PDA

View Full Version : لا تحدِّثني عن الموتِ يا أبي



رانيا منصور
15-10-2007, 05:49 AM
بعد جولتَي حزنٍ وحب
يدبر زهداً للأشياءِ بصفاءِ نيةٍ عبقريّ
يديرُ جسدَ الكونِ تجاهَ القِبلةِ
ويَكسِرُ رأسَ حبيبتِه الصلصاليّ
يعرفُ أنها كانتْ لآخرِِ وهنٍ
تطير حول ظلِّه
تسبحُ لله وتستغفرُ ذنبه
ترطبُ أطرافَ يومه الجافِ كالمعدن
تحرّضُ الملائكةَ على الطبطبةِ على سقفِ بيته
والهمسِ للجيرانِ
بأن يلقوا على نافذتِه السلام
ويتركوا له زهرتي ياسمين فوق وجهه
قد يعود لها أبيضاً بغير رتوش
لكنه اعتادَأن يرتدي اليومََ من الخلف




هو يستطيعُ دائماً
أن يدقََّ حدودَ جسدهِ بالمسامير
ويعبيءَ نفسه بالأصواتِ الخشنة
كي لا يبصرَ الأصواتَ الأخرى بالخارج
كعصفورٍ جائعٍ
هو يمنحُ روحَه هدأتين أو ثلاث
حسبَ الظروفِ المادية
ويسحبُ من أضلعها المعووجةِ
- حبيبته -
آخر زقزقةٍ للملائكة
فتجوعُ ولا تقول




صوتُ خطواتِها المتعمدةِ الخفاء
وهي تجرُ الغطاءَ على نصفِ جسدِ أختها
يوقظُ جيرانَ تحت الأرضِ برقة
يدعون لها بالنوم
تجلسُ على ال"سوفا" كما تحب أن تطلقَ عليها
غير مقرفصة
لأنها لا تعرف القرفصاءَ وتُشعِرها بالاختناق -
هل كانت تخطط كل ليلةٍ لأن تجلس هكذا..
تذاكرُ خطوطَ كفِه
وتنحت في وجهها كَسْرات نظرةٍ خاطفةٍ منه؟




تجلسُ عند قدمَي أبيها
تريحُ رأسَها على فخذِه وتضع كفَّه على عينيها
تقول..
حدِثني عن قلبكَ يا أبي
حدثني عن صوتِ قلبي وأنا داخل بطنِ أمي
عرِّف لي الصوتَ والفرْح
عرف لي البحر
عرِّف لي الجُمَّيز
لم أتذوقه – لماذا يا أبي؟
وأبي.. يا أبي
لا تعرّف لي الموتَ
لا تعرفهونيه إذا سألتك عنه
قلبي يعرف أكثر يا أبي




كان يحب
- كـ ا نـَ -
لكنه..
لمَّا أدخلَ يدَه في جيبهِ
خرجتْ لا بيضاءَ
ولا تحملُ للبنتِ حقيبة يد
ولا زهرة كرتونيّة
خرجتْ برمادٍ ما
تشلب ماءاً أبيضاً مقتولاً
وعناكب سوداء تموء
وصوت قطار يخرج عن حلم الناس




أما هي..
فسَأمتْ الغوصَ في الشوكولاتة
والمقرمشاتِ الصفراءِ كالكركم
كلما غابَ
واتجهتْ ببصرها لقلبِها
تألمَ
مسحتْ بعينيها غرفةَ الصالون،
جهاز الكمبيوتر،
والساعة الدولية
شعرتْ بنفس قدمَي الفيلِ فوق صدرها
لم تنادِ أبيها
تذكرتْ طلبَها ألا يحدثها عن الموت
غطتْ عينيها بصفحة جريدة
ونامتْ
..

هاني درويش
15-10-2007, 10:44 AM
اقول لك

لقد رايت كل تفاصيل المشهد

وكأنني امام شاشة تلفاز يعرض قصة مصورة

ماذا اعني؟

أعني انك كتبت نصا باذخا

يجعل القارىء يتابعه حرفا حرفا

ولعمري انه هكذا تكون النصوص

سلمت يداك

هاني

رائد33
16-10-2007, 12:01 PM
الكريمة رانيا
عرضٌ كامل كما تفضّل الصديق أبو نمير
نصّ جميلٌ و لغةٌ راقية
تطيلين الغياب عن أفياء
كلّ يومٍ و أنت بخير
بكلّ ودّ
رائد