PDA

View Full Version : (جولة) في أعماق رجل (شرّاني)!



محمد إبراهيم
12-11-2007, 10:59 PM
حُبًّا وكَرَامَة:

الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله الذي آمنّا به وصدّقناه, وعلى صحابته الذين أقرت بهم عيناه , وآله الأشراف خير نسب علمناه ..وشرّفنا اللهم بصحبته يوم القيامة ما إن لقيناه , وسددنا على خطاه في حياتنا ونوله فينا مناه ... أما بعد:
فاللهم إني أسألك الخلاص من الإشراك بك وحسن التوجه إليك , وكمال التوكل عليك , ودوام التعلّق بك ويسرلي الخير واقدره لي يا عالم الغيب والشهادة , تعلم ولا نعلم , سبحانك أنت علام الغيــوب.

في الفلق المنير والصبح الأبلج والشمس بادية غير مستترة ولا حانية بل مزمجرة وحامية والسحاب مشتت من حولها لا يحجبها الغمام , أحس على ذاك عند سيري في جوانح النفس أني في ظلّ ليل داج وجو قاتم يكاد يكتم الأنفاس , يطرد القادمين سريعا ويضيق بهم ذرعا, ما أدري ! يخاف أن يُكشف سر أو يهتك ستر فالمكان كله أستار وسجف , هناك أغلال وقيود وأسلاك شائكة , هناك أسرى ومقهورون , هناك كائنات صغيرة قد انزوت وضمّت يديها على ركبتيها إلى صدرها وظلّت ترتجف, وأخرى ضخمة تفزع المارة ! هناك أماكن جميلة على كل هذا مضاءة رغم الظلام يشعر المرء فيها بالأمان والطمأنينة ويود ألا يخرج !...كلّ هذا بإذن الله آتي عليه بالذكر والتفصيل وربما رغبت إلى الإيجاز إذا لسعتني أشواك الأسلاك فبعض المناطق محظور ولا نحصل منه إلا على بعض المنى ! .

المحطة الأولى ...إلى الشـَّـمال

مدهشة تلك المدينة الشمالية المحاطة كلها بالزجاج العاكس فلا تكاد تبصر من خلفها رسما ولا علما سوى بعضٍ من رؤس الأبراج العالية التي قفزت فوق الأسوار ...
التذكرة كان مكتوب عليها من الخلف: (تحذير هامّ )
"لا يُسمح بلمس الزجاج حفاظا على الرونق ".
الباب أمامنا الآن والطريق خال إلا من بعض القادمين معنا وهم قليل .لم يسمح بدخول أغلبهم لعدم اقتناع الحرّاس بأسباب مجيئهم ! فكما يُعلم أن المدينة يسكن بها علية القوم ودخول غريب بلا سبب يستحق سيكون مدعاة للمشاكل وكشف ستور الشخصيات البراقة .
ولكننا مانزال معلّقين هنا ننتظر حكم الحرس ...وسندخل بإذن القدير.

في القلعة /.

دخلنا ..لست أدري فربما هي المرة الأولى التي أحس فيها أن بوجهي بقية من نضرة النعيم الذي يحياه القوم هنا, وكنت أحسبني كريه المنظره!
ودقات الوجل تتسارع بداخلي وأنا على وشك تلمّس الخطر , أحاول ضبط أعصابي وأحاول التنفس بشكل طبيعي ... والحقيقة أنني أفشل في هذا بعض الشيء ..

سأقول لكم مفاجأة ,
لقد بدأت كتابة هذا الموضوع منذ شهر تقريبا وهدفه كان شخصيا بحتا بمعنى أنني كتبته لي , أجول في أعماقي وأبحث عني ..من أنا؟
ولم أكن أريد الجواب الذي يستخرجونه من شهادات الميلاد , ولكن حقا أدركت حاجتي لمعرفتي بالتفصيل , ولم أنجح طوال ذلك الشهر في اكتشاف المارد النفسي الخبيث الذي يقف وراء الأخطاء المتكررة , إلا أنه بعد عزمي على صرف النظر عن هذا الإمعان الصعب قررت فجأة أن أعاود التركيز لبدء العلاج , ولاحظت إلى الآن أنني محكوم نسبيا بموسادٍ ضخم من المردة ......
ليس من السهل أن أحكم على أفعالي بالصلاح منذ الآن.
الآن ربما لا يعرفني منكم أحد , لذا لن أتردد في عرض هذه التجربة عليكم لتفكروا جميعا في هذا الإنتحار.

حطام الصبر
حطام الصبر ...آه كم يصعب عليّ هذا التعبير , ولكنه عهد الحقيقة , فالخفاء أمرّ
حطام الصبر .. في الليل الذي بدا بعد عمرانه مهجور, في ورد الكتاب الذي بدا أمرا غير ميسور!... في ماذا ؟
في الأذكار ...أذكار النوم التي صرت أنام دونها وكانت دفئي يوما!
أذكار طرفي النهار ...التي صرت أمرّها سريعا سريعا , مرّ المتعجّل ...ومتعجل لأي شيء ؟ للهراء!
حطام الصبر في السنن الرواتب التي يوما تكتمل ودهرا لا !
في صلاة الضحى , في ...وفي !
لقد كنت يوما صالحا!
اليوم يا ليت الأمور تقف , ولكن ليس هناك ما هو متوقف سوى إدراكي للأمور!
لفترة ليست بالقصيرة , وغفوة ليست بالخفيفة ..يصعب أن أطلق عليها غفوة ولا حتى رقدة ...قل (غيبوبة ) (موتة )ربما هو أفصح !
حطام الصبر .. حطام يصعب عليّ وصف قطعه الثمينة التي يتمتع الأعداء بإلقاء نظرة عليها ليعرفوا حينها فقط حجم الفداحة التي أوقعوها .
حطام الصبر ..في ماذا؟
في الحرام الذي بدا أسهل كثيرا من ذي قبل
في التوبات والتوبات , والبكاءات التي صار مفعولها أقل من ربع ساعة ...
في العهود التي كثرت والوفاء الذي عزّ
يا للحسرات التي بدا مفعولها أقل من أن يمحو خبث ذنب واحد ...لم يعد ذنبا واحدا ...أعترف ..
الخوف من الله ...أين الخوف من الله ؟
طيف يمر بي للحظات لا يجد له مستقرا ولا وعاء ...لا مكان ..! رباه , بأيّ شيء أمتليء؟...هل بحبك هل بخوفك هل برجاءك؟!
هل أمتليء بحبك فأتقطع شوقا إليك أعمل لأرضيك ولا أنساك؟
هل أمتليء بخوفك ولا أعصيك ....؟
هل أمتليء رجاءً فيك فأحسن العمل ؟!
المرارة تعصرني وأنا لا جد جوابا يقنعني في هذه اللحظة من الصراحة سوى....
لقد تحطمت الآن سأكتب ما قد يقضي عليّ غدا ...إن كان هناك غد بإذن الله.

محمد إبراهيم
19-11-2007, 11:17 PM
لست مرتاحا:

صرت كلما استغلقت مشاعري وضاق صدري فقط حينها أشعر بالحاجة لركعتين , كنت أحس بحاجتي لها في كل حين , كنت أقبل عليها بحب وأتأمّل في عبوديتي وخضوعي , الآن أتأمّل فيها مدى التناقض الذي عشته قبلها والتناقض الآخر الذي أوقن أني سأخرج إليه بعد التسليمة الثانية وربما الأولى!
لست مرتاحا ...
حالة الضيق التي طالما نسيتها حتى خلت الآخرين الذين يتحدثون عن الطفش يتكلمون في خيالات, الآن أحياها بشكل غريب! صرت مثلهم أتحدث عن الذهاب للمصائف , أحب أن أخرج لغرض التمشيه التي كنت أحتقرها كثيرا وأقول يالهوان الوقت على هؤلاء المتمشيين !صرت مثلهم أمشي أنا ونعلي وعقلي في مرتبة واحدة , ومنكرات تتراكم في القلب وتلتصق بالذهن تماما كالتصاق الوسخ بقعر نعلي!
لست مرتاحا..
أحسها في قيامي للفرائض ...وكنت _ويالها من أداة تتعسني_ أحسها حين أفرط في أدق المستحبات ! وعادت صداقتي للسرير بعد عداوة , وصرت أنصره ظالما وظالما _فلا أذكر أني وضعته يوما في موقف المظاليم!_ ..
لست مرتاحا...
فما عدت أسوس الوقت وأضبطه , بل صار كلّ شيء يضبطني على مايراه
حتى عاودني أحيانا هذا السؤال السحيق الذي كنت _.._ أعتبره عارا من قبل : هل لدي مراد شخصي أسعى من أجله؟
لست مرتاحا..
أشعر الآن بالعتمة النفسية , والإختناق الرهيب ...! حتى أني صرت أذرف دموعي لا أدري لماذا ؟ يصعب عليّ أن أراني هكذا كقطعة مهترئة ملقاة على قارعة الزمان ...
على ذكر الزمان... الزمان الذي كنت أحسبه جامدا وهو يمرّ مرّ السحاب, أظنه يلعنني الآن فليس يشتمّ مني إلا عرق النوم ..!
أظنك تبح صوتك في ندائي كل يوم : أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد ... خذ مني فإني لا أعود ...ما أزهدني , ويالزهدي الأحمق !.
لست مرتاحا ...
بوح يلمع في كل حرف منه بريق القطرات المتتابعة على الخد الذي لفحت به عاصفة البؤس العقيم , فلم تذره إلا رميما من التصدّعات التي لولا جلدي الجميل المغطى بطبقة من الشعر الخشن لأعلنت للعالمين حقيقتي , وياليت الناس تفهم وقتها أنني لحنانهم أحوج مني لشماتتهم !...
ولعل من حكمة الله في سترنا أنه يعلم أن الناس يشمتون ولا يرحمون ويشفقون , كلهم يرى فخاره في نقص غيره !
تقلّبت في ستره كثيرا والآن أعلن توبتي ....
ثرثرت كثيرا اليوم , أشعر بالتعب لكنني لن أعاود السرير , بل سأقوم لأركع ركعتين.