PDA

View Full Version : قدسية الكلمة



جومانا طاهر
10-11-2007, 09:48 AM
من رحم العتمة قد تنبت الكلمة...من عتمة الليل الكالح قد تستيقظ الفكرة...
كلمات لا تقوى على الإنحباس داخلك ولا تستطيع ان تقاوم الحرية...حروف مبعثرة في انحاء الذاكرة تركض بك الى اتجاهات النور الموجودة في دهاليز عقلك...تسابق نفسها لترحل منك وتحملك على اجنِحتها لتملأ اوراقك بأبجدية مختلفة ومنفردة...لا تشبه إلا نفسها ولا تعرف إلا كاتبها...
هي افكارك انت فقط من تولد من بين اصابعك...هي عصافيرك انت من تحمل ريشها لتمتص كل مداد المحابر وتنتظرك على اوراق اغصانك...تخبىء نفسها عن العيون حتى لا تُرهبها النظرات...وتخبىء اعشاشها عن البشر حتى لا تقتلها بنادق الصيادين .. وحتى لا تفتن عليها عيونهم والسنتهم وجهالتهم...
هناكَ...في زوايا ذاكرتك الكثير من الكلام والكثير من الحروف الغير مترابطة...والغير واضحة المعالم...لكنها تلهمك.
ربما هذا ما يحرض حبرك الى تشكيل الجمل وحل الرموز العالقة في دماغك وبعثرة الكلمات على الورق في كتابة عادية قد تكون او مميزة ...لكنها حتما يجب ان تكون كتابة محترمة وراقية ومقدسة...
نعم...فحتى الكتابة لها إحترامها...حتى الكلمات لها قُدسيتها...حتى الحروف لها خصوصيتها...

عندما نكتب ...ننسى انفسنا ونبعثر حروفنا يميناً وشمالاً ...صعوداً ونزولاً...مدحاً او ذماً....إنكساراً او انتصاراً..
نتنقل بين المفردات كالفراشات الطائرة فوق الورود في حقل الورق...ونتبعثر بافكارنا تارةً عن الحب وطوراً عن الكراهية...احياناً عن الالم..واحياناً اخرى عن الفرح...
لا رقيبٍ يقول لنا قِف هنا ولا تتكلم..ولا حسيبٍ يقول لنا ما انت قائل...كل شيءٍ مُباح ... صراحةٌ تأخذنا الى عمق الموضوع، وغموضٌ يلٍف الفكرة بألف معنى ومعنى ....عِبرة تنقلنا الى الماضي، وفِكرة متطورة تسافر بنا الى ارض المستقبل...لا جلاد يراقبنا ولا مسؤول يرهبنا...او يردعنا او حتى يعاقبنا.

ولكن...
هناك ... في اعماقنا... يقف احترام القلم شاهدُ عيان على كلِماتنا... وعلى حروفنا وعلى تعابيرنا...
نراه واقفاً كالمارد بيننا وبين انحطاط مستوى افكارنا... رافضاً اسلوبنا المبتذل في كتاباتنا...متمرداً على رأينا وقرارنا...معارضاً أي هبوط في اراءنا ...او أي تدني في منطقنا.

ربما لاننا لا نكتب لأنفسنا ...ربما لاننا نكتب لكل البشر ونخاطب عقول كل الناس ...ربما لان الكتابة هي رسالة مقدسة وليست مجرد هواية او خربشة حبر...نجد إحترامها واجباً... نعرف بأن لها حقوقاً علينا، وبأننا لا نستطيع ان نتكلم إلا بشروطها وقوانينها وابجديتها...
ربما لان الكلمة هي سفيرتنا الى الحياة وسفيرتنا الى المعرفة والى التواصل...ربما لانها الطريق الذي نصل به الى الاذهان...او ربما لانها هي التي تميز فِكرنا عن أي فكرٍ اخر...ربما لاجل كل هذا...نرى قُدسيتها تطغى علينا ونحن نخط حروفها...نشعر برهبتها ونحن نكتبها على الورق...وكأنها تخاف من تهورنا ان يقودها الى الهاوية بدلا من يرتقي بها سلالم المجد والخلود فترغم نفسها على الوقوف رقيبٌ فوق إنحناء رؤوسنا...تُراقب خطوات اصابِعنا على الورق ونحن نخطُ ما نكتب لتعرف بأننا لن نهبط بها الى اعماق الارض ولن نسمح لها بالزوال او بالنسيان، بل سنصعد بمعانيها ومفرداتها الى قمة العقول والقلوب...ونمنحها بريقا لا ينطفىء مع مرور الزمن.
حتماً ويقيناً،،، الكلمة الحرة قد تصل الى العقل مباشرة وربما ايضا الى القلب، ولكنها إن كانت كلمة مبتذلة فهي ستسقط من الذاكرة بنفس اللحظة التي دخلت منها وستبتعد عن مسار القلب اميالاً...ليس لانها غير جميلة المعنىاو الشكل، وليس لانها غير مألوفة، بل لأن الإبتذال يُفقِدها بريقها ورونقها وجمالها...وربما ايضا يفقدها حريتها.
ربما لاجل كل هذا...نحن لا نستطيع ان نكتب إلا مع إحترام كبير للكلمة ...إلا مع تقدير كبير للحروف ... إلا مع عشق دائم وابدي للقلم....
ربما لإنك لا تريد ولن تقبل لعصافير حبرك ان تحمل تأشيرة دخول لتجتاح اذهان من حولك...بل تريدها ان تمشي بكل غطرستها وعنفوانها على الاوراق متأكدة من جاذبيتها ومن مكانتها...ومن بريقها.
ربما لاجل كل هذا ...انت لا نستطيع ان تكتب إلا مع رُقي وصدق...وحرية.


جومانا