PDA

View Full Version : لا مكان كالديار........................



صائد الفرائس
31-10-2007, 09:39 PM
لا مكان كالديار

الأبيض قاحل , في ذلك الوقت بين الظهر والعصر تكون صنعاء بيضاء تماماً , في ضوء الشمس كل شيء واضح محدد , ولا يوحي بشيء ..
في الأبيض لا أقدر أن أبدع شيئاً , ولكي تستيقظ القوى الكامنة في أعماق الروح لابد من غموض ما , مثلاً اللون القمري حين تفيض الجبال بالظلال و(تسيح) حدود الأشياء أتخيل فيه وأنا في شارع الموت شجرة السرو امرأة كأمي تلبس عباءة سوداء وتحاول ضمي إليها ..
ذلك الشارع لم أكن لأذهبَ إليه إلا عندما تضيق بي الضوائق وتعصف بي العواصف من قيل أهل الأرض وقالهم , وتكالبهم وتناحرهم ، وشهواتهم ونزواتهم .. فأرفع كفيَّ وأنا في الديار بين فسيفسائية من الأجداث واقفاً نحو السماء ومطأطئا برأسي ، بعد أن أكون قد قرأت على أولئك الهانئين والمبعدين عن منغصات الدنيا وشهواتها وحقارتها سورة الفاتحة ودعاء زيارة الديار ...
أرفع يدي متضرعاً ومناجياً إلهي ومتوسلاً إياه أن يرحم في الدنيا غربتي ، وعند الموت مصرعي ، وأن يغسلني من خطاياي ويطهرني من ذنوبي التي اقترفتها والتي لم أقترفها ، وأن لا يُسلِّطَ عليَّ بها من لا يخافه ولا يرحمني، وأن يقيل عثرتي، وأن ينصفني من بني زمني ..
حينها وحين يكاد زيت سراجي قد أوشك على النضوب ، وإعصار شكوكي يكاد يبتلعني ولايبرحُ يساورني في قدرتي على السير حتى النهاية في ذلك الطريق طريق المحبة الذي كنت أسير فيه ..
أجل .. إني لأعرف وأعرف جيداً ياربي أني كنت سائراً فيه ، ولكنني لم أعد أعرف أين أنا منهُ الآن ، فالظلمات الحالكات تزحف عليَّ ، ونور سراجي تساورهُ فكرة أن يُسلِّم الروح ..
حينها فقط ..
في ذلك الشارع شارع الموت وسط الديار وبعد أن أضعت بوصلة قافلتي في زحمة الحياة .. وبعد أن خذلني رفاقي واليأس أراه متفشياً في مسامات عزيمتي في تلك اللحظة بين فسيفسائية الأجداث وسط الديار في ذاك الشارع شارع الموت .. تُعلنُ ولادة طفل جديد .. ولا ألبث أن أحس بذات اللحظة .. لحظة انتهائي من تضرعي ولم تبرح كفيَّ مرفوعة لم تنزل بعد لا ألبث أن أحس يداً حنوناً تربِّتُ كتفي ، وأخرى تملأ سراجي زيتاً ، وأخرى تلملم أشلاء إرادتي المتناثرة بين تُريهات سباسب الهموم ..، وإذا بنوره يتجدد ويمتد متألقاً ، ولا تفتأ عينيَّ تبصر آثار أقدام هُنا وهناك .. فتستأنسُ روحي ، وتتجدد عزيمتي وتشتدَّ ، وأُدرك أنني لست وحدي في الطريق ، وأن رفاقاً سبقوني ، لن ينسوني ويهملوني .. فيعود حينئذ قلبي طافحاً بنعمة الحب والمحبّة وتعود روحي تغني .. وأيُقنُ أن لامكان كالديار ، حتى متى ما آ ذنت شمس بالغروب صفقت لها جوارحي ، ولا أبرح متيقناً أن غروبها سيكون شروقاً ..

هايل علي