PDA

View Full Version : ذلك الذي تحْت



خالدعبدالقادر
20-10-2007, 09:19 AM
..
ذلك الذي تَحْت (1)

..



أحْكي لَكمْ
عنْ موتِه العفويِّ جداً ،
خلْفَ نافذةٍ مُسيَّجةٍ
غياباً لا يزولُ و فوَّهاتٍ للمدى .

***

أحْكي لكُمْ
عن ضِحْكِه المهزوزِ
حينَ يفِرُّ مِنْهُ إليهِ في المرآةِ ،
يَضْحكُ هازِئاً منْ نفْسِهِ ،
و يقولُ للجرْحِ
- الذي أبقاهُ موسًى للحلاقةِ منذُ عامٍ أو يزيدُ بذقْنِهِ - :
"" أخطأتَ جُرْحيَ
لو هبطتَ إلى قليلٍ من دَمي
كنتَ انْتصرتَ .. و كنتُ سميِّتُ الحديدَ بقاتلي
و نجوتَ منِّي خالصاً . ""

***

أحكي لكمْ
عنْ أولِ السرطانِ في رِئتيهِ ،
عن صورِ الأشِعَّةِ ..
بيَّـنَتْ كهْفاً بهِ
- ألقى بها في النيلِ -
عنْ روْشِتَّةٍ
عجزتْ يداهُ عن الرموزِ / عن النقودِ
فخطَّ أنواعَ العلاجِ قصيدةً في ظهْرِها
- ألقى بها في جيبِ أولِ شارعٍ شَبَهٍ لهُ - .

***

أحكي لكمْ
عن صوتِهِ الحوْليِّ
يثْمرُ كلَّ عامٍ رعْشةً
بقراءةِ السُّوَرِ القصيرةِ و الدعاءِ
و آيةٍ : (( قُلْ يا عبادي )) (2)
مُسْرِفٌ ..
لكنْ يحبُّ اللهَ أكثرَ من أبيهِ
و عارفٌ ..
لوْلا القصائدُ و السجائرُ
ما رأتْهُ العينُ إلاّ رَأْيَ غيمٍ صالحٍ .

***

أحكي لكمْ
عن عُزْلةٍ نزلتْ بهِ .
عن خوفهِ - من قلةِ الأشياءِ -
أن ينسى الكلامَ
فقال للجنِّي :
"" زُرْني ..
لا أخافُكَ ، لا تَخَفْ
زُرْني ..
و نادِمْني قليلاً في القراءةِ للمعرِّي
هاتِ لي شِعْراً و خُذْ شِعراً
و بادِلْني الحديثَ ،
ألسْتَ تحْمِلُ هاتفاً ؟
أمْ أنتَ مِثْلي
لا تحبُّ الكهرباءَ و لا الهواتفَ و الرنينَ المعدنيَّ ؟
و كيفَ أنْطِقُ باسْمِكَ المجهولِ
هلْ هوَ هَكذا .. أمْ هكذا ؟
هلْ تحملُ اْسماً
أمْ بطاقاتُ الهويَّةِ حوَّلتْكَ إلى مُجردِ خانةٍ .. مثلي تماماً ؟
هلْ لكُمْ وطنٌ يشمُّ قلوبَكمْ
إن غابَ أصْغرُكمْ
و جِئتُمْ بالدماءِ على قميصٍ كاذبٍ ؟ ""

***

أحكي لكمْ
عن سقفِ حجرتِه الذي سَكَنَتْهُ أشباحُ القبيلةِ
هارباً منهم .. يشدُّ مُلاءَةً
و يعضُّ رُكْبتَه و يهتفُ :
"" لا أحبُّ جنوبَكم
لو زُرْتموني كلَّ عامٍ مرَّةً
كنتُ احْتملتُ بَداوتي
و أدرْتُ ظهري للشمالِ
تركتُ خلْفي شبهةَ الإنسانِ
رجعْتُ لي . ""

***

أحكي لكمْ
عن فَقْدِهِ ،
فَلكمْ أحبَّ و كمْ أصابَ الفقدُ فيهِ حبيبةً
- تِلْكَ التي
- تلكَ التي
- تلك التي
..
..
إلاّ التي تركتْهُ في هذيانِهِ
ليرى بحلْمٍ ما :
"" جِرامافوْنَ بُنْيُّ الإطارِ على الكُمُوْديْنوْ
و كانتْ ( أسْمهانُ ) تبيعُ قهوتَها (3)
إلى فرسانِ أوْرُبَّا
تُغنِّي ..
رغْمَ أنَّ الشَّرْخ في صوتِ الجِرامافوْنِ
يشْبهُ لونَ كرْسيٍّ تآكلتِ القطيفةُ فيهِ
مِنْ صَيفينِ
مِنْ صيفينِ
مِنْ ..... ""
يصْحو ليكتبَ باكياً :

وَ نذرتِني للموتِ أوْفِي ما نذرْتِ
و لتعرفي - رغمَ انْكساري - ما انْتصرْتِ
عن أيِّ شيءٍ قدْ أعاتبُ فيكِ روحي
و أنا الذي اسْتحضرتُ روحاً .. ما حضرْتِ
كلّ الغيابِ عرفْتُهُ يوماً فيوماً
أحَدٌ مُحالٌ .. كمْ لهُ قدمتُ سَبْتي
عمّا قليلٍ لن أرى غيري .. لِشكِّي
فَبِكُلِّ شيءٍ جارحٌ .. حتّى بِصوتي
لِغدٍ بسيطٍ سوفَ أهدي ذكرياتي
و ألمُّ في كفِّ المرايا ما كسرْتِ
و أرى بجُرحي ، أصْدقُ العيْنينِ جرحٌ
أُصغِي لأنْفاسي و قلبي رهْنُ وقتي
...
لَكنَّ فَقْداً ما أصابَ قصيدةَ المسْتفْعلاتنْ تلكَ
فانْتبَذَتْ مكاناً لا يُرَى .

***

أحكي لكمْ
أحكي لكمْ عنِّي
ألا فلتسمعوا
أوْ فاقْرؤوا ما قالَهُ السيَّابُ في ( هرمَ المُغنِّي ) : (4)

"" و لتوهِموهُ بأنَّ من أبدٍ شبابٍ من لحونْ
و هوًى تُرقرقُ مقلتاهُ لهُ ، و ينفخُ منْهُ فوهْ
هوَ مائِتٌ
أفتبخلونَ عليهِ حتى بالحطامِ من الأزاهرِ و الغصونْ
أصغوا إليهِ لتسمعوهْ
يرثي الشبابَ و لا كلامَ سوى نشيجٍ : ( بالعيونْ
سلِّمْ عليَّ إذا مررت ))
أتى و سلَّم .. صدِّقوهْ
هرمَ المُغنِّي .. فارْحموهْ ""


هرمَ الذي .

..
تمتْ
القاهرة
السبت 20 / 10 / 2007



هوامش :

(1) العنوان بتصرف من عنوان رواية ( أولئِك الذين تحت ) للمكسيكي ( ماريانو آتويلا )
(2) ( قلْ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) القرآن الكريم - سورة الزمر الآية 53
(3) أغنيتا ( أسمهان ) : أهوى ، و ليالي الأنس
(4) قصيدة ( هرم المغنّي ) لبدر شاكر السياب

..

علي فريد
20-10-2007, 09:51 AM
الرائع جداً : خالد عبد القادر
أبحث عن اسمك كلما دخلت أفياء
أستطيل غيابك إذا غبت ... فلا تغب
يعجزني الحديث عن شعرك كما يعجز الغواص عن وصف
الدرر في الأعماق .
احتفظت برائعتك ... وهي ليست الأولى التي أحتفظ بها .

عبدالله بيلا
20-10-2007, 01:33 PM
الشاعر المبدع / خالد عبد القادر ..

رائعٌ حدَّ الثمالة ..

تأخرتَ كثيراً .. وتساءلتُ بيني ونفسي عنكَ ..

وعن سبب هذا الغياب الذي طال كثيراً .. ولكن والحمد لله

ها أنت تُشرقُ مرةً أخرى بقصيدةٍ آيةٍ في الجمالِ وابتكارِ اللغاتِ

والمترادفاتِ الشعرية ..

كلما قرأتُ لك أيقنتُ أنَّ الشعرَ لا يزالُ بخير .

أيها الجميلُ جداً ..

بالله عليك لا تحرمنا إشراقةَ شمسك .


ولك تحياتي .

سهيل اليماني
20-10-2007, 01:57 PM
أهلاً بذلك الذي فوق ..
كلما قرأتك اكتشفت تعريفاً للشعر لم أفكر به من قبل ، فأنت هنا الاستثناء الذي يكسر القاعدة ..

**بسنت**
20-10-2007, 02:14 PM
أحكي لكمْ
عن فَقْدِهِ ،
فَلكمْ أحبَّ و كمْ أصابَ الفقدُ فيهِ حبيبةً
- تِلْكَ التي
- تلكَ التي
- تلك التي
خالد عبدالقادر
وشعر ليسَ كالشعر..
كن بحفظ الله..

الغيمة
20-10-2007, 05:37 PM
نقطة خامسة في الهامش!!
نص مختلف..
ومميز..
ومتعب إلى حد الـ....اكتئاب..


أهلاً بذلك الذي فوق ..
كلما قرأتك اكتشفت تعريفاً للشعر لم أفكر به من قبل ، فأنت هنا الاستثناء الذي يكسر القاعدة ..

عفوا أيها الكاتب النثري...
أهلا بك في أفياء أولا..
وثانيا:
هنا فعلا..شعراء استثنائيون يكسر كل استثنائي منهم قاعدة مختلفة..ليعطينا صورة جديدة..تمتعنا أحيانا..وأحيانا تبكينا..
وثالثا:
خالد عبد القادركاتب قصصي في ثوب شاعر..
ورابعا:
شكرا لك أخي خالد عبد القادر..

محمد مصطفى حسين
21-10-2007, 12:52 AM
و أحكي لك عن خائن لم ينلني حق المطالعة الأولى
فقرأت نصه بالمصادفة
انتظر رأيا ً مفصلا ً
تحياتي

المحزون
21-10-2007, 02:24 AM
شكرا لله ربي الذي منحني القدرة على تذوق هذا الشعر الرائع جدا...
متعة ما بعدها متعة..
مريحة جدا قصيدك يا رفيق... دام لك الهناء..
احك لنا عنك كل يوم...
وفي كل يوم ستصعد لل"فوق".. حتى تصير فوق ال"فوق"... و إلا فأمثالك لا يكونون إلا "فوق"..
احترامي الكبير جدا لروحك ...
محبك: عبد اللطيف.

متمكن
21-10-2007, 05:19 AM
من أروع ما قرأت

أنت شاعر برتبة مبدع

دمت بعافية

السنيورة
21-10-2007, 05:57 AM
فريدٌ من نوعك ياخالد

بوركت

الدرة11
21-10-2007, 07:56 PM
هرم المغني فارحموه....( أو فاقتلوه...) راحة الموت...تنشد أمام عبء الحياة...

شاعر مبدع....وتعليق متواضع لعله يجد قبولاً

ماجد راشد
21-10-2007, 11:32 PM
مختلف جداً .. و رائع بصدق

تقبل أصدق و أطهر ودي ..

و اسمح لي بالمكوث هنا طويلاً ..

رياض...
22-10-2007, 01:20 AM
دوختني يا رجل

رائع حد الدهشة

Abeer
22-10-2007, 05:28 AM
احكي لنا ... أكثر !

.

هيثم حجازى
22-10-2007, 05:44 AM
أشعر بأن فيك حزن ..
قادر على قتل الناس جميعا ..
وأن لديك معاني !
هي الناس جميعا !

تيماءالقحطاني
22-10-2007, 06:07 AM
القصيدة هذه بها شيء مختلف، لا أعرف ما هو بالضبط، لكنه رائع جداً.

كان يعجبني شعرك و ها أنا أحبه.

رسالة المساء
22-10-2007, 08:44 AM
-
خرجت من هنا باكية ...
شكرا خالد ,
/

قِصّة
22-10-2007, 09:50 AM
.
الصور الباكية التي تُحبب البكاء إلى نفسك ,, روح السخرية التي يطلقها فم الألم فتتلقفها الأعين نكاية به ,, الشعر بجميع محاسنه..
محطات يعبرها القارئ هنا ..

سِرّ
22-10-2007, 10:17 PM
إلاّ التي تركتْهُ في هذيانِهِ ..

عناد القيصر
27-10-2007, 08:02 PM
و يقولُ للجرْحِ
- الذي أبقاهُ موسًى للحلاقةِ منذُ عامٍ أو يزيدُ بذقْنِهِ - :
"" أخطأتَ جُرْحيَ
لو هبطتَ إلى قليلٍ من دَمي
كنتَ انْتصرتَ .. و كنتُ سميِّتُ الحديدَ بقاتلي
و نجوتَ منِّي خالصاً . ""

قرأتها حد الثمالة ,
هنا كان المرور مختلفاً.

أسعدك الله

هند جودة
29-10-2007, 07:17 PM
ما أشد حاجتنا
لماء شعرك حتى نرتوي

رائع ومختلف

أشكر الساخر الذي عرفني بهذا الإبداع

ماء
06-12-2007, 05:37 PM
قرأت هذه أكثر من مرة
واحتفظت بها قبل فترة طويلة
وقرأتها .. فعاودتني ذكرى جدي الذي توفي قريباً
وهأنذا أعود لأسجل دهشتي بحضور شاعر مثلكم هنا
وفقكم الله
.. هكذا نبدع ! ..
واسمح لي بأن أحتفظ بملفك الشخصيّ :rose:

:62d:

ღشِهابْღ
08-12-2007, 12:20 AM
و
اسمح لي بأن أحتفظ بملفك الشخصيّ
وأنا كذلك,أرى أن الجماعات ببابك شاكرة ولا أرى منكم عفو
عفواً لعيون متابعيك ومعجبيك ومحبي شعرك.
ليحفظك الله

طـــه
30-12-2007, 02:08 AM
اخي العزيز جدا خالد..

متابع انا لك منذ فتره .. وارى ان هذه القصيده هي انضج ما كتبت ..

دمت مبدعا .. امتعتنا والله a*

عاشق المعنى
30-12-2007, 04:53 AM
أنت جميل فى الكلمات والمعانى و رقيق فى الأحساس
بارك الله فيك وفى قلمك