفال في هذه العادة الثقافية. فهذه العملية هي القادرة وحدها على جعل الذين أقصاهم النظام، أو «نفايات التعليم» يعتقدون أن عدم كفاءتهم هي التي جعلتهم غير قادرين، بل وغير جديرين بالانضمام إلى كتائب المجتمع الجديد المتألقة (غرانغيوم، 1977: 34-43).
وهذه الوضعية الصعبة بالقياس إلى الإدماج الاقتصادي والاجتماعي تقود إلىالفردانية، أي إلى محاولة كل فرد «أن يخرج منها سالما بمفرده». وهذه نتيجة منطقية أخرى لنظام اختار النقد باعتباره قيمة أولـى، بهـا يحظى المرء بالتقدير، وأحَلَّهَا محل الشـرف. وهو تطور يسهـل ملاحظته في الاستراتيجيات الزواجية التي لم يعد الفرد فيها يبحث عـن مصاهـرة «عائلات شريفة» كما كان الأمر في الماضي بقدر ما يبحث عن مصاهـرة عائلات ثـرية أو ذوات نفـوذ. وتقـود هـذه الفردانية إلى التلاشي التدريجي للتضامنات العائلية أو القبلية القديمة ما لم يتم إعادة تنشيطها، وهو ما يحدث في أغلب الأحيان، لاستخدامها كجماعات ضغط داخل النظام الجديد.
في هذا السياق الذي يشهد أعدادا كبيرة من المؤهلين، لكن القليل منهم فقط هم الذين يُختارون «لخدمة التنمية»، تبقى أغلبية واسعة من المهمشيـن الذين تتراجع الشروط الموضوعية لحياتهم اليومية سواء تعلق الأمـر بالأجـور أو الصحة أو السكن. وهؤلاء قد يرون في المرجع الديني الملاذ الأخير ضد الجور الرأسمالي. وهنا ربما يكمن تفسير بعض حركات الانبعاث الإسلامية - مثل حركة الخوانجية في تونس - التي تتشبه في الغالب بجماعات الإخوان المسلمين المصرية. ويمكن ملاحظة أن انتفاضة الإيرانيين الحديثة (سنة 1979) باسم الإسلام ورفضها لتنمية فاسدة قد جعلت هذه الأقلية تنتقل فجأة من وضع حركات سلفية إلى وضع أقليات فاعلة. كما يمكن لرد الفعل، هذا، تجاه وضعية فاسدة أن يتحول إلى مقاومة مطلقة ورفض معمم لكل ما تقترحه الدولة باعتباره لا يمكن أن يخدم إلا سياستها. لقد ردت نساء من جنوب تونس على موظفين من قسم تخطيط الأسرة جاؤوا يعرضون عليهن استعمال أقراص لمنع الحمل، بأن قلن: «[هذه الأقراص] فَاسْدَاتْ كِ زِيتْ الْخُلْـزَة (فاسدات مثل زيت السلجم)». وهي إجابة تقدم حصيلة سريعة وبليغة لسياسة تنموية تؤدي بالمنتجين التونسيين إلى بيع زيت زيتون ممتاز بثمن زهيد كي يشتروا زيت سلجم مشكوك في جودته (كامل شعيب، 1979).
إلى أي حد يمكن أن يذهب «الذين أقصتهم» التنمية؟ لقد أظهرت الثورة الإيرانية لأول مرة عواقب رفض وضعية كهذه. غير أن أي بديل صالح لم يتم تقديمه حتى اليوم. فالحلول التي يقدمها الكتاب الأخضر للعقيد القذافي تعد في الغالب طوباوية، فضلا عن أن تطبيقاتها الأولى في ليبيا لم تجد إلا صدى ضئيلا على الصعيد الدولي. وفي المغرب العربي يقود هذا الرفض إلى تصلب الأنظمة: تصلب الدولة التونسية بعد سقوط قتلى يوم 26 يناير 1976، وتصلب الحكومة الجزائرية التي تواجه ضغط شبيبة غير مندمجة باللجوء إلى حملات «تطهيرية»، فيُنقل هؤلاء الشباب إلى معسكرات الأشغال، ثم تصلب الملكية المغربية التي وجدت لمعارضتها مصرف حرب حقيقية. ويبدو أنه يتم الوصول إلى عتبات التنمية، لكن هذه الأخيرة تصطدم بحدودها الخاصة فلا تعود قادرة إطلاقا على منح هؤلاء المحرومين أي وهم للإندماج الثقافي، ولا تجد ملاذا آخر غير الضغط القمعي.
الثقافة الوطنية: هوية جديدة؟
الثقافة المثالية هي تلك التي ترسي قانونها بتحبيب نفسها. ولعل المثال، فيما يخص الدولة المغاربية، هو أن تُنَصِّبَ هذه الدولة نفسها باعتبارها القطب الوحيد للقانون والرغبة محلة نفسها محل القانون الثلاثي: قانون الإسلام والغرب والأم. لقد أخذت من الغرب لغة حول العلم، والتقدم، والتقنية، والصحة. لكن يتعين قول هذه الأشياء باللغة العربية كي تترسخ نهائيا في أذهان الجماهير. وآنذاك، سوف تتحقق الوحدة الثقافية الوطنية الجديدة لتخلف «عسر القراءة والفهم» الذي يطبع ثقافة الحاضر. وموقع اللغة الأم هو وحده الذي يطرح مشكلة. لكن يجب أن نلاحظ في بلدان كمصر وجود تنافذ مترابط مع استرجاع هذا البعد في إطار الوحدة الوطنية. أما في المغرب العربي، فيضع انقسام اللغة الأم إلى لهجات عربية وبربرية عائقا أمام مثل هذا التطور. غير أنه من العرضي ملاحظة أن تونس، حيث اللغة أكثر تجانسا بفعل اختفاء البربرية تقريبا، هي البلد الأكثر انفتاحا على لغته اللهجيـة.
أمام هذا التوحيد الثقافي المحدد بهـذا الشكل، والـذي يتحقق أخيرا على حساب لغة وهوية عربيتين مختلفتين، يمكن التساؤل عما إذا كان الحل الراهن الذي يحافظ على الشخصية الخاصة بكل ثقافة في إطار الازدواجية اللغوية ويحيل على هوية ثقافية مزدوجة أفضل من هذا التوحيد المفقر الذي ينحو إليه التعريب المرتبط ببناء هوية وطنية. قد تتساءل الدولة لدى تحقيق ذلك التوحيد عن الحقل الملائم لزرع بذور شرعيتها الفتية. لكن ألا يقتضي التبصر الرجوع إلى هذه الثقافة الحية والأصلية، إلى هذه اللغة الأم التي كانت دائما عربية وبربرية في آن واحد، والتي تعين مكان الهوية الأشد عمقا وتجذرا ورسوخا لتاريخ لم يتنازل أبدا عن أراضيه ورجالـه؟

داليا الهواري
14-03-2007, 11:55 PM
مدخل إلى الأدب الجزائري
بقلم: جعفر يايوش

إن البحث في تاريخانية الأدب الجزائري، يطرح سؤالا منهجيا عن بداية الأدب الجزائري، بمعنى آخر نحن أمام إشكالية إبستيمولوجية الأدب، كي نحدد الفطريات المؤسسة للمخيال الأدبي لدى الجزائري كفرد أم كمثقف ينتمي إلى مجتمع ينعت بالجزائري، ومن ثم هل نحن أمام مشروع تأصيل الهوية وتجذير منشأ هدا الأدب المحلي، أم نحن بصدد الكشف عن آليات التثاقف والتناص والتحيين للثقافة العربية المشرقية ولكن بصورة جديدة في ملبسها قديمة في جوهرها ؟
ومسألة الأسبقية في باب من المعرفة أو الفن أو العلم ليست بدعا جديدا في ثقافتنا العربية بل هي مظهر ثقافي قديم، ولقد كان أول من أشار إلى هذه الإشكالية هو بن حزم الأندلسي، وذلك عندما عرضت عليه مسألة نسبة الأديب ؛ فمثلا عندما ندرس ابن هانئ هل نموضعه بين شعراء الأندلس ؟ وهل يعد نتاج أبي علي القالي مشرقيا ؟ وهل يعد الخشني قيروانيا ؟ بمعنى هل ننسب الرجل وأدبه إلى مسقط رأسه أم إلى محل إقامته واشتهاره ؟
وكان جواب ابن حزم: " وذلك أن جميع المؤرخين من أئمتنا السالفين والباقين _ دون محاشاة أحد بل لقد تيقنا إجماعهم على ذلك، متفقون على أن ينسبوا الرجل إلى مكان هجرته التي استقر بها ولم يرحل عنها رحيل ترك إلى أن مات ,,, فمن هاجر إلينا من سائر البلاد فنحن أحق به و هو من بحكم جميع أولي الأمر منا الذين إجماعهم فرض إتباعه وخلافه محرم اقترافه، ومن هاجر منا إلى غيرنا فلا حظ لنا فيه والمكان الذي اختاره أسعد به ؛ فكما لا ندع إسماعيل بن القاسم فكذلك لا ننازع في محمد بن هانئ سوانا، والعدل أولى ما حرص عليه، والنصف أفضل ما دعي إليه ,,,"1 .
وكأن ابن حزم الأندلسي استطاع بحدسه المنطقي والتاريخي وبذوقه الفني أن هناك تمايز ما وخصوصية ما تحدد بأن هذا أندلسي وذاك مشرقي وليست المسألة كما اختزلها بعض المشارقة بقوله هذه بضاعتنا ردت إلينا . ولذا نجده في الرسالة نفسها يوضح سبب مناقشته لهذه الجزئية وهو كي يرد على من مازالوا على تشيعهم المشرقي أو مناهضتهم لكل جديد والأمران سيان في مذهبنا، إذ الوقوف على مصدر واحد واتخاذه أصلا لكل ما يأتي بعده فيه من مجانفة الصواب والحقيقة والمنطق الكثير، لذا يقول ابن حزم :
" وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر " أزهد الناس في عالم أهله "، وقرأت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال : " لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده " ....و لا سيما في أندلسنا؛ فإنها خصت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم، الماهر منهم، واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وأكثر ذلك مدة حياته، بأضعاف ما في سائر البلاد .إن أجاد قالوا: سارق مغير، ومنتحل مدع، وإن توسط قالوا: غث بارد وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق قالوا: متى كان هذا ؟ ومتى تعلم ؟ وفي أي زمان قرأ ؟ و لأمه الهبل .... فإنه لا يفلت من هذه الحبائل، ولا يتخلص من هذه النصب، إلا الناهض الفائت، والمطفف المستولي على الأمد "2
هذا من جهة رؤية ابن حزم المعاصر لزمانه، أما فيما يتعلق برؤيتنا للمسألة في زماننا، نجد أنها لا تعدو أن تختلف كثيرا عن صورتها القديمة، لأن صراع المشارقة مع المغاربة حول مدى استقلالية الإبداع المغربي عن أصوله المشرقية لم يبق موضوع الأصول والفروع أو الأب والابن، إنها مسألة تخطت ذلك كثيرا، إنها تعبير عن سنة كونية لصيقة بسنة التطور والتقدم المادي والروحي ؛ فالجديد يأخذ قوته وغذاءه من الأصل، حتى يتقوى ويشتد عوده، ثم يستقل بنفسه عن غيره ويصير له رأي فيما يخصه، ولكن إن طرحنا المسألة من زاوية أن الأندلس كانت تمثل الدولة الأموية في الغرب الإسلامي والمناهضة للدولة العباسية في المشرق ؛ فنحن هنا بإزاء رؤيتين سياسيتين ومشروعين حضاريين كل منهما يريد الريادة والسيادة، وعليه يمكن لنا فهم محاولة ابن حزم التأصيلية ، خاصة إذا أدخلنا في الحسبان تلك العلاقة الدبلوماسية التي كانت تربط بين الدولة الأموية في الأندلس
و الإمبراطورية القسطنطينية، في حين كانت الدولة العباسية خاصة في عهد هارون الرشيد تربطها علاقة دبلوماسية مع الدولة الكارولينجية في عهد الملك شارلمان ملك فرنسا، إذ تعدت أو لنقل اصطبغت الممارسة الأدبية بما كان يكتنف الرؤية السياسية لكلتا الدولتين العربيتين في المشرق والمغرب الإسلاميين، ومن هنا تتأكد وجهة نظرنا في هذه الأطروحة أن القضية ليست مسألة ريادة في باب من أبواب المعرفة أو الفن، وإنما هي في جوهرها مسألة سيادة معرفية وسيادة سياسية أيضا ولذا عرف تاريخ الثقافة العربية تلك الحظوة التي كان ينالها الأدباء والعلماء المبرزون عند الملوك والأمراء، وهذا يبين ذلك الاكتشاف المبكر للعلاقة الوظيفية التي تربط بين ( السياسي ) و ( المعرفي ) ومدى حاجة كلا منهما للآخر، وكلما كانت العلاقة تكاملية وتسخيرية كانت النتيجة مطردة ودائمة الإيجاب وكلما كانت العلاقة تسلطية كانت النتيجة عكسية ومستمرة السلب.
وبسبب هذه الحساسية التي ينماز بها موضوع السيادة والريادة بالنسبة للنص الأول في تاريخ الأدب العربي بصفة عامة والجزائري بصفة خاصة، نجد من الباحثين الجزائريين الذين طرقوا هذا الموضوع كلا من :
الباحث عبد الملك مرتاض من خلال كتابه الموسوم ب " الأدب الجزائري القديم، دراسة في الجذور " طبع سنة ألفين 2000 ميلادية بدار هومه الجزائر، والذي يفتتحه في تقديمه بأسئلة استشكالية للموضوع :
" .... وإذن، هل يوجد فعلا، أدب جزائري قديم ؟ وإذا كان موجودا حقا، فما مدى حجمه على المستوى الكمي ؟ ثم ما طبيعة هذا الحجم نفسه، على المستوى النوعي، أي من حيث طبيعة نسج نصوصه، وخصوصية مضامينه، وتفرد خصائصه التي تطبعه بطابعها؛ فيستمر بها بوجه عام ؟
" غير أن هذه الأسئلة المثارة، والمثيرة جميعا، لا ينبغي لها أن تفضي إلا إلى إثارة أسئلة أخراة تترتب عليها، وتتولد عنها، مثل إمكان مساءلتنا، ما الأدب الجزائري القديم نفسه ؟ أي ما هويته الحضارية ؟ وما لسانه، إن كنا مفتقرين إلى التساؤل عن جنس هذا اللسان ؟ ثم ماذا نعني بالقدم في هذا القديم ؟ ومن أين يبتدئ هذا القديم في القدم ؟ وإلى أين ينتهي ؟ وهل القديم هنا، هو، حقا في مكانه من الاستعمال حيث لا نرمي به إلا إلى ما بعد ظهور الإسلام في الربوع الجزائرية ؟ و هل، إذن ينصرف قدم هذا الأدب إلى ذلك العهد وحده حقا، أم كان يجب أن يجاوزه غورا، ويعدوه طورا، ليكون أدق في الدلالة، وأصرم في المعنى ؟3 ". وبعد ذلك يثير إشكالية وجود أدب أمازيغي محلي سابق في الوجود عن الأدب العربي الذي عرف وجوده لارتباطه باللغة العربية وانتشار الإسلام في ربوع بلاد المغرب العربي، ومن ثمة هل التأريخ للأدب الجزائري يبدأ من ذلك الأدب الأمازيغي المفترض أسبقية وجوده عن عهد الإسلام في بلاد المغرب، أم أن التأريخ للأدب الجزائري القديم يبدأ من أول نص أدبي عرفته هذه البلاد والموجود فعلا والذي يعود إلى منتصف القرن الثاني للهجرة ؟ وقد اختار الباحث عبد الملك مرتاض الموقف الثاني لأنه متحقق وجوده سواء من الناحية التاريخية أم من حيث الناحية المنهجية المتعلقة بالبحث في موضوع الأدب الجزائري القديم، ولا علاقة لهذا الاختيار بسبب عرقي أو قومي أو أيديولوجي أو ديني، كما يرى البعض بأن هذا الاختيار فيه شيء من التجني على الحقيقة وحيف وظلم بحق الأمازيغ السكان الأصليون لبلاد المغرب وهضم لحقهم في تاريخ التراث الثقافي الخاص بالجزائر ؟4 .
ولهذا اتبع الباحث في كتابه الخطة التالية وهي إتباع المنهج التاريخي في القسم الأول من الكتاب، والمنهج التحليلي في القسم الثاني من الكتاب كي يستطيع أن يثبت وجود هذا الأدب الجزائري القديم من جهة، ومن جهة ثانية ليثبت أدبية هذا الأدب الجزائري، لأنه فعلا ليس أي نص هو نص أدبي أو يحوز مواصفات الأدبية في ثناياه وبين أسطره ووراء كلماته وتحت حروفه ؟
أما الباحث الثاني الذي أثار هذه الإشكالية؛ فهو الأستاذ عمار بن زايد في كتابه " النقد الأدبي الجزائري الحديث " الذي طبع سنة 1990 بالجزائر، إذ يقول في مقدمة كتابه:
" .... فمن المعروف أن النشاط الأدبي في الجزائر إلى غاية العشرينات من هذا القرن، كان ضعيفا شكلا ومضمونا، ولكن عندما أخذ الأدب الجزائري في النمو والتجدد شيئا فشيئا، من بداية العقد الثالث من هذا القرن (... ) هذا من جهة، ومن جهة ثانية، كانت البيئة الثقافية الجزائرية تتميز بوضع شاذ بين البيئات الثقافية العربية الأخرى، لما عرفته من سيطرة استعمارية قاسية، قضت إلى حد ما، على الإمكانيات وخنقت الحريات، وحاولت جاهدة أن تقطع كل جسور التواصل بين الجزائر العربية المسلمة، وشقيقاتها في الوطن العربي، و لا سيما في المشرق .5
ويتعرض لأولية الأدب الجزائري الحديث في الفصل الأول من الكتاب، وإذا به يخوض في أيهما أسبق وله قصب السبق في نشأة الأدب العربي الحديث هل هو الجزائر أم المشرق، وذلك من خلال الأمير عبد القادر الجزائري وذلك في مقابل سامي البارودي في مصر ؟ وذلك من خلال عرضه للمسألة من ثلاثة زوايا لكل منها من يمثلها ؛ فالزاوية الأولى يمثلها الدكتور صالح خرفي والذي يميل إلى جعل الأمير عبد القادر رائد النهضة الأدبية الحديثة في الجزائر على غرار ريادة سامي البارودي للنهضة الأدبية في مصر ومن ثمة انسحبت هذه الأسبقية والريادة على بلاد المشرق العربي بكامله ؟
أما الزاوية الثانية يمثلها الدكتور سعد الله والذي يعتبر أن الأمير عبد القادر يمثل نهاية مرحلة الشعر القديم في الجزائر، في حين يمثل الأستاذ عبد الله الركيبي الزاوية الثالثة لوجهة النظر المخالفة في هذه المسألة إذ يرى أن بداية القرن العشرين كانت إيذانا ببداية الأدب الجزائري الحديث، ليصل الأستاذ عمار بن زايد من وراء عرضه لهذه الآراء الثلاثة المختلفة إلى رأيه الذي يعتبر أن بداية القرن العشرين كانت انطلاقة نوعية في مسيرة الأدب الجزائري لما تضمن من دلائل حية على حدوث يقظة فعلية على المستويات السياسية والأدبية والفكرية 6 .
ولكننا نجد عمار بن زايد، أبقى على ذلك الحبل السري الرابط بين الجزائر والمشرق العربي، الذي كان يمثل مرجعا ثقافيا وحضاريا للجزائر خاصة في العهد الاستعماري، إذ لولا بقاء الصلة قائمة بين الجزائر والمشرق لربما انمحت الهوية والتاريخ والوجود للجزائر كشعب وكفرد وتاريخ وثقافة وأمة ؟
فنحن إذن، أمام موضوعة المشرق العربي وأبويته على المغرب العربي، ومدى حاجة الفرع للأصل، والظل للجذع، بل نحن أيضا أمام مسألة القديم والحديث، بل إن إخواننا المشارقة ما زالوا على عهدهم القديم وشعورهم الأبوي نحو المغرب العربي إلى يومنا، وما زالت مقاييس التبريز والنجاح وأدبية الأديب أو نبوغ المفكر أو نباهة العالم تقاس بما عرف في المشرق في هذا الباب أو ذاك من الفن أو العلم ؟
ونصادف سنة 1997، صدور دراسة للأستاذ الباحث محمد بشير بويجرة تحت عنوان :
" الرواية الجزائرية بين التأسيس والتأصيل، مقاربة إبيستسمولوجية لخطاب حكاية العشاق في الحب والاشتياق " منشورة بمجلة دراسات جزائرية العدد الأول بجامعة وهران، وهو في هذه الدراسة يرد على أطروحة أسبقية المشرق العربي على المغرب العربي، من خلال إجماع المدونات النقدية العربية على أن البدايات الأولى للجنس الروائي تعود إلى رفاعة الطهطاوي، وعلى أن المظاهر الفنية لهذا الجنس الأدبي أي الرواية تجسدت في رواية زينب سنة 1914، كما ترجع هذه المدونات فضل مدرسة الإحياء في الشعر العربي إلى البارودي في بعثه، أي الشعر، على الرغم من أسبقية الأمير عبد القادر له زمنيا وإبداعيا، كما أن من أرخوا للنص الروائي الجزائري، ربطوا نشأته أو بداياته الأولى بالرواية الفرنسية في الجزائر 7 .
ويخلص الباحث بشير بويجرة إلى نتيجة مفادها أن أول نص روائي عربي حديث هو نص حكاية العشاق في الحب والاشتياق، الذي ألفه شخص يدعى محمد بن إبراهيم الملقب بالأمير مصطفى حوالي سنة 1845*، وليس كما رأى بعض الباحثين أن تخليص الإبريز في تلخيص باريز والذي ألفه رافع الطهطاوي هو البذرة الأولى لنشأة الرواية التعليمية في العالم العربي، لأنه وبحسب رأي الأستاذ بشير بويجرة، أن هذا النص هو أقرب إلى فن السير الذاتية أو أدب الرحلات، ويبني استنتاجه هذا من خلال بعض الملامح التي سجلها، من بينها، أن نص تخليص الإبريز يعتمد على عنصر المشاهدة في سرد الوقائع وخلوه من بنائية فنية للحدث الروائي، كما أنه لم يحكمه حدث فني ذو بناء جمالي جدلي وذلك بسبب اعتماده الكلي على الوصف كما يعوزه ذلك الخيال الأدبي الذي يثير الدهشة والتصادم بين النص والقارئ بالإضافة إلى افتقار النص إلى تلك اللغة المكثفة والدالة لغة غنية بمحمولاتها الفكرية والعاطفية وبأيقوناتها المشفرة للنص الروائي، والتي تؤدي إلى تفجير وعي القارئ وإحداث تلك الانشطارية في رقعة النص السردي الروائي 8 ، في حين أن نص حكاية العشاق قد توفر على كثير من الميزات والخصائص الفنية التي تواضع عليها النقاد حتى يحكموا على نص أدبي ما أنه ينتمي من حيث جنسه الأدبي إلى جنس الرواية 9. وبهذا يغدو نص حكاية العشاق هو النص الأدبي النثري الذي يؤسس للرواية العربية ويؤصل للرواية الجزائرية .10
ونجد دراسة أخرى لنفس النص ألا وهو " حكاية العشاق في الحب والاشتياق "، من إنجاز الباحث عبد القادر شرشار، بعنوان " بواكير الرواية العربية في التراث المغاربي، مقاربة حول الإرهاصات الأولى للكتابة السردية في الجزائر "، ونشرت هذه الدراسة سنة 2005 بمجلة دراسات جزائرية العدد الثاني بجامعة وهران، وهي دراسة جيدة ومثمنة لجهد من سبقه ونعني بذلك محمد بشير بويجرة 11، والباحث في دراسته هذه أيضا يخلص إلى نتيجة مفادها أن هذا النص فعلا يمكن اعتباره الإرهاصات الأولى المؤسسة للرواية العربية والجزائرية قبل رواية زينب لحسنين هيكل بحوالي 66 سنة .
كما نجد الأستاذ مخلوف بوكروح، يحقق في نص مسرحي جديد عنوانه : " نزهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق "، كتبت هذه المسرحية باليد وبالخط المغربي الجزائري وطبعت على الطباعة الحجرية عام 1847 م، في شكل كراسة من 62 صفحة، وكاتبها يدعى أبراهام دنينوس، ويعود فضل اكتشاف هذا النص إلى الباحث البريطاني فيليب سادجروف من جامعة مانشستر، وتروي المسرحية قصة حب تجري أحداثها في مدينة خيالية في العراق وفي عصر غير محدد، ويرى مخلوف بوكروح أن أهمية هذا المخطوط المسرحي والذي يرجع إلى القرن التاسع عشر، في أنه حافظ على لهجة مدينة الجزائر . وهذا دليل آخر على قصب السبق للجزائر في النهضة الأدبية الحديثة، إن على مستوى الشعر أو على مستوى الرواية أو المسرح، ونحن نعلم كما يعلم معظم مؤرخي النهضة العربية الحديثة، أن هذه الأجناس الأدبية الثلاث، هي عماد الأدب العربي الحديث، وخلاصة هذا التراث الأدبي الحديث ؛ فلا مندوحة إذن لمقولة القائلين بأسبقية المشرق العربي في النهضة الحديثة ولا في أبويته الروحية والمعرفية على المغرب العربي، إن كان ذلك قديما أيام النهضة الأدبية بالأندلس أو تعلق الأمر بالنهضة الأدبية العربية الحديثة، ومن ثم تتبين لنا حقيقة نظرية أو أطروحة النص الأول الذي يعد البذرة الأولى التي انبثقت من رحمها النصوص اللاحقة واغتذائها من بقايا النص الأصل النص المرجع، وإذا تناولنا الأطروحة من زاوية الريادة الأدبية ؛ فليس شرطا أن يكون المشرق دائما أصل كل حركة فكرية أو نهضة أدبية تنشأ في المغرب العربي، خاصة إذا وضعنا في الحسبان أن الأدب هو ثمرة الحضارة وناتج من نتاج الاستقرار المادي والأدبي في أي مجتمع، وأيضا إذا اعتبرنا أن الأدب هو وثيقة تاريخية تحفظ تراث الأمة التي أنتجت ذلك الأدب، فلا غرو إذا نظرنا بمنظار القومية والخصوصية والمحلية إلى أدب أية أمة، لأن الأدب مرآة العصر وروح الأمة التي أنتجته، فيه نجد آمالها وآلامها، خيرها وشرها، وميسمها الذي وسمها به الدهر، لأن لكل شعب عاداته وتقاليده ومزاجه وذوقه وتجربته الإنسانية ؛ فلا مكان هنا إذن لمقولة أن ما ظهر بالمغرب هو رجع صدى لصوت المشرق أو أنها بضاعة المشرق وردت إليه، وإلا نكون قد جانبنا حد الصواب والمنطق والتاريخ وسنة التطور والتقدم ؟ .
ونجد آخر دراسة إستشكالية لهذه الأطروحة، يقدمها الباحث الدكتور أحمد يوسف في كتابه :
" يتم النص، الجينيالوجيا الضائعة، تأملات في الشعر الجزائري المختلف "، وذلك سنة 2002، ونشر بدار الاختلاف بالجزائر العاصمة، وهو بحث يتناول الشعر الجزائري الحديث من خلال الحفر والتنقيب في طبقاته الأركيولوجية، عله يقف على العناصر النووية التي يمكن اعتبارها جينيالوجيا النص الشعري الجزائري الحديث، أم أن هذا النص الشعري الجزائري الحديث مقطوع الجذور لا أب له ولا ذات رحم ؛ فهو نص اليتم، نص لا يكرر ما سبقه من النصوص الأنموذج، فهو إذن نص تفلت من سيطرة النمذجة الفجة، نص مرتهن بمكنونات قائله وما يمكن للقارئ أن يقف عليه عند أفق التوقع، وهنا يرى الباحث أن هذا النوع من النص الشعري لا يمكن أن نكرهه لأدوات النقد البنوي ولا إلى سننه التي تجعل القارئ رهينة سلطة النص، فالنص ليس نسقا مغلقا في حركة دائرية منكفئة على نفسها ومكتفية بذاتها، بل هو نص يولد معرفة جديدة من خلال قراءات القارئ المتلقي لهذا الأثر الأدبي، إذ الباحث أحمد يوسف يوقفنا هنا في هذا المقام على جيل جديد من الشعراء الجزائريين فهو أسماهم بجيل شعر اليتم أو النص المختلف وأيضا بجيل الشعراء الحداثيين، وهو هنا يريد أن يقدم مقاربة نقدية متخلصة من قيود النقد القديم وحتى النقد البنوي وإن كان رديفا منهجيا ومرجعيا له 12.
في نهاية هذا الفصل والمتعلق بإشكالية النص الأول، نستطيع القول ومن خلال ما قدمناه من مناقشات المتقدمين والمتأخرين، أن المسألة لا تعدو أحد الأمرين أو لنقل أحد المحددين، إما أن أصل المسألة يتناول من زاوية من له قصب السبق والريادة المعرفية والأدبية، أما إذا امتزج الطرح بالرؤية الأيديولوجية وبمحددات السلطة السياسية غدت المسألة ذات صلة بموضوعة السيادة والهيمنة الثقافية والحضارية لدولة على دولة ولشعب على شعب ولأمة على أمة، في محاولة لتوحيد الأنموذج ونسخ ما خالفه، لأن المخالفة دالة على المناهضة وعلى التنوع ومن ثم على الحضور والهوية والذاكرة والتاريخ ؛ فما بالك إذا كان أصل المسألة له علاقة بالذاكرة وبالتاريخ وبالتجربة الإنسانية ألا وهو
النص الأدبي وهذا وفق قوله صلى الله عليه وسلم فيما معناه بخصوص الشعر العربي : " هو ديوان العرب " وأدبنا الجزائري سواء قديمه أم حديثه هو ديواننا فيه تجارب الآباء والأجداد، فيه ذكرى السابق واللاحق، وفيه خلاصة التجربة والتاريخ للأجيال الآتية ؛ فهو الموروث والميراث ورأسمالنا الحضاري الذي ننماز به بين الأمم، وبه ترتفع هامتنا بين القمم ؟
وقبل الخوض في بقية مباحث هذا الكتاب وهذا القسم الأول منه، هناك مسألة منهجية تتعلق بموضوع الكتاب وبمادته المعرفية، لقد عنونا المؤلف ب:
" الأدب الجزائري الجديد، التجربة والمآل "، وعليه نجد لزاما من الناحية المنهجية أن نناقش شبهة معرفية الكثير من باحثينا الأكاديميين جعلوها مسلمة وبديهية لا تقبل النقاش أو النقد والنقض، إن وجد ما يدحضها من الوقائع والحقائق، وهذه الشبهة تتصل بمنشأ الأدب الجزائري الحديث، وبموضوع تأخر بعض الأجناس الأدبية في الظهور، أو عدم مواكبة النهضة الأدبية في الجزائر لما كان معروفا وشائعا في بلاد المشرق العربي، ومن بين هذه الشبهات المعرفية تلك التي يقدمها لنا الباحث عامر مخلوف في كتبه الثلاث : " مظاهر التجديد في القصة القصيرة بالجزائر " سنة 1998 و " الرواية والتحولات في الجزائر " سنة 2000 و " توظيف التراث في الرواية الجزائرية " سنة 2005، وهو أن تأخر النهضة الأدبية في الجزائر بشقيها الإبداعي والنقدي عن النهضة الأدبية المشرقية مرده هو جمعية العلماء المسلمين بسبب نزعتها الإصلاحية ورؤيتها الضيقة، إذ يوضح الناقد مخلوف عامر أن دور الجمعية لم يأت بإضافة نوعية بالقياس إلى ما كان يجري من حولها 13 لأنها اقتصرت على تبليغ اللغة العربية باعتبارها أمانة يجب المحافظة عليها في ظل الظروف الاستعمارية آنذاك ؛ فلن يتأتى للاستعمار الفرنسي طمس الهوية الجزائرية إلا من خلال القضاء على اللغة العربية التي هي أحد مقومات الأمة، وهذا الاهتمام الكبير باللغة العربية الذي أولته جمعية العلماء عناية كبيرة لم يجعلها تستفيد من المعارك النقدية التي عرفتها البلدان العربية منذ العشرينات، فمن هذا المنطلق يعتبر الناقد عامر مخلوف، أن دور الجمعية بقي منحصرا في ربط الأدب والنقد بأهداف الجمعية وفق رؤيتها الإصلاحية ؛ فأولت الشعر المرتبة الأولى إضافة إلى المقالة 14، وهذا رأي سبقه إليه رمضان حمود إذ يقول : " إنهم بلغوا الأمانة التي استودعت في أيديهم إلى أيدينا بغير خيانة و لا تقصير لا أكثر ولا أقل والأمانة هي اللغة العربية لا غير "15 .
غير أنه عند التمحيص والنظر ومن خلال ما توفر من وثائق ومعلومات تاريخية وأدبية، نجد أن هذه الشبهة المعرفية التي يطرحها الأستاذ مخلوف عامر وأيضا الأستاذ واسيني الأعرج، لا تكاد تبين أمام الأدلة التي تدحضها بل تدمغها وتردها على أعقابها، ومن بين هذه الردود و الدفوع التي توفرت لدينا الآتي :
أولا : إن سنة 1925، يكاد يجمع أغلب النقاد ومؤرخو الأدب الجزائري على أنها دالة البداية الفعلية للنهضة الأدبية في الجزائر، أما ما قبل هذا التاريخ كان يمثل مرحلة التأخر والتقهقر للحالة الأدبية بالجزائر، وهذا بسبب أمرين اثنين، أولهما أن ما أنتج من شعر أو من نثر منذ العهد التركي إلى غاية نهاية القرن التاسع عشر، يعتبر عصر الانحطاط بالنسبة للأدب العربي بعامة وللأدب الجزائري بخاصة، أما الثاني ؛ فقد تفننت الإدارة الاستعمارية في تجريد الشعب الجزائري من هويته الثقافية والمتمثلة في الثقافة العربية الإسلامية، وقد وصف عمر بن قدور الجزائري ( 1886 – 1931 )* أحد رواد الإصلاح الجزائريين، هذه الحالة الاستعمارية بقوله : " استلبت الأمم الأخرى عقول شبان الإسلام، واستهوى مجدها نشأته، ونخبته ؛ فكما ترى رجلا يفتخر بذكرى عالم فرنساوي، وآخر يمجد اسم عالم انجليزي، ترى شابا يرفع عقيرته بأشعار ( فيكتور هيجو) والآخر معجب بروايات ( شكسبير ) وهكذا فلا شغل لتلك الفئة، إلا حمد رجال أوروبا وتمجيد نثرهم وشعرهم واختراعاتهم، ومن المحال أن يخطر في بال أحد، ذكر علامة مسلم أو شعر شاعر عربي مفلق، أو إصلاح مصلح شرقي، وأمثال هؤلاء عندهم كلا شيء في الوجود "16
ثانيا : يرجع الفضل في تحريك الهمم وشحذ القرائح وسريان الأقلام إلى زعماء الحركة الإصلاحية في الجزائر، لأنها جعلت من
صحافتها المكتوبة ومن منتدياتها الفكرية ومدارسها التعليمية،
المجال الحر للتنافس بين الأدباء والمفكرين ومن مختلف المشارب الفكرية والمذاهب أو النزعات الأدبية، وأدلة ذلك نحصرها في الآتي :
1/ مثلا في مجال الشعر حصر لنا الباحث محمد ناصر في كتابه الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية ( 1925 – 1975 )، قلنا حصر فيه 31 شاعرا ينتمون لفترة الحركة الإصلاحية بالجزائر، وجمع مادة شعرية تتوزع ما بين سنة ( 1925 – 1962 ) من 14 دورية مشهورة كانت تصدر بالجزائر، وتحتوي على 638 قصيدة . أما في مجال الكتابة النثرية ؛ فقد جمع لنا الباحث عبد الملك مرتاض في أطروحته الموسومة " فنون النثر الأدبي في الجزائر ، 1931 – 1954 " ، قلنا جمع لنا مادة بحثه هذه من 32 مجلة وصحيفة جزائرية صادرة ما بين 1925 و 1956 ، مستخرجا منها 16 قصة و 01 رواية واحدة و10 عشرة نصوص مسرحية ، ومعظم هذا الإنتاج نشر على مجلات جمعية العلماء المسلمين بل حتى أن بعض زعمائها كانوا من الأوائل الذين تنبهوا لوظيفة المسرح الاجتماعية والسياسية مثل الشيخ البشير الإبراهيمي ورضا حوحو .

أحلام الزعيم
16-03-2007, 06:47 PM
ثرية أنت جدا ياصديقتي
سأقرأ كل كلمة كتبتها هنا فلابد أن خلفها سر ثمين أيضا ..

أنا أهنئ الساخر بك
أحلام الزعيم

ذات إنسان !
17-03-2007, 04:20 PM
فراشة قراءة
شكراً جزيلاً لك وللحجة أوفيليا
على هذا المجهــود

للحفظ ومن ثم القراءة ....!
ربما نحنُ بحاجة لأن نقرأ ماذا يكتب أهل المغرب .. نمطهم ..أفكـارهم .. تخيلاتهم .. نظرتهم لأنفسهم للعالم .. للأشيـاء .. نحونا ... إلى ماذا يتطلعون ...
لا أعرف عن ذلك الأدب سوى رواية ذاكرة الجسـد وعابر سرير لأحلام ...!


تحيـة ملائكيّة ...!

hispanista
17-03-2007, 08:23 PM
السلام عليكم
أبحث عن روايات للكاتب الجزائري
الكبير محمد ديب مترجمة إلى لعربية.
شكرا

داليا الهواري
17-03-2007, 08:31 PM
ثرية أنت جدا ياصديقتي
سأقرأ كل كلمة كتبتها هنا فلابد أن خلفها سر ثمين أيضا ..

أنا أهنئ الساخر بك
أحلام الزعيم

أحلام الزعيم، ألف شكر على الكلمات الراقية، يعطيك ألف عافية و صدقيني أن ما أحاول المساهمة به هنا هو شيء بسيط أمام روعتكم و تألقكم الرائع.. حفظك الله و رعاك على المرور الطيب

داليا الهواري
17-03-2007, 08:45 PM
فراشة قراءة
شكراً جزيلاً لك وللحجة أوفيليا
على هذا المجهــود

للحفظ ومن ثم القراءة ....!
ربما نحنُ بحاجة لأن نقرأ ماذا يكتب أهل المغرب .. نمطهم ..أفكـارهم .. تخيلاتهم .. نظرتهم لأنفسهم للعالم .. للأشيـاء .. نحونا ... إلى ماذا يتطلعون ...
لا أعرف عن ذلك الأدب سوى رواية ذاكرة الجسـد وعابر سرير لأحلام ...!
تحيـة ملائكيّة ...!

ذات إنسان. لمرورك طعم الأخوة الجميلة. حياك الله يا رائع. أجل، أنا متفقة معك أن جهلنا للأدب المغاربي سببه عدم تسليط الضوء عليه، و جاء الوقت لأجل أن نحاول تقريبه إليكم و لو قليلا.. صدقني الأدب المغاربي ليس فقط أحلام مستغانمي ( مع احترامي الشديد لها)، ثمة أسماء ستتعرفون عليها و ستكتشفون أنها فعلا مميزة، و تستحق ان تحتل مكانة متقدمة كأسماء إبداعية.. نحن نحاول في هذه البداية التقديمية للأدب المغاربي أن ننقل ما يتعلق بمثولوجية الأدب المغاربي، نشأته و مراحل تطوره، و بعدها سيكون من السهل نقل الابداعات الأدبية و ووضع روابط تحميلها مباشرة لتسهيل على الجميع قراءتها.. سرني مرورك يا ذات إنسان. حياك الله يا رائع

داليا الهواري
17-03-2007, 09:07 PM
السلام عليكم
أبحث عن روايات للكاتب الجزائري
الكبير محمد ديب مترجمة إلى لعربية.
شكرا

و عليكم السلام
إن شاء الله يتسنى لنا ذلك. محمد ديب أو فنان الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، من أهم روائعه ثلاثية (البيت الكبير) التي تعتبر إلى هذه اللحظة من أروع ما كتب عن المجتمع الجزائري و تناقضاته إبان الثورة التحريرية و ما بعدها.. لا أعرف إن كانت رواياته مترجمة إلى العربية فأنا قرأت له بالفرنسية فقط
حياك الله

داليا الهواري
17-03-2007, 09:41 PM
من ليبيا و عن ليبيا
فرج نجم


ليبيا وعلى الرغم من توغلها في التاريخ لم تُعرف كمركز سياسي مؤثر أو علمي كان له إشعاع على المنطقة حتى مع بروز بعض من أبنائها الذين تركوا آثاراً عظيمة في الحضارة الإنسانية سواء قبل الإسلام أو بعده. فلقد كان لليبيين لغتهم الخاصة بهم والمتداولة رسمياً وشعبياً، فهى مكتوبة ومعروفه بالأبجدية الليبية. استعملت هذه اللغة من فزان جنوباً حتى جزر الكناري غرباً، ولايزال بعض منها يستخدم بين قبائل الطوارق وتعرف بـ تيفناغ. والحروف الليبية تكتب من اليمين إلى الشمال كالعربية، وتحاول بعض المؤسسات الأمازيغية جاهدة في المغرب الكبير إنعاشها وإعادة استعمالها.
عظماء من ليبيا ...
ومن هذه الشخصيات التي أفرزتها التربة الليبية فتركت بصماتها على الحضارة الإنسانية وخاصة في علم اللاهوت المسيحي كان القديس مرقس، كاتب أحد الأناجيل الأربعة، وأحد أقداس الكنيسة الأرثوذكسية على وجه الخصوص. ولد في القرن الأول الميلادي بالجبل الأخضر بوادي يسمى مرقس، وينسب إليه تأسيس كنيسة الإسكندرية، ويعتقد أنه مات فيها ودفن هناك، لازم القديس بطرس في سفره وتبشيره، وكتب إنجيله حوالي سنة 64م، كما يعتبر راعي مدينة فينسيا الإيطالية.
والآخر الذي ترك أثراً في تاريخ الفقه الإسلامى ويعتبر أول من جلب ونشر المذهب المالكي في الفضاء المغاربي هو علي بن زياد العبسي،(1) الطرابلسي المولد والنشأة. تلقى المذهب عن صاحبه الإمام مالك في المدينة المنورة، إمام دار الهجرة،(2) ثم عاد إلى طرابلس مصحوباً بالموطأ الذي تشرف بكونه أول من أدخله إلى إفريقية،(3) وعمل على نشر أصول وفلسفة المذهب الجديد في ربوع ليبيا. وانتقل ابن زياد إلى القيروان للتدريس في جامعها الكبير، فتتلمذ عليه العالم والقاضي سحنون بن سعيد التنوخي، والبهلول بن راشد، وأسد بن فرات،(4) وأخذ عنه المذهب ونشره في القرن الثالث الهجري (التاسع والعاشر الميلادي) في الشمال الأفريقي.(5)
أما على الصعيد الأدبي وخاصة في علم اللغة وفنونها فإن من أشهر الليبيين - والعجب أنه لا يُعرف بليبيته وخاصة بين الليبيين - هو محمد بن مكرّم المشهور بابن منظور صاحب لسان العرب، سليل الصحابي رويفع الأنصاري صاحب ذاك المرقد الشهير في مدينة البيضاء المعروف عند العامة بسيدي رافع. روى عنه - أي ابن منظور - السبكي والذهبي وقال: تفرد في العوالي، وكان ابن منظور مغرماً باختصار كتب الأدب المطولة كالأغاني والعقد الفريد والذخيرة ونشوار المحاضرة وغيرها. ولكن المجهود الذي شهره كان ذاك المعجم العربي الذي توزع على عشرات المجلدات ليدون للعرب لسانهم ويصون مفرداتهم، وبه وصفه الشيخ المؤرخ الطاهر الزاوي بالعلامة الجهبذ والأديب الشاعر الناثر، قدوة المحققين، وفخر العلماء الراسخين. وقد أكد الشيخ الزاوي جازماً طرابلسية ابن منظور وفند وأنكر على من كناه بالإفريقي تارة وبالمصري أخرى، وأصر على ليبيته بطريقته المعهودة ولم أجد من يعارضه في ذلك.(6)
ولا أنسى في وقتنا هذا الأستاذ محمد أبوبكر بن يونس (1931-2001م) أول عضو في هيئة التدريس لأول كلية حقوق في ليبيا بالجامعة الليبية، وصاحب موسوعة التشريعات العربية التي تتضمن جميع النظم والتشريعات النافذة المفعول بها في جميع الدول العربية وعلى جميع مستويات التشريع الصادرة باللغة العربية، وأكبر موسوعة دولية في مجال التشريع في العالم، الذي استطاع أن يدخل بها كتاب موسوعة جينيس للأرقام القياسية ومقرها بريطانيا التي سجلت وشهدت بأن "أكبر موسوعة في العالم هي موسوعة التشريعات العربية لصاحبها محمد أبوبكر بن يونس" في 14 أكتوبر 1999م، حيث ربا عدد مجلداتها على مائتي مجلد يضاف إليها الفهارس والملاحق تقع في مائة وعشرين ألف صفحة ووزنها أربعة قناطير ومعها أول فهرس عام للتشريعات العربية.(7)
فهذه نتف من تاريخ بعض من عظماء ليبيا الأجلاء الذين كان لهم أثر في الساحات العالمية والإقليمية، فيا ترى صدقاً ما قاله المشككون من أن أولئك العظام كانوا فلتات لا غير، وأنا أترك الحكم للقارئ.
العلم والتعلم في ليبيا ...
هذا على صعيد الرجال أما المؤسسات فلم تنل ليبيا نصيبها من دور العلم التي تليق باجتهاد أبنائها، ومازالت المشكلة قائمة، فلقد تميزت ليبيا عن دول الجوار بقلة حواضرها إذا ما قورنت بمصر أو تونس، فالبداوة الصارمة كانت السمة الغالبة على معظم سكانها حتى قال أحد أبناء بادية برقة: "لا نا من قرطاسة الكواغط ولا من مصاصة أقلام الكوبيا" أي لسنا تجاراً نبيع الجرامات في قراطيس ورقية صغيرة كما كان الحال إبان سنوات الجرامات، ولسنا ممن يبري أقلامه وذلك عن طريق مصها بالفم، وهذه كناية على أن جل الليبيين لم يعرفوا "الحضارة" سواء بالتبادل التجاري بأنماطه المدنية أو مراكز علم كالأزهر والزيتونة، بل عرف عن بدو ليبيا الشدة والجلد والقتال حتى قال أحدهم للباحث ايفانز بريتشارد، عالم الأنثروبولوجيات البريطاني، مؤكداً جهل البدو بتعاليم دينهم الذي هم مستعدون أن يفنوا من أجله، فقال قائلهم نحن "نجاهد ونصوم"(8) فقط، وكأن الإسلام حُصر في القتال والصيام .. والجهاد والصيام من علامات الجلد ومنازلة المشاق.
وبالطبع لا يخلو الأمر من بعض الاستثناءات، فعلى سبيل المثال المنطقة الغربية وخاصة طرابلس وأحوازها عُرفت بحضور علمي مكثف ولكنه في مجال ضيق متمثلاً في تحفيظ القرآن الكريم وتدريس أصول الفقه واللغة بفروعها المختلفة من نحو وبلاغة وشعر وغيرها في حين كانت برقة تغط في سبات القبلية وجاهلية الثارات، بينما انفردت فزان بحفظ القرآن أكثر من غيره حتى عُرف الفزازنة بـ "الفقهاء" و"المرابطين" لكثرة الصلحاء وأهل الاستقامة بينهم.
ففي طرابلس كان لكل من جامعي أحمد باشا (وكان يطلق عليه كلية أحمد باشا القرمانلي) وسيدي درغوت حضوراً علمياً اصطبغ بصبغة ثقافية ذات ملامح أدبية ولكن ظلت الدراسة تسير فيهما على النظام الوقفي القديم، بينما بقيت زاوية الابشات في مدينة الزاوية وزاوية كل من الشيخ عبد السلام في زليطن وزاويتا الزروق والمحجوب في مصراتة، تدرس النمط المتبع في الأزهر الشريف، حيث يختار الطالب شيخه، ويدرس العلم الذي يهواه، كذلك نظام العزابة وحلقات ذكر الإباضية في جبل نفوسة قاصرة على القرآن وعلومه فيما يلائم استعداد المتلقي الفطري ويوائم قدرته على التحصيل من هذه المعارف والمناهج التي هي عبارة عن كتب معينة تمثل مستويات الطلبة كموطأ مالك، وألفية ابن مالك، وشروح وحواشي الأجرومية، والرسالة، وشروح الخريدة، وحفظ الأوراد والوظائف.. إلخ، ولم تمنح هذه المؤسسات الأهلية العلمية درجات أو شهادات علمية بل كان يجيز الشيخ تلميذه ولكل طريقة خاصة به في الإجازة.
يرجع فضل هذا النوع من العلم والتعلم إلى الطرق الصوفية التي تغلغلت في المجتمع الليبي لسد الفراغ الروحي والعلمي والحياتي الذي خلفه الإسلام الرسمي المتمثل في المؤسسات الدينية والإهمال الحكومي،(9) ولكن هذه الطرق تأثرت بدورها بالمجتمعات التي أثرت هي فيها. فكانت هناك طرق تكيفت مع المجتمع الحضري في المدن وبعض القرى، ومنها العروسية والعيساوية والمدنية، ولكن بقى الريف أو كما يسميه الليبيون بـ "بـر البوادي" خالياً من الطرقية التي لم تتلاءم مع عادات البدو وتقاليدهم، ولم ينسجم البدو مع طقوس وتعاليم هذه الطرق، وبذلك بقيت البادية بعيدة عن التعاليم الإسلامية، مع أنها أصرت على إسلامها كما ذكرنا سالفاً، ولم تتبن أو تعترف بفصل الدين عن الدنيا ولم تُشرع لنفسها عن قصد أو براءة من الإسلام.(10) وتُركت البادية ضعيفة التدين لعدم توفر الدعاة والمصلحين من أبناء البادية أو الوافدين، حتى أتت السنوسية التي استطاع مؤسسها السيد الإمام محمد بن علي السنوسي (ما بين 1837 إلى 1859م)،(11) بأسلوبه المتميز اختراق عقلية وثقافة البدو. وكان مصلحاً ومجدداً كما أخبرني كل من الدكتور أحمد صدقي الدجاني والدكتور نقولا زيادة اللذين درسا حركته دراسة جيدة، حيث أصلح الرجل حال البدو اجتماعياً وجدد لهم أمر دينهم.(12)
وسرعان ما ارتقت الطرق الصوفية وخاصة السنوسية من طريقة صوفية تردد الأوراد والأذكار إلى حركة إحيائية انتقلت بالمجتمع القبلي إلى مستوى أكثر حنكة مما كان عليه، ولكن ما لبث التيار الصوفي أن وقع في براثن البدو وأصيب بشيء من سلبياتهم لا سيما التحجر الأمر الذي شد الحركات الصوفية وعلى رأسها السنوسية إلى الوراء وألبسها ثوب "العلمنة" البدوية، وذلك بتمييع الإسلام الحقيقي بإسلام الطلاسم والدروشة الذي أدى إلى عقم السنوسية بأن تنجب مصلحين كرجالاتها من الجيل الأول، ولهذا فشلت في تخريج زعماء دينيين مجددين مثل الإمام السنوسي الكبير ونجليه السيد محمد المهدي والسيد محمد الشريف وغيرهما.
والجدير بالذكر أن السيد الإمام محمد بن علي السنوسي بعدما ترك كل شيء في بلده الأصلي في الواسطة بمستغانم الجزائرية أسس أول زاوية له في تاريخ الطريقة في جبل أبي قبيس بمكة المكرمة سنة 1837م،(13) ثم جاء ليستقر بالجبل الأخضر ويبني زاويته البيضاء التي عرفت بأم الزوايا سنة 1842م لتصبح النواة الحقيقية لحركة إصلاحية عريقة ودولة مستقلة يقودها أحد أحفاده بعد وفاته بقرن من الزمان. ومن ثم انتقل السيد الإمام إلى واحة الجغبوب وتوفي بها ليترك فيها آثاره ومجهوداته الفكرية والإدارية وليجعل لها شأناً عظيماً، وهي الواحة التي كانت قبل مجيئه إليها سيئة الصيت، نائية، تفتقر إلى كل مقومات الحياة، حتى أن ماءها شديد المرارة ممزوج بملح،(14) أصبحت عاصمة للسنوسية في بادئ الأمر، ومن ثم معهداً إسلامياً على غرار الأزهر بمصر والقرويين بفاس والزيتونة بتونس، وكادت الجغبوب أن تضاهي الصروح العلمية فيما بعد إذا ما كتب لها ذلك.(15)
وكان لقلة المنتسبين للجغبوب، التي أصبحت مركزاً للإشعاع العلمي والتبشيري ومكتبة مرجعية كبرى تأتي إليها الكتب الإسلامية من كل حدب وصوب، سبب في بقاء جل البدو على أميتهم وجهلهم بدينهم لأنه قَلَّ من بينهم من بعث بأبنائه للتعلم فيها مع افتخارهم واعتزازهم بالانتماء إلى الإسلام الذي فشل المبشرون والمستعمرون في اختراقه عبرهم.
فلقد كانت ليبيا أرضاً خصبة للمرابطين وللطرق الصوفية التي لقيت رواجاً وإقبالاً بين بعض القبائل والعائلات لتعليمهم وتثقيفهم إسلامياً من خلال المساجد والكتاتيب والزوايا والمدارس. وكان التعليم محصوراً في القرآن وعلومه، وكتابة اللغة العربية وقراءة الشريعة الإسلامية إلى جانب النزر اليسير من التاريخ والفكر الإسلامي. فالقبائل والعائلات الثرية كانت تبعث بأبنائها إلى الأزهر بمصر، أو الزيتونة بتونس أو بلاد الشام وتركيا. وإلى جانب هذه المعاهد المالكية، كان أتباع المذهب الإباضي من الأمازيغ يبعثون بأبنائهم إلى جزيرة جربة التونسية، أو وادي ميزاب بالجزائر أو معهد الحياة بالقرارة الجزائرية أو حتى عُمان لطلب العلم.(16) أما القبائل الفقيرة فكانت تكتفي بزواياها المحلية التي يقوم عليها بعض المشايخ من قبائل المرابطين لتلبية حاجات القبيلة مقابل السكن والأكل والشرب فقط، وهو بدوره يقوم:(17)
• بتحفيظ أولادهم القرآن وتعليمهم السنة والشريعة الإسلامية.
• تعليم اللغة العربية قراءةً وكتابةً ونشرها مع تعاليم الإسلام.(18)
• جمع الزكاة والصدقات والنذور والكفارات وصرفها على أهلها من الفقراء والمساكين وإيواء السابلة.
• حل المشاكل الحياتية والفصل في القضايا الدينية بين الناس.(19)
• التوجيه الروحي والتعبئة السياسية والجهادية.
• خلق نوع من الاستقرار والتوازن بين القبائل المتنافسة.(20)

----------------------------------------------------------------

* نشر هذا البحث في مجلة عراجين في عددها الرابع (2005م) الخاص بإحياء الذكرى الخمسينية لتأسيس الجامعة الليبية.
1. قال عنه الشيخ الطاهر الزاوي في أعلام ليبيا - (سمع من سفيان الثوري، والليث بن سعد، والإمام مالك، وأخذ منه البهلول بن راشد، والإمام سحنون، وشجرة بن عيسى، وأسد بن الفرات ولم يكن بأفريقية أحد مثله. أول من أدخل موطأ مالك لأفريقية وفسره. كان أهل العلم بالقيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا إليه ليخبرهم من هو على صواب). وقال الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام " كان إماماً ثقة متعبداً، بارعاً في العلم".
2. الزاوي، الطاهر أحمد - تاريخ الفتح العربي في ليبيا صـ 193-194.
3. الشريف، ناصر الدين محمد - الجواهر الإكليلية في أعيان وعلماء ليبيا من المالكية صـ 34-36.
4. أبو فارس، حمزة - أضواء على جانب من حياة ليبيا العلمية صـ 29.
5. الزاوي، الطاهر أحمد - المصدر نفسه صـ 194-195.
6. الزاوي، الطاهر أحمد - أعلام ليبيا صـ 373-376.
7. راجع: مجلة الثقافة العربية العدد 253 أكتوبر 2003م، كذلك إصدار خاص عن جامعة الدول العربية في نفس الصدد على موقعهم www.alenc.com (http://www.alenc.com) .
8. Evans-Pritchard, E.E, the Sanūsī of Cyrenaica, p 63.
9. الدجاني، أحمد صدقي - الحركة السنوسية نشأتها و نموها في القرن 19 صـ 20-23.
10. Evans-Pritchard, p 82.
11. Bosworth, Clifford, the Islamic Dynasties, op. cit., pp 41-42
12. راجع: كتابنا الموسوم "حوارات تاريخية" القاهرة - 2005م.
13. الدجاني، أحمد صدقي - الحركة السنوسية نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر صـ 261،282-285.
بن علي، عبد القادر بن عبد المالك - الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية صـ 8-9.
14. الأشهب، محمد الطيب - السنوسي الكبير صـ 45.
15. راجع: كتابنا الموسوم "القبيلة والإسلام والدولة" القاهرة - 2005م.
16. خليفات، عوض محمد - النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال أفريقية في مرحلة الكتمان صـ 31-34.
معمر، علي يحى - الإباضية بين الفرق الإسلامية صـ 106-107.
الطبطبائي، وليد - الإباضية تاريخاً وعقيدة صـ 60-64.
17. Hasan, Salaheddin, the genesis of the political leadership of Libya 1952-1969:
historical origins and development of its component elements (unpub PhD thesis), pp 11-15.
الطاهر، عبد الجليل - المجتمع الليبي صـ 314.
18. الدجاني، أحمد صدقي - مصدر سبق ذكره صـ 238-239.
19. Evans-Pritchard, op. cit., p 66.
20. بن موسى، تيسير - المجتمع العربي الليبي في العهد العثماني صـ 78-80.

ابن حماد
17-03-2007, 11:58 PM
انتم رائعون .. بل مبدعين

ونحن لكم من المتابعين .. الشاكرين

سلام

داليا الهواري
18-03-2007, 12:35 AM
الرائع هو أنت.. مرورك الجميل يثلج القلب.
يحفظك الله يا رائع

محمد شتيوى
21-03-2007, 06:02 PM
جزاك الله خيرا

داليا الهواري
23-03-2007, 02:16 AM
جزاك الله خيرا

و إياكم يا خوي
تقديري الصادق

منسي.
23-03-2007, 08:53 AM
وعليكم السلام ورحمة الله ، ولك صادق شكري على هذا الإتحاف الرائع

داليا الهواري
28-03-2007, 12:02 AM
وعليكم السلام ورحمة الله ، ولك صادق شكري على هذا الإتحاف الرائع

يعطيك ألف عافية منسي
حياك و بياك

ن.ليلـى
13-09-2007, 06:54 PM
http://www.alarabonline.org/data/2007/09/09-13/443p.jpg



غلاف كتاب «هذه ليلتي» لفاطمة بوزيان


ابداعات تطلق العنان للكلام

المغايرة السردية فى تقنيات السرد القصصى المغربى الحديث



د. سعاد مسكين

راهنت القصة القصيرة الجديدة بالمغرب على تفجير طاقة السرد، وعلى التغيير فى قوالبه وأشكاله التى أضحت تنتج نصوصا تعتمل بحساسية جديدة، تعكس تحولا جديدا فى الكتابة هو النتيجة الحتمية لتراكم إنتاجات قصصية متنوعة ومختلفة، إنتاجات ضحت بعضها "بالحكاية" من أجل ترهين الجمالية الفنية، وأخرى ظل "جن الحكاية" يطاردها تحت ضغط هواجس المغايرة فى طرق الكتابة القصصية.

يبقى الميسم الوحيد فى هذه الابداعات أنها ولدت كتابة مغايرة، وعندما نقول "مغايرة" فإننا لا ندعو إلى "المجاوزة" بل ندعوإلى "المجاورة" بين القصة القصيرة الجديدة والنصوص القصصية السابقة عنها زمنيا، بين القصة الجديدة و النصوص الأدبية القريبة منها جنسيا "الشعر، القصة القصيرة جدّا"، بين القصة الجديدة وعوالم جديدة فى الكتابة فرضتها متغيرات ثقافية واجتماعى "الصورة، الانترنيت، الاشهار، السينما والمسرح".

من هذا المنظور، سنتتبع تجليات ومظاهر المغايرة من خلال ثلاثة نماذج:
- "هذه ليلتي" لفاطمة بوزيان،
- "البرشمان" لأنيس الرافعي،
- "احتمالات" لمحمد اشويكة
كى نبين اختلاف طرق التعبيروأشكال إبلاغ الحكاية فى القصة القصيرة المغربية.

أسرار الصنعة فى "هذه ليلتي""1"

جاء هذا العمل بعنوان "هذه ليلتي"بعد عملها الأول"همس النوايا""2"،فهى بالفعل ليلة فاطمة فى الرقص والغناء، الرقص بما هو نشوة الذات بالحضور الفعلى كقاصة ناشئة استطاعت أن تطرق عبر سردها مواضيع اليومي: الزواج ومخاوفه، العلاقات بين الذات والآخر، معاناة مهنة التدريس، الخيانة الزوجية، هاجس الكتابة نفسها، عبر لغة شعرية تمرر إيقاعات اليومى الضنك فى سنفونية لا تختلف عن سنفونيات أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ،وعبد الوهاب الدكالي، ولطيفة التونسية التى ترتبط فى معظمها بمكنونات الذات، وتعرى صدمة الواقع الذى تغيرت فيه كل الثوابت والقيم الأصيلة، بل حتى الفضاءات بدت باهتة وممحية" دائما كنت أشعر أن الزمن فى المدينة القديمة لا يتغير، وأن الأشياء تظل هناك ثابتة كما تركناها، لا مبالية بإيقاعنا الرقمي""3".

لقد فرض الإيقاع الرقمى على القاصة أن تجعل من الواقع الافتراضى ليس بديلا عن الواقع الكلاسيكى بل هو عين الواقع، تكشف عنه القصة باعتبارها ذاكرة إلكترونية تحمل الساردةوحدها قنها السري، وتمتلك وحدها سر صنعها، وتقنيات تجليها حيث تكشف للقارئ منذ النص الأول" أسرار" أسرار الصنعة، ذلك بأنها ستغنى بجميع اللغات، اللغة الفصحى الذاتية، ولغة الدارجة المرتبطة بالواقع، ولغة "الرقمنة" التى جعلت من الهاتف المحمول والشبكة العنكبوتية وسيطا للفضح والتعرية، بل جعلتهما أيضا مادة الكتابة والسرد معا.

إذا كانت القاصة قد اشتغلت فى "همس النوايا" على الجسد عوض الكلمات فإنها فى هذه المجموعة تشتغل على بديل مغاير، لغة "الرقمنة" يتضح ذلك من خلال العناوين التى تحملها بعض القصص: البريد الإلكتروني، الصعود إلى الريزو، رنات الديكة...، وقصص أخرى، وإن كانت لا تحمل عتبات كاشفة فإنها فى العمق تبنى على الدال "التقني" المتجسد فى لغة الهاتف المحمول، تقول الساردة فى الازدحامولوجي: "وأنا لسانى بطاقة معبأة بالشتائم والنعوت المتجولة يتضاعف رصيدى منها كلما ازدادت توسلاتهم لم أستنفده حتى انسحبوا جميعا واحدا بعد الواحد""4"

تطلق الساردة عبر هذه اللغة العنان للكلام كى يكشف عن دواخلها فى شكل ثورة عارمة لطالما كبحت جماحها فى صمت دفين، مستسلمة لمعتقداتها التقليدية، وكلامها القديم، فهى الآن "بنت اليوم"، إنسانة رقمية ترغب فى هجرة كل تلك القناعات البالية التى لم تورثها سوى الإخفاق والحزن كى تفترض عالما جديدا متحركا وديناميا لا تملك حياله سوى الحلم "لو تتعبأ بطاقة الهاتف برصيد لا ينتهي، أو يستحيل المنديل الأبيض إلى شاشة، الإبرة إلى فأرة، والزواقة إلى لوح حروف، آه... لو""5"
تشيد فاطمة بوزيان عبر عالمها الافتراضى الذى يتأسس على الرقمنة الهاتفية طريقة جديدة فى البناء القصصى يلائم رغبتها فى اكتشاف هذا العالم، وفى الكشف عنه للقارئ فى نفس الآن، يتضح هذا الملمح فى قصة "الصعود إلى الريزو" التى تشكلت على أساس بناء تصاعدى ينسجم مع رحلة الساردة الكولومبوسة إلى "العلوة" من أجل البحث عن الريزو الذى بدا ولأهميته كما لو أنه بطل القصة المفقود.

يتمظهر الدال "التقني" إضافة إلى الهاتف المحمول عبر الشبكة العنكبوتية حيث تزخر المجموعة بمعجم حافل بلغة المعلوميات و"النيت": مكتوب، ياهو، ليميل، تسجيل الدخول، تسجيل الخروج، إكسيل،تحميل، ويب، ماكروسفت، البحث، إعادة البحث...، إلخ. تعكس مختلف الطرق التواصلية الجديدة التى اقتحمت العالم الواقعى للساردة دون استئذان، جعلتها تعلن دون سابق إنذار تحولها الجذري، وانفصالها عن طقوسها ومحرابها" أهدد نفسى الأمارة بحب الأدب، سأهجر ذلك الشعر المشبع بالرثاء، وتلك القصص المترهلة بالحزن، وأحفظ كلماته الجديدة :لوجسيل، غوغل، ماسنجر، أحسها غريبة فوق لساني، لكنى سأقصه إن لم يحفظها""6"

إن مرد هذا التحول الجذرى لدى الساردة فى وسائط الكلام رغبتها الأولى فى البحث عن الذات ومعرفة ماهيتها المفقودة التى غابت وسط زحمة الذوات الأخرى الأمر الذى جعلها تقدم لنا نموذجا جديدا من هاته الذوات فى "الازدحامولوجي" تلك الذات التى تسرب الآخرون إليها بمختلف تناقضاتهم، ومرجعياتهم، وتكوينهم مما جعلها تلخص هذه الذات فى مقولة واحدة الذات" أبواب كثيرة كلها مغلقة""7" تحتاج أن تفتح وتفرغ. والرغبة الثانية تتجسد فى اشتهاء السفر إلى الأعماق عبر البوح والمكاشفة "أضغط على عينيه بنظراتى فأحسها تستولجنى إلى قلبه كأنها رابط إلكترونى ينقلك إلى صفحة من نقرة واحدة، وينفتح أمامى قلبه رابطا آخر يقود إلى قلبي، قلبى الذى انتظره طويلا... طويلا.. عنكبوتى الجميل، دعنى أتأرجح فى شباكك، يا لها من شباك... ""8"

رصدت الساردة عبر لغة الأنترنيت أشكال متنوعة من المفارقات والتبدلات العاطفية برؤية حداثية تقترب من القارئ المفترض لهذا الزمان، تمسه فى وجدانه، وتخلخل لديه كل القناعات التى تجعل الذات واحدا، وترى العالم ثابتا، واستطاعت أيضا عبر تعدد وسائط الكلام من أن تجعله "يشبه سلطة جميلة شهية""9" يقبل عليها القارئ بنهم، وهو يعلم أنها فقط دخول لن يستطيع بعده الخروج من طبخة مصنوعة بحكمة لا تعلم سرها سوى فاطمة بوزيان.

العين والإبرة فى البرشمان

إذا كانت فاطمة بوزيان فى مجموعتها قد قدمت لنا سلطة جميلة وشهية فإن أنيس الرافعى ببرشمانه"10" يدخلنا إلى ورشة للخياطة ترتهن إلى مقاس من حجم القصص القصيرة، وإلى مقص يزيل عنها كل فضلة أو زائدة، وإلى "معلم" يتقن حرفة الحياكة والحكاية، وإلى صبى يقرأ بلمحة بصر وبصيرة ما يريده منه معلمه، وإلى خيط يلحم بين أجزاء الثوب"الحكاية" المفصل فى سبيكة واحدة، وإلى إبرة ترصع هذه الأجزاء حتى لا تعانى من ارتجاج أوانفصام.

لقد راعت مجموعة الرافعى كل هذه الشروط فى الكتابة إذ يقر فى مستهلها أنه خاض غمار هذه التجربة عن وعى منه بأن كتابته عليها أن تكون لها لعبتها الخاصة والأثيرة، وهى هنا ذات طابع مغربى صرف "ضرب البرشمان" من حيث هو ضرب بكل المكتسبات التقليدية والنموذجية، ودعوة إلى تشييد صرح جديد للكتابة فى جنس القصة القصيرة بالمغرب.

سنحاول استجلاء هذه التقنية من خلال عنصرين جوهريين: "العين والإبرة" وهما أداتان لا ينجم ضرب البرشمان بدونهما:
أ- العين: يتفرع عن العنوان الرئيسى "البرشمان" عنوان فرعى "ملاحظات قصصية" يدل على أن قصص الرافعى ستجعل من اللغة عينه التى يرى من خلالها الأشياء، يبصر من خلالها إلى، وفى مكونات الوجود الإنساني، فى أشياء قد نغض الطرف عنها، ولا نبالى بها.يتم النظر فى هذه الاشياء عبر مقولتي"الداخل والخارج" ستمكنانه بحسب تعبيره إلى "التمعن فى درس الاشياء خارج ابعادها الوظيفية والنمطية، لإدراك حيواتها الباطنية والموازية التى هى جزء لا يتجزأ من مصائرنا كأفراد،النفاذ إلى اغترابها وجحيمها عندما تحوز استقلاليتها الخاصة وتمارس"العصيان المدني" ضد استخدامها لمجرد أنها أشياء أو لكونها موجودة بإزائنا رغم إرادتنا "كفرض عين"ولا نجشم ما بعد عيوننا عناء إعارتها كسرة انتباه أو تأمل""11"

إن رؤيتنا للأشياء بهذا المعنى ونحن خارجها تختلف عن رؤيتنا لها ونحن بالداخل، نحل فيها، وننطق باسمها، وتنطق بلساننا. وعبر هذه الحلول تمكن السارد من أن يعرى لنا الشخصية المركزية داخل عمله، رجل يعانى من العزلة والغربة والوحدة، حبيس غرفة يستشرف عبر نافذتها كوابيس وهواجس، تسلخ ذاته العربيدة، الموسوسة، البائسة، اليائسة التى توشك على تحطيم سرير حياته.

من أجل الخلاص من هذا المأزق، لا يريد السارد،باعتباره الشخصية الحكائية،أن يظل "رجل فضاء خارجي"يعيش الغربة والعزلة بل يريد أن يصبح عبر الاستيهامات والتخيلات رجل فضاء داخلى أيضا، يعيش فى تماس مع حيوات ذوات أخرى ليست من طينته، ولا من جنسه.

يتم هذا الدخول عبر "الحلول الذاتي" كى يتم انطاق الغابر فى الذات، وانطاق ما لا يمكن انطاقه فى نفس الآن "الكرسي، الباب، الجدار، الحصان المعدني"، لذلك يعطى السارد كل الاحتمالات الافتراضية والممكنة كى يتجلى ويظهر كل ما نعتقد أنه غابر فى الأشياء وفينا نحن أيضا فى نوع من "الشقلبة" تأخذ شكلا تطابقيا على مرآة عاكسة.

الشيء الذى حدث مع الشخصية حينما دخلت إلى إحدى غرف اللوحة المستنسخة ل"فرناندو بوتيرو" حين سيجد بالمصادفة "غرفة شبيهة بغرفته الأصلية عدا كون المحتويات التى كانت على اليمين أصبحت الآن على اليسار، فعلى ما يبدو أضحت العلاقة انعكاسية بين الغرفتين" "12" تعكس شقلبة السارد على سرير الحياة انقلابه على كل المسلمات والثوابت الواقعية إذ جعل كل شيء لا ممكن ممكنا حتى غدا النص شبيها بنص من البعد الآخر، أو الخيال العلمى وهى مغايرة فى نسج الحكاية وتفصيلها .

لقد أسهمت ثنائية الداخل والخارج فى توحد الرؤية لشظايا من الصور، والاستيهامات، والذكريات بدت فى استدعائها كما لو أن السارد يدخل ويخرج فى الكلام، لكنه فى حقيقة الأمر هو ضرب من خيوط السرد كى لا يتكبل ويحجم عن الدخول في"عين الإبرة" التى سيتم بها خياطة مفاصل ومقاطع جلباب القصة.

ب- الإبرة: اعتمد الرافعى فى ديباجة نصوصه القصصيةعلى تقنية "التخلاف"التى "تطرأ بين محورى كل من مركز إبرة الخياط والشعاع المتعدد الزوايا فى دائرة أصابع صبيه أثناء تضفير وتضافر خيوط البرشمان""13"، وهى عملية تستوجب طرفين المعلم والصبى للحياكة،وتستوجب طرفين فى الحكاية أيضا من أجل الحفاظ على تقنية التخلاف.

1- التخلاف الأول بين صوتين: صوت السارد/الشخصية وصوت السارد/الشيء، يتناوب هذان الصوتان فى التجلى عبر ثلاثة مظاهر خطابية: ضمير المتكلم يرهن الحدث أو الإحساس أو الانفعال، يعرضه فى حداثته وجدته دون رتوشات. وضمير الغائب يتتبع الحالات والأشياء فى ثباتها، وفى تحولاتها عبر وصف دقيق ومجهرى يربط بين الخارج والداخل كى يوجه القصة إلى رصد المناطق الخفية.وضمير المخاطب يعرى مكامن ذلك الحوار الافتراضى بين السارد والقارئ، وهنا ندخل إلى التخلاف الثاني

2- التخلاف الثانى بين السارد والقارئ الاحتمالي: الذى يرى فيه القاص قارئا مغايرا " القارئ الوجيه القادم من المستقبل""14"، القارئ الذى يبنى ويشيد مع السارد صرح القصة، قد نعتبره هو ذاك الصبى الذى يصنع الخيوط الأولية للبرشمان"السداوة" بحسب عدد الخيوط والأشكال السميكة والرقيقة التى يرغبها "المعلم" يصنعها تحت امرته، وبموجهات خطابية من قبيل:لكنى أريدك بداية أن تنجح فى تخيل\\ يتوجب أن تضاعف من مجهوداتك فى تخييل...\\اربط لجام التخيل\\ لابأس يمكنك تدارك التخيل بتخيل سلم خلفى للعمارة\\ أوصيك لا تكن طيبا معهم".

يدعو المعلم" القاص" صبيه "القارئ" ليشاركه تجربة التخييل، ويسهما معا فى بناء العالم الحكائى لبنة لبنة، ويكشفان عنه خيطا خيطا فى الآن نفسه.

3- التخلاف بين القاص"المعلم" والقارئ "الصبي": ينسج البرشمان، بعد الانتهاء من عملية التخلاف الثانية،باعتماد التقنية عينها إلا أنها ستخضع هذه المرة لجدول أعمال التخيل لكل من القاص والقارئ حيث يشيدان معا النسق البنائى والدلالى للقصة، يتأسس هذا التشارك التشييدى على أساس بناء ثلاثى أو هرمى يبدأ بحالة توازن،ثم حالة لا توازن، وأخيرا حالة عودة التوازن،يظهر هذا البناء جليا انطلاقا من عناوين تحملها بعض المفاصل القصصية: "الغفوة\\تعقيد الغفوة\\تبسيط الغفوة" "15"، "التخلاف 1\\ التخلاف 2 \\ درج الخياط""16"،" الصوت الأول\\ الصوت الثاني\\ الصوت الثالث""17"

يهدف هذا البناء إلى ملاحقة موضوعة "الداخل والخارج" التى تبناها القاص بنوع من التشظى والتشذر يحيل على سرد متفكك يدعو إلى حرية مطلقة فى الكتابة، تخضع إلى نظامى التوقع والاحتمال لا إلى التسلسل المنطقى أو السببى لأن من دوافع كتابة هذا العمل " نبذ المنطق الضار بالتخيل وخلق منطق خاص ومتفرد""18". وقد تفرد الرافعى فى حياكة برشمانه الذى صار قابلا للترصيع فى جلباب عروس هذا اللقاء: القصة القصيرة الجديدة.

القصة التفاعلية عند محمد اشويكة

لم تعد القصة المغربية حبيسة الكتابة الخطية والطباعية، بل صارت تواكب مجرياة تطور تقنيات الكتابة، وتعدد وسائطها فى إطار ما يعرفه الأدب من انفتاح على عوالم جديدة: المعلوميات، السينما، الإشهار، الصورة البصرية، المعادل السمعي....إلخ.

غدا هذا الكائن "القصة" مسايرا لهذه الوسائط الجديدة، فعوض القصة المكتوبة والمطبوعة فى مؤلف صرنا نجد قصة أخرى رقمية توجد رهن إشارة القارئ بمجرد الضغط على الفأرة لكى يتمكن من الدخول إلى موقعها وتخومها، ويكتشف نمطا جديدا من الكتابة يسهم القارئ بذاته فى تشكيل فضاءاته وعوالمه.

وإذا ما قام القارئ بالدخول إلى الموقع الإلكترونى عبر الرابطhptt// :chouika.atspace.com سيجد قصة"احتمالات"للتكنوقاص محمد اشويكة "19"، نص يحدده عبر جنسين: "قصة ترابطية" و"سيرة ذهنية". الشيء الذى يجعلنا أمام سؤال التجنيس: هل يمكن للقصة أن تصير سيرة ذهنية بحكم التطور العلمى والتكنولوجي؟

1- سؤال التجنيس:

يجعلنا سؤال التجنيس أمام محطتين: تتعلق الأولى بكيفية تشكل القصة الترابطية، والثانية ترتبط برصد العلاقة بين هذه الأخيرة والسيرة الذهنية.
يعطى اصطلاح القصة الترابطية للنص الأدبى عموما والقصة خصوصا كل الاحتمالات الممكنة للتطور والتفاعل مع مختلف نظام العلامات التى يمكن أن تنتجها الثقافة الحديثة: السينما، الرسم، الموسيقي، المسرح، الرسوم المتحركة... حيث يسمح للنص الواحد بأن يتشكل "من مجموعة من النصوص ومن الروابط، تتيح للمستعمل إمكانية الانتقال بسهولة من نص لآخر حسب حاجياته""20"، مما يجعل النص يخضع لنوع من اللاترتيب الناجم عن انتقال القارئ داخل النص الواحد إلى العديد من الملفات أو الهوامش يتم تعيينها عبر موجهات نصية: اضغط هنا، أو عبر الضغط على بعض الكلمات أو العبارات التى تكون مكتوبة بخط غليظ:لحمر ف لكحل، الإطار، لائحة الروائع الغنائية، حكاية المنقار.

تتركب قصة احتمالات من مفاصل سردية ثلاثة: الإطار، لحمر ف لكحل،@mour. يمثل الإطار الصورة الأم التى تتولد عنها باقى الصور البصرية، أو السمعية، أو المرقونة. صور ترتبط بثنائيتي"هو" و"هي" لكونهما يشكلان نمطا من أنماط المجتمع الرقمي، مجتمع هذا الزمان الإفتراضى الذى يعرف فيه الفرد صراعا بين لذة الداخل، وصخب الخارج. يعيش داخل المجتمع بكل طقوسه ومستجداته لكنه فى الآن نفسه يعيش على هامشه.

إلى جانب الإطار تحضر خانتى "لكحل ف لحمر" و@mour، تمثل الأولى تداعيات الرائى المستلقى الذى يرى ولا يعلم ما يرى، فالرؤية أيضا عند القاص تحتمل الشك والنسبية"الرؤية من هنا لا تتيح إلا السمو.ترى ولاترى ماترى،ترى ما لا يرى، ترى ولاتدرى من يرى، الرائي، أم المرئي""21"

أما @mour فجاءت عبارة عن مذكرات يومية تتعلق بفضاء رقمي، ينفتح على فضاء cybercafé، بما هو فضاء لتجلى خطابات متعددة: البوح، المكاشفة، الإشهار، الألغاز"حكاية المنقار"، السرد التاريخي"تشرتشل". يبقى السؤال المطروح: ما هى العلاقة التى تربط قصة "احتمالات" الترابطية بالسيرة الذهنية؟

قد نتفق مع المفكر والروائى عبد الله العروى حينما قال: "كل عمل فنى ينحل فى النهاية إلى سيرة ذهنية" "22" على اعتبارأن الكتابة هى تعبير عن فكر، وعن وجهة نظر تجاه قيم الذات، والجماعات، والمؤسسات، والقنوات الثقافية بمختلف تمثلاتها وتجلياتها.

وبالفعل تمكن محمد اشويكة من جعل قصته هذه سيرة ذهنية تكشف عن مرجعية ذاكرته الاحتمالية التى تعبرعن خليط من الحقائق الفعلية التى يعرف فيها الإنسان وجودا مغايرا لوجوده الحقيقي، وعيه الممكن، فلسفته الجديدة فى الحياة، وفى العيش، تنكب على التذويت، وعلىالتشذر، وعلى الرقمنة، وتنفتح على ذهنية متعددة الخطابات: الحب، العلاقات الإجتماعية، الأحداث التاريخية. والوسائط: الإشهار، الاغاني، المذكرات.

لذلك قد ندعى أن نص "احتمالات" يتخذ استراتيجية التحويل مطية لإنجاز كتابة قصصية ترهن فعل الكتابة السيرية.فهل الأمر يتعلق أيضا بفعل وجودى أساسه التشكيك والنفى المطلق لخصوصية الكتابة القصصية؟ أم أن القاص "محمد اشويكة" يهدف إلى إحلال كتابة متعالية نصيا تستشرف أفق التفكير الفلسفى والوجودي؟

2- سؤال الكتابة:

يتقدم "احتمالات"عنوانا مركزيا يشكل عتبة القصة" البص والقص"، عنوان يحيل مباشرة على نمط الكتابة الذى يعتمد على صيغتين للخطاب: الرؤية"البص"، والسرد"القص".

أ- الرؤية: يرى ويحكى القاص بجميع حواسه:" البصر"، و"السمع"، و"الذوق" مما سمح بتمفصل المقاطع السردية إلى صنافات تعتمد على الحواس: "قالت العين للعين"، "همست الأذن للأذن"، "ذاق اللسان ريقه"، تشترك فى رؤى داخلية من" الثقب" عدسة كاميرا تتحسس الداخل بكل ما يحمل من إيجابيات: الكلم العذب، مستساغ، سهل الرسوخ، صعب الإنماء، كثيف التعدد، عسل العوالم الجوانية...، وينتقد الخارج و يطعن فيه: "خارج الثقب مسمع وأصداء...لم أكد أميز ملامح أصحابه من كثرة العتمة التى تعم طبلة الاذن... زمن أوهام التغيير، أسراب الأحلام القزحية، طيور تحلق دون حركة كأنها محمولة...""23".

تهدف هذه الرؤية الجوانية إلى تعرية واقع كائن هذا الزمان الذى يظهر من خلال شخصيتى القصة"هو" و "elle" على أنه كائن يعيش على هامش المجتمع، يعيش العزلة والوحدة، ويحيى حرمانا عاطفيا يفجره عبر رسائل إلكترونية تعكس الإخفاق العاطفي"ليس لدينا حظ أن نعيش معا" "24"، وتستشرف غدا أفضل"أتمنى مستقبلا زاهرا لكلينا""25".

لذلك جاءت اللغة التى تعبر عن هذا الكائن تتمفصل إلى لغتين: لغة الذات بما هى لغة لتداعى واستيهام صور ومعانى الحياة سواء عبر التذكر "الطفولة"، أو عبر الحفر فى التاريخ"ثشرتشل" .ولغة الرقمنة بما هى لغة البوح والمكاشفة.

ب- السرد: تنبنى قصة"احتمالات"، إلى جانب كونها نصا مبنيا على الترابط النصي،على نوع من التفاعل النصي، إذ تنفتح على قنوات خطابية متعددة:

1- التداعيات: يرتبط مجال الكتابة فى قصة احتمالات بالتجربة الذاتية باعتبارها إعادة اكتشاف وتشكيل لخصوصية الذات، من حيث هى كائن فى تماس مع المجتمع، ومع منظومة القيم والعلاقات السائدة، يتم الكشف عن هذه الخصوصية عبر خصوصية اللغة التى تتوازى فيها الدارجة المغربية باللغة الفصحى كى تعكس الروح المغرضة نحو الهزء والسخرية.

2- المذكرات اليومية: يتجلى هذا المكون فى الرسائل الإلكترونية سواء عبر شبكة الأنترنيت أو عبر المحمول، والتى تمثل خطاب البوح والدردشة الحميمية،إذ يتم تعرية مكامن الذات، ونشر غسيلها انطلاقا من اشراك الآخر فيما تعرفه هذه الذات من إخفاقات، أو جروح، أو انكسارات.

3- السرد التاريخي: يعتبر تجليا من تجليات التذويت الذى يشخص القاص من خلاله الرغبة فى مساءلة التاريخ، محاولة منه تمرير نبرة نقدية لمكونات المجتمع المغربى الذى يرفض خطاب الوحدة "اليد القوية، الرأس العظيمة" "26"، ويتجاوز القدرة على التسيير وتحمل المسؤولية "احتمال ثان: لم يقدروا على حمل العصا""27".
4- الإشهار: يعتمد هذا الخطاب على الجمل التلغرافية القصيرة التى تعكس أسلوب الترويج السلعى للمنتوجات "office faxe" الذى يعتمد على خطاب مباشر، يجعل للغة خصوصية تداولية. شفوية:
"-تقدم لك تحفا فنية أنت فى حاجة إليها
- ماركتنا غير متوفرة فى أى محلات للعرض العمومى "نحذرك من التقليد والتقليد عليك"
- متخصصون بارعون فى خدمته بعد البيع""28"

وأخرى مكتوبة يسهم القارئ فيها بإنتاج النص وليس بتلقيه فقط، عبر ملء الفراغات، أو الإجابة عن بعض الأسئلة"29"

5- اللغز والمثل: حينما نتحدث عن اللغز"30" والمثل "31"فى القصة، فلا يعنى ذلك تناصها مع السرد العربى القديم، بل إننا نجد فى القصة إنتاجا لنصوص جديدة، تواكب المقامات التخاطبية الآنية، وتعكس مرحلة تداولية حداثية لأشكال سردية قديمة.

يحيل تعدد هذه النصوص إلى رغبة القاص "محمد اشويكة" فى جعل القصة الترابطية المغربية نصا جامعا ومتعاليا، يضم ملفات وسجلات تتأرجح بين سجل الذاكرة"الطفولة، والتاريخ" والمذكرات اليومية.

يمررها للقارئ عبر قنوات تعبيرية مختلفة، استفاد القاص من تجربته –التقنية- فى التعامل مع الحاسوب والأنترنيت كآليتين جديدتين فى إنتاج النص السردى المغربى الحديث.فهنيئا للإبداع المغربى القصصى بهذه التجربة المتميزة.

أخيرا، وليس آخرا لا يسعنا سوى الاعتراف من خلال هذه النماذج بأن القصة القصيرة المغربية قد سارت فى درب التجريب مشرعة على المغايرة والتجاوز عبر تقنيات متطورة فى السرد، وصياغة حديثة للحكاية، مشتغلة بأدوات ووسائط من حقول أخرى خارجة عن محراب الأدب مما يجعلنا نتفق مع الناقد نجيب العوفى حينما قال: "لكل كاتب الحق فى أن يخلق ما يستطيع من الأشكال التى لا توجد فى الأدب""19". فهنيئا لكل من وجد فى القصة خصوصيته، وتفرده من خارج القصة ذاتها.

* الهوامش

1 - هذه ليلتي، فاطمة بوزيان، منشورات مجموعة البحث فى القصة القصيرة بالمغرب، ط:1 2006 .
2 - همس النوايا، فاطمة بوزيان،منشورات المجلس الإقليمى للرياضة والثقافة والشؤون الإجتماعية بالحسيمة، ط: 1، 2001 .
3 - هذه ليلتي، "ص:87".
4 - نفسه، "ص:49".
5 - نفسه، "ص:94".
6 - نفسه، "ص:42".
7 - نفسه،"ص:54" .
8 - نفسه، "ص:42".
9 - نفسه،"ص:41".
10 - البرشمان، أنيس الرافعي، منشورات الشاطئ الثالث، ط:1، 2006 .
11 - نفسه،"ص:9".
12 - نفسه،"ص:28".
13 - نفسه، "ص:9".
14 - نفسه،"ص:10".
15 - مخاضات تجديد القصة القصيرة بالمغرب، مجموعة من النقاد والباحثين، دار وليلي، ط :1 2006
19 - محمد اشويكة، قاص مغربي، من اصداراته:
- الحب الحافي، قصص قصيرة، منشورات الآفاق المغربية، مراكش، 2001.
- النصل والغمد، ورشة قصصية، منشورات الكوليزيوم، مراكش،2003.
- الصورة السينمائية : التقنية والقراءة، منشورات سعد الورزازي، الرباط،2005.
http://encarta.msn.com/dictionnary-/interactive.htm l - 20
21 - محمد اشويكة، احتمالات، سيرة ذهنية لكائن من زماننا، المفصل السردي: قالت العين للعين.
22 - عبد الله العروي، أوراق، المركز الثقافى العربي، بيروت،الدار البيضاء، ط : 6، 2004،"ص:209" .
23 - محمد اشويكة، احتمالات، الملف السردى الأول: لحمر ف لكحل.
24 - نفسه، الملف السردى الثالث:@mour
25 - نفسه،journal d’un amour
26 - نفسه، suite
27 - نفسه، جولة فى الكرم
28 - نفسه، لائحة الروائع الغنائية
29 - نفسه،استثمار/استمخار
30 - اللغز: ما أتكلم عليه شيء يشبه المنقار و ما هو بالمنقار...ما أتحدث عنه من وظائفه النقر أيضا"انظر حكاية المنقار"
31 - المثل: إلى اعطاك العاطى ما تكليكى ما تشاطي"انظر journal d’un amour



*** نقلا عن العرب أونلاين ***

داليا الهواري
14-09-2007, 12:50 AM
المثل: إلى اعطاك العاطى ما تكليكى ما تشاطي
نفسي أفهم شو يعني ها المثل لكنه أعجبني لأني ما فهمته :gg1:
طيب هذا رأي الدكتورة سعاد المسكين كما جاء في العرض و نفسي أعرف رأيك أنت ليلى من باب معرفة رأي قارئة.. أكيد رأيك يختلف عن رأي الناقدة مثلا.. فقد قيل أن القارئ مشروع ناقد و الناقد ( كاتب فاشل) :2_12:
أنا على ثقة أن أغلب قراء الساخر يحبون معرفة الكثير عن الكتابات المغاربية الجديدة بعيدا عن احتكار السوق الذي مارسته الأسماء القديمة ( من الحرس الأدبي القديم ) :p
لك كل التقدير ليلى
:g:

ن.ليلـى
14-09-2007, 11:27 AM
تجليات الجدة القصصية بالمغرب محمد رمصيص

PutArticleContent() يمتلك محور الكتابة القصصية الجديدة بالمغرب عدة مداخل ممكنة ومنها التوقف عند مفهوم الجدة القصصية بالمعنى الجمالي لفعل القص .. حيث الاحتفاء باللغة والتقطيع السردي والإصغاء لصوت الذات وبنية القصة نفسها .. تقنيات سردية متعددة تبلورت بعد أن تخلصت القصة المغربية من آلام الولادة والتأصيل .. وانصرفت لتجديد نفسها بمحاولة تجاوز النموذج القصصي التيموري .. غير أن السؤال المطروح هنا هو: هل يمكن اعتبار التحولات التي لحقت المنجز القصصي المغربي وليدة تحولات الواقع الموضوعي أم هي مجرد استنبات لأشكال قصصية مستوردة؟ وهل تخلق فعل القص الجديد على خلفية فعل التجاوز والتطور التدريجي أونتيجة أزمة فنية؟ بمعنى هل تأسست تلك الجدة القصصية على القطيعة والعصيان الجمالي في وجه النموذج أم هي جدة تكتفي بالتعايش والمجاورة معه فقط؟جملة من الأسئلة المركبة التي سنحاول الوقوف عندها من خلال ما تحقق على مستوى القصة التجريبية والقصة/ القصيدة والقصة الومضة ..

خصوصية القصة التجريبية:
يجب التشديد بداية على أن التجريب القصصي بالمغرب أنجز ضمن شرط التثاقف والتفاعل مع الآخر ـ منجز الرواية الجديدة بفرنسا تحديدا ـ وخلاصات الواقعية السحرية بأمريكا اللاتينية، فضلا عن السبق الزمني للقصة التجريبية بالمشرق وأقصد بعض أعمال جمال الغيطاني وعبد الحكيم قاسم ومجيد طوبيا وضياء الشرقاوي. فضلا عن كون المنجز التجريبي القصصي بالمغرب ينهض على تجارب متفاوتة الحساسية. ولا يشكل كتلة متجانسة خاصة إذا اعتمدنا الجيل كمسافة إبداعية وأفكر هنا تحديدا في تمايز جيل محمد الهرادي وأحمد المديني عن جيل أنيس الرافعي ومحمد شويكة. فضلا عن تمايز تمثل أبناء الجيل الواحد لفعل التجريب.

وبشكل عام يمكن اجمال رهانات هذه التجربة على الابدالات الجمالية التالية:
ـ تكسير خطية السرد ونظام الزمن.
ـ ممارسة النقد من داخل فعل القص.
ـ المعارضة الساخرة للغة والواقع وذلك من خلال توظيف اللهجات المختلفة وتحوير المستنسخات وجرأة المضامين.
ـ إشراك المتلقي في لعبة الحكي.
ـ التمرد على النمذجة الأجناسية التقليدية والرهان على النص المفتوح والعتبات المربكة.
ـ حمل الشخصية على عيش أزمنة يستحيل جمعها في الواقع.
ـ تدمير المستنسخات وتهجينها.
ـ النزوع للكتابة الشدرية أحيانا والبناء الحلزوني للقصة أحيانا أخرى.
ـ تأزيم العقدة والرمي بها في وجه المتلقي دون الإشارة لبوادر حلها.
ـ الانفتاح على اللغة المعلوماتية وتوظيف معجمها بكثير من السخرية.

لكن السؤال المربك في هذا المساق هو: ما الصلة التي تربط هذه الوسائط التبالغية بالواقع المغربي؟ خاصة إذا علمنا أن واقعنا لا يشجع على المغامرة في مختلف المجالات .. وهي على كل حال مغامرة مطاردة ومعرضة لعنف السلطة التي تنظر بعين الشك للمختلف! بل وترى أي اختيار مضاد للنموذج المكرس تطرفا! وعن هذه القاعدة تتفرع أسئلة موازية من قبيل: هل حقا أن السياق الموضوعي المحكوم باكراهات الأمية والفقر والنمطية هوالذي لم يسمح للتجريب الإبداعي بالتواتر والجدوائية؟ ومن ثمة انكفائه على ذاته وانحصار دائرة المتحمسين له في نخبة النخبة؟! أم أن أشكال التلقي التقليدية والتي تكرست بقوة التكرار هي الواقفة في وجه انتشاره وفاعليته؟
نترك الأسئلة مفتوحة تماما كما هي جراح التجريب ..

خصوصية القصة القصيدة:
في سياق تنامي انهيار الحدود بين الأجناس الأدبية والتمرد على قيود الشكل بدت بعض القصص وكأنها قصائد مهربة لأحواز السرد .. نصوص وثيقة الصلة بلغة الشعر .. مشحونة بالصور .. ممتلئة بالإيحاء والترميز .. لغة تركز على التبالغ بدل التواصل النفعي .. وهورهان يغدومعه اللفظ انزياحا بسبب تغليب الوظيفة الشعرية للغة القص .. أفكر هنا تحديدا في تجاريب حنان درقاوي ورجاء الطالبي ورشيدة عدناوي .. تجارب يتأسس كمياء القص فيها على شعرنة اللغة وأناقة اللفظ وكثافة الجمل الحكائية واختزال العالم في إشارات ورموز محددة. كتابة تغيب الحدث بمعناه الأرسطي لأنها مأخوذة بشهوة الكلام. تقول الساردة في مجموعة (عين هاجر) لرجاء الطالبي في ص12: دخلت تلك المدينة الخريفية التقاسيم الوثنية الشهوات..دخلتها فتملك أعصابي سحر غريب، كنت أجوب أزقتها الضيقة، تلاحقني شمس عليلة في شروقها نكهة الأفول العذب، ريحها البحرية تتلاعب بخصلات شعري، تعصف بهدوء جلدي واستسلام جسدي وتلقي به في التوتر. زنجية العشق أسوارها النحاسية تخترق عمقي تصحي رغباتي، استهماتي إن كتابة قصصية مماثلة تراهن في واقع الأمر على التفاعل العضوي للمفردات وتفجير الإمكانات الإيحائية للكلمة.وتريد تجاوز التأشير الأفقي للغة إلى المعنى المتعدد.

وفي ذات السياق تسير تجربة القاصة رشيدة عدناوي. تجربة تراهن على تحويل النثر من تلك المتوالية اللغوية الخشنة النبر الواضحة المعنى تماما وذات الطابع النفعي إلى نثر مشعرن وهوما قد يشكل صدمة للذوق العام الذي تعود على رهن الشعر بالوزن والقافية. تقول الساردة في قصة مرايا مهشمة ص65 من مجموعتها باتجاه البر الثاني: مزق طنين المنبه المفضض هدأة سكونها. فبدت حركة تمدد عبر السرير الرخواللماع المحفوف بالستائر الحالمة،تمخضت عن انكشاف يد من رخام آدمي،تتعثر الخطى في رحلة يومية لخنق نبضات مستهجنة. كانت قد وقعت نصف استدارة على مكمن دفئها، ولولا هذه النقرات المتوجسة التي لا تفتأ تعاود لمستها الصباحية على باب غرفتها، لأولت وجهها الجدار وأسلمت كيانها لهاجس الاستكانة الدفينة. إن هذه التجارب القصصية تراهن - في واقع الأمر - على بلاغة سردية جديدة تنهض على شعرنة الصياغة وتفاعل المفردات فيما بينها ..وهي بذلك تهدم الراسخ من الإرث السردي التقليدي. وتجعل المتلقي في مأزق لأن إشارات المرور وأنظمة النص القصصي تغيرت. وبالتالي ثم إسقاط أقدم تعارض في تاريخ الكتابة الإبداعية بين النثر والشعر. وتخلخلت نقاوة الجنس الأدبي واستقلاليته التي لم تعد تحافظ على اجرائيتها. بحيث صار شكل الجنس الأدبي يتأسس على التكامل لا على العزل! لنصغ مجددا لهذه القرينة القصصية من مجموعة طيور بيضاء لحنان درقاوي بالصفحة14: أزداد امتلاءا بك،أتوغل في أسرك ويرقص جسدي على موسيقاك الرائعة كم أنضج بالشوق لك. في كل الطرقات لا أجد أحد سواك قيدا ينتظرني. صدرا يناديني إلى حيث مملكة الصمت مملكتي.

خصوصية القصة الومضة:
تكمن جدة القصة الومضة في اشتغالها على التكثيف والإيجاز. وتحويل بنية القصة لخاصية جمالية. أقصد تعويضها للقصر بامتدادات المعنى وتداعيات الدلالة من خلال جعل القارئ في قلب تشكيل دلالة النص وملأ فراغه وبياضه. كما أن أهم رهاناتها هي احتكامها لوحد ة الكلمة لا الجملة. والكلمة المشعة والشفافة تحديدا. يقول السارد في قصة كرز من مجموعة الكرسي الأزرق لعبد المتقي ص31: أنا أحب الكرز. أنا أتلمظ الكرز. وكانت طاموتحطي لي كثيرا عن الكرز. حتى صرت أراها كرزا. لذيذة وطرية. في عينها كرز. في فمها كرز. فوق نهديها كرز. وأحيانا كنت أتـذوق الكرز. يبدوأن هذا النص مشمولا بتمردات عدة ومنها احتكامه للاقتصاد اللغوي والجدة في التخييل مع جرأة الذات الساردة في البوح بقلقها الوجودي والكشف عن أحلامها ورغباتها معا. فضلا عن توظيفه لظاهرة التكرار المنتج لمعاني مختلفة بحيث تأرجح الكرز بين الفاكهة والجسد والرغبة في شكلها العام. انحرافات دلالية تركز على أن دلالة المفردة يولدها السياق لا المعجم الخام. دون أن ننسى أن هناك خرقا على مستوى توزيع الأسطر على بياض الورقة بحيث استغل القاص فضاء الصفحة بشكل ترجمة رغبة دفينة في هدم معيارية الفصل بين النثر والشعر. وبالتالي أصبحت الصفحة فضاءا دالا بامتياز على اللاأنواعية النص.

وفي ذات السياق تسير تجربة القاص حسن برطال التي تحتكم في مجملها إلى الكتابة الشدرية المؤسسة على التقطيع السردي للحمة الحدث مع التركيز على المفارقة الساخرة بين استهلال القصة الومضة ونهايتها كما في القرائن السردية التالية من مجموعته أبراج ص 9 / 10 يقول السارد: وجد نفسه فوق الرمال. خلع ثيابه. حاول الاستحمام. حينما ألقى بنفسه احترق في سراب الصحراء ثم يضيف في نص آخر: حضرت أكلة رأس السنة بتوابل رأس الحانوت ففقدت رأسها إلى الأبد. نخلص من هذه النصوص إلى أنه إذا كان الأصل في السرد هوالامتداد فان القصة الومضة تبني استراتيجيتها على فن الحذف لا فن الإضافة. ونستنتج من كل هذا أن الكتابة القصصية الجديدة بالمغرب ليست مسألة مزاج فردي أورغبة عابرة بقدر ما هي تيارات جمالية عمرت لأكثر من ثلث قرن. رهانه هوخلق نص قصصي عابر للأنواع الأدبية الشيء الذي خلق أزمة مصطلح من جهة لأن القص الجديد قص متمرد على النمذجة التقليدية للأجناس الأدبية الأمر الذي خلق مدونة اصطلاحية جديدة تروج للنص المفتوح والخطاب اللا أنواعي. ومن جهة ثانية فهذه الكتابة تبشر برؤية جديدة تعبر عن تطور الوعي والوسائط الفنية للتبالغ.

ناقد من المغرب

أزهر
14-09-2007, 09:17 PM
قد يكون من المميز أن ندمج هذا الجمال بموضوع قديم عن الأدب المغاربي لتكتمل الفكرة ..

ولا أظن الأخت ليلى تعارض ذلك .. فما أحلا على الروح من وجود رفيق يشاركك أدبك وأدب قومك !

شكرا ليلي .

داليا الهواري
14-09-2007, 09:55 PM
قد يكون من المميز أن ندمج هذا الجمال بموضوع قديم عن الأدب المغاربي لتكتمل الفكرة ..


ولا أظن الأخت ليلى تعارض ذلك .. فما أحلا على الروح من وجود رفيق يشاركك أدبك وأدب قومك !


شكرا ليلي .


أخذنا اقتراحك بعين الاعتبار أزهر و تم دمج موضوع الأخت ليلى في سياق الأدب المغاربي لأنه في نفس الاتجاه
:g:

ن.ليلـى
15-09-2007, 01:00 PM
أخذنا اقتراحك بعين الاعتبار أزهر و تم دمج موضوع الأخت ليلى في سياق الأدب المغاربي لأنه في نفس الاتجاه
:g:

حسنا فعلت والله:kk
:nn شكرا يا أزهر
وأرجو التوفيق لكليكما
مودتي

ن.ليلـى
15-09-2007, 01:00 PM
http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?p=1185255&posted=1#post1185255

http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=117266

ن.ليلـى
15-09-2007, 01:12 PM
من كتابة مغامرة إلى مغامرة الكتابة

القصة القصيرة جنس أدبي لم يعرف حضورا لافتا في الأدب المغربي إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وخاصة في أواخره وبدايات الألفية الجديدة. وبشكل قد لا يخلومن مفارقة، نجد عمره قصيرا، ولكنه حرق الكثير من المراحل في مدة زمنية قياسية. ويمكن أن نجازف فنقدم محاولة تأريخية تصنيفية تفترض أن هذا الجنس الأدبي قد عرف ثلاث محطات مركزية:
أ ـ محطة التأسيس: وفي هذه المحطة، كانت النزعة الوطنية أهمّ ما يميّز الكتابة القصصية.
ب ـ محطة الانتشار: وفي هذه المحطة، كانت النزعة الواقعية الاجتماعية خاصية مركزية في الكتابة القصصية.
ج ـ محطة الانغلاق: وفي هذه المحطة، صارت النزعة التجريبية الشكلانية الأكثر هيمنة على الكتابة القصصية.
وهذا التصنيف قد لا يخلومن عيوب، وقد لا يمنع من طرح الأسئلة والإشكالات.
بداية القصة القصيرة بالمغرب مشكلة حولها خلاف: هناك من النقاد من يقول إن القصة قد ظهرت بالمغرب في العقد الأول من القرن العشرين، وهناك من يذهب إلى أن بدايتها كانت أواخر العقد الثاني وبداية الثالث، وبعضهم يرى انطلاقتها في العقد الرابع والخامس، وآخرون يحددون بدايتها الحقيقية في العقد السادس. وفي جميع الأحوال، فمن بداية القرن الماضي إلى أواخر العقد الخامس كان المغاربة بصدد تأسيس جنس أدبي تبعا لقواعده المعروفة غربا أوشرقا، في القصة الموباسانية أوفي القصة التيمورية. وكان المغرب في هذه الفترة من التاريخ خاضعا للاحتلال الفرنسي، وهذا ما طبع القصة في هذه المحطة بالطابع الوطني. وانطلاقا من العقد السادس ـ وقبله بسنوات قليلة ـ حصل المغرب على استقلاله وبدأ يعرف تحولات جديدة، وانفتح المغاربة على تجارب قصصية مختلفة في الشرق كما في الغرب، وهذا ما كان له أثره على الأدب عامة والقصصي خاصة.

لابد أن نسجل أن الفضل يعود إلى كتّاب المحطة الأولى، من أمثال عبد المجيد بنجلون وعبد الله ابراهيم وأحمد بناني وعبد الرحمان الفاسي، في تأسيس جنس أدبيّ جديد، وتطويعه ووضعه في خدمة القضية الوطنية الأولى: المطالبة بالاستقلال. ومن هنا، فان أهمّ ما يميز مرحلة الاستعمار هوهيمنة الاهتمام بالمضمون القصصي، إذ كان الشكل القصصي يعتبر مجرد وعاء لمضمون لابد من إبلاغه إلى القارئ بأسهل الطرق الفنية. فالأدب في هذه المحطة يتمّ النظر إليه على أنه صاحب رسالة هدفها الأساس إبلاغ قيم وطنية. وهذا الاهتمام بالمضمون القصصي سيبقى مهيمنا حتى بعد استقلال المغرب، أي في القصص الواقعية الاجتماعية، لأن الأدب سيبقى وسيلة من وسائل الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي، فالمغرب انتقل من الصراع مع الآخر إلى صراع داخلي بين الطبقة الحاكمة والطبقة السياسية والثقافية. وفي إطار فلسفة الالتزام التي أطرت الحركة الثقافية والأدبية بالمغرب في بدايات الاستقلال، فان الأدب، وخاصة منه الأدب الواقعي الاجتماعي، كان منخرطا في الصراعات السياسية والاجتماعية، ملتزما بالدفاع عن حقوق المستضعفين وانتقاد ظواهر الفساد والتخلف. وكان النظر إلى الأدب على أنه صاحب رسالة يخضع لمعايير الالتزام ونقل الواقع وقول الحقيقة ووصف مشكلات المجتمع وبلورة الوعي الجماعي وشحذه. ومع ذلك، فالقصص الواقعية الاجتماعية التي ظهرت بعد الاستقلال، وان كان التركيز فيها واقعا على مضمون القصة ورسالتها، فإنها قد أحدثت تحولات مسّت الجنس نفسه، ودفعت إلى تطوير الشكل القصصي.

ولهذا يبدواليوم من الضروري أن نتساءل: متى بدأ الاهتمام بالشكل الفني؟ ومتى وقع التحول من كتابة تجربة أومغامرة ما إلى تجريب الكتابة واعتبار الكتابة نفسها مغامرة؟ألم ينطلق البحث عن آفاق مغايرة للكتابة من داخل الأدب الواقعي الاجتماعي نفسه؟ بداية القصة القصيرة بالمغرب مشكلة كما تقدّم، وبداية ما يسمى اليوم تجريبا قصصيا مشكلة أخرى. فإذا أخذنا بعين الاعتبار كتّابا زلزلوا المفاهيم والتصورات السائدة عن الكتابة القصصية،من مثل أمين الخمليشي، فان التجريب القصصي قد انطلق منذ بدأ هذا الكاتب الكتابة والنشر أواخر الستينات من القرن الماضي، مع أن نصوصه لم تصبح لافتة للانتباه إلا أواسط الثمانينات، ولم تنشر في كتاب إلا سنة 1990. ونجد محمد برادة يقول إن بداية الستينات كانت لحظة انطلاق تجارب جديدة، لأن الجامعة المغربية شرعت في الانفتاح على نصوص جديدة من الشرق ومن الغرب، و"لأن الأشكال الكلاسيكية أصبحت قاصرة، ولأن التحولات الاجتماعية والسياسية تستلزم لغة وأشكالا جديدة
"(1). ويوضح الكاتب وهوأحد الفاعلين في هذا التحول أن الأمر في هذه البداية لم يكن يخلو"من خلط بين ضرورة توافر قواعد تسند الأشكال، وبين ربط التجديد بالنزوع إلى " تحطيم" القواعد جميعها."(2)
ويمكن القول إن الاهتمام بالشكل الفنّي قد انطلق منذ أصبحت القصة الواقعية " قادرة على أن تلين وتنبسط بين أنواع الحبكات وطرز الرؤى والتخيلات وأنماط التوضيعات التكنيكية والمعمارية لبناء فضاء القصّ"(3). فمنذ العقد السادس والسابع على الأخصّ، بدأت تظهر بذور كتابة قصصية جديدة تدعوإلى توسيع النموذج الواقعي السائد، والبحث في واقع آخر غير الواقع الجمعي الخارجي الحضوري، والالتفات إلى الواقع الفردي الداخلي اللامرئي، وتحرير الكتابة من سلطان الوعي وتفجير خزّان اللاوعي. هكذا نقرأ في إحدى قصص سلخ الجلد (1979) للكاتب محمد برادة: "أريد أن أكتب أشياء... حضورها يجسد الغياب... أكتب عن "تجربة"، لكن بودي لوأستطيع أن أكتب عن الهواجس والمعلومات والهذيان وأحلام اليقظة وسيناريوليالي السهاد... من يستطيع أن يلتقط هذه الكتابة الشفوية البصرية اللاواعية المستمرة كوجع لا يهدأ"(4) .

لقد كان هذا الانتقال إلى كتابة الذات والداخل واللامرئي خطوة هامة نحوالتجريب وتوليد الأشكال، وعرفت هذه الخطوة انطلاقتها مع بعض الأعمال المبكرة لبعض الكتّاب الرواد من أمثال محمد برادة وإدريس الخوري، واتضحت معالمها مع كتّاب من أمثال مصطفى المسناوي وأحمد بوزفور وأحمد المديني ومحمد عز الدين التازي وغيرهم ممن ظهرت أعمالهم أكثر مشاكسة للشكل الفنّي، باستثمارها الحلميّ والغرائبيّ والعجائبيّ والاستيهامي، وإلباس البنية السردية ظلال الرؤيا الشعرية. ووصلت هذه الخطوة حدودها القصوى مع أعمال لاحقة تبنّت التجريب، وسعت إلى بناء مفاهيم جديدة للكتابة القصصية، كما في الكثير من القصص التي تنامت وتكاثرت وتنوعت، وخاصة أواخر القرن الماضي وبداية القرن الجديد. والملاحظ أن استعمال عبارات: تجريب، تجريبي قد صار منتشرا بشكل واسع في السنوات الأخيرة من قبل النقاد والمبدعين، إلا أنه غالبا ما لا نفكّر أونرغب في تحديد المقصود بهذه العبارات، كأن المعنى الذي تؤديه العبارة معروف وطبيعي، ولا يشكّل معضلة خليقة بأن تؤدي إلى دراسة مستقلة وجدّية. وهكذا نستعمل كلمة " تجريب" دون أن نشعر بأدنى حاجة إلى تعريف الكلمة السحرية، ودون أن ندرك أهمية هذا التحديد في مجال الكتابة: ما الذي يجعلنا نصف بعض النصوص بأنها نصوص تجريبية؟

يتقدّم التجريب على أنه ضدّ التقليد، فالنص الجديد لا يريد أن يقلّد نصا سابقا، ولا أن يكون مجرّد نسخة لنصّ آخر، ويرغب في التحرر من تقاليد القول القصصي، والبحث عن أدوات وطرائق جديدة للتخييل والكتابة، والانفتاح على تقنيات وأجناس وفنون أخرى، قديمة ومعاصرة، دون أن يكون الانشغال بالضرورة بكتابة مغامرة ما، بل إن الأساس هوأن تتحول الكتابة نفسها إلى مغامرة. فالتجريب انشغال بالكتابة نفسها، وورش مفتوح للبحث عن عناصر نظام جديد للكتابة،ومساءلة متواصلة لأنظمة التخييل التقليدية. وإذا اعتبرنا أن كل نصّ حاول الخروج عن المعايير التقليدية للكتابة القصصية نصّا تجريبيا، فان كل النصوص التي تختبر إمكانات جديدة في القول القصصي تعتبر تجريبية. وهنا لا فرق بين نصّ ظهر في بداية الألفية الثالثة ونصّ ظهر في بداية السبعينات من القرن الماضي. فالعمل التجريبي هوالذي يمارس بحثا عن أشكال مغايرة للكتابة القصصية. وإذا اعتبرنا التجريب تحولا جذريا في مفهوم الكتابة، يتحقق مع نصوص تريد أن تحدث "قطيعة" مع أشكال القصّ التقليدية، وهي لا تؤمن بالمهادنة، وتعتبر التجريب ورشا مفتوحا للاختبار المتواصل وعدم الاستقرار والحفر الدائم في أسرار الكتابة، فان التجريب، بهذا المعنى، لم تعرفه القصة القصيرة بالمغرب إلا منذ التسعينات من القرن الماضي، مع إمكانية وجود أعمال أونصوص قصصية في العقود السابقة سباقة إلى تدشين التجريب بهذا المعنى.

هكذا ظهرت نصوص قصصية تتميّز بنزعتها التجريبية، وتريد أن تنتمي إلى التيارات الجديدة في الكتابة السردية. وهي تيارات بدأت تتشكل في القرن الماضي، وخاصة في نصفه الأخير، في بلاد مختلفة: في أوربا وأمريكا الجنوبية والشمالية والعالم العربي. فعلى المستوى العالمي، تحقق من التراكم الكمّي والنوعي في حقل الكتابة السردية ما دفع المبدعين إلى الاقتناع بأن التخييل الصالح في الوقت الراهن هوالذي يحاول تفجير إمكانات التخييل إلى أبعد الحدود، وهوالذي يحاول أن يتحدّى التقليد، ويخلخل العقلانية المتضخمة التي تتحكّم في التقاليد الأدبية، ويكشف الجانب اللاعقلاني واللعبي في الإنسان وحياته وعالمه. بالنسبة إلى التجريبيين، وفي كلّ أرجاء العالم، لم يعد العالم موضوعا هنا من أجل فهمه أوتفسيره، بل هوهنا من أجل أن نجعل منه تجربة، بالمعنى الذي يجعل من الكتابة لا كتابة تجربة ما، بل يجعل منها تجربة في الكتابة، أي أن الكتابة تتحول هي نفسها إلى مغامرة.

لم تعد القصة القصيرة هي ذلك المحكي القصير السريع الذي يتمركز حول حدث رئيس فريد، ويقود إلى نهاية تكون أحيانا غير منتظرة. فهي قد تحولت مع نصوص التجربيين إلى شيء صعب ولانمطي، غامض وحيوي، مثير ومقلق، وتحولت في الغالب إلى شيء غير قابل للقراءة. يمارس التجريبيون نوعا من الأبحاث السردية، ولهذا نجدهم يستعملون من التقنيات ما يجعل القارئ يشعر بالدوار والدوخة. فالحكايات البسيطة المحكية من قبل سارد واحد مسيطر أصبحت قليلة، والعناية الشكلانية بالسرد والتخييل والكتابة تزداد يوما بعد يوم، ولم يعد الأمر يتعلق ب " تمثيل العالم " أو" التعبير عن الأنا"، بل تحول الأمر إلى نوع من البحث عن شيء غير معروف من خلال إبداع عالم لم يسبق قوله: " عالم لا يوجد إلا داخل الكلمة" حسب عبارة وليم جاس William Gass. مع التجريبيين، لم يعد الأمر يتعلق بإعادة إنتاج الحياة، بل باكتشاف يتمّ عبر اللغة، وبتخييل فائض مفرط لا يسعى إلى محاكاة الواقع، بل إلى عرض الجانب التخييلي للواقع، وهذا ما يسميه رايموند فيدرمان Raymond Federman : " الواقع التخييلي الحقيقي".

مع النصوص التجريبية، صارت القصة تبدوكأنها جنس أدبي غير قابل للإدراك، فهوجنس ملتبس ومنقسم ومتردد وهجين ومتعدد الأشكال. وقد لا تكون هذه خاصية سلبية، لأنه في الإبداع من الضروري الانحياز إلى ذكاء الإنسان وخياله، والتخلّص من الفكرة التي تعتبر الأجناس الأدبية جواهر خالصة، وتتصور أن للجنس الأدبي تعريفا مطلقا وهوية ثابتة. ومع ذلك، قد يتعلق الأمر بخاصية سلبية، على الأقل في سياق الأدب المغربي المعاصر. فالملاحظ أن الأدب القصصي قد استطاع في المحطتين، الأولى والثانية، أن يؤسس له حضورا وأن يعرف، وخاصة مع القصص الواقعية الاجتماعية، انتشارا واسعا نسبيا بين مختلف طبقات القراء. ولم تنجح القصص التجربيبية، إلا قليلا، في توسيع هذا الحضور والانتشار، وفقد الأدب القصصي قراءه المتعددين، واكتفى بفئة خاصة من القراء تزداد تقلّصا. وقد لا يخلوالأمر من مفارقة، فعدد كتّاب القصة يزداد يوما بعد يوم وبشكل لافت، بينما نجد عدد القرّاء في تناقص متواصل. ويمكن أن نصف هذه المحطة وصفا مفارقا فنقول إنها محطة الاستقلال والانغلاق. فمع التجريب، بدأت المطالبة باستقلال الأدب عن الخطابات الإيديولوجية القاهرة والخطابات الأدبية والنقدية الضيقة التي حكمت المحطتين السابقتين، وانطلقت العناية بالأدب باعتباره أدبا أولا، والمطالبة بالنظر إليه باعتباره غاية لا وسيلة في الصراعات الاجتماعية والإيديولوجية.

والأمر المفارق أن هذه النزعة الاستقلالية قد سمحت بانطلاق الإبداع والبحث المتواصل عن جماليات جديدة واقتصاديات مغايرة في الكتابة والقول، لكنها بالمقابل أدت إلى انفصال الأدب عن المجتمع، وانغلاق الكتابة على ذاتها، بالشكل الذي يجعلها تبدوكأنها شيء غير نافع ولا صالح، فقد ضحّـت الكتابة القصصية بوظيفتها التداولية النفعية لصالح وظيفتها الشعرية الجمالية الخالصة، ولم تكن هذه التضحية بعيدة عن تأثير النظريات البنيوية والشكلانية، لكنها ليست منفصلة عن المناخ النفسي العام الذي هيمن على المغرب، وخاصة بعد خيبة الأمل وخمود الفورة الحماسية التي سادت السنوات الأولى من الاستقلال، وانكسار خطابات كانت رافعة إيديولوجية التقدم والتغيير. ولأن الأدب لم يعد يقرأه في مجتمعنا غير كتّابه وعدد قليل من القرّاء والنقّـاد، فقد حان الوقت لإعادة مساءلة استقلالية الأدب وانغلاقيته، والتفكير في السبل التي تسمح للأدب بأن يؤدي وظيفته الشعرية دون أن يضحّي بوظيفته التداولية. ولا ينبغي أن يكون الهدف من هذه المساءلة التقليل بأي شكل من قيمة النصوص ذات النزعة التجريبية، ولا التنقيص من أهمية كتابة تسائل ذاتها باستمرار. وقد يبدومن الضروري قبل أن نسائل الخطاب التجريبي، في معناه الواسع، ونضعه في قفص الاتهام، أن نتأمّل أفضال استقلاله وانغلاقه ونزعته الشكلانية الشعرية. ومن خلال قراءاتي ودراساتي للقصة القصيرة بالمغرب، يمكن أن أذكر بعض أهم التحولات الفنية التي عرفتها الكتابة القصصية بالمغرب، وخاصة في محطاتها التي تنزع إلى التجديد والتجريب:

ـ تذويت الكتابة القصصية:لقد ظهرت قصص لم تعد تكتفي باستنساخ الواقع، ولم تعد تدّعي النقل الأمين البريء للواقع والحقيقة، بل ظهرت وهي تطمح إلى أن تكون مميزة في شكلها وخطابها، عاملة على تنسيب كل نقل للواقع وتذويت كل قول للحقيقة، فأضحى التذويت آلية أساس بحيث يتمّ تقديم الأشياء والعوالم من خلال تصور الذات، وأضحى المنظور لا يعني إلا نظرة إلى الأشياء كما تتقدم إلى الذات.

ـ شعرنة الكتابة القصصية:لعبت الأشكال الشعرية والحلمية والاستيهامية والفانطاستيكية دورا جوهريا في ظهور نص قصصي استعاري يصعب معه الفصل بين الجسد والروح، بين الشكل والمضمون، بشكل يسمح بتعدد القراءة والتأويل. وقد ترسخت شعرنة الكتابة واتسعت بعد انفتاح جنس القصة على أجناس أخرى: الشعر، الأسطورة، السرد الشعبي، الحكاية الخرافية...انفتاحا جعل منها كتابة مرموزة مبنية بشكل يحفر مسافة بين الشكل والمضمون، ويسدل ستارا على مدلول النص. وصارت هذه الشعرنة من علامات الكتابة القصصية بعد اتساع توظيف بلاغة الحذف والفراغ والصمت والتكثيف بالشكل الذي يجعل الكتابة مليئة بالحفر، ترفض الثرثرة وكثرة الكلام، وتنفر من التفاصيل، وتجعل من البياض خطابا. فـ " في كل قصة أشكال من الفراغ الأبيض، وليس عليّ أن أملأ أي فراغ خاصّ إذا كان عند آخر كلمة تصل إلى عيون نائمة... وبحجم مدينة كاملة"(5) .

ـ غياب الحكاية: ويعني تفكك البنية السردية التي لم تعد محكومة بالمنطق السببي والتتابع المنطقي والتماسك العقلاني التقليدي، فظهر نمط من الكتابة ينتهك التماسك القصصي معتمدا منطق التفكك والتشذر، وظهرت قصص بدون حكاية أومتعددة البؤر الحكائية، جاعلة الشكل الفنّي في الواجهة حتى يدرك السرد كسرد وليس كمجرد تقنية في خدمة سير الحكاية.

ـ ظهور القصة ـ الحقيبة: انفتحت القصة على أجناس أدبية وغير أدبية، وصارت القصة الواحدة تتكون من عدة قصص، وبدأ اللعب بالأزمنة والضمائر والفضاءات، وتناوب الواقع والحلم والاستيهام في القصة الواحدة،وصارت القصة تحتكم إلى منطق التجاور والتضعيف ولعبة المرايا، وتمّ توظيف الشعري والرمزي، والانفتاح على التكنولوجيات الجديدة واللغات العامية المحلية.

ـ ظهور القصة القصيرة جدا: في السنوات القليلة الأخيرة، عرف مجال الكتابة القصصية تحولا نوعيا بظهور وانتشار القصة القصيرة جدا. فبعد انتشار جماليات الشعرنة والترميز والحذف والبياض وجماليات القصة ـ الحقيبة، بدأت نصوص جديدة في الظهور حاملة معها عناصر التميّز كمّا وكيفا. فالنص القصصي القصير جدا يستعمل القليل من الكلمات، لكنه بالمقابل يوظف أهم الأدوات اللغوية والبلاغية والشعرية والرمزية التي تسمح له بأن يقول الكثير في القليل من الألفاظ، وأن يقدّم نصا متعدد الدلالات والتأويلات في كلمات لا تتعدى أحيانا نصف صفحة. وهكذا ظهرت قصص جديدة لكتّاب من أمثال جمال بوطيب وسعيد الفاضلي وسعيد بوكرامي وعبد الله المتقي وسعيد منتسب ومصطفى جباري وعبد العالي بركات وعز الدين الماعزي ومحمد تنفو.

ـ ازدهار الكتابة القصصية النسائية: في السنوات الأخيرة من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، ظهرت قصص نسائية لافتة للانتباه كمّا وكيفا. ففي حدود علمي، كان عدد الكاتبات قليلا بالمغرب في بدايات استقلاله، لكنه سيتزايد وخاصة في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الجديد.

ولاشك أن الانفتاح الذي عرفه المجتمع المغربي على قضايا المرأة بعد الاستقلال، وازدياد الاهتمام بما يسمى الأدب النسائي ومسألة الكتابة والمرأة، وإقبال المرأة المغربية على القول والكتابة بالكثير من الجرأة والاختلاف،هي عوامل لعبت دورا فعالا في تطور الكتابة القصصية النسائية بالمغرب. وشيئا فشيئا، ستتحول النصوص النسائية بدورها إلى عنصر أساس في التحول الذي تعرفه الكتابة القصصية عامة، بدءا من النصوص الأولى، كنصوص خناثة بنونة ورفيقة الطبيعة ـ واسمها الحقيقي زينب فهمي ـ التي تذهب بعيدا في الاستبطان والبوح بحساسية نسائية مغايرة ومقابلة للحساسية الرجالية، وصولا إلى بعض النصوص النسائية الأخيرة لكاتبات من مثيلات رجاء الطالبي ولطيفة لبصير ولطيفة باقا وعائشة موقيظ وربيعة ريحان وزهرة زيراوي وزهرة رميج وفاطمة بوزيان ومليكة مستظرف ورشيدة عدناوي ومنى وفيق ووفاء مليح... نصوص تكسّر الحدود بين الأجناس، وتقدّم أحيانا كتابة غير قابلة للتصنيف، وتوظف إمكانات التكنولوجيا الجديدة، وتتكلم لغات أكثر جرأة واختلافا، وتتناول موضوعات محرّمة أومسكوت عنها، وتساهم في خلخلة الشكل القصصي التقليدي، وتساهم في بروز الشكل القصصي القصير جدا.

وبالرغم مما قد يؤخذ على بعض النصوص التجريبية، وخاصة بالنظر إلى وظيفتها التداولية وعلاقاتها بالقارئ والمجتمع، فإن الكتابة القصصية بالمغرب قد فتحت الطريق أمام الاشتغال على الدّال القصصي، وسمحت بتفجير طاقاته الشعرية وإمكاناته الرمزية، واستطاعت أن تشرع في تأسيس تصور مغاير للكتابة.
حسن المودن
ناقد من المغرب
[/INDENT]منقول عن مجلة الكلمة


1ـ محمد برادة: لغة الطفولة والحلم، قراءة في ذاكرة القصة المغربية،ط.1، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986، ص 6.
2ـ نفسه، ص 7.
3ـ أحمد المديني: الكتابة المفقودة بين سلطة عقدين: الاجتماعي والأتوبيوغرافي، مجلة الفصول الأربعة، عدد 29، السنة8، 1985، ص 329.
4 ـ محمد برادة: سلخ الجلد،ط.1، دار الآداب، بيروت، 1979، ص89.
5 ـ محمد الدغمومي: قصة عبثية، العلم الثقافي،عدد 11 فبراير 1994، ص 12. [/COLOR][/RIGHT][/FONT]

ن.ليلـى
15-09-2007, 01:24 PM
القصة القصيرة جنس أدبي لم يعرف حضورا لافتا في الأدب المغربي إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وخاصة في أواخره وبدايات الألفية الجديدة. وبشكل قد لا يخلومن مفارقة، نجد عمره قصيرا، ولكنه حرق الكثير من المراحل في مدة زمنية قياسية. ويمكن أن نجازف فنقدم محاولة تأريخية تصنيفية تفترض أن هذا الجنس الأدبي قد عرف ثلاث محطات مركزية:
أ ـ محطة التأسيس: وفي هذه المحطة، كانت النزعة الوطنية أهمّ ما يميّز الكتابة القصصية.
ب ـ محطة الانتشار: وفي هذه المحطة، كانت النزعة الواقعية الاجتماعية خاصية مركزية في الكتابة القصصية.
ج ـ محطة الانغلاق: وفي هذه المحطة، صارت النزعة التجريبية الشكلانية الأكثر هيمنة على الكتابة القصصية.
وهذا التصنيف قد لا يخلومن عيوب، وقد لا يمنع من طرح الأسئلة والإشكالات.
بداية القصة القصيرة بالمغرب مشكلة حولها خلاف: هناك من النقاد من يقول إن القصة قد ظهرت بالمغرب في العقد الأول من القرن العشرين، وهناك من يذهب إلى أن بدايتها كانت أواخر العقد الثاني وبداية الثالث، وبعضهم يرى انطلاقتها في العقد الرابع والخامس، وآخرون يحددون بدايتها الحقيقية في العقد السادس. وفي جميع الأحوال، فمن بداية القرن الماضي إلى أواخر العقد الخامس كان المغاربة بصدد تأسيس جنس أدبي تبعا لقواعده المعروفة غربا أوشرقا، في القصة الموباسانية أوفي القصة التيمورية. وكان المغرب في هذه الفترة من التاريخ خاضعا للاحتلال الفرنسي، وهذا ما طبع القصة في هذه المحطة بالطابع الوطني. وانطلاقا من العقد السادس ـ وقبله بسنوات قليلة ـ حصل المغرب على استقلاله وبدأ يعرف تحولات جديدة، وانفتح المغاربة على تجارب قصصية مختلفة في الشرق كما في الغرب، وهذا ما كان له أثره على الأدب عامة والقصصي خاصة.
لابد أن نسجل أن الفضل يعود إلى كتّاب المحطة الأولى، من أمثال عبد المجيد بنجلون وعبد الله ابراهيم وأحمد بناني وعبد الرحمان الفاسي، في تأسيس جنس أدبيّ جديد، وتطويعه ووضعه في خدمة القضية الوطنية الأولى: المطالبة بالاستقلال. ومن هنا، فان أهمّ ما يميز مرحلة الاستعمار هوهيمنة الاهتمام بالمضمون القصصي، إذ كان الشكل القصصي يعتبر مجرد وعاء لمضمون لابد من إبلاغه إلى القارئ بأسهل الطرق الفنية. فالأدب في هذه المحطة يتمّ النظر إليه على أنه صاحب رسالة هدفها الأساس إبلاغ قيم وطنية. وهذا الاهتمام بالمضمون القصصي سيبقى مهيمنا حتى بعد استقلال المغرب، أي في القصص الواقعية الاجتماعية، لأن الأدب سيبقى وسيلة من وسائل الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي، فالمغرب انتقل من الصراع مع الآخر إلى صراع داخلي بين الطبقة الحاكمة والطبقة السياسية والثقافية. وفي إطار فلسفة الالتزام التي أطرت الحركة الثقافية والأدبية بالمغرب في بدايات الاستقلال، فان الأدب، وخاصة منه الأدب الواقعي الاجتماعي، كان منخرطا في الصراعات السياسية والاجتماعية، ملتزما بالدفاع عن حقوق المستضعفين وانتقاد ظواهر الفساد والتخلف. وكان النظر إلى الأدب على أنه صاحب رسالة يخضع لمعايير الالتزام ونقل الواقع وقول الحقيقة ووصف مشكلات المجتمع وبلورة الوعي الجماعي وشحذه. ومع ذلك، فالقصص الواقعية الاجتماعية التي ظهرت بعد الاستقلال، وان كان التركيز فيها واقعا على مضمون القصة ورسالتها، فإنها قد أحدثت تحولات مسّت الجنس نفسه، ودفعت إلى تطوير الشكل القصصي.
ولهذا يبدواليوم من الضروري أن نتساءل: متى بدأ الاهتمام بالشكل الفني؟ ومتى وقع التحول من كتابة تجربة أومغامرة ما إلى تجريب الكتابة واعتبار الكتابة نفسها مغامرة؟ألم ينطلق البحث عن آفاق مغايرة للكتابة من داخل الأدب الواقعي الاجتماعي نفسه؟ بداية القصة القصيرة بالمغرب مشكلة كما تقدّم، وبداية ما يسمى اليوم تجريبا قصصيا مشكلة أخرى. فإذا أخذنا بعين الاعتبار كتّابا زلزلوا المفاهيم والتصورات السائدة عن الكتابة القصصية،من مثل أمين الخمليشي، فان التجريب القصصي قد انطلق منذ بدأ هذا الكاتب الكتابة والنشر أواخر الستينات من القرن الماضي، مع أن نصوصه لم تصبح لافتة للانتباه إلا أواسط الثمانينات، ولم تنشر في كتاب إلا سنة 1990. ونجد محمد برادة يقول إن بداية الستينات كانت لحظة انطلاق تجارب جديدة، لأن الجامعة المغربية شرعت في الانفتاح على نصوص جديدة من الشرق ومن الغرب، و"لأن الأشكال الكلاسيكية أصبحت قاصرة، ولأن التحولات الاجتماعية والسياسية تستلزم لغة وأشكالا جديدة
"(1). ويوضح الكاتب وهوأحد الفاعلين في هذا التحول أن الأمر في هذه البداية لم يكن يخلو"من خلط بين ضرورة توافر قواعد تسند الأشكال، وبين ربط التجديد بالنزوع إلى " تحطيم" القواعد جميعها."(2)
ويمكن القول إن الاهتمام بالشكل الفنّي قد انطلق منذ أصبحت القصة الواقعية " قادرة على أن تلين وتنبسط بين أنواع الحبكات وطرز الرؤى والتخيلات وأنماط التوضيعات التكنيكية والمعمارية لبناء فضاء القصّ"(3). فمنذ العقد السادس والسابع على الأخصّ، بدأت تظهر بذور كتابة قصصية جديدة تدعوإلى توسيع النموذج الواقعي السائد، والبحث في واقع آخر غير الواقع الجمعي الخارجي الحضوري، والالتفات إلى الواقع الفردي الداخلي اللامرئي، وتحرير الكتابة من سلطان الوعي وتفجير خزّان اللاوعي. هكذا نقرأ في إحدى قصص سلخ الجلد (1979) للكاتب محمد برادة: "أريد أن أكتب أشياء... حضورها يجسد الغياب... أكتب عن "تجربة"، لكن بودي لوأستطيع أن أكتب عن الهواجس والمعلومات والهذيان وأحلام اليقظة وسيناريوليالي السهاد... من يستطيع أن يلتقط هذه الكتابة الشفوية البصرية اللاواعية المستمرة كوجع لا يهدأ"(4) .
لقد كان هذا الانتقال إلى كتابة الذات والداخل واللامرئي خطوة هامة نحوالتجريب وتوليد الأشكال، وعرفت هذه الخطوة انطلاقتها مع بعض الأعمال المبكرة لبعض الكتّاب الرواد من أمثال محمد برادة وإدريس الخوري، واتضحت معالمها مع كتّاب من أمثال مصطفى المسناوي وأحمد بوزفور وأحمد المديني ومحمد عز الدين التازي وغيرهم ممن ظهرت أعمالهم أكثر مشاكسة للشكل الفنّي، باستثمارها الحلميّ والغرائبيّ والعجائبيّ والاستيهامي، وإلباس البنية السردية ظلال الرؤيا الشعرية. ووصلت هذه الخطوة حدودها القصوى مع أعمال لاحقة تبنّت التجريب، وسعت إلى بناء مفاهيم جديدة للكتابة القصصية، كما في الكثير من القصص التي تنامت وتكاثرت وتنوعت، وخاصة أواخر القرن الماضي وبداية القرن الجديد. والملاحظ أن استعمال عبارات: تجريب، تجريبي قد صار منتشرا بشكل واسع في السنوات الأخيرة من قبل النقاد والمبدعين، إلا أنه غالبا ما لا نفكّر أونرغب في تحديد المقصود بهذه العبارات، كأن المعنى الذي تؤديه العبارة معروف وطبيعي، ولا يشكّل معضلة خليقة بأن تؤدي إلى دراسة مستقلة وجدّية. وهكذا نستعمل كلمة " تجريب" دون أن نشعر بأدنى حاجة إلى تعريف الكلمة السحرية، ودون أن ندرك أهمية هذا التحديد في مجال الكتابة: ما الذي يجعلنا نصف بعض النصوص بأنها نصوص تجريبية؟
يتقدّم التجريب على أنه ضدّ التقليد، فالنص الجديد لا يريد أن يقلّد نصا سابقا، ولا أن يكون مجرّد نسخة لنصّ آخر، ويرغب في التحرر من تقاليد القول القصصي، والبحث عن أدوات وطرائق جديدة للتخييل والكتابة، والانفتاح على تقنيات وأجناس وفنون أخرى، قديمة ومعاصرة، دون أن يكون الانشغال بالضرورة بكتابة مغامرة ما، بل إن الأساس هوأن تتحول الكتابة نفسها إلى مغامرة. فالتجريب انشغال بالكتابة نفسها، وورش مفتوح للبحث عن عناصر نظام جديد للكتابة،ومساءلة متواصلة لأنظمة التخييل التقليدية. وإذا اعتبرنا أن كل نصّ حاول الخروج عن المعايير التقليدية للكتابة القصصية نصّا تجريبيا، فان كل النصوص التي تختبر إمكانات جديدة في القول القصصي تعتبر تجريبية. وهنا لا فرق بين نصّ ظهر في بداية الألفية الثالثة ونصّ ظهر في بداية السبعينات من القرن الماضي. فالعمل التجريبي هوالذي يمارس بحثا عن أشكال مغايرة للكتابة القصصية. وإذا اعتبرنا التجريب تحولا جذريا في مفهوم الكتابة، يتحقق مع نصوص تريد أن تحدث "قطيعة" مع أشكال القصّ التقليدية، وهي لا تؤمن بالمهادنة، وتعتبر التجريب ورشا مفتوحا للاختبار المتواصل وعدم الاستقرار والحفر الدائم في أسرار الكتابة، فان التجريب، بهذا المعنى، لم تعرفه القصة القصيرة بالمغرب إلا منذ التسعينات من القرن الماضي، مع إمكانية وجود أعمال أونصوص قصصية في العقود السابقة سباقة إلى تدشين التجريب بهذا المعنى.
هكذا ظهرت نصوص قصصية تتميّز بنزعتها التجريبية، وتريد أن تنتمي إلى التيارات الجديدة في الكتابة السردية. وهي تيارات بدأت تتشكل في القرن الماضي، وخاصة في نصفه الأخير، في بلاد مختلفة: في أوربا وأمريكا الجنوبية والشمالية والعالم العربي. فعلى المستوى العالمي، تحقق من التراكم الكمّي والنوعي في حقل الكتابة السردية ما دفع المبدعين إلى الاقتناع بأن التخييل الصالح في الوقت الراهن هوالذي يحاول تفجير إمكانات التخييل إلى أبعد الحدود، وهوالذي يحاول أن يتحدّى التقليد، ويخلخل العقلانية المتضخمة التي تتحكّم في التقاليد الأدبية، ويكشف الجانب اللاعقلاني واللعبي في الإنسان وحياته وعالمه. بالنسبة إلى التجريبيين، وفي كلّ أرجاء العالم، لم يعد العالم موضوعا هنا من أجل فهمه أوتفسيره، بل هوهنا من أجل أن نجعل منه تجربة، بالمعنى الذي يجعل من الكتابة لا كتابة تجربة ما، بل يجعل منها تجربة في الكتابة، أي أن الكتابة تتحول هي نفسها إلى مغامرة.
لم تعد القصة القصيرة هي ذلك المحكي القصير السريع الذي يتمركز حول حدث رئيس فريد، ويقود إلى نهاية تكون أحيانا غير منتظرة. فهي قد تحولت مع نصوص التجربيين إلى شيء صعب ولانمطي، غامض وحيوي، مثير ومقلق، وتحولت في الغالب إلى شيء غير قابل للقراءة. يمارس التجريبيون نوعا من الأبحاث السردية، ولهذا نجدهم يستعملون من التقنيات ما يجعل القارئ يشعر بالدوار والدوخة. فالحكايات البسيطة المحكية من قبل سارد واحد مسيطر أصبحت قليلة، والعناية الشكلانية بالسرد والتخييل والكتابة تزداد يوما بعد يوم، ولم يعد الأمر يتعلق ب " تمثيل العالم " أو" التعبير عن الأنا"، بل تحول الأمر إلى نوع من البحث عن شيء غير معروف من خلال إبداع عالم لم يسبق قوله: " عالم لا يوجد إلا داخل الكلمة" حسب عبارة وليم جاس William Gass. مع التجريبيين، لم يعد الأمر يتعلق بإعادة إنتاج الحياة، بل باكتشاف يتمّ عبر اللغة، وبتخييل فائض مفرط لا يسعى إلى محاكاة الواقع، بل إلى عرض الجانب التخييلي للواقع، وهذا ما يسميه رايموند فيدرمان Raymond Federman : " الواقع التخييلي الحقيقي".

مع النصوص التجريبية، صارت القصة تبدوكأنها جنس أدبي غير قابل للإدراك، فهوجنس ملتبس ومنقسم ومتردد وهجين ومتعدد الأشكال. وقد لا تكون هذه خاصية سلبية، لأنه في الإبداع من الضروري الانحياز إلى ذكاء الإنسان وخياله، والتخلّص من الفكرة التي تعتبر الأجناس الأدبية جواهر خالصة، وتتصور أن للجنس الأدبي تعريفا مطلقا وهوية ثابتة. ومع ذلك، قد يتعلق الأمر بخاصية سلبية، على الأقل في سياق الأدب المغربي المعاصر. فالملاحظ أن الأدب القصصي قد استطاع في المحطتين، الأولى والثانية، أن يؤسس له حضورا وأن يعرف، وخاصة مع القصص الواقعية الاجتماعية، انتشارا واسعا نسبيا بين مختلف طبقات القراء. ولم تنجح القصص التجربيبية، إلا قليلا، في توسيع هذا الحضور والانتشار، وفقد الأدب القصصي قراءه المتعددين، واكتفى بفئة خاصة من القراء تزداد تقلّصا. وقد لا يخلوالأمر من مفارقة، فعدد كتّاب القصة يزداد يوما بعد يوم وبشكل لافت، بينما نجد عدد القرّاء في تناقص متواصل. ويمكن أن نصف هذه المحطة وصفا مفارقا فنقول إنها محطة الاستقلال والانغلاق. فمع التجريب، بدأت المطالبة باستقلال الأدب عن الخطابات الإيديولوجية القاهرة والخطابات الأدبية والنقدية الضيقة التي حكمت المحطتين السابقتين، وانطلقت العناية بالأدب باعتباره أدبا أولا، والمطالبة بالنظر إليه باعتباره غاية لا وسيلة في الصراعات الاجتماعية والإيديولوجية.

والأمر المفارق أن هذه النزعة الاستقلالية قد سمحت بانطلاق الإبداع والبحث المتواصل عن جماليات جديدة واقتصاديات مغايرة في الكتابة والقول، لكنها بالمقابل أدت إلى انفصال الأدب عن المجتمع، وانغلاق الكتابة على ذاتها، بالشكل الذي يجعلها تبدوكأنها شيء غير نافع ولا صالح، فقد ضحّـت الكتابة القصصية بوظيفتها التداولية النفعية لصالح وظيفتها الشعرية الجمالية الخالصة، ولم تكن هذه التضحية بعيدة عن تأثير النظريات البنيوية والشكلانية، لكنها ليست منفصلة عن المناخ النفسي العام الذي هيمن على المغرب، وخاصة بعد خيبة الأمل وخمود الفورة الحماسية التي سادت السنوات الأولى من الاستقلال، وانكسار خطابات كانت رافعة إيديولوجية التقدم والتغيير. ولأن الأدب لم يعد يقرأه في مجتمعنا غير كتّابه وعدد قليل من القرّاء والنقّـاد، فقد حان الوقت لإعادة مساءلة استقلالية الأدب وانغلاقيته، والتفكير في السبل التي تسمح للأدب بأن يؤدي وظيفته الشعرية دون أن يضحّي بوظيفته التداولية. ولا ينبغي أن يكون الهدف من هذه المساءلة التقليل بأي شكل من قيمة النصوص ذات النزعة التجريبية، ولا التنقيص من أهمية كتابة تسائل ذاتها باستمرار. وقد يبدومن الضروري قبل أن نسائل الخطاب التجريبي، في معناه الواسع، ونضعه في قفص الاتهام، أن نتأمّل أفضال استقلاله وانغلاقه ونزعته الشكلانية الشعرية. ومن خلال قراءاتي ودراساتي للقصة القصيرة بالمغرب، يمكن أن أذكر بعض أهم التحولات الفنية التي عرفتها الكتابة القصصية بالمغرب، وخاصة في محطاتها التي تنزع إلى التجديد والتجريب:

ـ تذويت الكتابة القصصية:لقد ظهرت قصص لم تعد تكتفي باستنساخ الواقع، ولم تعد تدّعي النقل الأمين البريء للواقع والحقيقة، بل ظهرت وهي تطمح إلى أن تكون مميزة في شكلها وخطابها، عاملة على تنسيب كل نقل للواقع وتذويت كل قول للحقيقة، فأضحى التذويت آلية أساس بحيث يتمّ تقديم الأشياء والعوالم من خلال تصور الذات، وأضحى المنظور لا يعني إلا نظرة إلى الأشياء كما تتقدم إلى الذات.

ـ شعرنة الكتابة القصصية:لعبت الأشكال الشعرية والحلمية والاستيهامية والفانطاستيكية دورا جوهريا في ظهور نص قصصي استعاري يصعب معه الفصل بين الجسد والروح، بين الشكل والمضمون، بشكل يسمح بتعدد القراءة والتأويل. وقد ترسخت شعرنة الكتابة واتسعت بعد انفتاح جنس القصة على أجناس أخرى: الشعر، الأسطورة، السرد الشعبي، الحكاية الخرافية...انفتاحا جعل منها كتابة مرموزة مبنية بشكل يحفر مسافة بين الشكل والمضمون، ويسدل ستارا على مدلول النص. وصارت هذه الشعرنة من علامات الكتابة القصصية بعد اتساع توظيف بلاغة الحذف والفراغ والصمت والتكثيف بالشكل الذي يجعل الكتابة مليئة بالحفر، ترفض الثرثرة وكثرة الكلام، وتنفر من التفاصيل، وتجعل من البياض خطابا. فـ " في كل قصة أشكال من الفراغ الأبيض، وليس عليّ أن أملأ أي فراغ خاصّ إذا كان عند آخر كلمة تصل إلى عيون نائمة... وبحجم مدينة كاملة"(5) .

ـ غياب الحكاية: ويعني تفكك البنية السردية التي لم تعد محكومة بالمنطق السببي والتتابع المنطقي والتماسك العقلاني التقليدي، فظهر نمط من الكتابة ينتهك التماسك القصصي معتمدا منطق التفكك والتشذر، وظهرت قصص بدون حكاية أومتعددة البؤر الحكائية، جاعلة الشكل الفنّي في الواجهة حتى يدرك السرد كسرد وليس كمجرد تقنية في خدمة سير الحكاية.

ـ ظهور القصة ـ الحقيبة: انفتحت القصة على أجناس أدبية وغير أدبية، وصارت القصة الواحدة تتكون من عدة قصص، وبدأ اللعب بالأزمنة والضمائر والفضاءات، وتناوب الواقع والحلم والاستيهام في القصة الواحدة،وصارت القصة تحتكم إلى منطق التجاور والتضعيف ولعبة المرايا، وتمّ توظيف الشعري والرمزي، والانفتاح على التكنولوجيات الجديدة واللغات العامية المحلية.

ـ ظهور القصة القصيرة جدا: في السنوات القليلة الأخيرة، عرف مجال الكتابة القصصية تحولا نوعيا بظهور وانتشار القصة القصيرة جدا. فبعد انتشار جماليات الشعرنة والترميز والحذف والبياض وجماليات القصة ـ الحقيبة، بدأت نصوص جديدة في الظهور حاملة معها عناصر التميّز كمّا وكيفا. فالنص القصصي القصير جدا يستعمل القليل من الكلمات، لكنه بالمقابل يوظف أهم الأدوات اللغوية والبلاغية والشعرية والرمزية التي تسمح له بأن يقول الكثير في القليل من الألفاظ، وأن يقدّم نصا متعدد الدلالات والتأويلات في كلمات لا تتعدى أحيانا نصف صفحة. وهكذا ظهرت قصص جديدة لكتّاب من أمثال جمال بوطيب وسعيد الفاضلي وسعيد بوكرامي وعبد الله المتقي وسعيد منتسب ومصطفى جباري وعبد العالي بركات وعز الدين الماعزي ومحمد تنفو.

ـ ازدهار الكتابة القصصية النسائية: في السنوات الأخيرة من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، ظهرت قصص نسائية لافتة للانتباه كمّا وكيفا. ففي حدود علمي، كان عدد الكاتبات قليلا بالمغرب في بدايات استقلاله، لكنه سيتزايد وخاصة في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الجديد.

ولاشك أن الانفتاح الذي عرفه المجتمع المغربي على قضايا المرأة بعد الاستقلال، وازدياد الاهتمام بما يسمى الأدب النسائي ومسألة الكتابة والمرأة، وإقبال المرأة المغربية على القول والكتابة بالكثير من الجرأة والاختلاف،هي عوامل لعبت دورا فعالا في تطور الكتابة القصصية النسائية بالمغرب. وشيئا فشيئا، ستتحول النصوص النسائية بدورها إلى عنصر أساس في التحول الذي تعرفه الكتابة القصصية عامة، بدءا من النصوص الأولى، كنصوص خناثة بنونة ورفيقة الطبيعة ـ واسمها الحقيقي زينب فهمي ـ التي تذهب بعيدا في الاستبطان والبوح بحساسية نسائية مغايرة ومقابلة للحساسية الرجالية، وصولا إلى بعض النصوص النسائية الأخيرة لكاتبات من مثيلات رجاء الطالبي ولطيفة لبصير ولطيفة باقا وعائشة موقيظ وربيعة ريحان وزهرة زيراوي وزهرة رميج وفاطمة بوزيان ومليكة مستظرف ورشيدة عدناوي ومنى وفيق ووفاء مليح... نصوص تكسّر الحدود بين الأجناس، وتقدّم أحيانا كتابة غير قابلة للتصنيف، وتوظف إمكانات التكنولوجيا الجديدة، وتتكلم لغات أكثر جرأة واختلافا، وتتناول موضوعات محرّمة أومسكوت عنها، وتساهم في خلخلة الشكل القصصي التقليدي، وتساهم في بروز الشكل القصصي القصير جدا.

وبالرغم مما قد يؤخذ على بعض النصوص التجريبية، وخاصة بالنظر إلى وظيفتها التداولية وعلاقاتها بالقارئ والمجتمع، فإن الكتابة القصصية بالمغرب قد فتحت الطريق أمام الاشتغال على الدّال القصصي، وسمحت بتفجير طاقاته الشعرية وإمكاناته الرمزية، واستطاعت أن تشرع في تأسيس تصور مغاير للكتابة.
حسن المودن
ناقد من المغرب



1ـ محمد برادة: لغة الطفولة والحلم، قراءة في ذاكرة القصة المغربية،ط.1، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986، ص 6.
2ـ نفسه، ص 7.
3ـ أحمد المديني: الكتابة المفقودة بين سلطة عقدين: الاجتماعي والأتوبيوغرافي، مجلة الفصول الأربعة، عدد 29، السنة8، 1985، ص 329.
4 ـ محمد برادة: سلخ الجلد،ط.1، دار الآداب، بيروت، 1979، ص89.
5 ـ محمد الدغمومي: قصة عبثية، العلم الثقافي،عدد 11 فبراير 1994، ص 12.


منقول عن مجلة الكلمة

ن.ليلـى
21-09-2007, 04:55 PM
1- نص شعريّ (من كتاب "محاولات لكتابة وردة" )

رِيـمَا
طَعْمٌ وحيدٌ لكلّ النِّساءِ
وطعمٌ لريمَا كأنّ العَسَلْ
وكان لريما صباحاتُ لَهْوٍ
وكنتُ غَرِيبَ الهوى
أشْْتَعِلْ
وريما تُجيد الغناءْ
تغنّي لفيروزَ
للنجم ينأى بقطّتها
في خيالٍ وَسِيعْ
لعصفورةٍ في حديقتها
تَنْسُجُ حُلَّةً للربيعْ
لجاراتها الصُّغْرَيَاتِ
يُرَتّبْنَ بيتَ عريسٍ ستحمله دعواتُ العِشاءْ
***
وريما بعكس النّساءْ
فتاة صغيرَه
إذا ما تهدّلَ شعرُ الضفيرَه
تضمُّ القبائلَ في كفّها
تحدّثها
عن مُلُوكٍٍ يَمُرُّونَ مِنْ ثُقْبِ لَيْلٍ صغيرْ
فإن أَشْعَلَتْ طفلةٌ زَهْرَةً في خفايا السّريرْ
أطْفَؤُوا حُلْمَها في عُوَاءِ الذِّئَابْ
ولكنّ ريما تخبّئُ أحلامَهَا في شَفِيفِ الثِّيَابْ
وتخشى إذا ما مشتْ وَحْدَهَا
يطوفُ الملوكُ بأضوائِها
فالملوك إذا دخلوا قريَةً...
الملوك إذا دخلوا قريَةً...
وريما تُحِبُّ قُرَاهَا
وتَدْعُو لها بالسَّحَابْ.

2- نصّ شعري من كتاب "تمائم الغُيّاب"
حانة
نفسُ الرّائحةِ، ألوانِ النّاسِ
نفسُ البَلَلِ السّاكن في أعلى الحيطانْ
نفسُ الضوء الدّاكن
نفس الأهواءِ
نفسُ أحاديث السّابِلةِ الغرباءِ
عن النسوة والأجْرِ
منذُ الفجرِ
زرتُها، كانتْ سَاقِيَتي، وأنا
سيِّدُ مَمْلكةِ النُّدْمانْ
أتذكَّرُ،...
لكنّها الآنْ
باردةٌ، باردةٌ...


3- نص نثري من كتاب "أرقُ الأصابع"

الشاشةُ والشيشةُ والشايُ
الشعوب بكتّابها وقرائها، والقارئ الحقُّ جمهورٌ بأكمله، والقراءة قبل أن تكون فعلَ تذوّقٍ هي تفكيكٌ وتحليل وتأويل وتأليف، ومن ثمة إعادة بناء الكون المسرود بناءً يفي بحاجة الكائن إلى تنظيم فضاء الرؤيا وتجديد الحُلم. ومهما تطورت منظومة المعلوماتية وتوالدت وسائطها، يبقى فعل القراءة المؤسِّسَ الأوحد للكيان، وصانعَ معنى الأشياء، فحينما يدخل أحدُنا حدائق باريس أو برلين لن يحلم برؤية شخص يبحلق بعينيه في " الرائح والغادي" إلا هو، فالكلّ هناك ( وأعني شعوب الكمبيوتر والإنترنات) يمسك بكتاب ويلهثُ فيه خلفَ الفكرة. ولعل هذا الأمر يدعونا إلى الخوف من انقراض الفعل ( قرأ) من جداول تصريفنا بعد أن كان أولَ أمرٍ إلاهيٍّ لرسوله العربي ( إقرأ باسم ربك) وإذا كنا لا نشك بتاتا في كفاية أساتذتنا بالجامعات أو بالمعاهد وإلمامهم بمحتوى ما يقدمون لطلبتهم، فإننا نكاد نشك في عزوفهم عن القراءة ( وهم سلاطينُها بما يملكون من نظريات في فن الشرح والتأويل ) ذلك أن البعض منهم يكتفي بدرس واحد يمرّره إلى مستمعيه خلال سنوات عديدة دون أن يجدّد فيه أو يغيّره ولا يتأتى ذلك في رأينا إلا بالقراءة ومزيد القراءة، حتى يتحرر الواحد منهم من مجلوباتٍ نظريّةٍ نقديّةٍ بدأت تتآكل الآن.
ويبدو أن القائمين على حظوظ المشهد الثقافي والإبداعي، وخصوصا من الكّتاب ( شعراء أو روائيين ) ومن أتباعهم وأتباع أتباعهم من المثقفين قد أعلنوا القطيعة مع فعل القراءة واكتفوا بالكتابة والتحبير، فأنت لن تظفر بواحد من هؤلاء يقرأ كتابا أو مجلة إلا نادرا وهو ما جعل السِّحرَ ينقلب على الساحر وصار البعضُ منهم يبحث ويلهث عن قارئ لكتاباته يُعيد إليه الاعتبارَ ويبثُّ فيه الحياةَ، ويجعله يقف على رجليه ( ولست أدري على ماذا يقف هو الآن )، وقد يغريك بعضٌ من بعضهم بقهوة أو بمشروب مقابل أن تقرأ له نصوصَهُ أو تقرأ له حتى خطوطَ كفّيْه إذا كان المشروب من الأنواع الباردة ...أما إذا رضي ربُّك وقرأ الواحد منهم كتابا فإنه لا يُجيد سوى مهنة الذّبح والسلخ مثل أولئك الذين نراهم يجوبون الأزقة يومَ عيد الأضحى وهم ملطّخون بدم فاتر وسواطيرهم تقطر بالسبِّ والشتيمة النقديّة رغم ما يتقاضون مقابل ذلك من نقود.
والغريبُ في أمرِ النُّخَبِ العربيّة المُفكِّرةِ التي تدّعي القراءةَ وتطمحُ إلى الانقرائيّةِ أنّها لم تحفظْ من الحضارة العربيّة إلاّ حروف الهجاءِ، تحفظها عن ظهر قلبٍ حتى صارت بارعةً في الهِجاءِ أبرع من الفرزدق وجرير والحطيئة وغيرهم. ولكنّها لا تُعلن هِجاءَها النّاسَ صراحة ( وهو شرط الصدق الفكريّ ) إنما تبثه في مقاه منزوية وفي أركان مظلمة وحينما يقابل الواحد منها واحدًا مِمَّنْ هجاهم يُعانقه بحرارة بروتستانتيّة وبحُبّ كاثوليكيٍّ...
وقد كانت لنا عادة محمودة بدأت تفتر الآن كثيرا هي عادة المقاهي الثقافية التي تخرّج منها كثير من المبدعين المُتميّزين، بفضل ما كانت تُتِيحه لهم من قراءة وجدل فنّي وأدبيّ، وصارت مقاهينا الآن تحكمها أقانيمٌ ثلاثةٌ: الشَّاشةُ والشِّيشَةُ والشَّايُ وهي ما أسميتُها بـ ( ش – ش – ش )، وصارت تعج بأناس لا يبرحون الكراسي وكل واحد منهم " ينفخُ " في شيشته وينفث دخانَها ودُخانَه في الفضاء وعيناه جاحظتان تنظران إلى شاشة أمامه يتابع فيها إمّا فِلْمًا أمريكيا من نوع (Action) من تلك الأفلام التي صدمت أدمغتنا كثيرًا وانصدمنا بعبقريّة أبطالها يخوضون الحربَ والجوسسةَ ويفوزون دومًا مهما كانت قوّة منافسهم، وإمّا مقابلةً في كرة القدم علا صِياحُ جمهورها وصخبُه وبين ذاك وتلك ترى الواحد منّا يترشّف رشفةً من فنجان شاي أخضر وهو يسبّ هذا اللاّعبَ ويشتم ذاك الحَكَمَ، وأحيانًا يرمي بنارجيلته ويقوم مصفقا لمراوغةٍ من مراوغات اللاعبين التي يعمدون إليها لاستدرار هدايا المعجَبين بهم وليتصدّروا بها الصفحات الأولى للصحف ونشرات الأخبار، ثم يعود فيهدأ من جديد إذا طاشت كرةُ لاعبه المفضّل ويتمنّى لو كانت تسديداتُه سهامًا لا تَطيشُ.
ولأنّ الكرة " مُدَوَّرَةٌ " بحيث تُبيحُ جميعَ الاحتمالات، ولأنّ الانتصاراتِ العربيّةَ الكرويّةَ، على غرار الانتصارات العسكريّة، ما تزال حُلْمًا لا يخامرُ أذهانَنا حتى في المنام، ترى الواحدَ منّا يُلقي بالهزيمة على عدم احترام المنافس لقوانين اللُّعبةِ بل يذهب به التأويلُ كأنْ يقول إنّ الرّيحَ كانت ضدَّنا ( ومتى كانت الرّيح معنا ؟ ) وإنّ الحَكَمَ يصفِّرُ دومًا ضدّ لاعبينا العرب على طريقة ما يفعل مجلس الأمن وبقيّة هياكل منظّمة الأمم المتّحدة...


سيرة ذاتية
* الاسم: عبد الدّائم
* اللقب: السلاّمي
* تاريخ الولادة ومكانها: 08/09/1968 – جدليان- القصرين
* المهنة: متفقد اللغة العربية بوزارة التربية والتكوين
* الشهائد العلميّة:
- شهادة ختم الدروس الثانويّة الترشيحيّة
- شهادة بكالوريا آداب - دمشق
- شهادة الأستاذيّة في اللغة العربية وآدابها – جامعة تونس
- شهادة الماجستير في الأدب الحديث – جامعة تونس
* عضو اتحاد الكتّاب التونسيّين
* صدر له:
- محاولات لكتابة وردة – شعر- تونس 1998
- "سَتي دليلة" – نص مسرحيّ– تونس 2000
- تمائم الغُيّاب – شعر- تونس 2002
- أرق الأصابع – مقالات حضاريّة- تونس 2005
* كتب بالصحافة الوطنية الأدبيّة
* يكتب الآن بطاقة يوميّة بصحيفة العرب العالميّة
* يكتب مقالات أدبيّة نقديّة بمجلاّت تونسيّة وعربيّة مختصّة.

ن.ليلـى
22-09-2007, 04:20 AM
سفير الفضاء

رواية من الخيال العلمي



الجزء الأول







تأليف: سعيد ودغيري حسني












إهداء





إلى كل من أعرفهم وأحبهم ويحبونني.

إلى كل من يناضل من أجل السلام.

إلى من ولدتني ورعتني بحنانها، ووقفت صابرة أمام كل المصاعب من أجلي.

إلى من أحبتني واختارتني زوجا، وتحملتني، وسخرت كل طاقاتها من أجل إسعادي.

إلى أبنائي: طاهر وراوية ومحمد طه.

إليكم جميعا أهدي هذا العمل الذي هو من نسج الخيال مع ألف تحية وسلام.
سعيد ودغيري حسني










مقدمة





هذه الرواية من الخيال العلمي، وتدور أحداثها في سنة 2035م، وقد اعتمدت على تنبؤات مستمدة من الحياة الواقعية على كوكب الأرض في الألفية الثالثة، وهي تنبؤات تتطلع إلى غد أفضل ينعم فيه الإنسان بالأمان والألفة والعدل والصحة وراحة البال.

لقد استطاع الإنسان أن يحقق في نهاية القرن العشرين العديد مما كان يحلم به منذ قرون خلت. وهو إلى الآن ما يزال يحلم بتحقيق أحلام أخرى. وقد ساعده التطور العلمي والتكنولوجي الهائل الذي امتلك ناصيته في القرن العشرين على توسيع دائرة خياله وأحلامه، والسعي إلى توفير مزيد من الرفاهية في كل جوانب حياته... أحلام الإنسان لا حدود لها؛ فهو يحلم بالقضاء على الفقر والجوع والمرض الذي يتهدد الملايين، كما يحلم بتطوير الوسائل الطبية التي تمكنه من امتلاك جسم قوي وجميل، وإطالة عمره إلى أقصى حد ممكن... هذا الحلم الأخير ما كان الإنسان ليحلم به لولا التقدم العلمي الهائل في علم الجينات، وهو علم يستطيع به العلماء أن يحدثوا تغييرات مهمة في الهندسة الوراثية للكائنات الحية، ومن ضمنها الإنسان؛ بحيث يستطيع هؤلاء العلماء أن يزيلوا الجينات غير المرغوب فيها، ويزرعوا وينشطوا أخرى تجعل جسم الإنسان ينمو في أحسن صورة، وفي أفضل الظروف.

بالإضافة إلى هذا شهد علم زراعة وتعويض الأعضاء تطورا مهما، فقد صار بإمكان الأطباء المتخصصين استبدال عضو بآخر في جسم الإنسان، أو زرع خلايا أو أنسجة فيه، وذلك لأغراض صحية أو جمالية.

حصل أيضا تطور هائل في صناعة الأدوية؛ فصار بالإمكان القضاء على الأمراض والأوبئة التي عجز الطب عن مواجهتها لعدة عقود.

علم الأعصاب هو الآخر حدثت فيه تطورات غاية في الأهمية، وصارت جراحة الأعصاب والمخ غاية في السهولة بفضل الاستفادة من تقنيات الحاسوب؛ وهكذا صار في مقدور الأطباء الوصول إلى جميع الخلايا العصبية في المخ، أو في التشعبات العصبية داخل النخاع الشوكي، وكذلك في الأطراف وإصلاح الأعطاب التي تكون قد لحقت بالخلية العصبية مهما صغر حجمها، وبذلك تم القضاء على الأمراض العصبية التي كانت تعذب الكثيرين مثل النقرس والخرف والذهان وغيرها.

كل هذه الإنجازات العلمية الرائعة ما كان لها لترى النور لولا التقنيات العالية التي أصبح يتوفر عليها الحاسوب؛ لقد صار استخدام الحاسوب أمرا ضروريا في كل المجالات العلمية النظرية منها والتطبيقية، وصار من المستحيل الاستغناء عن خدماته، لذلك اتجهت جهود عدد هائل من العلماء إلى تطوير قدرات الحواسيب، بحيث صارت تخطط وتنفذ كثيرا من العلميات شديدة التعقيد بسرعة وكفاءة عاليتين، وهي عمليات يعجز الدماغ البشري عن القيام بها. لقد صارت الحياة العصرية متوقفة في كل مجالاتها على الحاسوب، وهذا ما ساعد على تسريع وتيرة التقدم التكنولوجي والعلمي.

مشكلة الغذاء بدأت تجد طريقها إلى الحل النهائي، وذلك بفضل الاكتشافات الهائلة في الميدان الفلاحي؛ فقد تم تطوير عدد من التقنيات الفلاحية، كما تم القيام بعدد كبير من عمليات تهجين النبات أعطت محاصيل زراعية وفيرة وعالية الجودة، كل هذا ساعد على القضاء على المجاعة التي كانت تحصد آلاف الأرواح البشرية في كثير من دول العالم الثالث.

أما بخصوص التلوث فقد توصل العلماء إلى إنتاج سيارات تسير بالطاقة الكهربائية بدل البنزين الذي يتسبب في انتشار الغازات السامة في الجو. كما تم استبدال وقود الطائرات بوقود غير ملوث للبيئة، والشيء نفسه تم القيام به بالنسبة لكثير من الآلات المستخدمة في المصانع والشركات.وعموما، فقد عرف العالم تغيرات تكنولوجية كثيرة مست جميع مجالات الحياة، وأثرت بالتالي في الحياة الاجتماعية في أغلب بلدان العالم، وجعلت العلاقات الدولية علاقات يسودها التفاهم والتعاون بدل الخصومات والحروب.

****** عزيزتي ليلى قوانين المنتدى تمنع وضع روابط منتديات اخرى لهذا اعذري حذفي للرابط الذي وضعته هنا.. تقديري *******

ن.ليلـى
22-09-2007, 02:07 PM
القصة



التاريخ 12 يونيو.

السنة: 2.35 م.

الساعة: التاسعة بتوقيت غر ينتش.

السفينة الفضائية تحط فوق الكوكب الأحمر، العالم كله يتتبع مباشرة هذا الهبوط الموفق بعد رحلة طويلة جدا، على متن السفينة الفضائية خمسة رواد كل واحد يمثل قارة:

- الأمريكي : ستيوارت.

- الأوروبي : دافيد.

- الآسيوي: نوريو.

- الإفريقي: بابكر.

- الأسترالي: كامبل

اختير الأمريكي ستيوارت للنزول أوّلا، متبوعا بالآسيوي نوريو ثم بالإفريقي بابكر.

وفعلا نزل ستيوارت من السلم الصغير، وحطّ قدمه فوق الأرض الحمراء واثقا من أنه سيدخل التاريخ من بابه الكبير كما دخله نيل ارمسترونغ من قبل. مشى ستيوارت قليلا ثم توقف وانحنى ليمسك ببعض التراب، ثم تبعه نوريو وكانت قدماه الصغيرتان تكادان تطيران من الفرح، وقال رادّاً على ستيوارت الذي قال عندما وطئت قدمه أرض المريخ: "الحلم يتحقق" أجابه نوريو: "العلم يقين"، ثم مشى قليلا ووقف بجانب ستيوارت في انتظار بابكر الذي ما إن وطأت قدماه المريخ حتى قال: "وكأني بإفريقيا نعيد بناء التاريخ"، ثم اتجه نحو زميليه لتحية أهل الأرض...

كان ضمن برنامج الرحلة إقامة شاشة كبيرة فوق المريخ تبث فيلما باستمرار يقوم بالتعريف بالأرض؛ بموقعها بالنسبة للشمس، وبسكانها وبحيواناتها وببيئتها وبلغات سكانها وبالأجناس البشرية التي تسكنها، وبالأنظمة السائدة فيها، وبالديانات، وبما وصل إليه العلم... يُعرض كل ذلك بطريقة سهلة الفهم على أي ذكاء كيفما كانت درجة إدراكه.

كما أن برنامج الرحلة سيقوم بزرع بعض الآلات الدقيقة القادرة على تسجيل أدق الذبذبات لمعرفة ما إذا كان هناك شكل من أشكال الحياة في الكوكب الأحمر. كما ستقام آلات أخرى للتصوير في كل الاتجاهات. وسيقوم طاقم المركبة بجمع بعض المواد وتفحصها عن قرب علهم يعثرون على شيء مهم يساعد العلماء على اكتشاف المزيد من الحقائق الخاصة بهذا الكوكب... كان هذا برنامج الرحلة.

أما في الأرض فالناس يهنئ بعضهم بعضا في المقاهي وفي العمل وفي الشارع وفي الحدائق والأماكن العمومية: "إنه نصر عظيم للإنسانية... إننا بدأنا فعلا نخترق الفضاء ونسبر أغواره". هذه الجملة قالها أحد المذيعين، وترجمت إلى جميع اللغات؛ فالحملة الإعلامية التي واكبت الحدث كانت مكثفة جدا، لدرجة أن المرء يحسب أن العالم لم يعد له أدنى مشكل داخلي وأنه صار متفرغا لأبحاث الفضاء.

إن الجوع ما زال يفتك بالبشر، والأمراض والأوبئة ما زالت تحصد أرواحا كثيرة خصوصا في الدول الفقيرة، التي دكتها العولمة دكّا، وأصبحت تقتات من الفتات الذي تهبه لها المنظمات غير الحكومية؛ ففي هذه السنة كثرت الكوارث الطبيعية؛ فقد أدى انجراف للتربة إلى وفاة العديد من الناس في مناطق شتى، ومازالت الحروب العرقية والإثنية تدور رحاها هنا وهناك.

أما الدول المتقدمة فترفل في نعيم الديمقراطية والاختراعات والاكتشافات التي توصلت إليها، وهي منشغلة بمحاربة الشيخوخة والأمراض، ومرة بعد أخرى تلتفت إلى الدول الفقيرة فتساعدها من باب الإنسانية.

وفي الوقت الذي تعاني فيه الدول الفقيرة من الفقر والجوع والجهل والمرض تصرف الدول الغنية مئات الملايين، بل الملايير من الدولارات، على الرحلات الفضائية، وهي أموال يكفي القليل منها لمساعدة الدول الفقيرة على التغلب على أغلب مشاكلها.

كانت هذه بعض ارتسامات المعارضة المحتشمة القائمة في ذلك الزمان. أما في المريخ فالاستعدادات على قدم وساق؛ فالشاشة الضخمة بدأ تركيبها، وكذلك الآلات المطلوبة للبث، والأحجار والتربة التي سيتم تحليلها لمعرفة مكوناتها، والاتصال مع القاعدة الأرضية مستمر، والتعليمات تعطى من هنا وهناك، في حين يقوم الرائدان الآخران كامبل الأسترالي ودافيد الأوروبي بالدوران حول المريخ لمعرفة ما يجري، وهما على اتصال بالجميع....

في غمرة هذه الأفراح اختفى الرائد الآسيوي نوريو، لم تلمحه الكاميرا، وانقطع أي اتصال معه.

ستيوارت: ألو نوريو، أجبني من فضلك.

بابكر: ألو هل تسمعني؟ أين أنت؟

كلمات بقي يرددها ستيوارت وبايكر، لكن بدون جدوى.

بابكر: كيف حدث ذلك، لا يمكن... لقد كان بجانبي.

ستيوارت: القاعدة... أجبني.

القاعدة: ماذا حصل ستيوارت أجب من فضلك؟

ستيوارت: لقد اختفى الرائد نوريو ولم يعد يظهر له أثر.

القاعدة: والراديو؟

ستيوارت: لا فائدة.

القاعدة: انتظر قليلا ربما يكون مغمى عليه في حفرة، أو أن آلة ما قد أصابها الخلل فلم تعد صالحة لاستعمالها للاتصال... أنتظر قليلا ستيوارت.

لقد أصيب الرائدان بابكر وستيوارت بالذهول والذعر، إلا أنهما لم يريا أثرا لحفرة أو مكان يمكن أن يلجأ إليه نوريو.

ستيوارت: إنه من غير الممكن أن يكون في مكان أو حفرة، إذ لا وجود للمباني هنا... من فضلكم لقد حدث شيء خطير، فما العمل ؟

القاعدة: عودوا إلى المركبة ريثما نقرّرُ ما يجب القيام به.

وفي القاعدة بدأ السيد جيمس المسؤول عن الرحلة الكلام قائلا:

جيمس: اقطعوا البث التلفزي، وبرروا الحدث بأي حُجَّة.

هارولد المساعد: ولكن، سيدي، أتظنُّ أنه اختطف؟

جيمس: أنا لا أظنُّ شيئاً، ماذا يجب علينا أن نعمل؟

أحد المساعدين: الرئيس الأمريكي على الخطّ.

جيمس: مرحبا فخامة الرئيس.

الرئيس الأمريكي: ماذا حدث، لماذا انقطع البث؟

جيمس: لقد اختفى أحد الرواد ولم نستطع الاتصال به.

الرئيس الأمريكي: اختفى؟

جيمس: نعم فخامة الرئيس، ولقد أعطيت الأوامر للرواد الباحثين بالعودة إلى المركبة ريثما نأخذ قراراً.

الرئيس الأمريكي: أوَ تظّنُّ أنه أصابه مكروه؟

جيمس: إن كاميراتنا العالية الدقّة في التصميم لم تلتقط أيَّ شيء، لقد أعدنا الفيلم ثلاث مرات بدقّة، ليس هناك ما يثبت شيئاً اختفى هكذا بدون تبرير.

الرئيس الأمريكي: إذن، الأمر خطير... أ يكون قد اختطف؟

جيمس: كل شيء وارد، وهناك أكثر من احتمال، المهم ما العمل يا سيدي؟

الرئيس الأمريكي: أولا يجب أن تتم العودة حالا، أما الترتيبات فستكون في اجتماع طارئ هنا في البيت الأبيض غداً.

جيمس: حاضر سيدي.

أعطى جيمس أوامره للعودة ولكن بدون نوريو المسكين الذي يجهل مصيره. ربّما تدوم رحلة الرجوع طويلا والرأي العام ينتظر، وباب التأويلات فتح. قرّرَ علماء الفضاء وكذلك رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في اجتماع خاص داخل مبنى البيت الأبيض ما يلي:

- إعلان موت نوريو إثر فقدانه.

- اعتباره سفير الفضاء، وتشيع جنازته في كل العواصم العالمية على غرار الجندي المجهول.

- عقد مؤتمر عالمي للفضاء قادر على الخروج بتوصيات كفيلة بحماية الإنسان والأرض من جبروت أي مُعتدٍ محتمل.

- قبول تمثيلية رجال الدين في هذا المؤتمر للإدلاء بآرائهم ...

اختتم الاجتماع، وأعطيت التعليمات للتنفيذ الفوري لكل القرارات، بعدها أعلن رسميا عن فقدان الرائد الآسيوي الياباني الأصل ''نوريو'' في الفضاء رسمياً، وحُدِّد يوم 20 يونيو لتشييع جنازته في كل العواصم، وأعطي يومه عطلة مؤدى عنها ليشارك الجميع في هذا المصاب، ولتعطي القضية ما تستحقه من الاهتمام.

في يوم 30 يونيو، وفي اليابان خصوصا حضرت الحكومة اليابانية لجنازة القرن حيث خرجت كل المدن اليابانية بجنازتها تطوف الشوارع الرئيسية قبل أن تتجه نحو نصب تذكاري نُقش عليه اسم رائد الفضاء الياباني 'نوريو طشكا'، وكانت الموسيقى ترافق الجثمان الوهمي إلى قبره، وباقات الورود المعبرة عن الطريقة اليابانية تزين قبره. وكذلك كان في جل البلدان الآسيوية التي تفاعلت مع الحدث؛ فقامت بتشييع جنازات تليق والمقام، كما نُكست الأعلام، وأعلن الحداد الرسمي في آسيا كلها وليس فقط في اليابان وحده.

في واشنطن شيعت الجنازة في موكب رهيب شارك فيه أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدون في واشنطن، ورجال الدين من مختلف المشارب، وأعدَّ نصب تذكاري في ساحة عمومية نقش عليه ''سفير الفضاء نوريو طشكا''. وقام الجميع بتحية العلم الياباني ثم الأمريكي، واستمعوا إلى كلمة تأبين ألقاها الرئيس الأمريكي قال فيها: "كان بودّنا أن نحتفل بما كان سيحققه هؤلاء الرواد من إنجازات عظيمة، ولكن القدر أفسد علينا فرحتنا بفقدان رائدنا هذا. ولكن ما أفرح له هو أنه فُقد بعد أن نزل فوق المرّيخ، وهذا شرف كبير يكفيه، ويزيد صبرنا، ويحفزنا على المُضي إلى الأمام نحو فتوحات وفتوحات تُطفئ عطشنا للمعرفة ولمزيد من الاكتشافات. رحم الله الفقيد، وأدعوكم إلى الاحتفال سنويا بهذه الذكرى، والسلام عليكم".
في أوروبا كان الحماس نفسه؛ فكل العواصم شيعت الجنازة، وعزفت النشيد الوطني الياباني، وألقيت كلمات تأبين في حق الفقيد وفي حق العلم.

أمّا في إفريقيا فهناك من أقام صلاة الغائب، وأبَّنَ الفقيد بطريقته، وتخيلوا لو أن أبا بكر كان في مكان نوريو، وأقاموا نصبا تذكارية، وعزفوا ورقصوا وتساءلوا كما تساءل الجميع في كل الأقطار: ماذا وقع؟

"أ يمكن أن يكون المريخ مسكونا بمخلوقات غريبة؟"... انطلق الخيال يصور أحسن ما عنده؛ فمنذ وقت ليس بالقصير لم يعد الناس يتخيلون... بسبب ضيق الوقت، وبسبب المدنية الحديثة ووسائل الاتصال والعمل وظروفه، كل هذا جعلهم كالآلة يقومون بأعمال رياضية فقط 1+2=1. الكل بدأ يتخيل شكل هذه المخلوقات، أ هي مثلنا؟ أ هي من لحم ودم؟ أم هي من شيء آخر؟ أ تتكلم؟ ماذا تأكل إذا كان سطح المريخ خاليا من النبات والشجر ؟.

ظهرت بوادر الخوف والرعب عند كثير من البشر الذين خافوا من أن يهجم عليهم هؤلاء، وينكلوا بهم وبأولادهم وبمُمتلكاتهم، وبدأت عمليات الانتحار الجماعي والفردي، وبدأ رجال الدين يتحرّكون ليقوموا بواجباتهم في تهدئة النفوس الضعيفة، وإعطائها شحنة من القوة حتّى تقدِر على مقاومة المصاب. وشُكّلت مجموعات من المتطوعين الاختصاصيين للغرض نفسه تُخاطب الناس عبر وسائل الإعلام، وتذهب - إن اقتضى الحال- إلى الأماكن العمومية قصد تهدئة النفوس، والتحدث مع الناس عما يمكن أن يحدث. وفي خضم هذا الغليان كان لزاما على الرئيس الأمريكي أن يتدخّل ليشرح للرأي العام ملابسات القضيّة، وكيفية المواجهة إذا كانت هناك مواجهة...

وفي منتصف شهر غشت ظهر الرئيس الأمريكي على شاشة التلفزة ليخاطب الشعب الأمريكي ومن خلاله العالم، كان الرئيس مبتسما، يوحي مظهره بالهدوء والثقة في النفس. وحضر جمع كبير من الصحفيين من كل أنحاء العالم للاستماع للخطاب، ولحضور المؤتمر الصحفي الذي سيعقده الرئيس مباشرة بعد إلقائه الخطاب. هذا الحضور الضخم للصحفيين ولوسائل الإعلام الدولية يعني أن الحدث ضخْم بكل المقاييس، وأن الخطْبَ جلل... وفيما يلي نص الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي:

"أيها الشعب الأمريكي، أيها الإنسان أينما كنت... بادئ ذي بدء، أهنئك من أعماق قلبي على النجاح والإنجاز الكبيرين اللذين حقّقتهما البشرية؛ فبعد القمر جاء دور المريخ، الكوكب الأحمر الذي طالما راودنا غزوه، والذي استنزف منّا - وعلى امتداد سنوات عديدة - أموالا باهظة من خلال برامجنا الفضائية المختلفة... ولقد قمنا بوضع العديد من الأجهزة فوق المريخ، ولم يحدث أبدا أن ضاع جهاز واحد منها، حتّى جاء يوم النزول البشري ففقدنا رائدا يابانيا كان يمثّلُ قارّته في هذا الإنجاز الرائع. ولقد قمنا بما يمليه علينا الواجب فأطلقنا عليه اسم "سفير الفضاء"، وشيعنا جنازته في كل العواصم، وقرّرنا الاحتفال بذكرى فقدانه كل سنة، كما أعطينا أمراً بتكوين لجنة مختصة تقوم بفحص الأجهزة التي لم تستطع ربط الاتصال به، والتقاط صورة له قبل اختفائه، كما قمنا بعدة إجراءات أخرى مشابهة. وقد توصّلنا من صديقتنا دولة اليابان بطلب توضيح ملابسات وظروف اختفاء رائدها، وسنعمل على إطلاعها على كل التفاصيل المتعلقة بهذا الاختفاء المفاجئ، كما قرّرنا عقد مؤتمر دولي حول الفضاء في الثامن من أكتوبر 2035 بطوكيو عاصمة اليابان، وذلك حرصا منَّا على مزيد من مواساة الشعب الياباني وأسرة الرائد الفقيد. وستحضر كل الدول المهتمّة من قريب أو بعيد بالفضاء هذا المؤتمر، ومازالت كتابتنا الخاصة تتوصَّل بطلبات حضور هذا المؤتمر. كما قررنا إشراك رجال الدين في هذا المؤتمر ليكون النقاش مفتوحاً على الجميع، ولكي نخرج بنتائج إيجابية وملموسة، لأن الأمر يهمّ البشر جميعا ويهم مستقبل الأرض. وستدوم مدّة المؤتمر ثلاثة أيام مع إمكانية عقد مؤتمرات أخرى في أماكن أخرى من العالم إذا اقتضى الأمر ذلك... هذا في ما يخصُّ التدابير التي اتُّخذت لحدّ الآن، ونحن مستعدون لتقبل كل الاقتراحات. أما فيما يخصُّ الذين أصيبوا بالخوف والذعر فأقول لكم ببساطة شديدة لم هذا الذعر كله؟ لأنه لا يمكن أن نفترض أن نوريو اختطفه سكان المريخ وقتلوه، لأنه لو كان هناك مريخيون مختطفون لاختطفوا كل الرواد، وليس فقط الرائد الياباني. ولو كان هناك غزاة لظهروا منذ وقت طويل، لماذا لم يظهروا الآن؟ أرجوكم هدئوا من روعكم، وأطلب من جميع الإعلاميين الحاضرين وغير الحاضرين أن لا يزيدوا الطين بلّة ويضخموا من حجم الأمور. سنعرف الحقيقة بعد أن تنتهي اللجنة الخاصة من بحثها، ومن فحصها للمعدّات عند رجوع المركبة الفضائية، وأرجو أن يتمّ استقبال الرواد العائدين كأبطال؛ لأنّهم بالفعل أبطال.

والآن أعلن عن افتتاح المؤتمر الصحفي، وأرجو أن نُوفّق فيه جميعنا إلى اللقاء بعد قليل".

كان هذا نص الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي من البيت الأبيض، وفي حديقة البيت يستعد الصحفيون لتغطية الحدث

ن.ليلـى
22-09-2007, 02:39 PM
المؤتمر الصحفي
الرئيس الأمريكي يحيي الحضور، ويتجه نحو المنصّة، وسيعلن في كلمة قصيرة بداية الندوة الصحفية.
صحافي أمريكي: لماذا سفير الفضاء؟ وليس جريمة الفضاء؟
الرئيس الأمريكي: لأنّها ليست جريمة و هو يبتسم.
صحافي فرنسي: سيدي الرئيس، أعلنتم أن المهتمين ورجال الدين سيشاركون في المؤتمر المزمع عقده في شهر أكتوبر... لماذا لم تُعلنوا عن جدول أعمال هذا المؤتمر ؟
الرئيس الأمريكي: رجال الدين منذ زمان أُبعدوا عن القضايا الساخنة، ونحن على يقين أن لهم كلمتهم في كل ما يدور، فالكتب السماوية اهتمّت بالإنسان وبقدراته على الغوص في الأعماق وارتياد الفضاء، ونحن نريد الاستفادة من رجال الدين في هذا الصدد. أمّا فيما يخص جدول الأعمال فهناك لجنة تحضيرية للمؤتمر منكبة الآن على ذلك، وستوافيكم بجدول الأعمال في حينه.
صحافي آسيوي: فخامة الرئيس، ألا ترون معي أن اختطاف نوريو يُمكن أن يكون إشارة من سكان المريخ يعلنون بها عن وجودهم وعن بحثهم عن طريقة للتواصل معنا؟
الرئيس الأمريكي: كم أتمنّى ذلك، فنحن لدينا رغبة كبيرة في التواصل مع حضارات أخرى، فهذا ما سيُخرجنا من عزلتنا في هذا الكون الفسيح؛ فالشعور بأنّنا نحن الوحيدون في هذا الكون شعور مقرف... أ ليس كذلك؟
صحافية إفريقية: فخامة الرئيس، ألا ترون معي أنكم تسرّعتم في قرار سفير الفضاء بإعطائه كل هذه الهالة قبل أن نتأكّد مما يكون قد حصل له بالفعل؟
الرئيس الأمريكي: سيدتي، أضع عليك نفس السؤال، ولكن بشكل آخر... إذا كان بابكر هو الذي فُقد هل كنت ستضعين نفس السؤال؟
صحافي أمريكي: فخامة الرئيس، هناك من البشر من ذعروا وذهبوا إلى حدّ الانتحار، وهناك من لا يهمّهم الأمر في عدّة بقاع من الأرض، لأن محنتهم مع الفقر والمرض تُفقدهم هذا الإحساس. ألا ترون معي أنّه يجب الالتفات إلى هؤلاء لكي يغيّروا من نظرتهم إلينا؟
الرئيس الأمريكي: نحن في عهد حقوق الإنسان، وأعدك أننا سنعمل مع زملائنا على القضاء بشكل جذري على آفة الجوع بصفة نهائية، وكذلك على الأمراض وغيرها مما يعاني منه كثير من البشر... أشكرك على هذا السؤال.
صحافي هندي: سيدي الرئيس، دياناتنا المختلفة ومعتقداتنا المذهبية لا تسمح لنا بتجاوز فضائنا، وإذا ما ثبت أن هناك غرباء في هذا الفضاء يهددون وجودنا، فذلك سيضر بنا نحن الهنود وبثقافاتنا ومذاهبنا والعواقب ستكون وخيمة.
الرئيس الأمريكي: (يضحك ثم يجيب الصحافي الهندي) كيف تعامل الأوروبيون مع الهنود الحمر؟ كم دام الوقت؟ الاستفادة كانت كبيرة ؟
ثم يُعطي الكلمة لصحافي آخر.
الصحافي: إنّنا نخاف من أن نُستعمر يوماً من طرف أشباح لا نعرفهم، فهل أنتم مستعدّون للدّفاع عنّا نوويّاً؟
الرئيس الأمريكي: لم لا، إذا استعصى حوار؟
الرئيس الأمريكي يرفع الجلسة وهو يقهقه.



العالم في عام 2035

لم تتحقق أحلام البشر كما تم التنبؤ بذلك في بداية القرن الواحد والعشرين؛ فمع بداية القرن كانت العولمة أو النظام العالمي الجديد يشق طريقه عبر منظمة التجارة العالمية الحرة (الكات)، وعبر قنوات أخرى كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأصبحت الدول التي كانت من قبل دولا داعمة دُولا جابية.

وبدأ في بداية القرن التنبؤ بعالم نظيف وقوي وعادل، وتحرّكت ملفّات حقوق الإنسان في كل الدنيا إنذاراً بحلول زمن الإنصاف والعدل والمحبّة، وقد قاومت منظمات غير حكومية نظام العولمة الجديد طويلا، لأنها رأت فيه إهدارا لحقوق سكان العالم الثالث، بيد أنها لم تصمد طويلا. ورغم ذلك بقيت أصوات هنا وهناك تندّدُ بذلك كلّما سنحت لها الفرصة؛ فلا سنة 2011 عرفت مدنا بلا سيارات، ولا السجون تقلّصت، ولا الحفاظ على البيئة احترم. بالعكس من ذلك طالت يد الإنسان غابات بأكملها ومنتزهات طبيعية أخرى، وبقيت قرارات الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها بلا تنفيذ... صحيح أن عددا من القوانين قد صودق عليها، لكن تطبيق هذه القوانين يصطدم دائما بالإرادة السياسية، وبالتالي يتم تجميدها والتغاضي عنها، وتبقى الجريمة الكبرى في حق الإنسان والطبيعة قائمة إلى أجل غير مسمّى. أما الصراعات التي كانت سائدة في أول القرن وقبله كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي فلم تزل تدور في فلك اسمه السلام، ومفاوضات لا تجدي نفعاً، وقرارات يتم التراجع عنها، واتهامات من هذا الجانب وذاك، ودول عربية مجاورة لإسرائيل تجد نفسها داخل الصراع، تعاني منه، ولا سبيل للتخلص منه، والكل ينتظر قرارا قويّا تحترمه كل الجهات، بيد أن من بيده أخذ القرار تُمارس عليه ضغوط من اللوبي الأكثر تحكّما في الاقتصاد والإعلام العالميين... وهكذا دواليك سلام ننشده، ونؤكد جميعنا على أنّنا ننشده، ولكننا نصطدم أثناء التطبيق بعقبات لا تنتهي. وحتّى إذا قرّرت إسرائيل، أو أرادت، إرجاع بعض الأراضي إلى أصحابها فهي تلقى معارضة من المستوطنين من جهة، ومن المصالح الإستراتيجية من جهة أخرى، وكلها ترغب في التحكم في الماء، وفي المنطقة. وهذا ما يقلق الجيران، ويصعّد من حدة التوتر في المنطقة.

أمّا في البلقان، فروسيا غارقة حتّى الأذنين في حرب لا تنتهي؛ فالمسلمون جروها إلى حرب طويلة تستنزف منها الكثير؛ فلا المفاوضات ولا الوساطات نجحت... وعرفت المنطقة حرب جهاد يقودها المسلمون الذين يساندهم المسلمون في إيران وباكستان ودول إسلامية أخرى. ورغم المناورات التي تقوم بها روسيا من حين لآخر بإرسال مركبات استكشافية للفضاء، ورحلات مأهولة فهي من باب درّ الرماد على العيون؛ فاقتصادها أصبح تحت رحمة الدائنين، والقضاء على المقاتلين المسلمين ليس بالأمر السهل رغم الأسلحة المتطورة ووسائل التجسس التي لا تتورع روسيا في استخدامها... لقد أخر الهجوم على الشيشان في مطلع القرن معدل النمو في هذا البلد الذي كان في وقت قريب عملاقاً بكل المقاييس.

أمّا في الصين، فمايزال الحزب الوحيد يسير زمام الأمور رغم مواكبته وتوقيعه على الاتفاقيات الدولية بخصوص حقوق الإنسان، وانضمامه إلى منظمة التجارة الدولية الكات؛ فالحزب الوحيد لم يستطع تحقيق الديمقراطية في بلاده التي تمثل سدس سكان الكرة الأرضية، لأنه يرى فيها باعثا على الفوضى، وأنّها ستتسبب في إزهاق عدد كبير من الأرواح البشرية، ويرى أن المرض والجوع والأوبئة ستنتشر بانتشار الديمقراطية في الصين، ورغم هذا فكثير من الصينيين يريدون رؤية بلادهم بلدا ديمقراطيا. أمّا من الناحية الاقتصادية فإن الصين تقف بين الأوائل، وتساير اقتصاد السوق بكل المقاييس، وتنفتح بالقدر الذي تراه ممكنا ومقنعا على العالم الخارجي، أما في ميدان الاختراعات فهي كما عوّدت العالم تطالعنا من وقت إلى آخر بما يذهل من الاختراعات المدنية منها والعسكرية، ويبقى العالم يراقبها عن قرب، فهي إلى حد الآن لم تندمج كلية في النظام العالمي ولم تكسب بعد عطف كثير من المحرومين في مختلف بقاع الأرض بخدماتها التي تسديها إليهم وتبرعاتها الهائلة عليهم.

الحالة في أوروبا

عرفت أوروبا انسجاما اقتصاديا واجتماعيا هاما في سنة 2035. وتجاوزت جميع خلافاتها بواسطة الاتحاد الأوروبي الذي يفصل بطريقة ديمقراطية في كل الخلافات بين الدول الأوروبية. كما أن أوروبا بدأت تتجه إلى التعامل مع دول العالم الثالث، وخصوصا الدول الإفريقية، بطريقة إنسانية... لقد بدأت أوروبا مشروعا منذ عقدين للنهوض بإفريقيا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا في إطار شراكات متعددة الأطراف تهدف، على المدى المتوسط، إلى بناء إفريقيا اقتصاديا، والرقي بسكانها للخروج من الجهل والظلام، والاندماج في عصر التفتح والعلم والتكنولوجيا... أمّا على المدى البعيد فتهدف هذه الشراكات إلى أن تصبح إفريقيا إتحادا إفريقيا على غرار الإتحاد الأوروبي، حتى تستطيع إكمال بناء نفسها بنفسها، والتفاوض كقطب قوي له مكانته في العالم. وتسعى أوروبا إلى فعل الشيء نفسه مع بعض البلدان الآسيوية المتخلفة التي تعاني من نقص في كل شيء، وتعيش على فتات المساعدات الدولية.

ن.ليلـى
22-09-2007, 08:13 PM
الأخلاق والدين

تدهورت الأخلاق بشكل رهيب في العالم، باستثناء بعض الأعمال الإنسانية التي تقوم بها منظمات حرة غير حكومية؛ فالفردانية تحكمت في الناس بشكل كبير بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة؛ فلا الجار يهتم بجاره، ولا العامل يواسي زميله؛ الكل لا يهتم إلا بنفسه، ولا يهمه الآخرون.

أمّا الحياة الدينية فأهملت؛ فالكنائس لم تعد تمتلئ بالشكل الذي كانت تمتلئ به في السابق، نتيجة ضعف الوازع الديني، وصار الناس يكتفون بمشاهدة المراسيم الدينية على شاشة التلفزيون وهم في بيوتهم. وأصبح الدين ثانويا بالنسبة للدول المتقدمة، لأن حقوق الإنسان والديمقراطية أصبحا بديلا عن الدين.

أما في دول العالم الثالث فرغم انتشار التلفزيون بين الناس، فإن الكنائس تمتلئ، وتقام فيها المراسيم الدينية، ويقصدها الناس للصلاة، وطلب الصحة والعافية والمطر من الله مما يطمئن نفوسهم.

أمّا المسلمون فهم أوفياء لشريعتهم، محافظين على الصلوات الخمس، مقيمين لشعائرهم؛ يحجون، ويعتمرون، ويصومون... ورغم ذلك يحاولون مسايرة العصر، كل حسب إمكانياته. ورغم الغزو الثقافي الذي مورس على سكان العالم الثالث منذ مطلع القرن فإن نسبة التغيير تبقى ضئيلة جدّاً.

اليهود كذلك، مثل المسلمين أوفياء لدينهم ولعقيدتهم، يتفاعلون مع الثقافة والحضارة الجديدة تفاعلا لا يفقدهم احترامهم لشعائرهم وطقوسهم الدينية.

هذه بصفة عامة هي الحالة التي يعيشها سكان العالم سنة 2035 التي هي سنة نزول أول إنسان على سطح المريخ واختفاء إنسان آخر.

أمّا اليابانيون فهم مستعدون لاحتضان مؤتمر الفضاء بمشاركة اللجنة المكلفة بذلك، وقد تقرّر عقد المؤتمر في مجلس الشعب (البرلمان)، ووافقت اللجنة على هذا الاقتراح لما له من دلالات، ووجهت الدعوات إلى الدول الراغبة في المشاركة رسميا، كما وجهت الدعوة إلى كل من الفاتيكان والقدس والأزهر، وإلى ممثلي عدد آخر من الدول.

وحلَّ يوم 8-10-2035

الجميع داخل قبة البرلمان الياباني؛ ممثلو ثلاثين دولة من مختلف القارات، منهم من حضر بصفة ملاحظ... افتتح المؤتمر رئيس الولايات الأمريكية المتحدة، وطلب الوقوف دقيقة صمت ترحما على روح الفقيد الرائد نوريو، وفعلا وقف الجميع وبعدها قال:

"أيها السادة الأفاضل، أودّ أن أشكر أوّلا الدولة المنظمة لهذا المؤتمر - تصفيق - على حسن ضيافتها، ونحن نعرف ذلك عن اليابانيين؛ فهم كرماء ومتخلقون ـ تصفيق- إنّنا نريد من هذا المؤتمر أن يخرج بنتائج إيجابية تخدم مصالحنا جميعاً، فما وقع فوق سطح المرّيخ حسب نتائج اللجنة المدققة في ذلك يفوق قدراتنا، فأجهزتنا لم تشعر بشيء وكأنّها توقفت برهة عن العمل، ممّا يطرح عدّة تساؤلات منها ما تداوله الناس إثر الحادث، وهو أن نوريو اختطف، وأن هذا دليلا على وجود ذكاء يعيش في الكوكب الأحمر. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا الدخول في حوار مع هذا الذكاء المفترض؟ وهل نعتبر نوريو حقّاً ميتا أم نتراجع عن هذا القرار أم ننتظر؟

إنّكم أيها الأفاضل عانيتم معنا آثار الصدمة التي عانى منها أيضا العديد من مواطنينا الذين لم يستطيعوا تصوُّر أنفسهم داخل منظومة يتصارع فيها اثنان أو أكثر، فعمد عدد منهم إلى الانتحار الجماعي أوالفردي.

إن سكان الأرض يجب أن يعرفوا كل شيء، وأن يستعدوا نفسيا لكل الطوارئ المحتملة، وأن نتجند جميعا لمواجهة أي عدوان يتهددنا، فلنا من الإمكانيات ما نقهر به أي كائن يقصدنا بسوء.

وقبل أن أختتم كلمتي هذه، أود أن ينطلق النقاش من مسلّمة يجب أن نؤمن بها، وهي أنّنا لسنا وحدنا في هذا الكون الفسيح الأرجاء، فهذا الكون مأهول بغيرنا، يجب ألا نشكك في هذا.

والآن، أعطي الكلمة لفخامة الرئيس الفرنسي... تفضلوا فخامتكم.

الرئيس الفرنسي: "أيتها السيدات أيها السادة... لن أطيل عليكم؛ فكلمتي ألقيها عليكم نيابة عن الإتحاد الأوروبي وعلمائه بصفتي رئيس دورته الحالية.

1. هناك دلائل عدة، منها ما هو قديم ومنها ما هو حديث، تدل على أننا لسنا وحدنا في هذا الكون.

2. البحث عن كائنات أخرى في فضاءات أخرى هاجس سكن البشر منذ زمان، وقد حكيت قصص وحكايات منها ما هو واقعي ومنها ما هو خيالي عن لقاءات، وعن رؤى، وعن أشياء أخرى مشابهة، ومنها ما يعود تاريخه إلى فترة تسبق ظهور المسيح عليه السلام.

فلماذا نصدم اليوم بدل أن نفكر في أنجع الطرق وأقربها للدخول في تواصل وحوار مع المريخيين أو غيرهم. لهذا اقترح إعطاء العلماء فرصة إيجاد حلول ناجحة، وعقد مؤتمر أو أكثر خاص بعلماء الفضاء، يتناولون فيه هذه المشاكل، ويبحثون عن سبل حلها لما فيه مصلحة الإنسانية ؟ والسلام عليكم ـ تصفيقات ـ .

بعد ذلك يأخذ الكلمة رئيس الوزراء الياباني فيرحب بالمجتمعين قائلا:

أولا مرحبا بكم في بلدكم الثاني اليابان.

ثانيا: إن ما قاله الرئيسان الأمريكي والفرنسي هو عين الصواب، يجب علينا تكثيف الجهود ومراقبة الفضاء الخارجي بشكل دقيق ومستمر، ووضع آليات للحوار مع من أراد التحاور من الفضاءات الخارجية.

لقد أصبحنا على يقين من أن مواطننا نوريو اختطف، وأصبحنا على يقين أنّها إشارة إلينا لنحضر أنفسنا لتعارف مرتقب. وأصبحنا على يقين كذلك من أننا لسنا وحدنا في هذا الكون، وهذا شيء جميل جدّاً، لأنه سيغني حضارتنا لا محالة، وسيزيد الإنسانية ازدهارا.

وكما قلت آنفا يجب مراقبة الفضاء الخارجي للأرض، واستعمال كل الأسلحة الفتاكة الكفيلة بالدفاع عن كوكبنا في حالة هجوم غادر علينا. وبما أن نوريو اختطف فلا أظن أن هؤلاء يريدون بنا شرّاً. ومن أعلى هذا المنبر أعلن عن إلغاء صفة "سفير الفضاء" عن نوريو لأنه لم يمت وتعويض هذه الصفة بصفة أخرى هي: "سفير الفضاء"... والسلام عليكم. (تصفيقات حارة).

ويقف كل الحاضرين مصفقين دليلا على موافقتهم على التسمية الجديدة

ن.ليلـى
22-09-2007, 08:15 PM
الرئيس الأمريكي بصفته رئيس المؤتمر يقف وهو يصفّق مع باقي الحضور، ويعلن موافقة الجميع على التسمية: "سفير الفضاء" ويقول: "أرجو أن يكون بخير وأن يدافع ويشرح للمختطفين طريقة عيشنا وأسلوبنا في التفكير وهدفنا من زيارات الاستكشاف للكواكب الأخرى. كما أرجو صادقا أن يكون لهم نصيب من العلم حتّى يتجاوبوا معه". ثم يضيف الرئيس الأمريكي:
"إنّ الحماس الذي أحسسنا به يا فخامة الرئيس وأنتم تلقون كلمتكم، وتقترحون التسمية الجديدة، قد ضخّ في عروقنا دماء جديدة وعزيمة قوية نحو غد أفضل تكون حدوده الأخلاق وقوامه العدل".
بعد ذلك أعطى رئيس المؤتمر الكلمة لممثل الفاتيكان قائلا: تفضّل سيدي.
"أبنائي الأعزّاء، إنّ مشيئة الرّب فوق الجميع، هو الذي أراد بنا هذا، ولا يمكن أن يكون إلاّ في مصلحتنا.
إن أمر مخلوقات أو كائنات أخرى تعيش في كواكب أخرى، أو تسبح في الأجواء العليا كان اعتقادنا منذ القديم، ولا يزال هذا الاعتقاد موجودا لحد الآن.
أبنائي، إنّ الملائكة تسبح في السماء، وعددها لا يعلمه إلاّ الرّب، وهم كائنات من نور، ويؤكد الكتاب وجودهم، لكن لا يمكن إدراك وجودهم بالحاسوب أو بالمجهر، وكذلك الأمر بالنسبة للجان، فعودوا إلى كتاب الرّب، وتأملوه فستجدون جوابا بل أجوبة كثيـرة عن تساؤلاتكـم... بارككـم الرّب، وبـارك أعمالكـم". (تصفيقات).
بعد كلمة ممثل الفاتيكان أعطى رئيس المؤتمر الكلمة لممثل الأزهر الشريف.
"السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
إنّ ما قاله ممثل الفاتيكان هو عين الصّواب؛ فالكتب السماوية فيها من الأجوبة ما يشفي الغليل؛ فبالإضافة إلى الملائكة والجان، أريد أن أذكّر بأنّه وردت في كتابنا العزيز آيات تصرّح بأن هناك سبع سموات وسبع أراض، وآية تقول: "يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ... صدق الله العظيم.

كما جاء في آية أخرى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ... صدق الله العظيم.

وخلاصة القول إنّ الإسلام يؤمن بالغيب، ولن ينزعج المسلمون إذا رأوا أقواما أخرى أو تعاملوا معها، فسبحان الله وهو على كل شيء قدير، لقد وصف لنا السماء والقمر والشمس والبحار وأمرنا بالخروج إلى الفضاء الخارجي ولكن بالعلم.
فنحن من هذا المنبر ندعو للتعامل والتفكير عبر خليّة ممثلة لكل الكتب السماوية في جو يطبعه الإخاء والود دون عصبية أو عنصرية... وفّقكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته". (تصفيقات في القاعة).
ثم أعطى رئيس المؤتمر الكلمة لممثل اليهود الذي توجه بالسلام قبل الكلام إلى شيخ الأزهر، وهنّأه على كلمته واقتراحه.
كلمة ممثل اليهود:
"إنّني جِدُّ سعيد لما سمعته من سماحة شيخ الأزهر وممثل البابا، وأضمُّ يدي إلى يدهما للعمل في لجنة موحّدة تضمُّ علماء فضاء ورجال الدين من المسلمين واليهود والمسيحيين للبحث في بطون كتبنا؛ لأن فيها - كما جاء على لسان من سبقوني - ما يجيب عن أسئلتنا هاته التي ربما تخيف من لا دين ولا عقيدة له، أما من يؤمنون بالله وبكتبه فلن يخشوا شيئا، لأن نفوسهم ستبقى مطمئنة، ولن يفكروا في الانتحار كما حدث في بعض الأماكن، وكل ما هنالك هو أنه يجب فسح المجال للتوعية الدينية التي همشت منذ زمان، وحلّت محلها مصطلحات علمية فقهية مثل: حقوق الإنسان والديمقراطية، وما إلى ذلك من الأمور التي تجعل الإنسان في غنى عن التدين. وأنصح من أعلى هذا المنبر أن يتم الاهتمام بالشعائر الدينية والشعور الديني كيفما كان.هذا ما أريد أن أقوله باختصار شديد، وأترك الكلمة لمتدخل آخر، فخير الكلام ما قل ودل،والمهم عندي هو العمل في العمق؛ وفي إطار لجان نشيطة توكل إليها صلاحيات اتخاذ ما يلزم من قرارات لأجل البشرية جمعاء، وأقترح عليكم عقد المؤتمر العلمي الخاص بالعلماء في القدس التي تحتضن الديانات الثلاث... وشكراً". (تصفيق)
ممثل إفريقيا طلب الكلمة فأذن له الرئيس:تفضل سيدي.
"باسم إفريقيا أغتنم هذه الفرصة لأشكركم على قبول طلبنا للمشاركة في هذا المؤتمر،وأعتقد أن هذا الفضاء ليس حكرا على أحد، فالكل له الحق في التعبير عن رأيه.
في عام 1969 حينما حط نيل أرمسترونغ قدميه على سطح القمر، قام بزرع العلم الأمريكي آنذاك فوق سطح القمر، فإذا كانت هناك كائنات تعيش في القمر ماذا سيوحي لها علم أمريكا ؟
في نظرنا كان لزاما على مبرمجي رحلةأبولو11 أن يقوموا بوضع علم فيه صورة للأرض تجاه الشمس لمعرفة الكوكب الذي وصل سكانه إلى القمر لا العلم، وكذلك فعلت روسيا أو الإتحاد السوفيتي الذي كان السباق إلى غزو الفضاء.المهم من هذه المداخلة هو أنه في ذلك التاريخ كان أغلب الناس في إفريقيا لا يصدّقون أن الإنسان نزل على القمر، وإنما يقولون إنه تمَّ تصويرمشاهد النزول على القمرفي منطقة ما من الكرة الأرضية، لأن فكر الإنسان الذي أنهكه التعب والعطش والجوع وسوء التغذية لا يمكنه مسايرة هذه الأحداث التي تسير بصورة جنونية...من هذا المنطلق أغتنم الفرصة لأدعوكم جميعاً إلى الاهتمام بالإنسان الذي يعاني من نكبات الدهر حتى يتمكن من مسايرةالتطور الحضاري السريع. وليشارك الإنسان المتقدم في ما هو بصدده، وهذا سيكون لصالحنا جميعا؛ إن الإنسان الجائع لن يهتم إلا بما يزيل جوعه؛ولقد قال أحد الفلاسفة "إن ما يفكر فينا هو الفسفور"... أرجو أن أكون قد بلّغت الرسالة.
ووجود كائن آخر كيفما كان شكله بالنسبة إلينا شيء عادي أو ثانوي مادام الإفريقي يعتبر أن الإنسان الأبيض أو الأصفر كائن آخر.
ولا أريد أن أختم كلمتي دون أن أطلب مراجعة بنود العولمة التي تضر بساكنة العالم الثالث، فهذه الأرض نتقاسمها جميعا، ولم تكن ملكاً لأحد اشتراها بعضنا منهم... شكراً". (تصفيق)
يتدخل رئيس المؤتمر ليرفع الجلسة العلنية، ويعلن بدء أشغال الجلسات السرية التي ستتشكل فيها لجان العمل التي ستنبثق عن المؤتمر.
نقلت وسائل الإعلام أعمال هذه الجلسة الافتتاحية، وتعالت إثرها أصوات مؤيدة لهذا الطرف ومناهضة للطرف الآخر. وفي نفس الوقت الذي كانت تعقد فيه الجلسات السرية، بدأت تتكون بعض الخلايا داخل عدة منظمات لبحث الحلول وإيجاد مخرج منطقي وعلمي يمكن تطعيم اللجان به مستقبلا حتى يكون المجتمع المدني هو الآخر قد ساهم في التوصيات والقرارات التي ستفرزها مثل هذه اللقاءات.
نشطت شبكة الإنترنيت كثيرا في هذا المجال، وعمت المناقشات كل سكان العالم النشيطين عبر هذه الشبكة بإعطاء آرائهم وتحليلاتهم وكذا تصوراتهم المستقبلية، وأطلقوا على أنفسهم اسم: "لجن الدعم عبر الإنترنيت".
وقد تناول المتدخلون بواسطة الإنترنت ما جاء في مداخلات المؤتمرين وخصوصا ما قاله ممثلو الديانات الثلاث، وكذا ما قاله ممثل إفريقيا، وقرّروا الوقوف إلى جانب المحرومين حتّى يجدوا حلاّ نهائيا للمعضلات الاجتماعية؛ إذ لا يعقل أن ندخل في حوار ذكي مع مجتمعات أخرى وكثير منا يعاني من غياب أبسط الحقوق... وموازاة مع عمل دعم المؤتمر قرّر المتدخلون بواسطة الإنترنترفع بعض الشعارات، والقيام بندوات ومحاضرات، والخروج في مظاهرات، وتنظيم تظاهرات ثقافية تصب كلها فيموضوعالقضاء على الجوع والمرض والفقر على سطح الوجود.
وقدأيقظت هذه المبادراتالحميدة الضمائر، وحفزت الهمم انطلاقا من الشعار "لنتحاور مع الغرباء من موقع قوة، ولنتكلم معهم عن أنفسنا ليروا بأعينهم أننا كلمة واحدة، وأن قوتنا في تلاحمنا واهتمامنا بإنسيتنا.
وانطلق العمل في هذا الاتجاه،بيد أنه كان يصطدم دائما بجيوب مقاومة سرية وبمافيات لا يمكنها العيش دون مشاكل، جاعلة من مآسي الآخرين فوائد تجنيها، وتعود عليها بالمال والجاه وكما يقول الشاعر: مصائب قوم عند قوم فوائد.
اصطدم هؤلاء المصلحون بهذه الجيوب، ولم يستطيعوا فعل شيء ضدها،لكنهم كانوا ينددون ويستنكرون باستمرار.
"إنّه لخزي" يقول أحدهم عبر شبكة الإنترنيت. "إذ كيف نعيش نحن هذا التقدم المذهل، والذي يصعب حتى تخيله، وفوق الأرض أناس يجهلون ما يجري، همهم الوحيد كسب قوت يومهم وإطعام عيالهم، وكل آفاقهم محدودة وأحلامهم محدودة... إنه لعار يلحق بالبشرية جمعاء".
ويقول آخر: "أقترح أن نُضرب جميعا يوما في الأسبوع ثم يومين، فثلاثة فأكثر إلى أن يوجد حل ضد هؤلاء المفترين".
ويضيف ثالث: "لماذا لا نضمهم إلى دولنا المتقدمة ونقوم برعايتهم، فلدينا المال والأراضي الشاسعة".
وتطول لائحة الاقتراحات؛ فلقد تحرّك عدد كبير من أفراد المجتمع، وبدأوا يرسلون المساعدات بكثافة بالرغم من أنهم يعرفون أنجزءا منها يذهب إلى جهات أخرى، وأن ما يقومون به ليس هو الحل الأمثل، ورغم ذلك استمروا في محاولاتهم، لأن المسألة بالنسبة لهم مسألة مصيرية، ولا تقبل أي نقاش.
إن هذه ليست المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها آباؤنا... ففي بداية هذا القرن، وبفضل الإعلام والمعلوميات، قيل:إن الأرض أصبحت قرية صغيرة، وأن العالم بعد قليل جدّاَ سيصبح مدينة فاضلة، فلماذا نزداد بُعداً كلّما اقتربنا من بعضنا؟ هذا هو السؤال الذي يقرف! إنّ العالم كله يدخل بيوتنا عبر القنوات الفضائية، ولا أحد يسألنا هل نحن في صحّة جيّدة، هل نأكل حتّى نشبع، هل يصلنا نصيبنا من الثقافة كما يجب؟
لقد تبخّرت كل الأحلام رغم الإنجازات الباهرة في ميدان الطب والجينات،والأطفال المعدّلين وراثيا، والإلكترونيات، وغيرها من الميادين...رغم كل هذا لم تتحقق أحلام الإنسان، لأن كل هذه الإنجازات لم تأخذ بعين الاعتبار أن الإنسان أحاسيس، وشعور، وذوق، وكرامة، وكذلك إرث ثقافي وحضاري كونه امتد عبر ملايين السنين.
يقول بعض المتديّنين إن السلم فوق الأرض غير ممكن، لأن إبليس يحاربه منذ الأزل... فمن أوحى لقابيلبأن يقتل أخاه هابيل؟ ومن أثَّر في حواء حتَّى أكلت التفاحة؟ إنّ إبليس يترصّد للبشر منذ الخلق. وأتذكّر هنا ما قاله أحد المفكرين المشارقة حيث أفاد أن إبليس دخل على أحد رجال الدين معلنا توبته، فخرج المتديّن وقال له إنني سأستشير باقي رجال الدين،ثم نرُدُّ عليك. وقال له كذلك عد في الأسبوع المقبل لتعرف الجواب. وقام الشيخ باستدعاء العلماء، وحكى لهم الأمر،فكانت مفاجأتهم كبيرة، ثم ردوا قائلين: إبليس زارك وطلب منك أن تساعده على أن تُقبل توبته؟ أجابهم رجل الدين:
-نعم، لقد جاء وطلب مني أن أدعو له لتُقبل توبته. فبماذا تشيرون عليّ؟ أأدعو له فعلا أم لكم رأي آخر؟
أجاب أحدهم:
- إنّ باب التوبة من اختصاص خالق الكون، أما أن نساعد إبليس وندعو له بالتوبة فأمر لا يدخل في اختصاصاتنا.
وطال النقاش وحمى وطيسه،وتم استدعاءأبرز علماء الدين من كل جهات الأرض في جلسة عاجلة، وحينما أخبروا بالأمر فوجئوا، ودخلوا في نقاشات طويلة وحماسية،وتوصّلوا، في النهاية،إلى رفض الطلب الذي تقدم به إبليس، وفسروا رفضهم بحجة أن العالم سيفقد توازنه إذا تاب إبليس، وسيصبح شبه جنة، والإنسان قد طرده الله من الجنة، ولا راد لقضاء الله...
ولما رجع إبليس يستطلع الرد، أخبره رجل الدين بأنه يستحيل قبول طلبه لأن توازن العالم سيفقد؛ فالمحاكم ستلغى لأن الجرائم ستنمحي، والسجون كذلك، والجيش والبحث عن أسلحة الدّمار وما إلى ذلك من مؤسسات ستتساقط كالورق الذابل... غادر إبليس غاضبا، وقرر الاستمرار في أعماله وتطويرها لإغواء البشر أكثر فأكثر.
إن صراع القوة والضعف، والخير والشر، ومنطق الغاب هو السائد منذ غابر الأزمان... وقد حلم الإنسان باعتباره كائنا مفكرا مدبرا أن يقلب هذه المعادلة؛ معادلة منطق الغاب، ولكنهلم يستطع، والدليل على عدم استطاعته كثرة الحروب التي عرفها العالم، وذهب ضحيتها أناس كثيرون، يعدون بالملايين. وعند مراجعتنا للتاريخ يتضح لنا أن هذه الملايينإنما ذهبت ضحية قرارات فردية لأشخاص كلما يمكن أن يقال عنهم إنهم ذوو نزعات عدوانية، وأن ما قامت من أجله الحروب هو الرغبة في التملك والسيطرة، وفي استعباد الآخرين.
فقد قامت حروب من أجل الماء في حين كان بالإمكان اقتسامه.
كما قامت حروب من أجل التوسع، في حين كان بالإمكان التفاهم حول كثير من القضايا، وتجنب الحرب... إن حماقات الإنسان كثيرة، ولا حدود لها.
كل هذه الأفكار التي طرحت في هذا العام،عام2035، كانت تسعى إلى تحرير الإنسان من الثالوث الخطير الذي يواجهه ويتهدده: "الفقر والمرض والجوع"...وقد تكونت لهذا الغرض منظمات مهمتها مواجهة هذا الثالوث، والقضاء على مسبباته، كما ظهرت مبادرات من جهات مختلفة تصب في الاتجاه نفسه. ورغم كل هذه الجهود والمبادرات فقد كانت الحصيلة عبارة عن حلول ترقيعية فقط، لم تتمكن من استئصال جذور هذا الثالوث الخطير.بيد أن العمل متواصل بجد ونشاط وإيمان بضرورة تخليص البشرية التي توجد بين براثين هذا الثالوث الخطير، ومحاربة من يستغلون الوضعية الصعبة التي يعيش فيها الفقراء والمحرومون من البشر.

ن.ليلـى
22-09-2007, 08:15 PM
نوريو وعالمه الجديد

في الوقت الذي كان سكان الأرض يتصارعون فيه من أجل حياة أفضل، ويتساءلون عن مصير رائدهم نوريو بعدما تأكّدوا من أنه اختطف، كان نوريو ضيفا على علماء المريخ. يحاورونه بلغته الأصلية، ويرحبون به.
نوريو: بعدما تأكدت من وجودكم باعتباركم تسكنون كوكب المريخ، وبعد أن تأكدت من حسن نواياكم، ومن كونكم كائنات تحب السلم، دعوني أبلغ سكان الأرض وعلماء القاعدة التي انطلقت منها مركبتي بأنني حي أرزق، وبأنني على اتصال بكم.
المريخيون: لا، ليس الآن يا سيد نوريو، نريد أن ندعوك لزيارة كوكبنا والكواكب الأخرى في هذا الكون، وسنمكنك من محاورة من ترغب في محاورتهم، ثم نعود بك إلى الأرض، وهناك ستدخل في حوار مع سكان الأرض، ومع رؤسائك.
نوريو: متى سيتحقق هذا من فضلكم ؟
المريخيون: لا تقلق، فالوقت عندنا أسرع مما تتوقّع، هيا خذ قسطا من الراحة التي تحتاجها، وسنساعدك في تحقيق ذلك...
ذهب رجال مريخيون بنوريو إلى أحد الأماكن المعدّة للنوم، وأعطوه أكلا أعجبه، ثم نام على نغمات موسيقى لم يسمعها من قبل دون تفكير...
هؤلاء المريخيون يشبهون الإنسان في تكوينهم البيولوجي، فهم طوال القامة أزيد من مترين، يملكون القدرة على الاختفاء في الوقت الذي يريدون الاختفاء فيه، وهذه القدرة مكتسبة لديهم وليست فطرية، وهم يتكلمون لغة خاصة بهم.
بعد نوم عميق استيقظ نوريو ليجد نفسه وسط مريخيين جُدُد، لم يرهم من قبل، يؤدون له التحية فيرد على تحيتهم بالطريقة اليابانية.
"اليوم ستزور كوكبنا مع دليلك هذا"... بهذه الجملة خاطب أحد المريخيين نوريو. ركب نوريو في مركبة تشبه طائرة، وكانت هذه المركبة تطير دون أن يصدر عنها صوت... وكان نوريو خلال هذه الرحلة يستمع إلى الشروح التي يقدمها له مرافقه المريخي؛ فقد أخبره بأنهم سيقطعون مسافات طويلة في وقت قصير جدّاً، ليصلوا إلى حدود المنطقة التي يسكنها الشعب المريخي، وهي منطقة لن يتمكن أحد من الاقتراب منها أو دخولها مهما كانت قدراته؛ فسكان المريخ محصّنون بشكل جيد.
وصلت المركبة إلى مكان رآه نوريو من أعلى، فشبهه بخلية نحل، أناس تجري في جميع الاتجاهات، بنيان عريض جدا، شوارع واسعة، وهندسة فريدة من نوعها... دهش نوريو وطلب المزيد من الاقتراب، وفعلا اقتربت المركبة حتى رأى ما لا يمكن وصفه. قال له مرافقه المريخي: "إن المريخيين لا يتوقفون عن العمل، إنهم ليسوا مثلكم، إنهم يعملون بدون توقف، لا يتعبون ولا يمرضون، متعتهم الكبرى يجدونها في العمل الذي يقومون به.
حطت المركبة بصمت وهدوء، ونزل نوريو ومرافقه، وأدّيا التحية لمريخي كان في استقبالهم... قال المريخي المرافق لنوريو:
ميما: هل تعرف من يكون هذا الشخص؟
المريخي: إنه من سكان الأرض.
ميما: وماذا تعرف عن الأرض؟
وبدأ المريخي المستقبل في الحديث عن الوضع الجغرافي للأرض، وعن عمرها التاريخي حتى أوقفه مرافق نوريو شاكرا.
ذهل نوريو لما سمع، وبدأ يحدث نفسه:
نوريو: "أ يُعقل هذا؟ مواطن مريخي عادي يعرف تاريخ الأرض بهذه الدقة المتناهية؟ أكاد أجن، هذا غير ممكن؟".
قال المرافق المريخي لنوريو:
ميما: لهذا السبب اخترناك يا سيد نوريو؛ اخترناك لكي تتعرف على حضارتنا وثقافتنا وتاريخنا. نحن نعرف عنكم كل شيء، ولسنا في حاجة لأن تحدّثونا عنكم، بل نحن قادرون أيضا على تصحيح معلوماتكم الخاطئة المتعلقة بتاريخكم، وذلك بالحجة والبرهان...
لدينا، يا سيد نوريو، تسجيلات للأرض قبل ظهوركم، وفي عهد الديناصورات، وقبل ذلك بكثير... ولنا أجوبة على كل أسئلتكم التي بقيت بدون أجوبة... ولكن لا نريد أن نصدمكم بها دفعة واحدة... أنتم في بداية الطريق، وعلينا أن نتعامل معكم برفق.
والمهم الآن هو أن نتم جولتنا في المصانع والمعامل، وسآخذك إلى ما نسميه نحن بالمدار الفلكي لترى كواكب وأقواما أخرى، فنحن على اتصال بهم، وهم يستفيدون منا ونحن نستفيد منهم.
اطلع نوريو على ما ينجز في المصانع والمعامل المنتشرة في كل مكان، والتي تبدو شديدة التعقيد، وكان خلال جولته مع مرافقه المريخي ملازما للصمت، ولكنه كان مندهشا وهو يرى التطور التكنولوجي الكبير الذي وصل إليه سكان المريخ... وبعد انتهاء الجولة، صعد نوريو ومرافقه إلى المركبة التي اتجهت بهما نحو المدار الفلكي، وهو عبارة عن مكان فسيح جدا، يمكن من خلاله ربط الاتصال بمختلف الكواكب المأهولة التي لها علاقة بالمرّيخيين... فوجئ نوريو حين قال له محدّثه:
ميما: "يمكنني أن أجعلك تطلع على ما يجري في الأرض إذا رغبت في ذلك"...
سأصلك بقاعدة كاب كنافرال لترى وتسمع ما يدور هناك... ضغط المريخي على زر فظهر الكاب كنافرال أمام عيني نوريو الذي زادت مفاجأته، ثم ضغط على زر آخر فظهرت لنوريو مجموعة من المنشآت، وبدأ مرافقه يشرح له: "هذه منشآت نووية تخصكم، نحن نراقبها بحرص وخوف من أن يرتكب أحدكم حماقة ضد أخيه، أو ضد نفسه. وباستطاعتنا توقيف عملها في أي وقت نشاء. لا تقلق سيد نوريو فنحن مثاليون جدا، ومسالمون جدا، وعادلون... والآن، سأجعلك تزور كواكب أخرى...
ضغط المريخي على زر ثالث فإذا بأقوام أخرى وعوالم أخرى وبنايات مختلفة الأحجام تظهر على الشاشة الضخمة أمام نوريو، وبدأ المريخي ينتقل من مشاهد كوكب إلى مشاهد كوكب آخر، ثم يقدّم نوريو إلى كل المرخيين الذين يظهرون في الشاشة.
المريخي: هذا كوكب يسمى إبريز... هذا صديقنا نوريو، إنه قادم من كوكب الأرض، وهو يحييكم، وسينضم إلى جماعتنا المسالمة، وسيعمل معنا على نشر السلم في الأرض... أليس كذلك سيد نوريو؟
نوريو: أجل، أجل... بكل تأكيد.
المريخي: والآن سيد نوريو، سنقوم بزيارات لهذه الكواكب التي رأيتها في الشاشة... وسنبدأ بكوكب إبريز، ثم ننتقل إلى الكوكب أفام، ثم إلى الكوكب يتما، ثم إلى الكوكب أطْلْ، وأخيرا سنزور الكوكب مالْ... كل هذه الكواكب توجد في المنطقة "ش"، ويسكنها أقوام أذكياء جدا ومسالمون جدا.
سأرافقك بعد ذلك إلى منطقة تسمى "داس"، وهي منطقة سكان الكواكب المنشغلين بحروب دائمة منذ ملايين السنين.
أنتم في الأرض يحارب بعضكم بعضا على نفس الكوكب، أما هؤلاء فالحرب التي يخوضونها تتم بين عدة كواكب... إنها حرب الكواكب... ماذا تفضل يا سيد نوريو: أن نبدأ بمنطقة "ش" حيث السلم أم بمنطقة "داس" حيث الحروب ؟
نوريو: أفضل زيارة الكواكب المسالمة... ولكن، لماذا لم توقفوا هذه الحروب المدمرة والطويلة بين سكان الكواكب في المنطقة "ش"، أليست لديكم وسائل لإيقاف هذه الحروب؟
المريخي: لن نستطيع الآن إيقاف هذه الحروب، ولكننا نعمل باستمرار – بتعاون مع أصدقائنا - من أجل تطوير قدراتنا قصد التوصل يوما ما إلى ما هو أقوى مما يملكون، فنستطيع إجبارهم على اللجوء إلى السلم، ونفرض عليهم إرادتنا السلمية... وإننا نرغب في أن يتعاون معنا سكان الأرض لوضع حد لهذه الحروب.
نوريو: أرجو ذلك... لكن قبل أن نرحل في اتجاه هذه الكواكب أرجو، إذا سمحت لي سيدي، أن أتعرف على طريقة تسييركم للسلطة؛ وخاصة الأمور السياسية والاقتصادية؟
المريخي: لا تقلق سيد نوريو، سنطلعكم على ذلك في الوقت المناسب، واعلم أننا جرّبنا كثيرا من نماذج السلطة التي اكتشفناها... وقبل أن أستمر في الحديث عن هذا الموضوع أريدك أن تعرف أننا مثلكم؛ لنا دم وخلايا ولحم مثلنا مثل كل الكائنات الحية، لكننا نتميز عن هذه الكائنات باختلاف أحجامنا؛ ففينا القصير والطويل والمتوسط الطول والطويل جدّاً. وكواكبنا كلها تتشابه من حيث الشكل، لكنها تختلف من حيث مكوناتها... وللمريخيين قدرة هائلة على التكيف مع هذه المكونات... أما فيما يخص نموذج الحكم عندنا فهو يقوم على إشراك كل جهة في الحكم وفي اتخاذ القرارات بالتوافق... أما فيما يخص العمل فالكل يعمل والكل يدرس ويتثقف، وليست لدينا أجور، فنحن نوفر لكل عشيرة ما هي في حاجة إليه.
ليست لدينا مشاكل في الحكم والعلم ووسائل العيش، لقد تغلبنا على كل مشاكلنا، وخاصة المشاكل المتعلقة بالصحة، فلم يعد المرض يخيفنا، وأصبحنا بفضل تطور الطب نعمر طويلا.
أنتم لا تعرفون عنا شيئا، وربما جاء يوم نطلعكم فيه على كثير من جوانب حضارتنا وحياتنا... أما نحن فنعرف عنكم أشياء كثيرة، وربما نعرف عنكم كل شيء، بل أكثر مما تعرفون أنتم عن أنفسكم... ولا أخفي عنك أننا نوجد في الأرض منذ أمد بعيد؛ إننا نسيطر على المثلث الذي تطلقون عليه اسم بيرمودا، ولا أحد منكم يستطيع أن يصل إلينا هناك، وإذا ما تجرّأ أحدكم ودخل فإننا نقوم باختطافه... ونحن نملك في هذا المثلث قاعدة قوية مدججة بالأسلحة القادرة على فرض السلام، ولدينا فيه مدن وصناعات ومعامل وضيعات ومراكز للبحث... وهذه القاعدة هي التي سنذهب إليها بعد انتهاء برنامج الرحلات التي سنقوم بها إلى الكواكب المسالمة، وإلى الكواكب المتحاربة.
وقبل الرحيل إلى الكواكب التي سلف ذكرها، طلب نوريو من المريخي اسمه فقال له إنه يسمى "ميما"، وطلب منه اسم المريخ والشمس والأرض بلغة المريخ فقال له "ميما" على التوالي: إن اسم المريخ هو 'رالْ'، واسم الشمس هو 'شاشْ'، واسم الأرض هو 'ماسْ'.
انطلقت الرحلة على متن مركبة فضائية غريبة الشكل، وقد أعجب نوريو أيما إعجاب بهذه المركبة النفاثة، والتي أخبره ميما بأنها تتحرك بغاز الهليوم ممزوجا بمواد أخرى.
كانت وجهة المركبة هي كوكب 'أبريز'، وحسب المعلومات التي استقاها نوريو من ميما فإن سكان هذا الكوكب فلكيون جدّاً، ويعمرون طويلا، ولهم ذاكرة قوية، وهم أقصر من الإنسان، بحيث لا يتعدّى طول الواحد منهم90 سم، ويعيشون في أمن وسلام، ولا يعرفون الحقد ولا الحزن؛ فهم دائما يرقصون، ويغنون، ويرحبون بزوارهم، ولم يسمعوا أبدا دوي رصاصة، ولم تنفجر قنبلة في كوكبهم. بطبيعة الحال هم يتفرجون على الحروب والمآسي التي تقع في كواكب أخرى، ويتولى كوكب 'رالْ'، أو المريخ، ضمان سلامة هؤلاء القوم؛ فهم تحت حمايته.
وصلت المركبة بعد حين إلى إبريز، وكان في استقبال نوريو سكان هذا الكوكب وأعيانهم، وقدموا له تمرا لم يرَ مثله من قبل. ودعاه مرافقه لأكله وكان طعمه لذيذا جداً. تعرف سكان إبريز على نوريو بسهولة، فهم يعرفون سكان الأرض من خلال الأفلام، وأمضى نوريو وقتا خارج الزمن في هذا الكوكب، فالحركة فيه بطيئة، والنظام فيه يثير الانتباه، والتحيات في كل لحظة. وأهم ما أثار انتباه نوريو هو أن هؤلاء المخلوقات الشبيهة بالبشر على علم بأدق التفاصيل التي تجري هنا وهناك في الفضاء؛ إنهم يسافرون عبر مركبات خاصّة لكواكب أخرى تشبه كواكبهم، كما نسافر نحن من دولة إلى دولة... تجهيزاتهم ضخمة ولكنها دقيقة جدا، وكلامهم هادف وهادئ، ومأكولاتهم كلها حلوة لا يعرفون للملح طعماً... بُهر نوريو بما رأى وسمع، وقرر الانتقال مع رفيقه إلى كوكب "أفام"، وفي طريقهم كالعادة أعطى ميما لنوريو نبذة عن سكان هذا الكوكب المجاور لكوكب "إبريز"، وقال عنهم إنهم كذلك طيبون، ولكنهم يكثرون الكلام والفحص، فلا تقلق إن أثقلوا عليك. وهم قوم في نفس قامة سكان إبريز، يشبهونهم كثيرا وكل تكنولوجياتهم من صنعنا، وهم كذلك تحت حمايتنا، لقد دافعنا عنهم، وطردنا الغزاة الذين هاجموهم من زمن بعيد، ومنذ ذلك التاريخ طورنا لديهم ثقافة العمل والإبداع لدرجة أننا أصبحنا نعتمد عليهم في كثير من الميادين، وهم كثيرو الإنجاب، ويعمرون طويلا.
عند وصول نوريو وميما إلى 'أفام'، وكان هذا الكوكب يظهر لنوريو من بعيد وكأنه قمر لأن منظره جميل جدا. وعند الهبوط ظهر المسؤولون الذين كان ميما على اتصال بهم، ثم أدخلوا نوريو إلى مكان استبدل فيه الزي الذي كان يرتديه بزي يتلاءم والطقس في هذا الكوكب، ثم قادوه إلى مكان آخر جميل جدا حيث الطبيعة تكاد تتكلم، وبسبب الدهشة التي اعترت نوريو كاد ينسى من يرافقه رغم احتكاكهم به والتصاقهم به، فهم لم يروا إنسانا إلا في الأشرطة.
تعرف نوريو على حياة سكان "أفام" التي تتسم بالبساطة التامة، كما تعرف على إنتاجاتهم وصناعاتهم الكثيرة التي تصدر إلى كواكب أخرى، في إطار تبادل السلع الذي يتم بدون استعمال المال، فالمال شيء غير مفكر فيه لأن سكان هذا الكوكب يعيشون متساوين.
وقد تجاذب نوريو الحديث مع بعض علماء هذا الكوكب الذين ناقشوا معه ما يجري في الأرض، وقالوا له إن الإنسان يستعبد أخاه الإنسان، وأن هذا وضع خطأ يجب تقويمه، كما قالوا له إن السادة عندكم واعون بهذا الاستعباد، لكن لا يستطيعون فعل شيء سوى إطلاق بعض البالونات مثل حقوق الإنسان والعولمة وما إلى ذلك من كلمات تفرح متلقيها، ولكن يصعب تنفيذها. إنكم مع كامل الاحترام يا سيدي تحتاجون إلى قوة أقوى منكم ترغمكم على تطبيق النوايا والعمل من أجل الآخر، ومحو كل الكوارث التي تسببت فيها سائر الأنظمة التي جربتمونها؛ فلغة القوة هي السائدة عندكم، أنتم هكذا بالفطرة. أعجب نوريو بهذه الصراحة، وبالمعلومات الدقيقة التي يتوفر عليها هؤلاء العلماء، وأجابهم بأن ما رأى وسمع يجعله يمد يده إليهم ليساعدوا بني البشر على إحلال السلم والطمأنينة مكان الحروب والدمار.
وهنا تدخل 'ميما' قائلا:
ميما: "إننا سنقوم بما طلبته منا، وستكون أنت يا سيد نوريو رسُولَنا إلى قومك... إننا لا نهدف إلى استعماركم، بل نريد فتح آفاق التعاون بين الأقوام المسالمة حتى تستطيع الدفاع عن نفسها ضد أقوام أشرار نحن نعرفهم جيداً.
واتفق الجميع على أن يعمل نوريو على تطبيق خطة ليجدها في انتظاره عند انتهاء الرحلة.

وبعد ذلك اتجه نوريو وميما إلى كوكب 'سيما'، وكوكب 'أطل'، وكوكب 'مال' وهي كواكب توجد في خط واحد. وسكانها أبناء عمومة حسب 'ميما'، لكنهم من كثرة الإنجاب ضاقوا درعا ببعضهم، ولم يعودوا يجدون مكانا للعمل أو النوم، وكان المريخيون يراقبونهم جيدا، وهم قوم طوال القامات، قامة الواحد منهم تصل إلى أكثر من 250 سم، وكوكبهم يوجد في نفس خط كوكب أطَلْ ومالْ. وقد تدخل المريخيون في حياتهم، وعرضوا عليهم الانتقال والهجرة إلى هذين الكوكبين المتشابهين من حيث الطبيعة. وبعد أخذ ورد واستشارات دامت طويلا قرروا قبول العرض الذي قدمه لهم المريخيون، وبدأت الرحلات بمساعدة كوكب "رالْ"؛ أي المريخ، لأن هؤلاء الأقوام لا علاقة لهم بالتطور التكنولوجي لكنهم

ن.ليلـى
22-09-2007, 08:18 PM
وبموافقتهم على الرحلة استفادوا من الخدمات التي قدمها لهم المريخيون في شتى المجالات التربوية والعلمية وغيرها على امتداد زمن طويل، وهم الآن يشكرون لهم حسن صنيعهم.
وصل نوريو إلى كوكب سيما، وتعرف على سكانه ذوي القامات الطويلة، وجلس معهم، وحدّثهم وحدّثوه على الأنظمة السائدة عندهم، وعلى الفخر الذين يحسون به كلما زار أحد كوكبهم، لأنهم يعتقدون أنهم وصلوا القمة في البناء المعماري؛ ذلك أن طول قامتهم دفعهم إلى إنجاز بنايات رائعة ومزخرفة بشكل جذاب، والشيء نفسه بالنسبة لسكان أطل وسكان مالْ... وبعد هذه الزيارة الخاطفة التي تؤكد لنوريو، بما لا يدع مجالا للشك، أن رياح التغيير ستهب على الأرض. بدأت السيناريوهات تتفاعل في ذهنه: الإنسان غير هؤلاء، فكيف سيقبل بالأمر الواقع، لاشك أنه لن يتردد في إعلان حرب هو الخاسر فيها لا محالة. البشر قوم قادرون على كل شيء، وأذكياء بما فيه الكفاية، إذا ما شعروا بالخطر، فإنهم يقبلون بالأمر الواقع، وكل ما هناك أنهم مطالبون بإحلال السلام فيما بينهم، والعيش في وئام. فهل سيقبل سكان الأرض ذلك؟ هل بنو البشر فعلا مسالمون؟ هناك من سيقبل وهناك من سيرفض، يجب أن أدرس مع ميما ورفقائه هذا الأمر حتى تكون خطة ناجحة وغير قاسية.
كل هذا دار في خلد نوريو، فهو يعرف جيدا مكامن ضعف البشر ومكامن قوتهم. وهو الآن أمام أمر واقع لا رجعة فيه حسب مضيفيه. وبينما هو يتحدّث مع نفسه تدخل ميما قائلا:
ميما: يا سيد نوريو نحن الآن سنرحل إلى الكواكب الأخرى لترى من بعيد رحى الحرب التي تدور هناك منذ زمان بعيد.
نوريو: أنا أصدقك، لكن لم أعد أرغب في رؤية أو سماع حروب، لنرحل من فضلك.
ميما: إذن سآخذك في زيارة استطلاعية إلى مكان سيعجبك جدا، هيا بنا إذن.
ورحلا عبر نجوم وكواكب كالبرق ليجد نوريو نفسه أمام كوكب الأرض إنها الأرض فعلا...
نوريو: شكرا لك سيدي على أنك أعدتني إلى الأرض كما وعدتني.
ميما: مهلا يا سيد نوريو، إنها أرض تشبه أرضكم تماما ونفس النظام الشمسي تماما وفيها بشر يشبهونكم تماما، وأغلب سكان هذا الكوكب جاؤوا من كوكب الأرض.
نوريو: وكيف تمكنوا من المجيء إلى هذا الكوكب؟ أخبرني من فضلك، إنني في غاية الشوق لمعرفة الحقيقة.
ميما: منذ زمان بعيد أعجب آبائي وأجدادي بالحضارة الفرعونية، وكانوا يعرفون أنها حضارة لن تدوم إلى ما لا نهاية؛ فكم من حضارة سبقتها واختفت بمرور الزمن، ولإنقاذ هذه الحضارة الفرعونية من الموت، وبما أن هناك أراض فارغة في كواكب تشبه كوكب الأرض قرر آبائي وأجدادي حينها بناء مكوناتها على سطح أرض جديدة نسميها نحن "باو"، واستطاعوا بناء الصروح التي تشبه صروح الفراعنة ونقوشهم وآلاتهم وكل ما يشبه حياتهم، وكذلك فعلوا في المناطق المجاورة التي تسمونها "بلاد فارس"، فقد أسكنوا بجانب الفراعنة أناسا تم تخديرهم ونقلهم بسرعة كبيرة إلى الكوكب الذي يشبه كوكب الأرض، إلى أن جاءت حادثة غرق فرعون في البحر وأتباعه فاغتنموا هذه الفرصة وخدروا الجميع، وأخذوهم إلى هذه الأرض، ولما أفاقوا وجدوا أنفسهم أحياء فاستأنفوا العمل والحياة إلى يومنا... وهكذا فحضارتهم هي السائدة في كل بقاع الأرض، والفراعنة نشطاء جدا، ولقد توصّلوا إلى اختراعات هائلة ومذهلة مثلكم تماما، لكنهم وصلوا إلى ذلك بطرق تختلف عن طرقكم... إن قوة فرعون وأتباعه هي التي جعلت العباد يعيشون في سلام؛ فلا حروب ولا تطاحنات، ربما هناك نزاعات إجرامية من حين لآخر يعاقب من ارتكبها، أما الحروب فغير موجودة أبدا.
نوريو: إذن فلقد شاركتم في تطوير هذه الحضارة ؟
ميما: لا يا سيدي نحن فقط أنقذناها، ولم نتدخل فيها لأننا لم نر ذلك ضروريا، إنهم يحترمون أنفسهم، وقد بلغوا في العلم درجات رفيعة، ونحن نستحيي التدخل لإصلاح أوضاعهم... سأجعلك تزور هذه الأرض بدون أن يحس بنا أحد، وسننزل في مكان لنا فيه قاعدة مثل برمودا، ومنه سننطلق في زيارة هذه المعالم الفرعونية قبل العودة من حيث أتينا. إذن لندخل فضاء الفراعنة.
ودخلت السفينة كوكب الفراعنة، وحطّت في مكان خاص استقبلهما فيه المسؤولون عن القاعدة، وبدأ على الفور الاستعداد لزيارة بُرمجت في آخر لحظة. بعدها انطلقا عبر طرقات ملتوية ليجد نوريو نفسه داخل متحف يحتوي على الأهرامات التي توجد على امتداد الطرقات، كما يحتوي على مبانٍ ذات ثلاثة أضلع بأحجام وتموقعات متنوعة، ويحتوي المتحف أيضا على أشياء تطير وأخرى تسير، وعربات زاهية الألوان تجرها خيول رائعة المنظر، وأشياء لم يعرف نوريو ما هي، ولأي شيء تستعمل... تعجب نوريو من هذا الشعب الذي مازال محافظا على الزي الفرعوني القديم وقال في نفسه: "في كوكب الأرض توقفت حضارة الفراعنة، وهنا ما زالت مستمرة، إن هذا يذكرني بما وقع لعبد الرحمان الداخل الذي فرَّ من الشرق ليفتح شرقا آخر بالأندلس"...
تداخلت الأفكار واختلطت في ذهن نوريو، وأحس بدوار شديد، وطلب من مرافقه التوقف والعودة، لأنه لم يعد قادرا على الاستمرار في هذه الجولة التي تربك العقول. لكن، ورغم الدوار الذي أحس به فإن كثيرا من الأمور الغامضة تكشفت وأصبحت واضحة لديه.
قال ميما لنوريو دون أن يلاحظ ما هو فيه من ذهول واضطراب:
ميما: "يا سيد نوريو، لم تسألني عن الأراضي الأخرى التي حدّثتك عنها، وهي التي قلت لك عنها إنها تشبه كوكب الأرض؟
نوريو: أجل سيدي... أريد أن أعرف الكثير عن هذه الكواكب، وأنا في أشد الشوق لذلك.
ميما: إنها كواكب مسكونة ببشر مثلكم، وما زالت تعيش فوقها حضارات ظهرت في كوكب الأرض... وعدد هذه الكواكب كثير.
نوريو: أ مازالت الحضارة الرومانية قائمة ؟
ميما: أجل، وكذلك الحضارة الفارسية...
نوريو: والحضارة الهندية...
ميما: والحضارة العربية...
نوريو: والحضارة العثمانية أيضا.
ميما: والأنكاش، والفايكينغ، وكثير من الحضارات الأخرى. لقد خاف أجدادي أن تندثر هذه الحضارات التي ولدت فوق كوكب الأرض، فقاموا بنقلها إلى هذه الكواكب حيث حرصوا على الحفاظ عليها... ألا ترى أن ما قام به أجدادي شيء رائع؟ وعندما سيتم إحلال السلام والطمأنينة في كوكبكم ستجدون في أبناء عمومتكم هؤلاء خير مؤنس لكم، وخير معين يساعدكم على فهم تاريخكم، وعلى الاستفادة مما فاتتكم الاستفادة منه.
نوريو: يا إلهي... كيف يمكنني إقناع سكان الأرض بما رأيت؟
ميما: لا تخف يا سيدي، لدينا تسجيلات بالصوت والصورة لكثير من جوانب الحياة في هذه الكواكب، ولنا من الإمكانيات ما سيجعلهم يقتنعون... المسألة مسألة وقت فقط.
نوريو: لكنني أخاف يا سيدي أن يفقد سكان الأرض صوابهم، وتختلط عليهم الأمور، ويفقدوا الإيمان بكثير من المعتقدات والمسلمات إذا أطلعتهم على ما رأيت.
ميما: لا تخف يا سيد نوريو... سنساعدهم على معرفة الحقيقة وتقبلها... ألم أقل لك إن لدينا تسجيلات عن كل لحظة مرت بها الأرض، سنريهم من الحقائق ما سيعجبون منه، وربما تزيدهم هذه الحقائق إيمانا فوق إيمانهم... .
نوريو: قل لي يا سيدي أ لديكم ديانة؟ أ لديكم طقوس دينية تقومون بها؟
ميما: نعم، نحن نعبد الله خالق هذا الكون العظيم وما فيه، ولن أقول لك أكثر حتى ترى الحقيقة بنفسك، وقد يراها قومك أيضا.
نوريو: أفهم من هذا الكلام أنك لا تريدني أن أدخل معك في حوار عقائدي فلسفي؟
ميما: أرجو ذلك، فأنا خلال زيارتنا للكواكب التي زرناها كنت أتحاشى الكلام في العقائد.
نوريو: لك ما تريد يا سيد ميما... والآن ماذا سنفعل؟
ميما: سنذهب إلى "رال" أي إلى المريخ، ثم نستعد للعودة إلى كوكبكم للشروع في الخطّة التي يهيئها لنا المسؤولون في 'رال'.
نوريو: حسنا... لنعد.
وفي طريق العودة بدأ نوريو في الاستعداد نفسيا للقيام بهذا العمل، لقد اقتنع بسلامة نية هؤلاء المريخيين، فهم مخلوقات مسالمة وأهدافهم، على ما يبدو، خالية من أي ابتزاز، أو استغلال... بل إنهم يريدون التدخل من أجل الصالح العام.
كان ميما يُدرك جيدا ما يدور في ذهن نوريو، فهو يقدر الأثر البالغ الذي خلفته كل هذه المفاجآت في نفس نوريو، ولكنه كان يدرك في الوقت نفسه أن نوريو ليس إنسانا عاديا، إنّه واحد من علماء الفضاء، ومثله يكون مستعدا لكل المفاجئات ولكل الطوارئ.
عند وصولهما إلى "رال"، وبعد استراحة لم تدم طويلا لأن السفر غير متعب، جلسوا لتدارس الخطة التي كانت بنودها كالتالي:
البند الأول: يرجع نوريو إلى الأرض، وبالضبط إلى قاعة المريخيين بمثلث برمودا، حيث تجري هناك بعض الاستعدادات، ويتعرف على وقائع معينة.
البند الثاني: يهيئ نوريو بعد ذلك قائمة للأشخاص الذين يثق بهم، ثم يقوم في وقت لاحق بالاتصال بهم، وإطلاعهم على ما حصل له، وحثهم على الصمت، ثم يُطلب منهم الالتحاق بالقاعدة لمساعدة المريخيين على القيام بالمهام التي ينوون القيام بها.
البند الثالث: يتم إقناع هؤلاء الأشخاص بالأفكار والنوايا الطيبة للمرخيين.
البند الرابع: إرسال الإشارة الأولى من القاعدة إلى كاب كانافيرال مفادها أن نوريو لم يمت.
وصل نوريو إلى القاعدة بمثلث برمودا بعد رحلة لم تدم طويلا، وعاش هناك فترة من الزمن مكنته من التعرف على الحياة في هذه المحطة العجيبة التي توجد في أعماق المحيط، حيث الحياة هادئة بلا صخب، والكل منصرف لحاله، منشغل بعمله، ولا أحد يضيع الوقت في الكلام الفارغ، أو اللهو الذي لا طائل من ورائه؛ فهؤلاء الناس لا يفكرون إلا في ما يعود عليهم بالنفع والفائدة. والغريب أن سكان هذه القاعدة يقومون بما يقومون به دون أن يراقبهم أحد، فهم رقباء أنفسهم.
تعرف نوريو على أساليب عيش المريخيين في قاعدة بيرمودا، وتعرف على ثقافتهم وعلومهم، وبعد مدة من الزمن قضاها داخل القاعدة لا يغادرها، خرج برفقة مرافقه من مثلث بيرمودا، ومنه إلى فلوريدا حيث أعطوه بطاقة هوية باسم مستعار، ورصيد في البنك، وبطاقات بنكية. وبما أن الآسيويين تتشابه ملامحهم فلن ينتبه أحد إلى أنه نوريو رائد الفضاء الذي اختفى في الفضاء. وكان لنوريو أصدقاء في الولايات المتحدة في وكالة الفضاء، وفي منظمات دولية أخرى، فأعدَّ قائمة بأسماء هؤلاء، وحاول الاتصال بهم... ففي فلوريدا كانت له صديقة يابانية تدعى 'ماي تسوم' انتظرها في مدخل بيتها حتى أتت في المساء، ثم فاجأها بالنداء عليها، ولما رأته قالت: غير ممكن؟ مستحيل؟ أنا لا أصدق هذا... ثم إنها حاولت الهروب لكنه لحق بها وهو يكلمها باللغة اليابانية قائلا: إنني أنا نوريو، لا تخافي مني، لندخل البيت وسأخبرك عن كل شيء، هيا لا تخافي، أرجوك...
فتحت المسكينة الباب وهي ترتعد من شدة الخوف... ولما دخلا جلست فوق الكنبة، وبدأت تنظر إلى نوريو دون أن تنطق. قال لها يحاول تهدئتها:
نوريو: هل عندك بعض الشراب يا عزيزتي؟ فأشارت بسبابتها إلى المكان الذي يوجد فيه الشراب.
نوريو: هل ترغبين في شرب كأس معي؟
ماي تسوم: أجل، أريد كأسا من فضلك...
ناولها الكأس ثم قال لها:
نوريو: عزيزتي إني عدت من رحلة شاقة وبعيدة جدا، عدت من رحلة لا يمكن أن تحدث إلا في الخيال، وأريدك أن تسمعيني جيدا، فهل أنت مستعدة لذلك؟
ماي تسوم: نعم، أريد أن أعرف ما وقع لك بالضبط، والعالم كله متعطش لمعرفة ما جرى.
حكى نوريو لماي تسوم كل ما وقع له في الفضاء الخارجي؛ حكى لها عن المناطق النائية التي زارها في الفضاء، وعن الكواكب والمخلوقات التي تسكنها، وعن المريخيين الذين أخذوه إلى حيث يقيمون... وكان يتوقف عن الحكي مرة بعد أخرى ليجيب عن الأسئلة الكثيرة التي كانت تمطره بها صديقته ماي تسوم. وكانت كؤوس الشراب، هي الأخرى، تقطع الحكي الشيق الذي استرسل فيه نوريو، لكنها كانت تساعده على تذكر ما نسي أن يحكيه. وكان نوريو يمدح الشراب الذي يشربه، ويعبر عن إعجابه بمذاقه، ولم لا فهو لم يذق طعم الشراب منذ مدّة، ولم يجالس أنثى آدمية منذ أن انطلق في رحلته الفضائية...
نوريو: هذه هي الحكاية كاملة يا عزيزتي...
قالها وهو يتثاءب، والنوم يغزو جفنيه... أخذته ماي تسوم في حضنها إلى أن نام، فقامت وغطّته، وبقيت تنظر إليه وتقول بصوت مسموع:
ماي تسوم: أصحيح ما قاله نوريو؟ لا، لا يمكن أن يكون ما قاله صحيحا؛ أنا لن أصدق ما حكاه لي... ولكنه يقول إن لديه أدلّة على ما يقوله، ويتكلم وهو متأكد مما يقول. لابد أن أعرف حقيقة الأمر، سأنتظره حتى يفيق من نومه مستريحا ثم أعرف منه الحقيقة كاملة دون زيادة أو نقصان... ولم لا أرافقه إلى حيث يقول إن المريخيين يقيمون قاعدتهم؟
ظلت ماي تسوم هكذا تكلم نفسها؛ فمرّة تتخيل الحضارة الفرعونية، ومرّة حضارة الأنكاس، ومرّة الفايكنغ... كان تفكيرها مشتتا، ولا يستطيع التركيز على موضوع أو قضية بعينها...
ماي تسوم: أرجو أن يكون ما قاله نوريو مجرد هذيان لا أكثر ولا أقل...
ذهبت ماي تسوم إلى غرفتها، وتمددت على السرير تحاول النوم، لكن ذهنها كان متيقظا، وكانت في شبه ذهول وهي تعيد ما حكاه لها نوريو.

ن.ليلـى
22-09-2007, 08:23 PM
وفي اليوم الموالي، استفاقت متأخرة على رنين الهاتف، فاعتذرت لمن طلبها، واتجهت إلى حيث ينام نوريو، وألقت عليه نظرة فاحصة وهو لا يزال يغط في نوم عميق...
تركته وارتدت ملابسها، ثم انصرفت إلى عملها تاركة له ورقة فوق المكتب كتبت عليها: "انتظرني في المساء"، لكن نوريو لم يستيقظ، ولما رجعت وجدته لا يزال نائما، فعرفت أن التعب قد أنهكه، فحاولت إيقاظه ببعض اللمسات والهمسات، ولما فتح عينيه وجدها أمامه، فنهض ثم ذهب ليستحم، ولما عاد جلس يتناول فطوره. أثناء تناول نوريو لفطوره قالت له ماي تسوم:
ماي تسوم: قررت الذهاب معك إلى القاعدة التي قلت إنها موجودة في مثلث برمودا.
توقف نوريو عن تناول فطوره، ثم ضغط على زر في ساعته... ثم التفت إلى ماي تسوم وابتسامة الارتياح تملأ وجهه. وبعد وقت ليس بالطويل وقفت سيارة بجانب الرصيف المقابل لمنزل ماي تسوم، خرج منها سائق يلبس بذلة إحدى الوكالات الخاصة بكراء السيارات، ودقَّ الجرس ووقف ينتظر... أسرعت 'ماي تسوم' نحو الباب ثم فتحته. قال لها السائق:
السائق: السيارة التي طلبتم جاهزة يا سيدتي...
ركبا السيارة التي أوصلتهم إلى المكان الذي اتفق عليه نوريو مع ميما... خرجا من السيارة، ووقفا ينتظران.
حل الليل وهما لا يزالان ينتظران، وكانا يتغلبان على طول الانتظار بالتكلم تارة عن المغامرة الفضائية التي عاشها نوريو، وتارة أخرى كانا يتبادلان القبل وكلمات الغزل، وتارة أخرى كانت ماي تسوم تحدّث نوريو عما وقع لها في غيابه.
اشتد سواد الليل، وأصبح الظلام حالكا، فأحسّا بالتعب... اتجها إلى شجرة ذات فروع كبيرة، فجلسا تحتها، ولم يحسا إلا والنوم يأخذهما. وحين استيقظا وجدا نفسيهما داخل القاعة.
فتحت 'ماي تسوم' عينيها لترى ما لم تكن تتوقع أنها ستراه في يوم من الأيام؛ مدينة بلا سماء، وكائنات مختلفة عما شاهدته في حياتها، ونوريو بجانبها... تغلبت على دهشتها واستدارت نحو نوريو طالبة منه أن يلطم وجهها لتتأكد من أن ما تراه حقيقة، وأنها ليست في حلم. فقال لها:
نوريو: أ لم أقل لك إنني أقول الحقيقة؟
ماي تسوم: بلى، ولكن ما أراه شيء لا يصدق...
أخذها نوريو وأصدقاؤه المريخيون في جولة عبر مختلف أرجاء القاعدة/ المدينة، ودار الحوار في الطريق بينهم عن التعايش مع الآخرين، وعن المدينة الفاضلة، وعن الشر الذي يطغى على سلوك البشر، وعن كيفية استبدال التصرفات الشريرة لديهم بتصرفات خيرة... وكان كل محاور يحاول أن يؤكد كلامه بالحجة والبراهين التي لا تدع مجالا للشك...
اغتنمت ماي تسوم فترة قصيرة سادها الصمت، فطرحت السؤال الآتي على ميما المريخي:
ماي تسوم: لماذا ظهرتم الآن ولم تظهروا من قبل؟ أ لم تمر الإنسانية من فترات غاية في الصعوبة كان عليكم أن تتدخلوا فيها كفترات الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ أين كنتم حين كانت هاتان الحربان تحصدان أرواح الملايين من البشر؟ وقبل هاتين الحربين المدمرتين بكثير كانت هناك حروب كثيرة لا تقل ضراوة عنهما. أ لم تقتل حروب جانكيز خان آلاف البشر؟ هل كنتم تتفرجون على البشر يقتل بعضهم بعضا... أنتم لستم مسالمين كما تزعمون، لابد أنكم كنتم تتفرجون على الجثث تتناثر وآلاف الأرواح تزهق، وربما كنتم تضحكون وأنتم تشاهدون كل هذا.
ميما: سيدتي اهدئي... أرجوك اهدئي لكي نتفاهم. أولا يجب أن تعلمي أن الشعوب هي التي تصنع مصيرها بنفسها، ولا يمكن لأي كان أن يتدخل ليوجه هذا المصير وفق مشيئته... مصير البشر شيء يخصهم، وهم المسؤولون عن صناعته، ونحن ندرك- بحكم التجربة- أن أشياء كثيرة تبدو غير معقولة، لكنها تحمل في طياتها خيرا كثيرا، وهذا ما حدث بالضبط في الحرب العالمية الثانية، فقد تحول العالم بعد هذه الحرب إلى خلية عمل وجد ونشاط رغم أنه لم يتخلص من نزعته القتالية، وبرزت أنظمة تسعى إلى خير الناس وأخرى تعارضها، ولما رأينا أنه لا أمل يرجى في أن تجدوا حلا لأنفسكم بنفسكم قررنا التدخل من أجل مساعدتكم.
سيدتي سنعرض عليك وعلى صديقك بعض الأشرطة التي تصور تاريخ وحياة الإنسانية، وأخرى تصور تاريخ وحياة الكواكب المسالمة الآهلة بسكان محبين للسلم، وأخرى تصور تاريخ وحياة الكواكب التي تسودها حضارات أصلها آت من كوكب الأرض... وبعد أن تشاهدي كل هذه الأشرطة سيكون لنا حديث مطول... موافقة سيدتي؟
ماي تسوم: أجل سيدي، أنا في شوق لمشاهدة الأشرطة، والتحدث معك بخصوصها.
نوريو: والآن، هيا لتنامي قليلا حتى تكوني على استعداد تام.
ماي تسوم: هيا، ولو أنني أعرف أنني لن أستطيع النوم من هول ما رأيت، يا ليتك لم تعد من رحلتك لتقابلني، وتدخلني معك في هذه المغامرة التي لا أعرف نهايتها.
في اليوم الموالي جلس نوريو وصديقته ماي تسوم يشاهدان ما يعرض على شاشة ضخمة أعدت لهم سلفا... كانت الشاشة تعرض مشاهد من تاريخ الإنسان منذ العصر الجليدي والعصر الحجري، كما كانت تعرض مشاهد من عصر الديناصورات وهي تتنقل على سطح الأرض، ثم عرضت على الشاشة مشاهد للزلازل والكوارث الطبيعية الأخرى وللتطورات التي عرفتها الأرض في عصور مختلفة.
تتضمن آلة العرض قائمة الحقب التاريخية التي مر بها كوكب الأرض، وقائمة أخرى للفترات التي مر بها الإنسان... ويكفي أن تضغط على الحقبة التي ترغب في مشاهدتها لكي تبرز أمامك لائحة أخرى مركزة ومصنفة بدقة، فتختار الحقبة التاريخية، ثم الفترة الزمنية التي تريد أن تشاهد فيها ما عرفته هذه الفترة من أحداث كبيرة كالحروب والكوارث الطبيعية، كما يمكنك أن تشاهد نمط حياة الناس في كل مرحلة، والتطورات التي طرأت على هذا النمط، ويمكنك أيضا أن تشاهد حياة الحكام وقادة الجيوش والعلماء والمفكرين والشعراء وغيرهم... إنه التاريخ بكل تفاصيله مصور وغير مكتوب... ذهلت ماي تسوم ورفيقها بعد أن اطلعا على أكبر عدد من الأشرطة، وقالت ماي تسوم:
ماي تسوم: إن تاريخنا مليء بالأخطاء، ويجب إصلاح ما حرّف منه، وما رأيناه هو وثائق هامة جدا، يا إلهي إنّه شيء عظيم وعظيم جدا...
عندما قالت ماي تسوم هذا الكلام دخل ميما، ونظر إليهما وقال:
ميما: أ تريدين المزيد يا سيدتي من الدلائل؟
ماي تسوم: نعم سيد ميما...يجب أن أكون مقتنعة بما فيه الكفاية لكي أقنع سكان الأرض بضرورة الانضمام إليكم لكي نكون معكم جبهة واحدة.
ميما: لك ما تريدين يا سيدتي... وبعد ذلك سنأخذك في رحلة عبر الشاشة إلى فضاءات وأقوام لم تريهم من قبل... أرجو لك رحلة موفقة.
استمرت ماي تسوم وصديقها نوريو في مشاهدة تاريخ البشرية، وبعد ذلك رحلا عبر الشاشة لفضاءات أخرى وكواكب أخرى، فرأت ماي تسوم ما رآه قبلها الرائد نوريو، وتأكدت من صدق أقواله، وقررت مساعدته، والعمل بجانبه.
ماي تسوم: قل لأصدقائك أن يستعدوا لحملنا إلى فلوريدا، فقد قررت مساعدتك، والتعاون معك ومع هؤلاء المريخيين من أجل خير البشرية... وإنه لشرف عظيم حظيت به، وأشكرك جداً يا عزيزي، ولا تنس أن تحمل معك أشرطة مصغرة ليشاهدها أصدقاؤنا حتى نقنعهم بضرورة الانضمام إلينا.
رجع نوريو وماي تسوم إلى فلوريدا حيث سيبدؤون العمل جنبا إلى جنب قصد تكوين فرق للعمل تهيئ لهذا الانقلاب الأبيض على أوضاع سائدة ومفاهيم غير صحيحة بخصوص سكان الكواكب الأخرى، ومنها كوكب المريخ.
كثرت لقاءات نوريو وماي تسوم مع أصدقائهم وخاصة العلماء منهم، وكثرت النقاشات بينهم، وأعجب جلهم بما رأوا فقرروا الالتحاق بالقاعدة. وتم ذلك بالفعل؛ فقد التحق عدد كبير من العلماء والمتطوعين بالقاعدة الموجودة في مثلث بيرمودا، وأصبح عددهم في هذه القاعدة يفوق 200 رجل وامرأة، آمنوا كلهم بضرورة العمل من أجل الإنسانية، ومن أجل التواصل مع كائنات ومخلوقات ذكية أخرى

ن.ليلـى
22-09-2007, 08:27 PM
رسالة إلى البيت


الأبيض الأمريكي



من نوريو سفير الفضاء أعطر التحيات، وأزكى السلام،

فخامة الرئيس، لقد علمت أنكم نعيتموني للشعب الأمريكي ولبقية سكان الأرض بطريقة قصدتم بها الرفع من مقامي، وتخليد ذكراي، كما علمت أنكم شيعتم جنازتي في كل عواصم العالم، وقررتم إحياء ذكرى وفاتي كل سنة... وإني أقدّر فيكم هذه المبادرة، وأشكركم عليها، بيد أن ما جاء على لسان رئيس اليابان صحيح، فأنا لم أمت سيدي الرئيس؛ نعم، لم أمت، ولا زلت على قيد الحياة، وفي الوقت الذي تقرأ فيه هذه الرسالة سيقرأها معكم كل مديري الصحف على شبكة الإنترنيت...

لقد تعرفت، سيدي الرئيس، على سكان المريخ الطيبين، وقد أخذوني في رحلة عبر مدنهم وقراهم، ولمست عن قرب مدى تطورهم علميا وتكنولوجيا. كما أخذوني كذلك في جولة عبر عدة كواكب مأهولة بأجناس تكاد تشبهنا، وتعرفت على الكثير منهم، بل إنهم يعرفون عنا كل شيء، ويحتقرون تصرفاتنا الحمقاء خاصة حروبنا التي يقتل فيها بعضنا البعض، ويعتبروننا لهذا السبب بلداء. كما أنهم أخذوني إلى كواكب حين رأيتها حسبتها كوكب الأرض، ولكنها ليست هي وإنما كواكب تشبه أرضنا تماما، وفيها حضارات بشرية اختفت منذ قرون من فوق الأرض، لكنها استأنفت في تلك الأراضي، من هذه الحضارات: الحضارة الفرعونية، والحضارة الرومانية وحضارات أخرى كثيرة.

فخامة الرئيس،

لقد زرت كواكب كثيرة مسالمة، ولها أسلحة فتاكة تفوق ما عندنا، وهي تراقب باستمرار التجهيزات النووية لسكان الأرض، بل يمكنها أن تبطل مفعولها إذا أرادت. غير أن هناك كواكب أخرى تعيش حروبا لا تنتهي؛ فهي تتقاتل فيما بينها منذ أمد طويل جدّاً، وتطور أسلحتها من أجل ذلك.

فخامة الرئيس،

بعد مشاهداتي هذه، واتصالي بسكان المريخ، أتقدم إليكم بالنصائح الآتية:

1. مراجعة القوانين التي تضبط العلاقات الإنسانية.

2. محو الفوارق الطبقية.

3. ضمان التعليم للجميع.

4. توفير الرعاية الصحية للجميع.

5. إزالة الحدود بين الدول.

6. القضاء على الجريمة.

ونحن ندرك أن تنفيذ هذه البنود صعب، لذا نقترح عليكم المساعدة، عبر التدخل بقوة في تنفيذ ما ذكر، فلدي الآن وسائل تطبيقها دون أن أظهر، كما أخبركم بأنني رأيت وتصفحت تاريخ كوكب الأرض بالصور عبر أشرطة واقعية من عصر الديناصورات إلى يومنا. وسأبعث إليكم بأشرطة تؤكد كلامي، لكني أؤكد لكم أن تاريخ البشرية قد تم التلاعب به.
سيدي الرئيس، لقد حان الوقت لإصلاح ما اعوجَّ.

الإمضاء: نوريو/ سفير الفضاء



انتهى الجزء الاول
مع تحيات لجنة القراءة ل
م ن ت د ى ال ع ش ر ة

ن.ليلـى
26-09-2007, 10:43 PM
شعرية الأبواب في ديوان رتاج المدائن لمحمد البلبال بوغنيم

يعد محمد بلبال بوغنيم من الشعراء المغاربة المعاصرين الذين اهتموا كثيرا بشعرية الفضاء والأبواب والمدن و الماء بطريقة قائمة على التشخيص والأنسنة وتوظيف الصورة الرؤيا كما يتجلى ذلك واضحا في ديوانه الشعري الأول" رتاج المدائن" . ويعني هذا أن مبدعنا هو الشاعر الأول في أدبنا المعاصر الذي صور الأبواب وأقفالها على ضوء رؤية شاعرية فلسفية ومرجعية يتقاطع فيها ماهو ذاتي وما هو موضوعي. ويكفيه فخرا أن يكون من السباقين إلى ذلك أيضا في الشعر المغربي المعاصر بدون منازع. وقد رصد الشاعر في هذا الديوان الأول تجارب الأبواب بأفضيتها استقراء واستكشافا بريشة تشكيلية فنية تجمع بين الأصباغ اللونية الطبيعية والرموز الفنية الأدبية. وقد كان الشاعر في ذلك مصورا ناجحا حيث ربط كل مدينة ببابها الدلالي ومعادلها الموضوعي. وبذلك يكون محمد بلبال بوغنيم من بين الشعراء الأوائل الذين خلقوا شاعرية الأبواب وساهموا في" شعرنة" فضاء المدن من خلال رؤية إيحائية تضمينية.إذا،ً ماهي دلالات الديوان؟ وماهي مرتكزاته الفنية والمرجعية والمناصية؟
1- المستوى المناصي:
صدر "رتاج المدائن" وهو أول ديوان شعري للمبدع المغربي محمد البلبال بوغنيم سنة 2001م عن مطبعة ويدان بتطوان في 120 صفحة من الحجم المتوسط. ويتبين لنا من خلال العنوان الخارجي أن الشاعر يشعرن الفضاء وأبوابه من خلال رؤى دلالية ومرجعية مختلفة بصياغة فنية وأدبية رائعة تشبه ماكتبه گاستون باشلارG.Bachelard عن جمالية الفضاء وعناصره الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب في كتابه "شعرية الفضاء". هذا، وقد أرفق الشاعر نصوصه الشعرية بمقتبسات نصية لشعراء مغاربة تضيء القصائد وتسعف القارئ على فهمها وتفسيرها وتأويلها . كما أرفقت بسياقاتها النصية التي تساهم في تفكيك القصيدة وتشريحها معنى ودلالة. وتم تصنيف الفهرس العنواني اعتمادا على الأبواب بمداخلها ومخارجها . وبذلك يكون هذا التصنيف تصنيفا فضائيا وتشكيليا في أبعاده السيميائية والشعرية. ويرد الإهداء في حلة رمزية تجريدية أساسها التجاذب الرومانسي العاطفي والتجريد الروحي العرفاني.
2- المستوى الدلالي:
للديوان الشعري الذي أبدعه محمد البلبال بوغنيم مدخل في شكل تقديم شعري معنون بالشهوة التي تؤشر على الرغبة الإيروسية التي تطبعها ملامح صوفية ورومانسية، ومخرج يكمن في باب السؤال في المعنى واللامعنى، وهنا يفلسف الشاعر الوجود بعوالمه الممكنة طارحا الأسئلة الذاتية والمصيرية.
يعلن الشاعر منذ بداية قصيدته أنه يدخل باب الحب والشهوة، ويبدو الشاعر رومانسيا صوفيا من رأسه حتى أخمص قدميه يفلسف حبه المثالي وعشقه الروحي ويدعو حسناءه الجميلة إلى الانصهار في بوتقة الحب والجمال. ويذكرنا الشاعر بتجارب الشعراء الرومانسيين المهجريين وخاصة جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة. وتطغى النزعة الوجدانية على مدخل الحب والشهوة وتتقاطع مع التجربة الروحية العرفانية لتشكل رؤية الشاعر الانجذابية نحو الآخر/ الأنثى:
تعالي نبني عشا في الفضا
ننشر عطرا من ياسمين
في سمانا نرسم الغرام
لوحة تحكي حبنا المتين
كفانا شربا من تباريح
الجوى هلمي فالقلب سجين
سنكتب النيازك أحرفا
حتى لو كان كلامنا أنين
حبنا غيث سامق يروي
جنان أهل المتون السامعين

ويتحول الحب في قصيدة " سيدة المنافي" إلى تجربة وجدانية ذاتية وروحية حيث ينتقل الحب من رمز وجداني مثالي إلى رمز عرفاني ثم إلى رمز مكاني حميمي:
سيدتي كوني مراياي ودعيني أصغي لماء جدولك الحجري دعيني، أصغي إلى أجمل آية فيك، ماعشقت غيرك، ولا أخفيت عليك، سرا من الإسرار، يا سيدتي يا سيدة المنافي.
ويصبح الماء عند الشاعر ميسما طاغيا على غرار مائيات الشاعرين المغربيين: محمد الأشعري وجمال أزراغيد. ويرمز الماء في الديوان إلى الخصوبة والنماء والصفاء والانشراح النفسي،وهو كذلك رمز للحياة والتحدي والصمود والمقاومة وتحرير الإنسان من شرنقة العبودية وتطهيره من الغل والحقد. ويتجسد هذا الماء في النضال البشري والمقاومة العربية للطغاة الصهاينة المتغطرسين الذين يتعطشون إلى إسالة دم الأبرياء من أطفال ونساء وضعفاء. ويتحول محمد الدرة وعرفات والمسيح إلى رموز مائية تحيل على أسطورة الموت والانبعاث التي تحدثت عنها الناقدة ريتا عوض لدى الشعراء التموزيين أمثال: أدونيس وخليل الحاوي وبدر شاكر السياب:
إن الماء مشاكس فارحموه،
يا شهر الماء قلت لي يوما
الماء جيشنا والنار أبراج تعلو الفضاء،
قلت لك الماء ماؤنا ولو استطعت أعدت ترميمك وترتيبك،
فكيف تخزن ماءك في الماء؟
سأعيد ترميمك أيها الماء
كيف لا يحررك كل هذا الهواء؟
كيف لا ومحمد وصمة عار في جبين كل الأوفياء
في وطن بين الماء والماء،

وفي قصيدة " باب الرقراق" يصور الشاعر معاناته المأساوية وإحساسه بالاغتراب الذاتي والمكاني وتجسيد فواجع الإنسان من فقر وضياع وتآكل الوطن بين أنياب الرياح والعويل. أي إن باب أبي رقراق بنهره الغامر هو باب الغربة والحزن والضياع:
لن يرو خرير مائك ظمأ أحزان ضحكاتي،
غربة ابتساماتي
وأحلام فقرائي،
اخترقت مداك في المدى
وهاته غربتي
مهرا
إذا عسعس الليل الشبقي
ضاعت آفاقي
نهر الرقراق يا شفرة شعري
يامرآة قمري، ونجماتي،
على ماءك السلام


وفي قصيدة " باب سلا " يحضر الخطاب الصوفي من خلال التقاء الذات العاشقة بالذات المعشوقة ليتحقق بعد ذلك الوصال من خلال ميل الشاعر ولهانا وحضرة إلى الجمال القدسي والسر الأبدي:


حين ناولتني
تحت المحراب
قيثارة،
معطف مطر،
رسمت على خدي
لون خاتم أحمر،
كانت فوهة جمال
تزحف نحوي،
تباغتني
تلملمني قدر،
تلحن ركض خيل
سمفونيات عشق
تنساب هيفاء حوراء،
جذور حفيف الشجر
حرارة بقداسة السر،
تمتشق بريق حرقتي،
ترشفني كؤوس شاي،
وتجافيني عيونا سفر.


وتتجسد تجليات الرؤية الصوفية من خلال استحضار الجمال الرباني والتجلي الإلهي في قصيدته الرائعة( وصايا مجدلية):


لأشجارك دموعها،
وللجبال شموخها،
الله طرز الدنيا،
شق السماء،
لاح ضياء الفجر والشمس غسقا شفقا
وبنى هيكلا
تأملته المجدلية فلاح بصرها رأس الجسد:
صاحت: تعلم الخروج من الأشياء التي لاتأتيك من دأب
واستلهم الانسياب
قبل موسم العبور من لغتك الجميلة
من غبش الفجر الطاهر وأحلام
العذارى، أوصد باب الامتشاق من
عدم
وافتح صدرك للثريا،
لطيور الشعر حلقت فوق عرائش السرو
تنادي ألق الأمواج،
وتختفي بك موالا خالدا للصبايا/ الوطن


ومن " باب التصوف" إلى" باب تطوان" حيث البحر والأحلام والاشتياق والإخفاق والصمت والموت والخوف. هناك نجد الشاعر يتلذذ بالذكريات والسهرات الماجنة، وتتداخل في ذاكرته تقاطيع الذات وآلام تطوان الحمامة واغتراب الوطن:


باغتتني دهشة تطوان الحمامة
تلعق من نبيذ الآخر، تتألم،
آه يا وطني:
أحبك في البداية والنهاية،
كيف لا تدخل نيمبا
وكيف لا تتعلم ظبى سيرينيا
خبرني كيف لا والوطن
لا يرى ضوء الشمس
سوى في الذكرى المذبوحة
على صلبان الأحلام؟


وفي" باب الرباط" تحضر المدينة باعتبارها فضاء للخطيئة والأحلام الشبقية والحاضر اللاهب المشتعل الذي يتحول إلى سراب وتراب يحف الشاعر ويحضنه. كما يميل الشاعر إلى فتنة المدينة وغواية أطلالها الجميلة؛ ولكنه يلعن فيها زمن الرداءة ووقت الهشاشة:


الأبواب تنسج حلما شبق،
مشرعة تلتصق،
بشاشات شموس تحترق،
لا نجم لاحت لفها الأفق،
في رباطك…في جأشك،
احتفالات كالخطيئة
ترسم لغة حاضر لاهب،
تبني أبواب مستقبل
يأسر خيالات في مدى
ينأى عن الذكرى،
يحمل تلاويني….
ليكتب جمالا طللها لكل
اسم متموج يقارب
النور الذي يزرعني موالا في
مداك يسقطني لغة، بلا كلمات
ينثرني سرابا/ترابا


وفي " باب فلسطين" تتمظهر شاعرية المقاومة والنضال بالكتابة والدم الذي يفضح زيف السلام والمفاوضات اللامتناهية العدد . وينسج محمد الدرة الأمل الفلسطيني والكفاح المستميت ويفتح باب الاستشهاد الأحمر ليرسم صموده المقاوم في وجه الجبروت والاستعباد والسحاب الأسود. ويسخر الشاعر كثيرا بسلام الغمام وترهات المفاوضات التي تعد بالسراب الأخضر وخيبة الأمل:


دم يسيل على دم
دمك مباح أحمد
لري أشجار
تولد من جديد،
شعرنا يكتب بالدم،
دمنا يرسم الخرائط،
في شوارع المدينة،
جسدك صار خندقا
صدرك متراسا
ودمك رشاشا،
دم سال للعالم،
قال: لن أضيع،
سأصب في وديان بلادي
حتى تهدأ الحقيقة.
دم ثار/طار
رش أعداء السلام
خنق رجال الكلام
يادمي؟
ماذا نخسر غير الدم؟


وفي " باب البصرة " ينعى الشاعر العراق ويرثي بغداد التي أصابها الضياع والدمار والخراب ، ونخرها الداء والجوع والانهيار ليثور على العرب الذين لاقلب لهم ولا شعور ولا ضمير يؤججهم أو يحركهم حيال فاجعة العراق وصد الطغيان التتري الغربي الغاشم:


أشتد غيظا
حين أرى أطفال العراق
بلا خبز ولا دواء
ياعرب،
للعين فيكم خجل،
وللقلب فيكم وجع،
وفي بغداد،
أصاب اللذان شملاك ما أصابا،
فليتك تسمو،
وأنت الآن خرابا.


ويرسم الشاعر في" باب تيفلت" صورة الحزن والحلكة الظالمة؛ لأن المدينة لا تلبس سوى حلة الفقر و النسيان و سربال التهميش والضياع والازدراء والعري :


آه لو يسمعني سمعي
لو يندثر الخسوف
يأتي من عقاربه
أملي،
يسحب الحلكة الضاربة
في موجي
من يدري؟
يغمرني الإبحار
ولا أنتهي إلا في بطن
تلك العشماء،
أسبح فيها
عراء متمردا،
لا تكلوني لهم
لا
احسبوني
نسيا منسيا،
إني أترقب
الشغب في خطاياكم
أنا مشهد يرشف سوره
من دمكم المسفوح
على جدائل كرومكم
سحاب أحزانكم.
أمن دبيب الذبح
أتألق تاجا


ويعزف الشاعر أنشودة الأسر و النفي والحضور والغياب في "باب شفشاون" حيث تتحول المدينة بالنسبة للشاعر إلى مدينة اليباب والجفاف والصمت اللاهب والقمم الشامخة الحبلى بالأسرار الدفينة والآلام الحزينة:


دخلت أبوابك،
تلاحظني ذرى القمم
السائرة نحو الغمام،
تسير نحو أبوابها
لتفضح معاني الأشياء،
تصفعني ذكرياتي، أتألم.

وتبدو مدينة الدار البيضاء في" باب البيضاء" فضاء للتناقضات ومهوى الخطيئة ومطرح الرذيلة تحترق لتولد من جديد كمدينة خليل حاوي ومدينة أدونيس التي تحترق لتولد من جديد:

علمتني كيف أحفر
لغة الكلمات المتناسلة
عبر الغوص في حللك،
أنا شفرتك التي لا تنتنهي
أنا موالك الآثم
فاغفري خطيئتي،
اشنقي فناجين الساجدين…..الجالسين
على عري أزمنة حانات المدينة
مساجدها وكنائسها،
من يدري؟
قد تبعثين
أو تولدين من جديد

وينتهي الديوان بطرح قضية السؤال والسعي الجاد نحو اقتناص المعنى ورصده عبر الإدراك الأنطولوجي والاختلاف والبحث أيضا عن اللامعنى الوجودي واللاوجودي. كما يثور الشاعر على الإنسان الذي يصبح لقمة سائغة على طبق المفاوضات والتسويفات المتقادمة.
3- المستوى الفنــــي:
يستند الشاعر محمد بلبال بوغنيم في ديوانه الشعري " رتاج المدائن" إلى الشعر المنثور أو شعر الانكسار كما أسميه؛ لأنه يكسر كل القوالب الفنية والمعايير الشعرية الخليلية المعهودة، ويتمرد عن كل مقومات الشعر العمودي وشعر التفعيلة. إلا أن هذا الشعر مازال يستعير أدوات الشعر التفعيلي من توظيف الأسطر والجمل الشعرية والتدوير والتحرر من صرامة الوزن والتحرر من القافية والوزن. وقد أحسن الشاعر توظيف القصيدة النثرية؛ لأنه استطاع التخلص بمقدرته الفنية الرائعة وموهبته الإيقاعية الفطرية من إسار التقريرية المباشرة والنثرية الجافة عبر استخدام قناة شعرية موحية قائمة على التشخيص والأنسنة والتجسيد من بداية الديوان حتى منتهاه. ولم يسقط الشاعر في النثرية الفجة إلا في حالات قليلة جدا كما في المثال التالي:
كيف نصاغ أطباقا كالأكلات على مائدات المفاوضات؟ نؤكل طعاما شهيا بالسكاكين والفرشاة؟ نقذف أوراقا، قوانين كالعظات؟ هل تقبلون أيها المتفاوضون؟
ويعني هذا أن الشاعر يتمكن من لغة المجاز وصورة الانزياح، لذلك حول قصائده الشعرية إلى صور تشخيصية ورموز إحالية ودوال مجازية من الصعب تفكيكها وتأويلها بسبب جنوح الشاعر إلى عالم الإغراب والغموض الفني والإبهام الجمالي. كما ساهمت الرمزية لدى الشاعر في تحقيق الوظيفة الشعرية من خلال انتهاك المحور الاستبدالي وتخريب المحور التركيبي لإثراء الوظيفة الجمالية وتوفير الخاصية الشاعرية .
ومن يتأمل قصائد الديوان فسيجد أنها ركبت في شكل أبواب ومدخلات ومخرجات، وهذه طريقة إبداعية رائعة تذكرنا بالفن التشكيلي التزييني الذي يهتم بزخرفة الأبواب ورصد جماليتها في مداخل المدن. بيد أن هذه الأبواب لا يقف الشاعر عند مظهرها الخارجي الزخرفي ، بل يستقرىء شاعريتها المجازية في علاقتها بالإنسان والذات. أي إن الشاعر يشعرن الأبواب والمدن في أبعادها الفنية والمرجعية بمقوماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتتسم قصائد الديوان بالاتساق والانسجام والوحدة العضوية والموضوعية. وقد أضفى العنوان الخارجي والعناوين الخارجية على الديوان وحدة دلالية تتمثل في وحدة الفضاء المديني وأبوابه التي تتخذ أبعادا رمزية وسيميائية ودلالية. ويفهم من قولنا هذا إن الشاعر يقارب المدن والأفضية المكانية من خلال أبوابها في مظهرها الخارجي الديكوري التزييني ومظهرها الجواني الروحي. وقد وجدنا أن الدخول إلى المرأة وعوالمها الرومانسية قد تم من باب الحب والشهوة. وقد لاحظنا أيضا تعدد الأبواب فهناك: باب التصوف، وباب الحب، وباب الاغتراب، وباب الحزن، وباب المقاومة، وباب اليباب، وباب السراب. وكل مدينة ترتبط بباب معين دلاليا ويفسرها دلاليا ومجازيا بمعطيات ذاتية وموضوعية. كأن الشاعر يماثل بين الباب الشعري وواقعه المرجعي من خلال عمليتي الفهم والتفسير الگولدماني.
وتعويضا للانكسار الإيقاعي الخارجي، يلتجئ الشاعر إلى الإيقاع الداخلي ليثريه بالتوازي والتكرار والترادف والمماثلة الصوتية والموازنة اللفظية والتركيبية. ونجد الشاعر في بعض الأحيان يحرص على القافية الخارجية والروي الموحد والقافية المقيدة بالسكون وخاصة ذات الحركات المترادفة :
كل العيون لا تكفي لجمع غناء العناكب مع الهواء في وطن ما بين الماء والماء، لذة تقرؤني، ترميني، للأشياء، للأشلاء، صحت في الماء، في الهواء، في النار، في الريح: في رتاج المسجد إيوان يحكي صولة الملوك أوردة بائع الصكوك وأحلام الفقراء في أروقة شوارعك حزينة، ياقدري، يا ليلة الصقيع المحال، ياهموم عشاق الأطلال، ياعتمة في سدرة الأعالي تعالي، تعالي نشرب الحكي سويا، نلعن شيطان الظلام، نسكن حلم المتوكل نعبر النهر بقارب من ورق البردي أو قصائد الشعر، نحو ضفة اليمام/ ساحة الحمام والأحلام
من خلال هذا المقطع الشعري، يتبين لنا أن الشاعر يحرص جيدا على "موسقة" قصائده وإثرائها نغميا من خلال استعمال حروف المد والأصوات المتشابهة من حيث المخارج الصوتية كتشغيله الميم واللام…والجناس الصوتي( الحمام واليمام )،والركون إلى الاختلاف الإيقاعي لخلق انسجام صوتي وموسيقي يتجاوب مع جو القصائد وسياقاتها الذاتية والموضوعية. ويهيمن معجم الطبيعة على الديوان الذي يتقاطع مع معجم المكان والذات لبلورة انصهار فني رمزي يحيل على التجاذب والصراع الجدلي. وتحضر لغة الطبيعة باعتبارها دالا سيميولوجيا يؤشر على ولهان الشاعر بالأبواب وأفضية المدن وأقفالها ومداخلها ومخارجها التي بواسطتها يقرأ الشاعر دلالات المدينة روحا ومظهرا. كما تتسم لغة الشاعر بالانزياح والشاعرية والرمزية والأسطرة والإغراب المجازي والابتعاد عن النثرية والتقريرية المباشرة والانسياق وراء التداعي التشخيصي وأقنعة التضمين والإحالة والتناص. كما ينبني التعبير الشعري على التبئير الدلالي للأبواب وتفريع الوحدة الشعرية الدلالية المركزية إلى وحدات تبويبية فرعية وعناوين مقطيعية تساهم في تشبيك المقصديات وتحبيك العقد الشعرية الغنائية.
ويستعين الشاعر بأساليب الإنشاء والوظيفة الإيحائية كالنفي(( لا يحسد الحجر شجر اللوز)، والنداء الذي يفيد التحسر والتوجع والاستحالة من تحقيق المبتغى الوجودي للذات الشاعرة اليائسة:
ياليلة الصقيع المحال ياهموم عشاق الأطلال ياعتمة في سدرة الأعالي.
كما يوظف الشاعر الأمر( تعالي ) للدلالة على التمني والحلم اللاممكن، علاوة على استعماله للاسترسال الأسلوبي و الانسياب الجملي تركيبا ونظما:
تعالي، تعالي نشرب الحكي سويا، نلعن شيطان الظلام، نسكن حلم المتوكل نعبر النهر بقارب من ورق البردي أو قصائد الشعر
ويحضر الاستفهام كثيرا في ديوان الشعر وينسج أسئلة مصيرية ووجودية:
قلت لك الماء ماؤنا ولو استطعت أعدت ترميمك وترتيبك، فكيف تخزن ماءك في الماء؟ سأعيد ترميمك أيها الماء كيف لا يحررك كل هذا الهواء؟ كيف لا ومحمد وصمة عار في جبين كل الأوفياء في وطن بين الماء والماء،
كما يكثر الشاعر من الجمل الفعلية الدالة على الحركية والتوتر الدينامي والحدثية الدرامية والفعل التساؤلي، ولكنه لم ينس توظيف الجمل الاسمية الدالة على الإثبات والتأكيد والتقرير.
وبلاغيا، يرتكز الشاعر على صور المشابهة ( التشبيه والاستعارة) وصور المجاورة( الكناية والمجاز المرسل)، والصورة الرؤيا(الرمز والأسطورة)، والصورة التناصية القائمة على المستنسخات الإحالية. وتمتاز هذه الصور بعدة خاصيات كالمجازية والانزياح والشاعرية والتجريد والخرق الانتهاك والغموض والتشخيص والأنسنة الإحيائية والتضمين الإيحائي والترميز والأسطرة( أسطورة العنقاء الدالة على الموت والانبعاث). كما يساهم الالتفات التداولي في تنويع الضمائر حسب السياقات الظرفية والنصية والمقصديات المبتغاة.
وتحضر الخطابات التناصية كالخطاب الصوفي والخطاب الرومانسي والخطاب التشكيلي والخطاب السياسي والخطاب الأدبي من خلال استدعاء مجموعة من الشعراء كعبد الله راجع ومحمد علي الرباوي وعلال الحجام وعبد القادر وساط وحسن نجمي ومحمد الاشعري…
وسنذكر مثالا واحدا من أمثلة عديدة لا تعد ولا تحصى من صور الرؤيا والتشخيص الرمزي والمجازي التي تضفي على الديوان جمالية رائعة قوامها الغرابة والانزياح:
أيها العدم،
في يومك الحامي،
خلف باب القناديل المضيئة
أشعلت دهشتي كأوجاع الظنون،
كسرت فانوسي كبروق الذكرى،
ترى ماذا عزفت لي كمانك الظمأى…ماذا؟
غير بقايا حريق غير بروق وامضة….ماذا؟
غير بقايا حريق غير بروق وامضة…ماذا؟
ها رجعت أسراب السحاب تلملم دهشتي
وتنحت شكل فراشات
فتكبو فرسي وتمشي …تمشي…
تمشي في السراب موالا لا يحميني
ولا يحتمل روحي نخلة أو راية بشارة
تمور ولا تدور

خلاصـــــة تركيبيـــة:
نستشف من خلال قراءتنا المتواضعة، أن الشاعر المتوهج والمتميز محمد البلبال بوغنيم من رواد القصيدة النثرية في الشعر المغربي المعاصر بناء وصياغة وتشكيلا. وقد أحسن حياكة إيقاعها ونسج ألفاظها وإبداع صورها الشعرية. وهو كذلك أول من عبر عن أبواب المدن في الشعر العربي بطريقة شاعرية يتقاطع فيها ماهو ذاتي وموضوعي ، كما يتداخل فيها ماهو تشكيلي وماهو دلالي سيميائي. هذا، وقد تناول الشاعر فضاء المدينة من خلال أبعادها الموضوعاتية ومرجعياتها الخارجية منتقلا من الهموم الذاتية والوطنية ليسبح في عوالم قومية وإنسانية مشيدا بالحب والحرية والعدالة وحقوق الإنسان والسلام الحقيقي متأرجحا بين أنشودتي الاغتراب والنفي وأنشودة الأحلام والأمل المعسول.
وقد نجح الشاعر أيما نجاح عندما أخرج تجربته النثرية الانكسارية من طابع التقريرية المباشرة إلى عالم فني جمالي رائع من عناصره التشخيص والإيحاء والشاعرية الموحية والتجريد الرمزي والتشكيل الفني الذي يجمع بين المعطى المادي والمعطى الروحي الجواني.

داليا الهواري
28-09-2007, 10:58 PM
http://raihani.free.fr/My%20Pictures/anthology_1.gif




قوة الحب في القصة المغربية الجديدة

قراءة عاشقة لنصوص "أنطولوجيا الحب"



بقلم محمد سعيد الريحاني


-I تمهيد:
"الحاءات الثلاث" مشروع إبداعي وتنظيري يهدف إلى التعريف بالقصة المغربية القصيرة عبر ترجمتها للغة الإنجليزية ثم نشرها ورقيا باللغتين العربية والإنجليزية، كما يتقصد التأسيس لمدرسة مغربية قادمة للقصة القصيرة من خلال المشترك المضاميني والجمالي المُجَمَّعِ بين النصوص الخميسين للكاتبات والكتاب الخمسين المشاركين في المشروع الأنطولوجي والموزعين على ثلاثة أجزاء:"أنطولوجيا الحلم المغربي" و"أنطولوجيا الحب" و"أنطولوجيا الحرية ".
ومواكبةً لنصوص الكتاب المحتفل بهم، أسَّسْنَا وواظبنا على تقليد أدبي انطلق مع الجزء الأول "أنطولوجيا الحلم المغربي" وذلك بإعداد قراءة " عاشقة" للنصوص المشاركة توضح المنظور الذي على ضوئه ستترجم النصوص كما تعمل على تقريب النص للقارئ من خلال تسليط الضوء على المشترك الجمالي والمضامين الذي يبحث بين شتات النصوص الخمسين عن الخيط الرفيع القادر على المساهمة في تصميم النموذج القصصي للكتابة الغدوية ولكتاب الغد.
ولأن هدف المشروع الأنطولوجي الحالي هو التأسيس لقصة قصيرة مغايرة، فقد كان من باب الانسجام مع الخطاب أن تكون القراءة الموازية له قراءة "عاشقة" وليس قراءة "نقدية" نظرا لارتباط الأولى، القراءة "العاشقة"، بالانتماء للنص بينما تلتزم الثانية، القراءة " النقدية"، المسافة اتجاه النص. ولذلك تبقى القراءة "العاشقة" رفيقة مراحل التأسيس عبر كل عصور التاريخ التنظيري والإبداعي بينما تأتي القراءة "النقدية" بعد توفر التراكم وتنامي الإرث وذلك لتشذيب الخطاب وتقوية خط الإنتاج الإبداعي وعقلنته.

II – الحب في أنطولوجيا العاشقين المغاربة:
تتوزع نصوص "أنطولوجيا الحب " بين ستة محاور يتدرج فيها مفهوم الحب " تنازليا" من:
أ * الحُبُّ أسطورة جميلة.
ب* الحُبُّ رؤية للوجود.
ج* الحُبُّ ذاكرةً سعيدة.
د* الحُبُّ مُخَلّصاً من ورطة الحاضر.
ه* الحُبُّ مُتَخَلّى عنه.
و* الحُبُّ مَيّتاً.
وتبعا لذلك تتدرج نصوص الأنطولوجيا من نصوص الحب الأسطوري المنتصر لقيم الحب النبيل في نص"كيوبيد والشيطان" لمحمد فري ونص"تانيت" لفتيحة أعرور ونص "عاشق أخرس" للحبيب الدايم ربي؛ إلى نصوص الحب الصوفي القائم على التوحد بالإرادة والحبيبة والكون كما في نص"حب" لأحمد الفطناسي ونص"عاشق" لمحمد سعيد الريحانيونص"لازمة المحنة" لمحمد اشويكة ونص"من السماء إلى الأرض" للتيجاني بولعوالي ؛ إلى نصوص النوستالجيا والحنين لماضي الحب السعيد كما في نص"أحلام طاميزودا" لإدريس الصغير و نص "إيقاع الدائرة" إسماعيل غزاليونص "قبلات" لمحمد نبيل؛ إلىنصوص السعي للخلاص بالحب من ورطات الحاضر كما في نص "حبيبة الشات" لعبد الحميد الغرباوي و نص "قصة حب" لسعاد الناصر(أم سلمى) ونص "هاجس الحب" لمحمد التطواني؛ إلى نصوص لا جدوى الحب في المحيطات غير السليمة كما في نص "عاشق من زمن الحب" لهشام بن الشاوي ونص "حب على الشاطئ " لهشام حراك ونص "ومضة" لزهور كرام؛ وتختم الأنطولوجيا العاشقة جولتها بنصوص التيه العاطفي والمأزق الوجودي وموت الحب كما في نص "حالة شرود" لرشيدة عدناوي، نص "الوشم" لنهاد بنعكيدة، ونص "هي والسكين" لسعيدة فرحات، و نص "بلا عنوان" لأسماء حرمة الله ثم نص "ولادة" لوفاء الحمري.

-III قراءة لنصوص "أنطولوجيا الحب":
1. محمد فري،"كيوبيد والشيطان":
هذا النص هو أحد أقصر النصوص المشاركة في " أنطولوجيا الحب"، الجزء الثاني من "الحاءات الثلاث" مختارات من القصة المغربية الجديدة، لكنه استطاع بمهارة التركيز والتكثيف الإمساك بأهم قوى الحياة والفعل في الوجود برمته: الخير والشر. ولأن هاتين القوتين متضاربتان ومتصادمتان فقد صار النص ذاته ساحة معركة بالسهام بين كيوبيد، ملاك الحب، والشيطان، سَيِّد الفتن:
»- " أنت أيها الطفل الغرير..خسئت إن ظننت أن سهامك تفتح القلوب إلى المحبة..."
لم يعره "كيوبيد" اهتماما..اغتاظ الشيطان من لامبالاة الملاك... وسدد رمحه نحوه يريد به " شرا".
ارتفع الملاك قليلا إلى الأعلى فمر الرمح من أسفل دون أن يمسه... وبهدوء أمسك بقوسه وزرع فيها سهما سدده نحو صدر الشيطان... «
ولأن الإبداع لا يكون إبداعا إلا بانتصاره للقيم الإنسانية العليا، ينتصر النص للخير وللحب ولكيوبيد على حساب الشر والفتن:
»ارتفع الملاك قليلا إلى الأعلى فمر الرمح من أسفل دون أن يمسه... وبهدوء أمسك بقوسه وزرع فيها سهما سدده نحو صدر الشيطان... قهقه هذا الأخير وهو يبصر السهم متوجها إليه... تلقاه بصدره هازئا واثقا من خلوده... مثل اللمحة اخترق السهم صدره وأصاب قلبه... فجأة شعر الشيطان بخفقان لم يعهده من قبل..وأحس أن ذخيرة الشر تتناقص بداخله..وبحركة لاواعية تحسس قرنيه فلم يجد لهما أثرا... ثم التقت خلفه فشعر بجناحين أبيضين ينبتان بظهره. «

2. فتيحة أعرور،"تانيت":
نص "تانيت" يدور حول عجوز،"توذا"، أكلتها العزلة والغربة بعد رحيل الحبيب لتواظب على زيارة قبره طلبا للمؤانسة فيتَحَقَّقُ لها حلم الأحلام: العودة للصبا وانبعاث الحبيب وتحقق المنى...

يبدأ النص بتصوير معاناة " توذا" من الغربة "بين البشر":
"جالت بعينيها في أرجاء القرية، بصرها ما عاد يسعفها في تبين ملامح العابرين، حتى أحفادها لم تعد تميز بينهم، نهضت بخطى متثاقلة نحو الربوة، يد خلف ظهرها والأخرى تمسك بعكازها أو "رجلها الثالثة"، تسميه كذلك نكاية بنفسها تارة وسخرية من القدر أخرى! .
ينتابها إحساس بالانتماء إلى عالم لا تربطها به أي صلة.
- تباً.. كل شيء تغير!.
تجد متعة لا توصف لما تقصد "قِبلة الحب"، هكذا يحلو لحفيداتها وصف المقبرة مازحات..
- جدتي ذاهبة إلى "قبلة الحب"!.
- تعتقدين أنها ماتزال تحب جدي فعلاً؟.
وكيف تفسرين ارتباطها بذلك العالم أكثر من اهتمامها بأمرنا؟!"

ولأن الغربة بين البشر تقتضي البحث عن موطئ قدم في عوالم أخرى، فقد اختارت الشخوص الالتحاق بالآلهة. وقد بدأت أول خطوة في هذا الاتجاه مع مغازلة"إيدَّر" الفتى العاشق ل"توذا" بحكاية القصة التي كانت وراء زواج كبير الآلهة (=الذي يتماهى"إيدَّر" معه) و"تانيت" ربة الخصب (=التي يريد "توذا" أن تكونها)، مستثمرا لحظة سقوط الدلو من يدها، يد " توذا"، ليقارن الحادث ذاته بالفأل الحسن الذي جمع بين "تانيت" وكبير الآلهة:
"ارتبكت فسقط الدلو من يديها.
- فأل حسن!.
- لِــمَ؟!.
- لقد اندلق الماء من يديك في حضرة رجل..
ابتسمت ثم سألته:
- ماذا يعني ذلك؟
- اسألي نساء القرية عن حكاية المطر والإلهة "تـ َانيتْ"!.
لا أعرف عنها شيئاً..
- "تـانيت" هي إلهة الخصب في معتقدات أجدادنا، تحكي الأسطورة أنها كانت تعشق ابن كبير إحدى القبائل حد الجنون، غير أن كبير الآلهة مذ رآها في أصيل ذات يوم تسبح عارية في البحيرة، هام حباً بها فطلب يدها للزواج، ولما أعرضت عنه، منع نزول المطر انتقاماً.
قصد سكان القرية "تـانيت" يتوسلونها لتقبل به زوجاً حتى يزول غضبه، وكان أن ضحت بحبها ووافقت على الزواج، سقطت الأمطار في تلك السنة غزيرة على نحو غير مسبوق، ومنذ ذاك الحين أصبح اندلاق آنية الماء من أيدي العذارى رمزاً للحب ووعداً بالزواج."

قصة حب "توذا" و"إيدَّر"، إذن، تروى على خلفية قصة الحب لدى الآلهة، ما بين "تانيت" وكبير الآلهة. وعلى هذا الأساس قدم الفتى العاشق "إيدَّر" لأصدقائه على أنها ربة الخصب، "تانيت":
"قال محدثاً أحد رفاقه:
- "تُـودا"* تشبه عروس المطر، ليتك تراها يا رفيقي! "

وعلى هذا الأساس أيضا، كانت "توذا" ترى في"إيدَّر" صورة كبير الآلهة المعصوم من الموت ما دامت الآلهة لا تموت كما ألمحت إلى ذلك في ختام النص:
"فجأة أحست "تودا" وكأن صباها عاد إليها، أزاحت عكازها جانباً، رأت نفسها تمشي قبلة الجبل حيث ترجل فارس عن صهوة جواده، لما اقترب منها أشاح بطرف برنسه الأبيض على كتفه اليمنى، أمسك بيديها.. اختلط حزنها بالفرح.. رمت بنفسها في حضنه وانفجرت باكية:
- قلت للجميع أن "إيدر" لم يمت ولا أحد منهم صدقن ي!"

الحكاية "ذات مسحة إلهية" ولا تحكى للبشر الذين تشعر بالغربة معهم "توذا"، الساردة التي تتصرف كصورة مكسورة ل "تانيت". فالقصة تحكى بطريقتين في منأى عن البشر: الطريقة الأولى، بالتذكر واسترجاع الإحداث والذكريات مع "إيدَّر"؛ و الطريقة الثانية، بالشكوى ل "إيدَّر" وتذكيره بالماضي السعيدة والبدايات الجميلة.
إن ما تنشده "توذا" في أعماقها هو الالتحاق بالآلهة والتعالي عن البشر والزمان والمكان وعن الموت والشوق والغياب. وقد تحقق لها طلبها في نهاية النص، فقد صارت " ربة للخصب". ولأنها ارتقت إلى مكانة الآلهة، فقد عاد لها حبيبها، "كبير الآلهة".
التشبيه بين قصة حب البشر على الأرض وبين قصة الحب لدى الآلهة في الأساطير الأمازيغية أعطى للنص بعدا رمزيا عميقا بحيث صارت الشخوص والأحداث تطالها مسحة إلهية وأسطورية فصارت الشخصيتان المركزيتان في النص تتصفان بصفات إلهية وأهمها: الحياة الأبدية (المناعة ضد الموت) والشباب الدائم (الحصانة ضد الشيخوخة). ف"إيدَّر" ، الشاب المقاوم البطل الذي قتله المعمر، ينبعث من جديد عند ختام النص وهو في عز شبابه؛ و "توذا"، العجوز المهمومة، تُرْجِعُ حلقة الزمن سنين إلى الوراء وتعود إلى صباها وقوة عشقها وأزهى لحظات عمرها.

3. محمد اشويكة، " لازمة المحنة":
نص "لازمة المحنة"، في "محنته" سعيا للإمساك بحقيقة الحب، يجد نفسه في انزياحات مستمرة: ثارة عن التجنيس الأدبي وثارة أخرى عن مفاهيم الحب لدى العامة وذلك بتجريب محاولات إقلاع نحو الحقيقة أسماها "أبجديات" ما دامت غير مكتملة المفهوم:
"هل توصلتِ معي إلى تعريف الحب؟ أم أن المُعَرَّف لا يُعَرَّف؟
الحب لذة...
الحب مثالية...
الحب عواطف روحية...
الحب حكمة...
الحب امتداد نحو التجسيد... نحو الجسد...
الحب تحيين لماضي الذوات البشرية...
الحب ارتقاء نحو عوالم خالدة أزلية... نحو جمال الأفعال الجميلة... صعود نحو الأرواح الجميلة... تذوق لكل الأجساد الجميلة... انزياح نحو المطلق الخالد... نحو الامتلاء والتمام والكمال... تصوف دون تقشف... شبع دون جوع... ارتواء دون عطش... "
إذا كان النص الإبداعي هو محاولة لإيقاف الزمن والإمساك باللحظات الهاربة، فإن نص "لازمة المحنة" لمحمد اشويكة لا يكترث لإيقاف الزمن بقدر ما يهتم بالحفاظ على إيقاعه وتخليد لحظات الحب الحاضر السعيد والإبحار بالحب في الزمن نحو اللانهاية.
مستعينا بالاستعارات، يقلع نص "لازمة المحنة" نحو آفاق أخرى لأشكال أخرى أرقى من الرعشة الجسدية والحب الجسدي فتتحرر مفاهيم الحب تحت فعل الأسئلة الحرة لتنتج مفاهيم صوفية للحب :
"ماذا عسانا فاعلون أمام قسوة العشق هاته؟ نتآلف ونتخالف، نتحالف ضد الذوات الشريرة، نتآسر ونتجاسر، نكسر الطعنة الطائشة... عظمي عظمك، قلبي قلبك... لنضخ دما واحدا... ونفكر بطرق متعددة عنيدة... هذا الثالث منا: ما أروعه! "
إذا كان النص القصصي في التصور الأدبي الشائع يرتكز على تطور الأحداث، فإن نص "لازمة المحنة" يرتكز أساسا على ارتجال خواطر في الحب والهيام وتطويرها لتصبح تصورات ومفاهيم متقدمة في العشق والغرام. هذه الخواطر والتصورات النامية عبر متواليات النص تصبح في النهاية هي شخوص النص المحورية وأحداثه في آن مستفيدة من التبويب والتصنيف العالي الدُّقة الذي ضَمَنَ رُقِيَّ المفاهيم المُقَدَّمَة عن الحب نحو الخلاص، نحو المطلق:
"الحب ارتقاء نحو عوالم خالدة أزلية... نحو جمال الأفعال الجميلة... صعود نحو الأرواح الجميلة... تذوق لكل الأجساد الجميلة... انزياح نحو المطلق الخالد... نحو الامتلاء والتمام والكمال... تصوف دون تقشف... شبع دون جوع... ارتواء دون عطش..."

4. محمد سعيد الريحاني،"عاشق":
النص لوحة سردية بتقنية "المشهد". إنه لحظة استمتاع حالمة وخواطر جميلة ورؤى بديعة. ولأن السارد "عاشق" من البداية حتى النهاية، فلم يكن في وسع النص أن يعرف هزات سردية كتلك التي تكون وراءها "العقدة" في السرد التقليدي كما لا يمكنه أن يقول سوى الحكمة ولا يرى إلا الحقيقة ولا يعيش إلا العشق. ولذلك كان المعجم المُشَغَّلُ فنيا في هذا النص هو معجم حسي:
» يدك باردة !«
»نبض جذع الشجرة في ضلوعي يذكرني بالحكمة «
»نبض الشجرة يسري في جذعي يدفق قوي جديدة في شراييني، يقويني، يكبرني. « ...
العشق هو بداية الشعور بتجربة الحب ولكنه أيضا بداية الشعور بحقيقة جديدة. وهده الحقيقة الجديدة التي أمسك بها النص قبل نهايته هي أن "الحب هو لغة الكون وأعظم قوانينه، إنه ضامن التناسق والحياة والإشعاع والطاقة":
»الليل يلعق اختلاط الألوان في الأفق حيث بدأت النجوم سباقها بحتا عن موقع على رقعة السماء. النجوم تتغامر من على بعد سحيق. النجوم ليست كما كانت تبدو لي دائما: مجرد جمرات كبيرة تحوم في سواد الكون. للنجوم هذه الليلة، حياة أخرى خفية تنبض عشقا وغراما، فالنجوم الأكثر لمعانا كتلك النجمة الوحيدة هناك هي في الغالب نجمتان كما يقول علم الفلك الحديث: نجم برتقالي ونجمة زرقاء. نجمان يرتبطان بجاذبية خفية تشد هذا لتلك فيدوران حول بعضهما البعض في غزل صامت، مضيء... ربما النجوم لا تضيء إلا لكونها تعيش حبا. وربما لولا الحب لانطفأت جذوتها وتناثرت في الفراغ كباقي النجوم المحرومة، نيازكا وشهبا...
أنا الآن أستمتع بوميض النجوم وعشقها، عشق عمره الآن آلاف السنين بين نجوم على بعد آلاف السنين الضوئية ... تلألؤ النجوم يزين السماء ويضفي على ميكانيكية حركة الأجرام السماوية بعدا غراميا. «

5. التيجاني بولعوالي،" من السماء إلى الأرض"
يتكون عنوان نص "من السماء إلى الارض" من كلمتين: "السماء" (=المثال) و"الأرض" (=الواقع) لكن العنوان يركز تركيزا خاصا على الاتجاه "مِنَ" الأعلى "إلى " الأسفل. إنها رحلة من الأعالي، من الذاكرة السعيدة، إلى واقع الانضباط اليومي المكرور. الذكرى الهاربة التي تؤججها " لُونْجَا" الحبيبة التي تجعل من السفر في الحافلة سفرا في الأعالي، في "السماء"؛ ومن حب الأنثى حبا للكون وللطبيعة؛ ومن تأمل الحب والطبيعة والكون تأملا للذات وتحريرا لها:
" تهاتفني من خلف القناع ولا أراها. تتجول رفقة الدجى. تسامر جنوني حين أتطرف. أتقلد خطى أفلاطون في سموه وتقول فيحسبها الجالس جنبي موجا ليليا...

بين تضاريس الوجود أدرك هويتها وفي تجاويف السماء ألمح قدها الفاتن فتسحرني وتخلبني نكهته فأترنح وأذوب على زجاج النافذة الذي هو متكأ رأسي منذ حين لأراها تتراقص في بؤبؤي عيني وفوق أنوار "تفرسيت" المتموجة...

- فيم تتأمل؟
- في ذاتي. في هذا الخلق المنظوم ."

6. أحمد الفطناسي، "حب"
نص "حب" يتمحور حول البحث عن "ثمار الحب"، عن الذرية والأولاد قصد الاستمرارية.ولذلك، تلجا المرأة المحرومة من الخصوبة، على طريقة الدودة التي تعتكف في محرابها ليال لتحقيق حلمها في أن تصبح"فراشة"، إلى خلوة الولي الصالح والتوحد بالشجرة المباركةوهي كلها إصرارعلى التخلص من "التابعة" و"سوء الحظ" الذي لازمها دون سائر النساء :

" خطت المرأة بخطوات متثاقلة اتجاه شجرة التين المباركة، والمحاذية لخلوة الولي الصالح المقيم بقبة رأس الجبل ، وقبل أن يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض قامت بتطهير جسدها بالماء"
" الشجرة السامقة بفروعها قرب البيت مزينة ب.." التابعة " حيث الأحزمة والملابس الداخلية لنسوة رقص الحظ و"الزهر" بعيدا عنهن ، ولم يسعدن بذرية تنسيهن ملاذ الوحدة، وتبقي على فرع سامق كفرع الشجرة المباركة ..."
" أعادت قراءة التعاويذ ذاتها في حين أمسكت بيدها فرعا من فروع الشجرة المباركة ..كانت تسر لها بمآل الروح المتمردة داخلها في حين تطلي الوريقات الجافة حوضها تعبيرا على اكتمال لا ينتهي ،.. لكنها أصرت على إتمام لحظة السكينة للنهاية ، خصوصا أن دفء المكان حول جسدها لكوة نار متقدة ..
أعادت تلمس خديها مرددة نفس التعاويذ والتي تحفظها عن ظهر قلب ..مدت يدها لأقرب غصن ممتد، شدت بقوة متحملة آلام شوك وريقات الشجرة المباركة، تملكتها رعشات اللذة حتى أمست تقلب حاجبيها، وعندما حلت سكرات الحب الجارف، حلت قشعريرة الجسد مكان الألم، حينها أحست بسائل ساخن يسيل بين فخديها ..كانت لحظتها تسمع نفس النداء للمرة الأخيرة : «متعة السريرة في توحد الروح بالشجرة المباركة»" .

7. الحبيب الدايم ربي ،"عاشق أخرس":
يفتتح النص بطلب شرح لغوي لمفردة " خرساء ". لكن السائل العادي الساعي للمعرفة سيصبح "رجلا ثقيل الظل " نظرا لثقل الذكريات التي أيقظتها الكلمة في وجدانه وأعادته لتجربة عشق أخرس كان هو بطلها ولقصيدة كان، هو أيضا، شاعرها:
» رجل ثقيل يسأله من غير مناسبة عن معنى كلمة "خرساء" التي ابتدأ بها شاعر مجهول قصيدته(...) فرد في حرج: خرساء من لا ترد، أو بالأحرى من تتعمد عدم الكلام « .
نص "عاشق أخرس" هو نص حول الحب من جانب واحد. فحين يكون أحد الطرفين أخرسا أو أصما، لا يتبقى للحبيب سوى ثقافة العين والتلصص على الحبيبة بين أعواد حقول القصب:
» في صمت كان يتلظى بحبها . يترصدها من بعيد كي يتأمل الجرة تلامس شعرها الجموح كلما قصدت عين الماء للسقيا . العشق مذلة . وهو حين يأتي من أخرس يغدو فعلا أقرب إلى الشناعة. كان قد أوغل في التيه. عيناه بوابتان لقصيدة مخلعة الأوزان صماء ، والجمال المترجل أمامه ، متثنيا ، سبحان الخالق الناطق . كأنما كانت صاحبته على غيمة تخطو ، خفيفة ، رشيقة ، صموتة. تعبر التلة في ذهاب وإياب. لم يعد قلبه يطاوعه ليبقى نائيا ، يتأمل "خرساءه " من خلل سد القصب . ما صار السر واحدا وإنما غدا اثنين وثالثهما عاذل قد يقتحم المشهد مدعيا الاستفسار عما قاله شاعر مزعوم في الحبيبة. والحبيبة ، مهما صدّت ، هاهي تقترب ، لم تعد بدورها قادرة على الصمود أكثر.
ولأنها كانت مثله خرساء فقد ناولته جعبة قصب كي يسكب فيها هواه . ففعل . انذرفت دموعه فوق القصبة فخرمتها سبع خرمات . وعلى مدى أيام الأسبوع ، ومنذ كان الماء والقصب ، راحت النايات، كلما هبت الريح ، تشدو بأنغام شجية يزعم العواذل أنها لعاشق أخرس يلوذ بحقول القصب! «
شعرية هذا النص تكمن في انسجامه الداخلي وتوحد شكله بمضمونه. هذا "التوحد" الذي يبدأ مع بداية النص المثقل بعبارات "الثقل": "رجل ثقيل الظل"، "آخر ثقيل السمع"، "رجل ثقيل"...
هذا "الثقل التقديمي" أثر ماديا وفنيا على النص الذي بدأ "موضوعيا" بضمير الغائب ثم غاص تحت "تأثير الثقل" في الذاتية وضمير المتكلم والفلاش باك ثم غرق في الختام في الأسطورة حيث صارت قصة العاشق الأخرس جزء لا يتجزأ من أساطير العشق ووجدان العشاق.

8. سعاد الناصر، "قصة حب":
نص "قصة حب" لسعاد الناصر يبدأ بمقابلة صحفية مع مساجين الرأي وينتهي بقصة حب وزواج:
"التقيته في السجن حين كنت أجري مقابلة صحفية مع مساجين الرأي، لفت نظري بهدوئه وابتسامته التي تضيء وجهه كله, وحين أبديت استعدادي لتوفير بعض الطلبات لهم في زيارة قادمة، لم يطلب سوى مجموعة من الكتب, اكتشفت بعد ذلك أنه مثلي يقرأ بنهم كبير, يحاول بفعل "اقرأ" إعادة تشكيل واقع انحرف عن مساره. وسقط في مستنقعات التخلف والتهميش, ومنذ ذلك اللقاء عرفت أن القدر مهد لاجتماعنا بعناية فائقة".

النص يُحْكَى على لسان ساردة أنثى أريد لها أن تكون "رسول المحبة" لكنها، عكس كل نظرائها من الرسل والمرسلين، تحولت من "رسول محبة" إلى "موضوع حب وزواج"، زواج حبيبين كل منهما خارج من سجنه: هي خارجة من تجربة زواج فاشلة ("عبودية الأنثى") وهو خارج لتوه من السجن (استعباد ذوي الرأي الحر). الصورة إذن هي صورة " زواج الأحرار"، زواج الأنثى المُحَرَّرَةِ من صاحب الرأي الحر.
وقد "سبق" قرارُ إعلان الحب قرارَ العفو الرسمي عن المساجين. وهذه هي رسالة النص: "لو تسلح الناس بالحب، ما كان هناك أَسْرُ أو سجون أو سجانين".
تقنيات الحكي تستمد ديناميتها من مهارة استعمال " ثنائية" عنف الماضي ونعيم الحاضر:
- متوالية تذكر البدايات.
- الفرح بنعيم الحاضر.
- متوالية اللقاء والتعارف.
- الفرح بنعيم الحاضر.
- متوالية الذاكرة وعنف الماضي.
- الفرح بنعيم الحاضر.
- متوالية الإفراج عن السجناء وإعلان الحب والزواج.
- الفرح بنعيم الحاضر: " ومثل زهرة في مهب الريح ارتعشت أغصاني وغاصت في كونه الناري. وغدوت سوسنة تسكن ومضات طيف مشرق، ترشف بين الومضة والومضة زلال فيض ملائكي الإيقاع..."
ثنائية عنف الماضي ونعيم الحاضر هذه "جسدت شكليا مضمون النص العاشق" كما جعلت من شكل العرض القصصي شكلا لعرض "طانغو Tango/" راقص حيث إذا غاب أَحَدُ الثنائي الراقص أو انسحب، بَطُلَ الرَّقْصُ وجُمِعَتِ الآلاتُ وانْسَحَبَ العازفون.

9. إدريس الصغير، " أحلام طاميزودا":
أجمل ما في البداية، أي بداية، هو ذاك الحلم الجميل بالغد الجميل الذي تبشر به وتصنع مساره. وفي المقابل، أهم ما في النهاية، أي نهاية، هو تلك اليقظة المفاجئة من غفوة طويلة أو نسيان ثقيل، يقظة تحرك مجاري الذاكرة وتصالح الفرد مع ذاته وذاكرته وحقيقته. ولعل موت الأحبة هو أقصى أشكال "اليقظة المفاجئة" ونص "أحلام طاميزودا" يرسم بفنية عالية هذه اليقظة.
يبدأ النص كأغلب النصوص القصصية بالسرد بضمير الغائب المتجرد الموضوعي العارف بدواخل وأسرار الشخوص الأصم اتجاه المعاناة الفردية... لكن ما أن تحمل الحبيبة على المحمل وتأخذ وجهتها نحو المقبرة حتى يلقي السارد على الأرض بكل الأقنعة والأدوار السردية ويتحرر من كل تجرده وموضوعيته ليعلن " بضمير المتكلم" أنه هو الحبيب وأن الراحلة هي الحبيبة وأن النص ما هو إلا ذكرى قصة حب كانتلاهبة:
» كانت اللقاءات هنالك، في خلوة عن العالم، عن كل العالم. بعيدا عن الحروب، وعن الدمار وعن الدسائس وعن كل المخلوقات. ترى لماذا اخترنا بالضبط ذلك المكان؟ الم يكن الرومان يشقون عباب نهر سبو بسفنهم المحملة بالمؤونة ليرسوا بها في طاميزودا؟ الم يحبوا هنا؟ ألم يحترقوا بلظى الأشواق، و طول النأي، و المعاناة المؤلمة لهذا الحب الأزلي؟
أين أنت اﻵن ؟ اﻵن أرى جسدك مسجى على المحمل ، مغسولا ، بعطر الجنان . أراك محمولة فوق الأكتاف ، ليشق مسمعي ، العويل ، و الصرخات الرعناء . اليوم لا أملك سوى الذكرى ، اليوم أعود عند الغروب منكسرا ، أيمم نحو مدينة كئيبة تغفو مجهدة، لتنكمش على أحزانها الدائمة. «

10. إسماعيل غزالي ،"إيقاع الدائرة":
على طريقة "الثقوب السوداء" في الكون الخارجي، يشتغل نص "إيقاع الدائرة" لإسماعيل غزالي. في هذا النص، تتخذ الدائرة "قوة جاذبة عظيمة" لكنها جاذبية سردية فنية تسمح بالغوص في الماضي ومعانقة الذكريات والمصالحة مع الأعماق. وتبقى "الدائرة" تقنية فعالة في حصر الانتباه وتقوية التركيز على دائريتها قبل استدراج القارئ إلى مجاهل بئرها الداخلي، بئر الدائرة العميق ، والغوص في أعماقه:
" إنهم ينقرون على البنادير .إنهم يوقظون الرعشة في صقيع الجبل. هاهو صدى الهجرات يزلزل صدر الليل. من قال أن الأطلس مبغى. تسلل إلي صدح الأحيدوس فطوحت بي رياح الشجن. ليتني أبكي أو أصرخ حتى الجنون. ذلك هو نداء التين الأسود في عرائش الكروم المنسية. يسبقني دمي إلى البيادر. يضيء زهر الدفلى ذلك الغضب الملتبس. المح الأثداء المهجورة تتنافر في سماء الإنشاد. خيط الأجساد المتراقصة يتحول إلى دائرة."
يدور النص حول تجربة حب طفولية موؤودة مستفيدا من تشغيل رمز "أنثوي" ناجع: "الدائرة" وهي "تمتص" العاشق السارد في بداية النص للعودة به زمنيا إلى الوراء ثم" تطرحه" عند نهاية النص إلى الحاضر مثخما بجراح الذاكرة الدامية:
" ها أنذا أطرز نسغ الذكرى في وشم تلك المرآة الراقصة. اصطدم بما كشفته ردهات العشق المأساوي عن الذي تحقق والذي ضاع وانفلت. عن الذي أبهج المخيلة وأيقظ الماء العميق في بئر الكلمة. وعن الذي هدم الحلم والمعنى والإنسان. "

داليا الهواري
28-09-2007, 11:05 PM
11. محمد نبيل، "قبلات":
"قُبُلات"، بصيغة الجمع، هو عنوان نص محمد نبيل. ولعل اختيار "قُبُلات" عنوانا للنص عوض "قُبُلة" أو"تقُبُيل" يستمد مقوماته من مراحل التقبيل التي شكلت في النهاية مراحل النمو العاطفي للطفل السارد. فمن صدمة البداية والإحساس بالاختناق تحت عنف التقبيل:
"كانت عائشة لا تتركني أتنفس, تخنقني, ترافقني كل يوم إلى المدرسة, وعند عودتي، تنتظر الوقت الذي أتخلص فيه من يدي أبي الغليظتين لتنقض علي كما يفعل الكلاب. تقبلني بحرارة, تمتص شفتيّ وتشد فمي كما تشد كيسا من الحليب".

إلى التواطؤ ومبادلة القبلة بالسكوت والرضا:
"تعرف جيدا أنني لا أستطيع أن أرفض عروضها الشاذة لأنها تغريني بالكتب الصفراء والأوراق البالية التي تسرقها من حانوت أبيها".

إلى القبول ب"العبودية الجميلة":
"كانت ملحة على أن أعوضها عن قبلات اليوم الضائعة وكأنها تطلب أجرا عن عمل قامت به من أجلي. وضعت يدي على ظهرها الأملس وقلت لها في هدوء طفولي : غدا سيطلع نهارك وسأتركك تفترسين فمي كما تشائين. غمرني إحساس غريب وكأنني أصبحت عبدا لا حق لي في شيء, أقدم فمي لعائشة تفعل به ما تشاء, بدون أي شرط, قد تعضني أو تمتص ما بقي لي من رحيق دون أن أرفض. سرعان ما أقول: إنها عبودية جميلة ورائعة ما دامت تجلب لي كتبا وأوراقا نفيسة."

إلى النضج العاطفي المبكر:
"في الغد ،لم تأت عائشة إلى المدرسة. أحسست بحزن وشوق كبير وكأنني أدخل عالم الهوى لأول مرة, لم أكن حاضرا سوى بجسدي داخل القسم, كنت سارحا ولا أسمع ما يقوله المعلم وهو يفسر بعض الكلمات المتلاصقة على السبورة. طلب مني أن أصف ما يوجد داخل الصورة التي تتوسط السبورة, قلت مسترسلا و بسرعة: إنها صورة امرأة جميلة، شفتاها تشبهان الهلال...لم أكمل الجملة حتى نزلت على رأسي عصا المعلم كالصاعقة. بعدها هوت علي يداه بالضرب, سقطت على الأرض, لم أكن أعرف أنني كنت أصف عائشة بدلا من الصور المعلقة وهي لحيوان صغير مكتوب عليها بالأحمر قرد. لم أكن أفرق بين القرد الصغير و عائشة التي منعها أبوها من القدوم إلى المدرسة. أحد زملائي كان حسودا ولا يريد أن تمارس عائشة معي هذه الحماقات. قرر أن ينتقم منا وكشف المستور لأبيها الذي أقسم أن لا تطرق عائشة باب التعلم .
منذ ذلك اليوم الملعون رفضت أن أقبل كل الفتيات والنساء لأن القبلة التي وراءها ضياع امرأة، تعد قبلة خاسرة ."

"قُبُلات" هي ذكرى تجربة حب طفولية اغتصبها الكبار.

12. محمد التطواني " هاجس الحب":
يختتم نص "هاجس حب" بالسؤال-المفتاح الذي إذا ما نُقِلَ إلى بداية النص، تغير النص بالكامل:
" ترى لو كنت زرت الطبيب النفساني، بماذا كان سينصحني؟"

ربما كان الطبيب النفساني، جوابا على السؤال، سيضع السارد أمام المرآة ليصارحه بأنه، على طول النص، لم يكن يحب أحدا لما هو عليه وإنما كان يحب القيم والصور التي من خلالها يرى الآخر؛ ولذلك حين هَجَرَتِ "الحبيبة" أسلوب حياتها القديم، هجرها "الحبيب" مباشرة ودون سابق إشعار.
ولأن النص يكتب للقارئ وليس للأطباء النفسانيين، فربما أمكن طرح ذات السؤال بشكل مختلف:
" ترى لو أشركت القارئ في ما جرى، ماذا عساه يقول؟"

لو أُشْرِكَ القارئ في مجريات النص، لربما تعرف هذا القارئ على أحداث النص كشهادة عن الحب العذري في الستينيات من القرن العشرين؛ ولربما رأى في النص سيرة ذاتية في شكل قصصي قصير نظرا لوضوح خاصيات السيرة الذاتية في بنية النص:
-التواريخ:1967 ، تاريخ النكبة العربية وتاريخ النكبة العاطفية للسارد في آن،
-الأسماء الحقيقية (الموسيقار الخالد عبد السلام عامر)،
-السرد الكرونولوجي للأحداث وفاء للذاكرة...
يبدأ النص بوصف عاشق أنهكته مطاردة الحبيبة:
"مدة طويلة وأنا أمشي خلف قوامها الممشوق بعين لا تغفل، وبدون قنوط. لا أحادثها ولا أستطيع حتى أن أواجهها كما أواجه المرأة كل صباح .
كان هذا قدري عندما بدأت أعلم كيف اتبع خطوات البنات .. ألاطفها كما كما ألاطف الدمى.
لو كان والدها عرض علي هذا العمل بالمقابل لرفضته،أتبعها حين تخرج من منزلها صباحا إلى أن تختفي وسط ازدحام الطالبات بداخل بهو المعهد.وهكذا بعد الزوال.
لا أعرف كم مر من الوقت وأنا أهوى هذا النوع من الحماقة.
لم تكن جميلة الخلقة لتستحق هذه التضحية.تشغلني حتى في أوقاتي الخاصة.كانت عادية.ربما كانت تحتفظ بحسنها من تحت جلبابها.وجهها يحمل ألف سحابة.تجري بداخلها سواق من الغضب والحيرة،وأحيانا تشرق الشمس على وجنتيها وتنتعش الابتسامة،وتصدح الآهات.وغالبا ما تنبثق شرارات من مقلتيها لو رأيتها لوليت هاربا.
تحملت هذا كله وهي لا تبالي.
حسبتها أنانية، تفضل أن تمشي وسط زميلاتها وتحتمي بهن مخافة أن أحملها من عتبة إلى عتبة."

خلال فترة المطاردة والملاحقة، يتعلم العاشق فرائض الحب "لم يكن من السهل أن تتصاحب أو تتكلم مع فتاة إلا بعد أداء فريضة كاملة." فللحب فريضة تبدأ بالركض وراء الحبيبة، يتبعها تحرير الخطابات المكتوبة ثم إثبات التفوق في الحياة (الحياة الدراسية، في النص)... حتى إدا ما دنا اللقاء:
" تخيلتها قادمة .. نائمة تخيلتها تتفجر كساقية تحت قدمي ولذلك كان من المستحيل أن افقد صوابي قبل أن تحضر. سأواجهها بنفس النظرات والهيجان والزفرات.
حضرت وحدها بوجهها المستطيل الأسمر.تسللت من درب مظلم ببطء. ثم وقفت كغيمة حائرة ترقب الرياح.
لم يتغير شكلها الذي تعلمت فيه اختيار الألوان. جلباب رمادي فضفاض.. جسمها النحيل يختبئ باطمئنان... أحرف ملامحها الرشيقة لا زالت كما هي .
دنوت منها وكلماتي متعثرة قليلة.ربما أحسسنا، أنا وهي، بنشوة دافئة تدب في أحشائنا وبقي علينا أن نتعلم كيف (نخشخش) فيما بيننا ونرفرف مثل العصافير وننسج طريقنا بأيدينا ونستغني عن الأزرار التي تحركنا كالدمى.
اقتربنا..يؤنسنا مواء حناجر القطط اليتيمة.كبرت حيرتي.
خفت أن لا يوجد بين أصابعها ما لا يشفي غليلي.
طفقت انظر إلى ملامحها ولم نترك وسيلة لنتقرب إلى بعضنا إلا وطرقناها.
مددت لها أصابعي المرتعشة .دفنتها بين أصابعها نقرت بهمساتي نوافذ أحاسيسها فانتقيت من الكلمات ما يناسب همومنا،والتقيت الشفة بأختها إلى حد الجنون.
قبل غياب الشمس وبعد أن شربنا من كل أبجديات الحب أخبرتني بأنها مضطرة للعودة إلى البيت.. ذهبت مخلفة على جسدي دبابيس جارحة، وإيقاعات دافنة. وفي عيونها امتداد لشيء تهواه."

اللقاء الأول أنهى جولة المطاردة بالنسبة للعاشق، كما حرر الفتاة من أسلوب في الحياة كان يعشقه فيها الفتى:
"يسألونني ماذا أعشق فيها؟هل هو صمتها...شكلها...حشمتها...قوة صبرها على طأطأة رأسها؟ "

هكذا، عكس سير النص، تأخذ القصة مسارا مغايرا:
" وفي ظهر احد أيام الأسبوع،حانت مني التفاتة ناحية ملعب كرة السلة بعد خروجي من الدرس.كانت نظرة لم اقدر على (قضم) ما التقطته عيناي.أعدت النظر .. تلمست طريقي لأقترب أكثر من المشهد.. لم اصدق.وقفت تحت نخلة بدا سعفها يميل إلى الاصفرار.انتقلت إلى حائط من الطوب الأحمر عتيق من مخلفات المعسكر الاسباني.جبت جميع جوانب المكان ومازلت لم أصدق. إنها هي .كأني بين النوم واليقظة, بدت الدنيا أمامي معتمة.لأول مرة رايتها تلقي بجلبابها على الأرض وتكشف عن ذراعيها,ترتدي جاكيت أحمر وبنطلونا شفافا ابيض يلامس ركبتيها، وتجر صندلا لتقفز به وسط الذكور والإناث متحررة مما تعودت عليه.وترمي الكرة بشطارة فائقة، وكلما احتكت جسدها بزميل اقشعر بدني،وانقض وجهي. وشعرت بتخاذل يهز مفاصلي،ولم تلبث الدموع أن تهاطلت في تموجاتها الكثيفة."

وبهذا المسار المغاير، تتحقق النهاية الصادمة التي صدمت السارد ذاته وهو يتساءل في الختام:
" ترى لو كنت زرت الطبيب النفساني، بماذا كان سينصحني؟"

13. عبد الحميد الغرباوي، "حبيبة الشات":
النص يفجر هشاشة الثنائيات الميتافيزيقية في حياة الفرد وأسلوب تفكيره ليخلص إلى "الوحدة" في الكون لينجلي القناع عن الزوجين الفاشلين فيظهرا كما لم يكتشفا ذلك بنفسيهما في أي وقت مضى: عاشقين كبيرين.

» تلك هي حبيبته...
اقترب منها، و بصوت مرتعش :
" سلوى "...
و ما كانت لتستجيب للنداء، لو لم تتذكر أن سلوى اسمها الجديد ..

استدارت ...
و لما .. .
لم يكن سوى ...
ذاك الذي هجرها و تنتظر منه، في أية لحظة، إعلان الطلاق ...«
اختار السارد كفضاء للسرد "العالم الافتراضي"، الإنترنيت، أو عالم الحرية والتواصل والممكن وهو الثالوث الغائب في حياتهما. فعلى طرفي هذا العالم يقفان أحرارا يمكنهما اختيار ما شاءا لتقديم نفسيهما بدء من الإسم والصفة والهواية إلى الأحلام والمكاشفة والاعتراف بالحب.
يميز النص بين مفهومين يفترض فيهما التكامل وهما مفهوم "الحبيبة" كما في عنوان النص ومفهوم "الزوجة" في آخر جملة من النص. إنه تمييز بين الممكن (=الحب) والكائن (= الزواج).
فالحب الذي تبحث عنه النساء هو في أعماق قلوب أزواجهم، والمرأة التي يتمناها كل زوج هي في أعماق قلب زوجته. والمطلوب هو الغوص العميق في أعماق قلب شريك الحياة للظفر به وبقلبه. فالربيع قد يكون هنا أكثر اخضرارا من العُدْوَةِ الأخرى.

14. هشام بن الشاوي، "عاشق من زمن الحب":
البحث عن حبيبة القلب هو غاية نص "عاشق من زمن الحب". وفي رحلة البحث والتلاقي والتواصل، تتضارب دوافع العشاق والمحسوبين عُشَّاقا وتتعدد طبائعهم وأهدافهم:
*العشيق: وهو فنان يبحث عن حبيبة مُلْهِمَةٍ تضيء ظلماته.
*الزوجة: زوجة رجل آخر يتكلف بمصاريف الحياة وتبحث عن رجل ثان يتكلف بإطراب القلب وإحيائه.
*الزوج: زوج مخدوع "رمى قلبه في سلة القمامة" ليتفرغ للحياة بمنطق "الجَيْبِ" وقضاء الحاجات بشرائها:
- " ارم قلبك في أقـرب صندوق قمامة ، حتى لا يدمر حياتك...
- ألا تستطيع أن تفكر بقلبك ولو مرة واحدة في حياتك ؟
يترك سؤالي معلقا ، ويتجه نحو امرأة تجلس وحيدة ... ثم يخرجان سوية ، وهي تتأبط ذراعه ... "
ولأن العاشق السارد أُحْبِطَ في تجربته الغرامية، فقد "رسم" النص على "صُورَةِ" أَوْجَاعِهِ. فالنص يتقطع بنجيمات تفصل فقراته كما يتقطع أوصال السارد المهموم (***) و"تقطر" جمله الباكية في ختام النص "محاكية" قطرات الدمع في سقوطها:

"أ لـمحها مع زوجها ، في ركنها المعتاد .. تحييني بابتسامة مشرقة ، أحـتـضن كــماني ، و أنطق أ وتاره لحنا شجيا ، تهتز له القلوب ، ولو كـانـت من صخر صلد .. تتهامس البنات ، وهن يبحثن عن مناديلهن ، وينزف قلبي من عيني
دمعا ...
دمعا ...
دمعا …"
15. هشام حراك،" حب على الشاطئ ":
بين سلطة بحرين، "بحر الماء" الذي يغرق بين امواجه الهاربين إلى النعيم والهاربين من المسؤولية و"بحر المجتمع" الذي يشنق بحباله المخالفين للعادات والثائرين على التقاليد، ينساب نص " حب على الشاطئ" لهشام حراك .
يتفتح النص على الشاطئ بين الماء والبر لكن سرعان ما يتفرق العشيقان اللذان نشطا النص ليتجه كل منهما " وجهة العقاب" الذي يستحقه عن اقتراف "فعل الحب الجسدي" خارج أعراف المجتمع: العشيق لعقاب البحر والعشيقة لعقاب المجتمع:
"يقرر أن يقطع البحر في اتجاه الضفة الأخرى خوفا من كلام الناس ونظراتهم اللاسعة … يعزم على أن لا يعود أبدا … يقول لنفسه إنه لو كان له عمل قار، وسكن مستقل عن ذويه، لما تركها تواجه مصيرها المؤلم … يقول لنفسه هذا الكلام، وينقلب الزورق الذي يقله إلى الضفة الأخرى، فتقع له الواقعة " …

16. زهور كرام، "ومضة":
"ومضة" عنوان النص هو رديف "القُبْلَةُ" التي تحاول الحبيبة من خلالها "إضاءة" عوالم سعيدة تخرج الحبيب المجنون من بئر ذكرياته الشقية وإنارة عوالم معتمة من حياته لطرد أشباح الشقاء الكامنة هناك وإلهاب قوة الرغبة في الحياة داخله ليتجدد ويُقبل على اقتسام الحب والسعادة معها.
لكن هل تشفي "قُبْلَةُ الحُبِّ" من يعاني فوبيا الظلم المؤسسي والاعتداء المؤسس على أمن المواطن وامتهان كرامته؟
ربما لذلك لم تُثْبِت "القُبْلَةُ/الومضة" أو "القُبْلَات/الومضاتُ" فعاليتها، فكانت المراوحة بين "الومضة" و"الصفعة" في آخر النص كتحول يائس في سلوك الحبيبة التي أضناها الصبر على حث الحبيب على البقاء على قَيْدِ "العقل":
"ثم صفعة بقوة الغضب الذي تجمع في حنجرتها ترسمها على خذه الأيسر وتشربه كأسا من ماء شفتيها ثم تهمس في أذنه: «تذكر كأسي كلما طُرِقَ الباب لترتاح رأسك .»"

17. رشيدة عدناوي ،"حالة شرود":
نص "حالة شرود" لرشيدة عدناوي هو عنوان النص وهو موضوع الحكي وهو أيضا تقنية السرد. فالنص بالكامل يجري تحت "الإيهام " بالشرود والسهو حتى يشرد وينام القارئ العادي لتفتح بوابة التواصل مع القارئ الفطن الذي ربما سيقرأ النص على هدا الشكل:
"أدخل شاب حبيبته للغاب وقتلها ثم خرج لوحده لكن راع كان قد شاهد وقوع الجريمة هب لأقرب مخدع هاتفي للتبليغ عنه."
"حالة شرود" هو نص عن اغتيال الحب، عن موت الحب في زمن يغيب فيه الاهتمام بأي شيء وينعدم فيه الحماس لأي مطلب بسبب الملل المطلق والعياء العام. لكن جريمة قتل الحبيبة جاءت لتحيي في شخوص النص الشاردين قيم التركيز والاهتمام والحماسة:
" كانا كلما بعدت خطواتهما عن هالة الضوء إلى عتمة الخضرة، ينتابني شعور بالخوف لم أكن استطع فـــي البداية أن أجد له تفسيرا. لكن عيني المتطفلتين ما فتئتا تتوجسان نهاية شرودهما المبثور، رغم اختفــــــــاء الشابين عن الأنظار في غياهب المجهول تحت ظلال العتمة في غابة العشب الأخضر ."

18. نهاد بنعكيدة، "الوشم":
يقترن "النقش" بالحفر على الحجر والخشب والمعادن لتخليد معارف وإنجازات أو إبداعات »للأجيال القادمة تحديا للموت « بينما يقترن "الوشم" بالحفر ذاته لكن على جلد الإنسان الواشم لتخليد ذكرى من الذكريات الحميمية أو مرحلة من مراحل الحياة الفردية » لمقاومة النسيان.«
في نص " الوشم" للقاصة نهاد بن عكيدة، ليس ثمة داع للخوف من الموت وللرغبة في " نقش" المعارف لأجيال المستقبل. فالهاجس المحوري في النص هو " مقاومة النسيان" و "استنفار الذاكرة" للانتقام ممن تسول له نفسه التلاعب بالحب والاستهتار بكرامة الحبيب.
النص يرسم تقابلات بين الحب السطحي العابر(المختزل في العلامات بقلم الحبر على الكف) والحب العميق الخالد كما يعبر عنه الوشم بحرقته وألمه على الجسد.
الحبيب، في النص، يخط بقلم الحبر " علامة" على كفه ليتذكر حبيبته، بينما هي "تشم" حبها له حفرا على جسدها:
» أن أكون مجرد علامة على يده يرسمها كل صباح بقلمه الأسود قبل أن يغادر بيته، تجعلني أعيد حساباتي معه. أما أنا فجعلته وشما أحمرا بلون دمي، وبنفسجيا بلون فرحي الصغير، وأسمرا بلون قمحي وجلدي، وشما وشمتك في قلبي لو انمحى انمحيت من وجودي ولو تغير لونه أكون قد أصبت بتسمم في شراييني وصمامات قلبي وأدخل حينها في عداد المفقودين «
ثم جازمة في ختام النص:
» حسنا، خذني علامة على يدك. فذلك أفضل بكثير من أن تنساني جسدا وروحا على رفوفك. ملفات الكبرياء والكرامة والأخذ والرد لم أعد أتدارسها معك لأن الأمر بيننا تعدى كل تلك المبادئ والمواقف المتشددة. اخترت أن أكون متسامحة متساهلة في كل حقوقي معك وأن أخذ الأمور بكل بساطة كما تفعل دائما. ليس لأجلك ، بل رفقا بي ... ولا تعتقد أني وإن قبلت أن أكون بكل أنوثثي وشعري الفاحم ومشاعري الحمراء البركانية علامة على يدك في صورة نجيمة دالة على هزيمتك لي، فأنا مازلت لم أعلن بعد حربي عليك. ويوم توصلني إلى ذلك القرار ستجد يدي وجسدي موشومين بعلامات كثيرة من فئة تلك النجيمات « .

19. سعيدة فرحات، "هي والسكين":
نص "هي والسكين" يدور حول حياة زوجين خمد ما كان يجمعهما، " الحب"، فصارت حياتهما حياتين وعالمهما عالمين والنتيجة المنطقية أن النص ذاته شطر إلى شطرين: الشطر الأول بطلته الزوجة قبل أن تنام والشطر الثاني بطله الزوج بعدما استيقظ من النوم بينما تبقى الخاتمة متوقعة ومكرسة للانكسار:
» وبذلك بدأ يوم جديد ليجري كل واحد منهما في طريقه الخاص وعينه صوب أفقه المغاير. «
ففي الوقت الذي تفكر هي فيه يفضل هو النوم والغياب:
»ها هي ككل ليلة تستغل فرصة نومه لتمعن النظر في وجهه، و تخاطب غيابه داخلها. «
وفي الوقت الذي تنام هي فيه، يحلو له التفكير والاعتراف:
» نامت و الأسئلة حبال مشانق تلتف على عنقها وتصرخ في نومها و الجثة الهامدة قربها لا تحس بشيء.
استيقظ من نومه ليجد نصفه قربه و يمد يده ليوقظها لكن يده لا تصل« .
ولأن "الانقسام" هو بطل النص بلا منازع، فقد كان لا بد له من اسم: "السكين".

20. أسماء حرمة الله، "بلا عنوان":
عنوان النص، أي نص، يبقى هو الإطار العام لمجريات النص ومنارته الهادية لأحداثه وشخوصه وجاذب القراء لقراءته. كما أن العنوان هو المحدد الرئيسي لاتجاهات الكتابة والقراءة معا. ولأن العنوان يمسك بكل هذه الخيوط داخل النص وخارجه، فإن غيابه أو تغييبه في نص "بلا عنوان" لأسماء حرمة الله كان "قصديا" و"وظيفيا". ولعل أهم وظائف هذا الغياب أو التغييب دفع القارئ للتساؤل:
هل كتب النص على عجل فسقط العنوان سهوا؟
هل النص رسالة مفتوحة للعشاق المحبطين؟
هل...؟
نص "بلا عنوان" يتمحور حول محنة الفتاة الساردة المدعوة لحفل زفاف حبيبها من عروس غريبة. ولعل أهم خاصيتين تميزان هذا النص هما " الحيرة" و"الصمت". وفي ضوء "الحيرة" و"الصمت"، يمكن تلمس مسوغات اختيار "بلا عنوان" كعنوان للنص.
ففي الخاصية الأولى، "الحيرة" و"التيه"، ينتفي أي انتماء لأي مكان أو عنوان بريدي. أما في الخاصية الثانية، خاصية "الصمت"، فينتفي كل ميل للحوار أو أي شكل من أشكال التواصل اللفظي في النص. إن نص "بلا عنوان" نص حائر بين العناوين البريدية بعد ضياع الحبيب، صامت مثل الجرح. ولذلك، فهو لا يحتاج إلى " عنوان" يقدمه للقراء ما دام الجرح بلاغة والنقش على الجراح بلاغة البلاغات.

21. وفاء الحمري ،"ولادة":
علامة الترقيم المهيمنة على نص "وِلاَدَة" هي "نقط الحذف" (...). فَتَحْتَ ضَغْطِ "الوِلاَدَةِ" التي لا تمهل، وتحت صدمة التغير الفجائي للعالم الذي مسخت ملامحه وأشكال تواصله ووظائفه وأدواره مجتمعة مما أحدث زلزالا وجوديا وسرديا انهارت معه كل الأنساق والرؤى والقناعات، لم يعد ثمة رابط يشد وصال الجمل؛ بل لم تعد ثمة حاجة لعلامات الترقيم في لحظة أريد لها الاحتفاء بثمرة الحب، الاحتفاء بالمولود الجديد، فكان عوض دلك برودة الأعداء وافتراس الضواري. ولعل أهم الأشكال الوصفية المشغلة لهدا الغرض هو التفعيل العالي الفنية لأداة التقابل بين "حرارة " المرأة الولود (الصراخ والعويل والعرق والدمع) و"برودة" المجتمع الذي يختفي وراء الوظيفة الاجتماعية (بقفازاته ومعاطفه) ليبرر لا مبالاته بالإنسان حيا وعاشقا:
" ما زالت لا تحس بأسفلها ... أصابع قدميها ما زالت تطل عليها من حافة الإزار الأخضر ... وحركة النساء الجامدات جمدت هي الأخرى .... لا حس ... لا حركة ... لا خبر ... تزغلل نظرها ... بدا لها من بين ظلال رموشها المبللة بالدمع خيال نوراني قي شكل امتداد ضوئي طويل ... طويل ... كأنه كهف لا قرار له... انتقلت هي سابحة وسط ذاك النور المشع فاختلطت به وراحت في غيبوبة عميقة ...
فتحت عينيها على وجوه كثيرة .... رجال .... نساء ..... لباس ابيض .... أضواء كاشفة .... رائحة كحول مزكمة .... بدت لها الوجوه تتمايل حدقت أكثر فبدأت الصور تستقر ... تتموضع ....هاهي المرأة ذات القسمات الجامدة ومعها الأخرى ذات القفازتين اللتين تقطران دما ... دمها هي …
نطقت أخيرا ... سالت عن الذي فعلوه وما الذي هم فاعلوه بها ...تكلمت الجامدة بعدما غادر الفيلق الأبيض الغرفة ...
قالت بوجه جامد : قد تمزق رحمك ...ومات جنينك ... فاضطر الأطباء لبتره بالكامل ... لك حق إجراء مكالمة مع ذويك ... ذاك الزر الأخضر تضغطين عليه ان احتجت لمساعدة هذه الليلة وعرجت صوب الباب بكل برودة والمرأة الممددة فوق السرير تنظر إليها مذهولة ... مأخوذة..."

تركيب:
تجتمع نصوص "أنطولوجيا الحب" ، الجزء الثاني من "الحاءات الثلاث" (مختارات من القصة المغربية الجديدة)، حول خاصية أدبية أساسية وهي خاصية "توحد المضمون القصصي بشكله الفني" بحيث يعبر الشكل الفني عن مضمونه القصصي "بعيدا عن كل أشكال السرد النمطي" التي تطبع معظم الأعمال الأدبية الرائجة ويصبح معه " المضمون القصصي تجليا من تجليات الشكل القصصي". ف"التعبير عن المضمون القصصي بالشكل القصصي" و"التعبير عن الشكل القصصي بالمضمون القصصي" كان السمة الأساسية لنصوص العشق التي لا يمكنها أن تكون عاشقة تحت سيادةِ نمطيةِ الكتابةِ القصصيةِ و"سكيزوفرينية" الخطاب السردي.

المصدر: وصلتني على بريدي الإلكتروني