PDA

View Full Version : يتحولون إلى احصنة بعد موتهم ..



صائد الفرائس
08-12-2007, 04:38 AM
كأني بالعقارب جثت فوق كثبان الزمن، ولا غرو إن زعمت أن أطول يومٍ في حياتي هو ذلك اليوم كمّاً وكيفا..
فما كنت أكاد أخرج من موضوع أو ذكرى أو موقف حتى يتلقفني غيره ككرات مهرج السرك، فبمجرد شعوري بشيء من الهدوء غشى على المحفل ولكأني بها هدنة بين الهدوء والصخب، حتى دخلت في موضوع وذكريات أخرى..
التفتُ نحو الجهة الأخرى في المحفل الذي كان جلوسي في منتصفه فرأيت كتاباً على الطاولة التي كانت على مقربةٍ مني، ذكرتني صورة الغلاف بحديثي مع إقبال قبل ان نصل إلى المحفل بعد نزولنا من الحافلة والتي كانت بدايته مني على ما أتذكر..
- إقبال يبدو أن الطريق ما يزال طويلاً..
- لا تهتم فلم يتبق إلا القليل ولكن ما رأيك لو تحدثنا حول أي موضوع ريثما ننسى ملل الطريق فربما بالكلام وحده نطرد كل هذا ..
- لا مانع لديّ إقبال ولكن ما الذي يمكننا التحدث فيه، ألديك موضوعاً بعينه أم تريد الكلام ارتجالاً أي يفتح بعضه بعضاً..
- فليكن .. ولكن ابدأ بالحديث أنت يا إقبال..
- نعم سأبدأ ولكن امنحني فرصةً للتفكير..
وقبل أن يشرع إقبال بالكلام وهو يعتصر فكراً محاولاً خلق فكرة أو استحضارها إلى حلبة الذهن، مددت يدي إلى أزرة قميصي التي على معصمي وأخذت أفككها ثم شمرت عن ساعديّ..
ندّ عن فعلي هذا إلهام إقبال فكرة أخرى غير التي كانت تدور بخلده ولم يبح بها بعد..
كان فعلي بمثابة مغير لمجرى الأفكار، فبمجرد أن رأى ساعديّ استرسل سائلاً بلهفة وتعجب، وقد كان جلياً كيف أنه سحب من طرف لسانه ما رام قوله واستحضره في ذهنه وكان على طرف لسانه:
- ما هذه الكثافة في شعر ساعديك، وهل كل أجزاء جسمك ككثافة ساعديك..
- قل ما شاء الله يا رجل فالعين حق..
- ما شاء الله وسبحان الله وتبارك الله، لا تخف إحسان فعيني باردة..
- ولكن ما تفسيرك لهذه الكثافة..؟!
- في الحقيقة أنها تعني لي أشياء كثيرة، هل سمعت قول البردوني:
من كل ثقبٍ يوغلون بداخلي
وبرغم إتلافي أُحرِّقُ متلفي
- وما الرابط..
- على رسلك يا رجل
أتعرف قصة شمشون ودليلة؟!
- نعم ولكن ليس معرفة تامة كما تظن
- إذن دعني أقول ..
- لك ذلك وكلي أذان صاغية..
- كان شمشون مفتوناً بتلك القوة الجبارة التي يمتلكها ولم يبح بسرها لأحد، ما حار في أمره أعداءه، وما كان منهم إلا اللجوء إلى الحيلة، فأبرموا اتفاقاً وحبيبته دليله، فأخذت تلح عليه إلا أن يخبرها بسره، وبلا اكتراث وبكل ثقة مطلقة أفشى لها بسره والذي هو الشعر الذي على ساعديه، و ما كان منها إلا أن أخذت مقصاً وقد تأكدت من كونه يغط في سبات عميق وراحت تقص شعر ساعديه سر قوته، ولكم كان بائساً حين أفاق من سباته وقد ألفى جُلَّ قواه قد خارت بما كان من دليله وأعداءه، كما لم يجد نفسه إلا مكبلاً بالأغلال يسوقه أعداءه إلى الأسر، ولكن المفاجأة التي لم يحسب لها الأعداء حساباً هي أن شعر ساعدي شمشون عاد ينمو من جديد وهو في سجنه كما عادت إليه قواه التي خارت قبلا وحين أخرجوه من سجنه وجعلوا يسوقونه إلى المعبد لمحاكمته وقتله أيقن بهلاكه واكتشف خديعة أعداءه وحبيبته له قال قولته المشهورة "عليّ وعلى أعدائي" وهدم المعبد على رأسه ورؤوسهم..
ويمكنك الآن أن تعرف أن قول الشاعر:
" من كل ثقبٍ يوغلون بداخلي
وبرغم إتلافي أحرِّق مُتلفي"
ما هو إلا من باب استعارة الهياكل أو التناص التاريخي وتوظيف لأسطورة شمشون فيه، والرابط بين هذا وذاك وبين ما سألتني عنه هو أن هذه الكثافة في الشعر عندي هي سر قوتي ولكن ليس الجسدية وإنما العقلية والروحية لا أعني أن ضعيف جسدياً فلا غرو في أن قوة الجسد ليست بمعزل عن قوة الروح..
ما كدتُ أتم كلامي لإقبال الذي كانت الغرابة والتعجب تلبسان مجمل ملامحه حتى انتابته بعدها فجأةً نوبة من الضحك حتى بدا الدمع متفجراً من بين عينيه وسائحاً على وجنتيه..
أهم ما جعلني أتذكر حديثي مع إقبال في الطريق من صورة غلاف الكتاب الذي كان على الطاولة أمامي حيث كان ذا دلالة كبيرة وخصوصاً السهل الأخضر، فمرحلة السهل تمثل تصور سكان بلاد ما بين النهرين لعملية ولادة وطفولة وبلوغ الكائن البشري..
فالتشابه بين مرحلة السهل وبين مرحلة الولادة والبدايات الأولى للتعليم البشري هو تشابه واضح، فالسهل بما يوفره من حرية الحركة وعذرية الطبيعة، وعلاقته المباشرة بالسماء، هي حالة تشابه الحالة الفطرية التي يتحدث عنها ج.ديميزيل حيث يعتبر أن الكائن المعد لأن يصبح بطلاً – يلد بزوائد وحشية.
وهذا ينطبق على شمشون وعلى أنكيدوا بشعر جسديهما الكث وشكلهما المخيف ومظهرهما الأقرب إلى منظر الوحوش، وهو مظهر سيتحول بالنسبة لأنكيدو إلى مظهر إنساني والمثال على ذلك التحول الذي أصاب حياة أنكيدو وشكله بعد مصاحبة البغي والرعاة بعد انتقاله إلى مدينة أوروك..
أنكيدوا الذي حبلت به السماء وتمت ولادته على يد نينورتا في السهل لم يدخل الشكل الإنساني إلا بعد فترة من الترويض ومن هنا كان السهل يشكل أحد أبواب المدينة..
وحال أنكيدوا قريبٌ جداً من حال شمشون على ما أعتقد لا لشيء إلا لتشابهما في تلك الزوائد والتي تسمى وحشية.
أما بقية الصورة على الغلاف فأهم ما هو بارز منها هو الخيول الخارجة من البحر والمبحرة ضد التيار، وهذه الصورة جسدت إحدى الأساطير التي تقول أن الفرسان والأبطال عندما يموتون يعودون على هيئة حصان، وكل من ملك الحصان فإنه كفيل بحمايته..
أشك كثيراً في حقيقة ذلك لكن لو وافقناه مجازاً وأسقطناه على العصر بمتغيراته، فإن زمن الفرسان قد أنقضى وما عاد غير المبدعين والخيول المجازية، وكل مبدع وفنان أمتلك ناصية أي خيل مجازاً فإنه – أي الحصان – كفيل بحمايته وإرشاده بحسب فن من يمتلك الحصان..
وبكلام أدق أن كل مبدع آتٍ وكل حصان مجازاً سيتكفل بحمايته وتوجيهه وتعليمه عن طريق اقتفاء أثره واحتذاء نهجه في العلم والمعرفة بالمحاكاة والمعارضة ومحاولة تقليده حتى الوصول إلى بر الإبداع الحقيقي..