PDA

View Full Version : استعارة الفقد



محمد مدحت اسعد
15-11-2007, 08:46 PM
استعارة الفقد وسيرة البياض



وسائد حجرية





محمد مدحت أسعد

احتفاءً بالغياب المنسجم والمحتجب إلى حد القطيعة والعدم، تتحرك اللغة بملفوظها النصي – إشارة إلى ما يجمله المضمون وهذا يأتي تاليًا- ومؤشرها الإعلامي – وسائد حجرية- الحاضر دائمًا، خارج الذوات، والمنفرط على رموز، ارتقت بفعل سرية الكتابة.

ومن القول المنكسر إلى الخلق المستعر، ذلك أن:

منطوق القول في المؤشر الإعلامي لمجموعة مازن دويكات- وسائد حجرية- إشارة تحتفي باستعارة الفقد وسيرة البياض، إضافة إلى تسييج الزمن في حقل محدد ومؤطر.

هل عدنا إلى دائرة الهرمنيوطيقا وحيز التأويل، وقطعًا هذا ما لا نريده، لأننا دخلنا في فضفضة القول.

وما نريده، أو نطمح إلى تأويله ومداعبته، ثقل هذا المؤشر الإعلامي، وخفة حركته، ونقلنا مجازيًّا إلى منطوقه، ومن ثم لعبة الهرولة في القول، وكأنه الحجر القلق، الكوة التي منها ندلف إلى عناوين القصائد المؤشرة، دون استثناء، بالاسم العلم- ولننحرف قليلاً- إزاحة مستترة لقول مختلف، يرصد البعد الاختلاقي ويحمل الانكسار الخائب وبذرة التوقف مرة أخرى عند حوافه.

من برد الحجر إلى برودة النظر، -إلى يا ليت الفتى حجر- صرخة تميم بن مقبل في صحراء القنوط إلى – أنا الميتم والدي حجر وأمي سنبلة- قول لم يقله علي فودة.

كل ذلك: هذا العقم العدمي، من خلاله نقرأ خصوبة الأسئلة التي تنزلق لتفتح لنا إدراكًا واسعًا بمجمل القول الشعري للشاعر في هذا العمل.

ما القيمة الاستعارية البينة التي يزفها المؤشر الإعلامي – وسائد حجرية-؟

وما حيز اللغة وكثافتها التي من الممكن أن ينفرط انفتاحها أمام الأدوات الإجرائية التي كونتها وحوزتها القراءات المتعاقبة والمتوثبة دائمًا لاصطياد كل ما هو غائب ومقول ولم يكتب/ وسائد حجرية بما تحمله من جمود متطرف ونبض ساكن، هي غيمة ماطرة، حبلى بالإرث الثقافي المتعدد والمتنوع، بدءًا بما خطه امرؤ القيس وبصمات الأسلاف، وما أنتجه غيارى الأجداد، الذين حملوا سيزيف وصخرته وأثبتوها تحت خاصرتهم، أو هؤلأ الذين عبروا إلى جنة الشاعر ونقشوا فيها أصابعهم الشعرية، وارتسموا القول الذي لم يكتبوه، بل قاله وكتبه بالنيابة عنهم- شاعر عاش في الألفية الثالثة بعد الميلاد- شاعرٌ كان كريمًا للغاية- لم يترك لنفسه وسادة واحدة، وجل ما تركه على خفر واستحياء، اسمه المؤطر على الغلاف، ومعتليا سقف المؤشر الإعلامي.

ومنه، المؤشر الإعلامي المنتفخ، والساطع إلى مؤشرات منطفئة، دالات مساندة تلتقط جذور المؤشر الإعلامي الأول وترفده من حيث اندغامها مع النصوص وتسمح بترابطات المعنى.

-وأرش فوق وسائد الأحجار لازوردة

- ومن هذا البياض

- حسين البرغوثي

- مدى... إلي وسادتي الحجرية الخضراء

- ناجي العلي

- هي لغفوتي: الوسادة، حجرية خضراء- عبد الرحيم محمود –

ربما أخرج الأن من حجر في أقاصي التلال – أمل دنقل-

-ياليت بإمكاني أن أنهض من هذا

للحد لكن الكفن الأبيض لم يتفتق بعد

بدر شاكر السياب أصعد من حجر

وسادة مدت إليه حريرها الحجري في الدار الصغيرة – طاغور-

وقبل أن أنخرط في مراوحة القراءة المتأنية، لا بد من التوقف أمام جملة محورية، طاردة عن المركز الغائر، الذي تتمحور حوله حزمة القصائد الملوحة بحجريتها. هذه الجملة وبما تملك من إمكانية الوشائج – نلحظها- كواحدة تأخذ قسطًا وفيرًا، على مدار المتن الشعري كله، وتفتح لنا وعيًا فوقيًّا مدركًا:

بعيدًا عن القمتين

فمن سيعلمنا...

أن نمارس طقس الصعود

هل هي نزع للحقيقة المرة والمؤكدة التي نعاني منها؟

وترسم أبعادًا ذات دلالات موحيه ومعبرة عن العمق الإنساني، كخصيصة نسقية، تلاحظ كمحور مركزي ينأى بهامشه في كثير من الأعمال الشعرية، حيث أن نداءها الاستفهامي المضمر...نسيجًا للسلب والانكسار.

وإذا كان السؤال الجوهري شرطه فقدان التعلم، فهو يشير إلى الذي لا نلتفت إليه دائمًا، إنما ننطلق منه – ألسنا في القاع كمعادل للأنا الشعرية، ما دمنا نتعلم بعد التدرج في طقوس الصعود!!

ألا تمنحنا- - نحن- الملامسون لبعدها الدلالي استئناسًا واستشعارًا بهاجس الضيق والفراغ والمراوحة في المكان؟

ألا تتيح لنا أن نقترب بحذر بالغ إلى الإقصاء الدلالي والهامش اللذين يشكلان لفتة القارئ إلى ما يرسله المؤشر الإعلامي من اشتغال بالتأجيل، وكأنه سؤال محذوف الإجابة – بتعبير بارت- نعمل على أن يبقى مشحونًا بالحذر، ويقطع كل إمكانية الذهاب في أفق معانية، والقبض على اتصالات دواله.

هل ماهية السؤال الاستفهامي، هي المحفز لإعادة قراءة هؤلاء من جديد، الذين هجروا قوافيهم وزمنهم، ليتجاوزوا الأخير معرفة!

سؤال ملفت للنظر، يلتفت إلى نفسه أولاً، كونه يقرع عمق المؤشر الإعلامي- وسائد حجرية- بصمت دال، لأن الصورة الأخيرة رسمت عنده.

الآن اهبطي أو نحن نصعد، نلتقي في شرفة الما بين

في الأعلى وميض عابث

وهنا تراب لاهث

هزي جناحك

ربما تصلين قبل العرس في قانا الجليل

لا ماء يرشح في جراري الطين، فانتظري قليلاً

سيجيء من أقصى الجنوب يبارك الأحجار يجعلها سبيلاً

اني أحس دبيب خطوته يوشوش في ثراي

بهذا الرسم الكتابي تتمثل صورة المؤشر الإعلامي، فخطاب الذات قلق، يلامس بواطن الشك- أو- ربما) وبما تحمله من بيئية" وسطية إشارة إلى اللامكان- تعبير يرتقي إلى صوفية المطلق أو المكان إشارة إلى "اللا إثم". وبقدر ما تحمل اللغة من مفازات الشك فإنها كذلك تستثمر تبيضًا مدهشًا في امتلاكها لنواصي الإطلاق النبوي الذي يرتفع إلى قداسة النبوة "يبارك الأحجار ويجعلها سبيلاً" كمثال اختلاف "سيجيء من أقصى الجنوب.."

أو ليس هذا باعثًا على تناص مخالف، قراءة أخرى مقابلة لأهل دورشليم (القدس) جنوبًا وهم ينتظرون بلحظة قدوم السيد المسيح عليه السلام، من الناصرة شمالاً" للتطهير والتعميد.

الذات القائلة غارقة في برودة القاع، ولغة تنحني بين الكتابة البيضاء الملونة بالشك، وبين ما هو محتف بقداسته وهذا القول يحيلنا إلى جملة سابقة، منها، دلفنا لرصد كل مقول لم يكتب

ومن هذا البياض:

رى الهزيمة تحتمي بذبالة البدن

لا ضوء في الطرقات الا ما يشع

من انتصار الروح في الجسد النحيل.

وسائد حجرية: مازن دويكات دار أوغاريت للنشر- القدس – ط1999