PDA

View Full Version : سليل نوفجراد المُرّة .. مكسيم غوركي.



يوسف الجميعة
04-01-2008, 07:16 PM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Maxim1.JPG


يا قرائي الأعزاء, إن هذا ليس شيئاً من الماضي البعيد! أنتم مولعون بالحوادث المرعبة, وتستلذون قراءة روايات الرعب, ولا تنفرون من أن تدغدغ أحاسيسكم النزوات المعذبة. ولكنني عرفت أهوالاً حقيقة, أهوال الحياة اليومية , وأعرف أن من حقي أن أدغدغ مشاعركم, وأثير فيها الخوف, بأن أروي عليكم, هذه الأهوال بحيث تعرفون حق المعرفة
أين تعيشون, وكيف تعيشون؟


أنا مغرم بحب المخلوقات البشرية, وأرفض أن أكدر إنساناً , وأرى أنه لا ينبغي علينا أن نكون عاطفيين, أو أن نخفي الحقيقة الأليمة وراء عبارات زائفة خداعة. يجب أن نقف في صف الحياة, وأقرب ما يكون إليها, وينبغي أن نهرق فيها كل ما في قلوبنا وأذهاننا من خير و سمو إنساني .


مكسيم غوركي

يوسف الجميعة
04-01-2008, 07:19 PM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Maxim2.JPG

أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف
بالروسية Алексей Максимович Пешков
ويعرف بمكسيم غوركي Максим Горький,

آخر الأدباء الروس الكبار من الواقعيين والذي تعكس أعماله الأدبية المبكرة فلسفته الشيوعية وهو يصف الفقر المدقع الذي تعاني منه الطبقات الدنيا . ناشط سياسي ماركسي, ومؤسس مدرسة الواقعية الاجتماعية, التي تجسد النظرة الماركسية للأدب, حيث يرى أن الأدب مبني على النشاط الاقتصادي في نشأته ونموه وتطوره، وأنه يؤثر في المجتمع بقوته الخاصة، لذلك ينبغي توظيفه في خدمة المجتمع.

تعنى كلمة غوركى باللغة الروسية "المر" وقد اختارها الكاتب لقباً مستعاراً له من واقع المرارة التى كان يعانى منها الشعب الروسى تحت الحكم القيصري والتى شاهدها بعينه خلال المسيرة الطويلة التى قطعها بحثا عن القوت ، وقد انعكس هذا الواقع المرير بشكل واضح على كتاباته وبشكل خاص في رائعته "الأم". يقول عن نفسه:" إني مغرم بالمآسي مولع أشد الولع بتصوير الألم البشرى لا لأني أكره الحياة، بل لأني على النقيض أحبها حباً شديدا وأرى في الألم نبضها المختلج وقوتها الدافقة ونارها المنعشة المطهرة."


ولد في نجني نوفجراد عام 1868 ، وأصبح يتيم الأب والأم وهو في التاسعة من عمره، فتولت جدته تربيته, وكان لهذه الجدة أسلوب قصصي ممتاز، مما صقل مواهبه القصصية. وبعد وفاة جدته تأثر لذلك تأثرأ كبيراً مما جعله يحاول الانتحار. جاس بعد ذلك على قدميه في أنحاء الإمبراطورية الروسية. لم يتعلم في المدارس، ولم يتثقف، ولم يأكل يوما كفايته ليشبع، غير أن صدق إيمانه، وعمق إحساسه بمواهبه دفعه إلى احتمال الألم في صبر وإلى عشق المجاهدة في عناد وإلى التنقل من مهنة لأخرى، سافر بعد ذلك على قدميه خلال الإمبراطورية الروسية، لمدة خمس سنوات غير خلالها عمله عدة مرات، عسى أن يجد مهنة توفر له ولو بضع ساعات ينفقها في المطالعة والتثقف فعمل إسكافيا، بستانياً، طباخاً، رسام أيقونات مقدسة، خبازاً، نجاراً، بائعاً متجولاً، حمالاً في الموانئ، مراقباً لحواجز القطارات.مما سهل له مخالطة كل الأوساط، وتشربت روحه بروح الشعب وغرست فيه معاناته هذه حب الثورة على الظلم والقهر والصعاب، فانتقد ظلم لينين وتروسكى رغم إنهما كانا من رموز الثورة، مما كان سببا لوفاته مسموما في موسكو.

اهتم بالأدب إلى جانب العمل الشاق، نشر أول قصة له في صحيفة محلية في مدينة " تفليس " حيث كان يعمل شغالاً في ورشات العمل المجاورة لخطوط السكك الحديد، ومن هناك كانت بداية مضماره في الكتابة الأدبية حيث مسرحياته ورواياته الطامحة إلى إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية في وطنه.

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Maxim3.JPG


كان صديقاً لـ لينين الذي التقاه عام 1905 م .لكنه انتقد بعد ذلك ثورة أكتوبر, وكتب بعدها أن لينين وتروسكي ليست لديهما أي فكرة عن الحرية وحقوق الانسان, مما جعل لينين يرسل له رسالة يهدده فيها بالقتل ما لم يغير من تصرفاته المضادة للثورة. وفي عام 1934 م وضعه ستالين تحت الإقامة الجبرية في منزله في موسكو، وكان يزود خلالها بطبعة خاصة من صحيفة برافدا بحيث لا تحتوي على أخبار التصفيات والاعتقالات.

هناك قصة هي صاحبة الفضل في الإنتشار والشهرة التي حظي بها غوركي وهي رواية "الأم" التي لم تكد تظهر حتى اعتبر غوركي رائد الأدب الثوري الشعبي الإنساني في روسيا والعالم كله، فقد ذاق كاتبها مختلف صور البؤس والألم الذي مر بها الشعب لكنه لم يسلم بأن العذاب هو القدر المكتوب على الفقير، فأدرك أن النظام الطبقي الذي لا يرحم الفقير بل يستغله، والذي لا يعاونه على الحياة الكريمة بل يدوسه ويسحقه وعبر عن ذلك في الكثير من قصصه ورواياته.

فقرر أن يثور على النظام، وثار على القيصر الذي يمثل هذا النظام، وعلى سلطة الأشراف و الإقطاعيين ورجال المال التي تسنده، ولم يكن ثائراً ومتمرداً فحسب،بل أراد أن يبدع أدباً جديداً شعبياً ثورياً يعبر عن ألوان المعاناة التي يذوقها الشعب ويثور على صور الظلم، فحمل هذه القصة " الأم " كل تلك الصور والتي رسم فيها يقظة الجيل الروسي القديم المعذب المضطهد، في تعطشه العميق للحق والعدل والحرية وكيف أن يقظة هذا الجيل القديم الذي ذاق ألوان العذاب،ألهبت في الجيل الصاعد إرادة المجالده والكفاح.


توفي في 18 يناير 1936م في موسكو, وسط شكوك بأنه مات مسموماً. سميت مدينة نجني نوفجراد التي ولد فيها باسمه "غوركي" منذ عام 1932م . هذه قراءة لبعض أعمال أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف, منها ثلاثيته الشهيره ورواية الأم.
لقراءة وتحميل بعض أعماله
طفولتي (http://www.4shared.com/file/30628788/751509bb/__-_.html?dirPwdVerified=9b6e9a34&signout=1)
الأم (http://www.4shared.com/file/23778401/38a8c398/___online.html?dirPwdVerified=680033a1)

يوسف الجميعة
04-01-2008, 07:21 PM
طفولتي


" في طفولتي أصور نفسي كخلية نحل, وضع فيها مختلف الأشخاص البسطاء العاديين مثلما النحل عسل معارفهم وأفكارهم عن الحياة. وأثروا روحي بسخاء, كل بما استطاع . وكثيراً ما كان هذا العسل قذراً مراً,
ولكن كل معرفة هي مع ذلك عسل "


طفولتي - مكسيم غوركي


عندما كتب مكسيم غوركي ثلاثيته الشهيرة التي تحكي سيرته منذ الطفولة, كان يقصد الدعوة للنهوض بالمجتمع الروسي, وبالأخص طبقة المجتمع الفقيرة المعدمة , التي تعيش مآسي وصراعات لا تحتمل , حتى أصبح الروس المجبرين على حياة فقيرة فارغة, يفتشون عن تسلية لهم في الحزن نفسه, فيلعبون به كالأطفال, ولا يحسون بالخجل من مصائبهم إلا في القليل النادر. وحين تكون الحياة رتيبة يسمي الحزن نفسه عيداً وحدثاً مرحباً بهما! وحتى الحريق يصير تسلية لذيذة. وكذلك الجرح البسيط في وجه فارغ من كل معنى يضحى زينة جميلة رائعة. في كل بيت من طبقات هذا المجتمع كان يوجد " إنسان " يسقط وينهار ويتعذب . القيم العائلية منهارة, الفقر أجبر أطفال في عمر الزهور للعمل في تجميع الخشب من أجل كسب القوت اليومي. الضرب هو الوسيلة الوحيدة للتربية, ولأتفه الأسباب. بل حتى الصراعات الدينية تضرب في صدور هذا المجتمع, وهذا الإنسان الذي يتعذب . بالرغم من تشابه أغلب القصص التي تُحكى في هذه الثلاثية , إلا انها جميعاً تتشابه بصورة غريبة جداً, موضوعها الآلام البشرية والذل والهوان, وفي كل منهما انسان يتعذب .

لم يركز مكسيم في كتابته للرواية على حال الفرد الروسي, بل كان التركيز مركزاً باتجاه المجتمع الذي كان يحلم به مكسيم أن يتخلص من هذا الجنون. والقيام بنهضة إجتماعية تحفظ كيان الإنسان ومركزه وكرامته في هذا المجتمع. يقول مكسيم بين ثنايا " طفولتي " الجزء الأول من سيرته :

" حين أذكر شناعات تلك الحياة الروسية الهمجية أتساءل أحياناً أكانت تستحق المرء أن يتحدث عنها ؟ لكنني اقتنعت بعد التفكير أن من الواجب أن أعرضها , لأنها تشكل الحقيقة الشريرة الدنيئة التي لم تستأصل شأفتها بعد حتى اليوم الحاضر .. انها تمثل حقيقة يجب معرفتها حتى أعمق جذورها , كي ننتزعها بعد ذلك من حياتنا الكئيبة الملطخة بالعار , ننتزعها من صميم نفس الإنسان وذاكرته .

لكن هناك سبباً اخر , أكثر رضى , يدفعني إلى وصف هذه الاهوال المقيته . بالرغم من بشاعتها , وبالرغم من الطريقة التي تشوه بها ما كان يمكن أن يكون في نفوسنا رائعة دون ذلك . إن الإنسان الروسي يملك من الفتوة وسلامة الفكر ما يكفي كي يبيد مثل هذه الأشياء ... إن حياتنا لرائعة , ليس لأنها نمت في تربة خصبة من الحيوانية فحسب . بل لما يتضوأ وراءها من قوى خلاقة براقة وصحية . وإن اثر الخير ليتضاعف , وإن شعبنا سوف يستيقظ أخيراً إلى حياة ملأى بالجمال , مشعشة بالإنسانية "

التصوير الفني في الرواية ,موسيقى حزينة واقعية أساسها البؤس والحزن. لم يرسم مكسيم من خياله شخصيات خيالية , كل شخصية تحمل الطيبة والنقاء , وشخصية أخرى الشر مزروع في أحشائها . بل كان يكتب شخصيات عاشها وتعامل معها أقسى سنوات أيامه عذاباً . فالجد الذي لم يرحم مكسيم , وكان شريراً ,كان طيباً بعض الأحيان , ويتحول لطفل وديع بسبب تأثره بذكرياته القديمة .كل شخص في شخصيات حياة مكسيم كان يحمل الطيب من جهة , والشر من جهة آخرى .


بعد الإغفاءة الاخيرة لوالد أليوشا بشكوف - بطل السيرة والروائي نفسه - بسبب مرض الكوليرا الذي ضرب روسيا تلك الفترة , ومشاهدته لدموع الرجال التي لم يشاهدها وهو في عمر الأطفال, ينتقل مع والدته فاريوشا, وجدته أكولينا إيفانوفنا إلى مدينة نيجنئ المعروفة بمدينة الكنائس. للعيش في كنف عائلة والدته. وفي هذه المدينة, وفي جو هذه العائلة المثيرة تدور سيرة أليوشا المليئة بالقهر والحزن والبؤس. عندما يصل أليوشا للعيش في كنف هذه العائلة وهو طفل يتفاجئ بجو العائلة القائم على الصراعات بين أفراد العائلة الواحدة. لا رحمة ولا ترابط بينهم ,ولا علاقة صحية قائمة بينهم, التفكك الأسري والصراعات على أموال الأب الحي هي القائمة منذ وصول أليوشا للمنزل. صراعات الخال ميخائيل الذي يوصف بالسيرة بالمنافق الكبير, والخال ياكوف الكافر الجبان كما يصفه الجد هي البداية لدخول الطفل اليتيم في صراعات العائلة, التي تمثل العائلة الروسية الفقيرة في العهد القصيري.

الجد وهو إحدى شخصيات السيرة بالإمكان تصوره أنه مجنون طائش. وسيلته في الإدارة هي العقاب الجماعي, ضرب الأطفال والرجال, بل حتى النساء. ولا يمكن صبغة صفة الشر على الجد بصورة مطلقة, فهو رغم جنونه وتعطشه للضرب, إلا أنه يتحول لطفل وديع حين يسترجع ذكرياته مع زوجته ,والعذابات التي قاساها في حياته . يقول مكسيم بما معناه أنهما كانا دائماً ينسيان وجوده عندما يسترجعون ذكرياتهم , حتى يلوح لي أنهما ينشدان أغنية شجية, لكنها حزينة في الغالب, موضوعها النار, والامراض والمصائب والإعتداء على الناس بالضرب, والموت المفاجئ, واللصوص الأذكياء, والنبلاء المرتزقة, والمتسولون المتعددون . يبقى التذكير بأن الجد كان يعطف على أليوشا بعض الأحيان, ويحبه في لحظة صفاء, حتى قال لـ أليوشا ينصحه " ستبقى وحيداً, أفاهم أنت.. تظل وحيداً تدبر أمور نفسك بنفسك . تعلم أن تعتني بنفسك, وإياك أن تنحني للغير ! عش هادئاً مسالماً, لكن كن عنيداً, وامض في طريقك الخاصة دون خوف او وجل.. واصغ للجميع, لكن افعل ما تعتقد أنه الافضل "

الجدة وهي الشخصية الثانية في السيرة تحمل الطيبة والنقاء والعطف على هذا الطفل اليتيم, وهي في نفس الوقت, تقع في المتاعب وتدمن الشرب بسبب الصراعات والقلق لـ إعتمادها بعد فترة من حياتها على العيش من رزق يديها, بعد الإنفصال المالي بين الزوج وزوجته . تصور مكسيم لجدته انها تمثل العذراء في حبها له وعطفها عليه. هي الي تدافع عنه تحت سياط الجد, و صراعات العائلة. تحكي له القصص, وأعتقد ان مكسيم استفاد من الروح القصصية التي كانت تقولها له جدته. فبعض القصص التي ذكرها في ثنايا السيرة لا يمكن القول إلا أنها رائعة جداً, خصوصاً قصة إيفان المحارب وفيرون الراهب.

تنتهي السيرة الأولى من الثلاثية بوفاة والدة مكسيم بعد فترة من زواج ثاني, وبقول الجد لـ أليوشا " ليس لك مكان بعد اليوم هنا.. فقد آن لك أن تخرج إلى ما بين الناس لكسب القوت " . وهكذا خرج أليوشا إلى ما بين الناس .وهي الجزء الثاني من سيرة المؤلف اليتيم أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف.

يوسف الجميعة
04-01-2008, 07:22 PM
ما أكثر ما تتحول الغبطة الروسية بطريقة مفاجئة وسريعة إلى مأساة وحشية. تأكدت بأن الحزن أقرب إلى قلوب العمال من الفرح. لم تكن الغبطة تعمر طويلاً, ولم تكن قيمتها تنبع من كونها غبطة, بل نحن نحصل عليها بعد جهد باعتبارها ترياقاً ضد أوجاع القلب الروسي. لم يكن هنالك شيء معول عليه بالنسبة إلى هذه التسليات التي لم تكن لها حياة خاصة بها, أو رغبة بها , ولكنها تنبعث لإضاءة أيامنا الموحشة.


الحظ السعيد وحده هو الذي حال بيني وبين إيذاء نفسي حتى الموت, أو إصابتها بأي مرض حتى نهاية أيامي على الأرض. فليس من شيء يجهز على الإنسان أكثر من الرضوخ للقوى المتفوقة المتسلطة. وإذا عدت أخيراً إلى الأرض وقد تناوشتني العلل, فلسوف يكون في مقدوري أن أقول قبل موتي, على أقل تقدير, وفي شيء من الفخر, أني ضللت طوال أربعين عاماً صخرة صلدة في وجه جميع الجهود العنيدة للناس الذين شاؤوا أن يضللوا روحي ويدمروها.


مكسيم غوركي - بين الناس

يوسف الجميعة
04-01-2008, 07:24 PM
بين الناس


كم من أناس بسطاء ولطفاء, وحيدين لفظتهم الحياة, التقيت بهم في السنوات التالية.ومما يبعث الذعر في نفسي أن أتذكر كم من الأشخاص الرائعين قضوا دونما أية غاية حسنة خلال هذه السنوات.


مكسيم غوركي - بين الناس


بين الناس .. الجزء الثاني من ثلاثية مكسيم غوركي التي تحكي سيرة حياته. بعد وفاة والده و والدته, وتشرد العائلة في بيت الجد, يرحل أليوشا من البيت , ويقتحم عالم الحياة الروسية الفقيرة, عالم العمال الذين يبحثون عن الفرح بين ثنايا الحزن.. كيف ستكون رحلة أليوشا الصبي ذو العشر سنوات في عالم الكبار, وبين الناس والمجتمع الذي لا يعرف شيئاً عنه؟


لم يكن البؤس والفقر أرحم مقارنة بحياته الأولى في بيت العائلة. في بيت العائلة الذي ارتحل عنه كان يتكلم مع جدته التي تعطف عليه متى ما أراد ذلك. كانت تحكي له قصص يسمعها منها الكبير قبل الصغير, وتعلمه أسس الإيمان الذي يجب أن يتحلى بها المواطن الروسي العادي. لكن الآن, وبين الناس, لن يجد من يتحدث إليه , أو يفرح معه , أو يشتكي إليه فقر الحال, مما ولد في قلبه شعور الحنين إلى الجده وأبناء الخال.

عمل طاهياً في أولى مراحل حياته, ولم يتم أيام قليلة في المنزل الذي يعمل فيه حتى أحترقت يداه, ودخل المستشفى وهو صغير , بعد أن ترك الحساء يغلي فترة طويلة دون أن ينتبه لدرجة غليانه. ثم انتقل بعد ذلك يعمل في بيت أخت جدته, كخادمة , ينظف الأواني النحاسية , ويمسح أرض المطبخ, ويغسل الصحون, ويتسوق لشراء حاجيات المنزل. هذه الفترة من حياة مكسيم جعلته يصادف أغلب أنواع البشر على مختلف اتجاهاتهم. لم يصادف الاستغلاليين , والمتوحشين ذوي القلوب السوداء أمثال معلمته وحسب , بل قابل الأناس الطيبون كذلك, وأحبهم , لكن لم يعلم أن أغلب من أحبهم إما خذلوه في حياته, و إما ماتوا بالقرب منه, لا يفصل بينه وبينهم إلا مسافة قليلة جداً. لم يتحمل مكسيم هذا الجو القائم على شتى أنواع العمل الشاق , كصبي في العاشرة من العمر يقوم بكل واجبات المنزل. بل والأكثر تحطيم احلامه بأن يكون رساماً في يوماً ما. فالمعلمة كما يصفها اليوشا ضربته باللوحة التي يرسم عليها .وتقفز علواً و هبوطاً عليه, مما أفقده الوعي. يقول أليوشا عن فترة حياه في هذا البيت بما معناه أني كنت لا أرى فيما حولي إلا الشر الذي لا يعرف الشفقة .

ها أنا ذا أجلس من جديد
على أرض الطابق العلوي الكبير

أقص قطعاً من الورق
وأذوب قطعاً من قصدير

أتمنى لو كنت كلباً
بحيث أستطيع الفرار

هنا يخاطبني الجميع قائلين :
اخرس , أيها المغفل
وتعلم كيف تطيع الكبار


هرب أليوشا من هذا المنزل, ليعيش بين الشوارع والأرصفة, يقتات من حسنات الحمالين في المرفأ, وفي هذه المرحلة دخل أليوشا رحلة العمل الثالثة في حياته, انضم إلى مركب يسمى " الدوبري " ليعمل هناك غسالاً للصحون. إن فكرة العمل على سطح مركب يوجد فيه عدد هائل من كبار السن يعطي فكرة عن تشكل رؤية مكسيم تجاه العمل والحياة والدين والقيم الإنسانية. كان يدخل في حوارات جانبية مع بعض العمال المختلفين في درجة معاملتهم له عن الحياة و وجود الله , ومدى أهمية الإيمان في قلب الإنسان. كانت بعض الأراء مرعبة له, ولم يتقبلها عقله, ولكن لم يجد إجابات لبعض الاسئلة التي كانت تطرح بين الكبار. مما أوقعه في حيرة من أمره. و كان هناك بعض ممن اتجه لهم يستمع لـ أرائهم في أمور الحياة والدين . مما جعله يتعرض للصدمة بسبب فكرة " أن الإنسان هو العدو الألد للإنسان"
لا داعي لذكر ما كان يحدث داخل هذا المركب, فالشقاء والعمل الكثير لم يكن بأقل مما كان أو يتوقعه مكسيم, فالضرب والدخول في مشاجرات, والإستماع إلى قصص البحارة وما عانوه هو خط رئيسي في هذه الرحلة . كل قصة يسمعها أليوشا كانت محفورة في ذاكرته . وتعطي خلاصة له عن قيمة دينية أو إجتماعية مفقودة يفتقدها المجتمع الروسي في العهد القيصري.


ترك أليوشا العمل على سطح المركب وتنقل بين عدة أعمال مختلفة , فتارة يعمل في محل لصنع التماثيل الدينية , وتارة يعود لبيت أخت جدته للعمل من جديد كخادمة للمنزل, ومربياً للأطفال . وأخيراً يعمل مراقباً في مدينة تائهة يراقب العمال وهم يهدمون في كل خريف الدكاكين الحجرية, ويعيدون بناءها كل ربيع.

" رحت افكر وأفكر و أنا أسير, ما أحلى أن أصبح لصاً أسرق من الأغنياء وأعطي الفقراء. ما أروع ان أذهب إلى إله جدتي وعذرائها الطاهرة فأروي لهما الحقيقة كاملة عن حياة التعساء البائسين, وكيف يدفنون بعضهم بعضاً في الرمل المخيف بطريقة مؤذية راعبة, وكم على وجه البسيطة من مؤذيات لا جدوى منها, فإن صدقتني العذراء سألتها أن تمنحني الحكمة الكافية لأبدل هذه الأمور وأجعلها أفضل وأكثر رخاء, أن تجعل الناس يصغون لي ويؤمنون بي "


مقارنة بالجزء الأول - طفولتي - كان هذا الجزء غنياً لمكسيم في مجال تشكل رؤيته في عالم القراءة والتأليف الأدبي وحب القراءة. يتميز مكسيم عن غيره من الأدباء الروس بأن الكتاب لديه صعب المنال . القراءة كانت تعني أن يتخذ مكسيم مكاناً منعزلاً في البيت, بعيداً عن أعين العمال أو سكان البيت, على ضوء بقايا شمعة . كان يعاني وهو في سنه الصغير شوقاً ملحاً للقراءة, فيأخذ أحياناً من رف الأواني المنزلية قدراً نحاسياً يحاول بها أن يعكس ضوء القمر على صفحات كتاباً ما. فيصيبه الفشل , ويزداد الظلام في المكان, فيذهب للقراءة تحت ضوء شموع الأيقونات واقفاً , وحين يتعب ينام في مكانه ويستيقظ على صراغ عجوز المنزل وضربها.

مجرد أن يتم اكتشافه وهو يقرأ يعني تلقي سيل هائل من الشتائم وأسوء أنواع الأوصاف . إن لم تصل للضرب, وقطع الوعود بعدم قراءة بعض الكتب, خصوصاً الدينية منها. فالقراءة شر مستطير ولا سيما عندما يكون الفتى صغيراً حسب وجهة معارضي قراءة مكسيم للكتاب.


" حين أفكر الآن فيما جره علي ولعي المفاجئ المتزايد بالمطالعة من صنوف الحرمان والإذلال والهموم يتنازعني الحزن والفرح في آن واحد .

الذين ساعدوا مكسيم في مجال القراءة إمراءتان. الأولى زوجة الخياط التي تركت في نفسه أثراً عميقاً ..أهدت إليه كتاب من تأليف مونتيبان, بعد أن ذهب إليها محذراً إياها من تصرف الجنود تجاهها. كان أول سطر يقرأه في حياته " البيوت كالبشر, لكل منهما ملامح خاصة ". القراءة الأولى لمكسيم فتحت له مجال لم يكن يحلم به . مكنه الكتاب من الإنتقال لعالم آخر, بأسماء وصلات وشخصيات مختلفة , أبطالاً ونبلاء النفس, وأشراراً تتطابق شخصياتهم مع الذين يعاصرهم في حياته الآنيه. كل مافي الكتب يبعث على الدهشة, إلى درجة أنه فكر بمساعدة بعض أبطال الرواية, ولكن تذكر أخيراً أن من يريد مساعدتهم كانوا على الورق. بينما هو يشاهد بعينه بعض مآسي الكتاب متجسدتاً أمامه تجسيداً حياً, بحيث يصعب مد يد العون, وهو شبيه بمثلهم.

" أثارت الكتب في نفسي شيئاً فشيئاً ثقة لا تتزعزع وهي أني لم أعد وحيداً في هذا العالم وأني سأشق لنفسي درباً في الحياة. كل كتاب جديد كان يبرز بصورة أوضح الفارق بين الحياة الروسية والحياة في البلدان الآخرى, ويبعث الاشمئزاز في نفسي, وفي ذات الوقت يزداد شكي في صحة أقوال هذه الوريقات المهترئة المصفرة ذات الجوانب القذرة "

الملكة مارغو, الشخصية الأكثر تأثيراً في قراءة مكسيم غوركي وهو صبي. تعرف عليها أثناء هروبه من عمله على ظهر مركب نهري في الفولغا. فاتنة ومثقفة جدًا، يقول مكسيم لولاها لم يكن كاتباً أبدًا. فهي التي دلته على الكتب المتنوعة، كانت تنصحه بأن يقرأ كتباً روسية, وأن يطلع على صميم الحياة الروسية. أهدت إليه في البداية كتاب " أسرار سان بطرسبورغ " . مما تكشف لمكسيم الاختلاف الكبير بين هذه المدينة, والمدن التي قرأ عنها كـ مدريد وباريس ولندن. كان يزورها بإنتظام , وكل مرة يزداد حباً له. ويعتبرها ملاكاً مسخرة له, إلا أنه صُدِم عندما رأى هذه الشابة تمارس الحب مع ضابطٍ شاب. "ظننتُ أنها ملاك!" , هكذا كان يقول مكسيم عنها. أهدت إليه في الزيارة الثانية وهي الأهم مجموعة من كتابات شاعر روسيا العظيم الكسندر بوشكين, ومجموعة شعرية للشاعر ليرمنتوف. وحين يذكر بوشكين يجب التذكير بأنه الأب الروحي للشعر والأدب الروسي. كانت قصائد بوشكين في ضمير الشعب الروسي مكان رائع الجمال, كل زاوية فيها تختلف عن الآخرى جمالاً. كان تأثير بوشكين على مكسيم مدوياً حتى أصبحت قصائده من أفضل ما قرأ وأقربه إلى قلبه, إلى درجة أنه حفظ جميع قصائده عن ظهر قلب . يقول غوغول الكاتب الروسي الواقعي الكبير، وصديق بوشكين ومعاصره: "عندما يذكر اسم بوشكين، تتألق في الذهن الفكرة عن شاعر روسي على نطاق الأمة كلها.. إن بوشكين ظاهرة فذة، ولربما، الظاهرة الوحيدة للنفسية الروسية. وفيه تجلت الطبيعة الروسية، والروح الروسية، واللغة الروسية، والخلق الروسي في تلك الدرجة من النقاء والجمال المصفى على عدسة بصرية بارزة".

عندما نريد أن نعرف تأثير بوشكين على مكسيم ,يجب أن نقرأ أشعار بوشكين السياسية والمقطوعات الهجائية المناهضة للتحكم والطغيان، والمدافعة عن حقوق الشعب المداسة وطبقة العمل الفقيرة التي كان يرزح مكسيم تحت سياطها, لكي نعرف أي رجل هذا الذي أحدث دوياً مذهلاً في حياة عدد هائل من الأدباء الكبار أمثال تولستوي و دوستويفسكي و غوغول و مكسيم وغيرهم من الأدباء المعاصرين.

من قصائد بوشكين المفضلة لدي
إن خدعتك الحياة
فلا تحزن ، و لا تغضب !
في اليوم الشجي اهدأ ،
يوم الفرح ، ثق ، لا بد آت !
القلب يحيا في المستقبل ،
فالحاضر كئيب !
كل شيء عابر ، كل شيء سيمضي ،
وما سيمضي – سيصبح أجمل .

ينتهي الجزء الثاني من ثلاثية غوركي , بعزمه الرحيل عن البلدة إلى قازان, ويحدوه أمل خفي في ايجاد وسيلة للتعلم والدراسة .

* سأعود لإكمال ما تبقى بأقرب وقت : )

يوسف الجميعة
07-01-2008, 01:51 AM
" كل ما كنت أراه حولي في تلك الحياة العملية كان غريباً , في جميع دقائقه, عن فكرة العطف على الإنسان. وكانت الحياة تقدم نفسها لي بصفتها سلسلة متوالية لا حدود لها من العنف والعدوان, وباعتبارها نضالاً مستمراً وغير شريف في سبيل الوصول إلى ما لا قيمة له من الأشياء. لم أكن أرغب في شيء أكثر من الكتب. أما جميع الاشياء الأخرى, فلم تكن بالنسبة إلي, أكثر من أشياء تافهه لا قيمة لها. كان يكفيني أن أجلس ساعة من الزمن في الشارع, إلى جوانب بيتنا, كي أرى جميع أولئك الناس الحوذيين و البوابين, والعمال, والموظفين, والتجار, يعيشون حياتهم بصورة تختلف عن حياتي. وعن حياة الناس الذين أحب, يتحركون بفعل رغبات مختلفة, ويبحثون عن أهداف متغايرة. والناس الذين كنت أحترمهم, الناس الذين كنت أؤمن بهم, كانوا غرباء بصورة تبعث على الدهشة, وحيدين غرباء غير مرغوب فيهم في محيط تسوده أكثرية ساحقة, بين جموع النمل العاملة في مثابرة, في فحش ومكر, لبناء تلة للنمل يسمونها الحياة. بالنسبة إلي كانت تلك الحياة تبدو غريبة مضجرة. لقد انبثقت ضجراً ميتاً, و لطالما كنت أجد أن الناس الذين يتحدثون عن الرحمة والحب لا يفعلون أكثر من إرسال الكلام وأنهم حين يأتون إلى الأفعال فهم يخنعون, من غير أن يشعروا على الإطلاق لمرجى الحياة العام. كان ذلك قاسياً بالنسبة إلي. "


مكسيم غوركي - جامعياتي

يوسف الجميعة
07-01-2008, 01:52 AM
جامعياتي


" الإنسان مصدر كل تعليم وعلم, وما يعلمك إياه الناس يأتيك في ألم و قسوة أكثر من تعلمك الكتب. علم الناس جاف مؤلم. ولكن العلم الذي يأتيك على ذلك الشكل هو الذي تبقى جذوره راسخة "


مكسيم غوركي - جامعياتي

جامعياتي .. أو مع الفلاحين . الجزء الثالث والأخير من ثلاثية مكسيم التي تحكي سيرة حياته. اعتماداً على عنوان الجزء , يبدو مكسيم كأنه دخل في مرحلة استقرار مكنته من الدخول للجامعة , ومخالطة أبناء الطبقة المتوسطة, وانتهاء مرحلة الفقر والتشرد. لكن بعض العناوين خداعة , تحمل تأويل آخر غير المرسوم في بداية القراءة. الجامعة التي دخلها مكسيم لم تكن جامعة تضم طلاب في سن معينة. بل جامعة كبيرة, فيها من شتى صور أنواع البشر.. جامعة الحياة, تضم إلى جانب الطلاب كل أنواع البشر من المساكين والمشردين والقتلة والثوار والسياسيين والعاهرات. لأول مرة يخالط جماعة الثوار ويتعرف على أبجديات الثورة, وجماعات ارادة الشعب, بعد استماعه لخطاب " اختلافاتنا " لأحد الثوار. يقرأ كتب عميقة مثل كتاب " هوبز - الدولة الديكتاتورية " و كتاب " الأمير لـ ميكافيللي ". الرؤية السياسية والثقافية تشكلت لديه في هذه المرحلة من اختلاطه مع الناس والتعرف على مآسيهم وأحلامهم. بدأ يستخدم كلماته الخاصة القاسية الثقيلة بدلاً مما كان يقرأ في الكتب. وهي كلمات قادرة على التعبير عن تشوش أفكارة .

هذه المرحلة من حياة مكسيم كانت بائسة كسابقها , ولكنها ثقفته . كانت بائسة جسدياً وأكثر بؤساً أخلاقياً.. فيها ارتحل عن بلدته , وجال خلال الإمبراطورية الروسية، لمدة خمس سنوات غير خلالها عمله عدة مرات، عسى أن يجد مهنة توفر له ولو بضع ساعات ينفقها في المطالعة والتثقف .مما سهل له مخالطة كل الأوساط، وتشربت روحه بروح الشعب وغرست فيه معاناته هذه حب الثورة على الظلم والقهر والصعاب.

أقسى ما في هذه المرحلة كان ابتعاده عن جدته العزيزة ,واتضح له في شيء من مرارة الالم أنه لن يجتمع مرة أخرى بصديق حميم هو جزء من نفسه. في هذه الظروف الغارقة بالبؤس يصل مكسيم إلى أقصى درجات حياته تشاؤماً وغضباً على الحياة, فيقرر الإنتحار والهروب من هذا العالم الذي يتحكم به الأقوياء. وبدلا من أن يصوب باتجاه قلبه ليقتل نفسه, صوب تجاه رئتيه ليعيش ويكتب حياتة ومأساته, التي تحكي سيرة ألوف من الفقراء. يقول مكسيم في أقصى درجاته حزناً بعد وفاة جدته

" أنا لم أذرف شيئاً من دموع ولكنني على ماأذكر بدوت كمن انهمرت فوقة ريح جليدية . أحسست بلهفة طاغية في أن أحدث كائناً من كان عن جدتي, وأن أذكر له مقدار ما كانت عليه من الحكمة والدماثة والرأفة. حملت هذه اللهفة الطاغية في قلبي أمداً طويلاً غير أنه لم يكن هنالك من استطيع أن أحدثة عن هذه الأشياء. فاضمحلت واضمحلت إلى أن انطفأت دون تحقيق . لم أملك حصاناً أحدثه أو كلباً أشكو إليه . واسفت على أنه لم يتح لي أن أبث حزني للجرذان ! "

يوسف الجميعة
07-01-2008, 01:59 AM
رواية الأم

تقديم لا بد منه.
تتميز كل المراحل التاريخية برأي ماركس, بمواجهة بين طبقتين اجتماعيتين. في العصور القديمة طبقة العبيد وطبقة المواطنين الأحرار. وفي المجتمع الإقطاعي الفلاحون والسادة, ومن ثم النبلاء والبرجوازيون. في زمن ماركس أصبح المجتمع برجوازياً رأسمالياً, وأصبح التعارض واضح وجلي بين الرأسماليين والعمال. فهناك من جهة من يمتلك وسائل الإنتاج, ومن جهة آخرى الذين لا يمتلكونها. وبما أنه لا يمكن أن تتخلى الطبقة المسيطرة عن سلطتها, فإن الثورة هي التي تستطيع اجبارها على ذلك.

في عام 1847 اجتمع الشيوعيون ليؤسسوا عصبتهم, وفوض ماركس وانغلس ليشكلوا مبادىء هذه العصبة وبرنامجها المتبع وكان هذا البرنامج قد عرف فيما بعد بـ بيان الشيوعية حيث وضع فيه ماركس جوهر أفكاره وأسس العمل على تحقيقها ,وكانت بداية هذا البيان " إن شبحاً يتهدد أوربا - شبح الشيوعية ". قامت عصبة الشيوعيون على أنقاض جماعة رابطة العادلين في فرنسا والتي كانت لا تؤمن بضرورة الثورة والاستيلاء على السلطة وكان شعارها الناس كلهم أخوة, أقنع ماركس أعضاء هذه الجماعه بأنهم يحلمون بعالم وردي واستبدل الشعار إلى أن أصبح يا عمال العالم اتحدوا . ذكر في آخر البيان مانصه " يرفض الشيوعيون التستر على مفاهيمهم وخططهم, وهم يوضحون بجلاء انه لا يمكن تحقيق أهدافهم إلا بقلب كل نظام اجتماعي سابق بالعنف. فلترتجف الطبقات الحاكمة أمام الثورة الشيوعية. ليس أمام البروليتاريا ما تخسره إلا اغلالها. انها ستربح , يا عمال العالم .. اتحدوا "

أسس وجوهر هذا البيان تقوم على افتراض أن منذ فجر الانسانية وحتى اليوم كانت العلاقة علاقة صراع بين المُستغِل والمُستغَل ,بين المالك وبين العامل ,بين الفلاح وبين الاقطاعي,استغلال الإنسان للإنسان وأمة لأمة. وكانت الغلبة تنتهي إما لإحداهما أو بسقوطهما معا.وعلى افتراض بأن تفكك الإقطاعية كان من نتيجة تعفنها واعاقتها للبرجوازية ,فإن المنطق يفرض حتما بأن مستوى تطور الطبقة البرجوازية " الانتاج الكبير " سيصل بها إلى حد لا تستطيع فيه التقدم.وعندها ستقوم البروليتارية بسحق هذه الطبقة " البرجوازية " ورفع الجور والظلم عن الطبقة العاملة " البروليتاريا " وعندها يتحقق المجتمع الشيوعي حيث تنتفي فيه الملكية الخاصة "وليس الملكية الشخصية "حيث الملكية الخاصة هي الناتجة عن استغلال العمال وأخذ ما ينتجه من القيمة المضافة دون أدنى جهد يذكر من قبل الرأسمالي, أما الملكية الشخصية هي ما تحصل عليه نتجية القيام بعمل.

ماهو الرابط بين هذه المقدمة التي تحمل البيان الشهير لعصبة الشيوعية و رواية الأم لمكسيم غوركي؟

القارئ لسيرة مكسيم غوركي سيعرف أن هذا الفتى منذ صباه المبكر وحتى أغلب حياة مراهقته عاش عاملاً منخرطاً في سلك العمال. شاهداً على تسلط أرباب العمل, وحالة الفقر والجوع والعمل المرهق التي تصيب العمال. والأهم من ذلك أنه عاش حياة مشردة لا تعرف الاستقرار في عمل واحد. تنقل بين عدة مهام كما هو واضح في ثلاثيته التي تحكي سيرة حياتة.. لقد أخذ غوركي من البيان الشهير لعصبة الشيوعية كلمتين فقط .. وحولها إلا فكرة رواية أدبية .




" يا عمال العالم .. اتحدوا "


هذه الجملة المعنونة بالبيان المذكور أعلاه تحمل الروح والفكرة الأساسية لرواية الأم لـ مكسيم غوركي. من سيقرأ الرواية دون قراءة ثلاثية مكسيم قد لا تعجبه الرواية لغرابة الطرح الروائي أولاً . و غياب الفكرة ثانياً, التي يحملها مكسيم في روايته الأشهر على الإطلاق. في هذه الرواية لم يكتب مكسيم عن العمال بوجه خاص. كان يكتب نفسه و هو منخرط في سلك العمال. ويكتب جدته عبر تجسيدها في شخصية الأم , وما تمثله الأم من روح ثورية قادرة على صنع الحياة. و يكتب عن جده في تجسيده لشخصية ميخائيل فلاسوف. رغم صرخات و لعنات مكسيم في ثلاثيته إلا أنها لم تكن تحمل رؤية تجاه أرباب العمال, و تحسين مستوى العمال. و معالجة الاوضاع الإجتماعية القائمة أساساً على الاوضاع الإقتصادية و السياسية . تشكلت رؤيته أخيراً في روايته الأم.


تبدأ الرواية ببداية العمل في أحد المصانع صباحاً . وكيف يقوم العمال ملبين النداء صاغرين لما هو مفروض عليهم القيام به من أعمال. أوصاف العمال وكيف يلبون النداء استطاع مكسيم تصويرها بحرفيه اعتماداً على رؤيته ومشاهداته للعمال وهو عامل في شبابه. وأجاد تصوير على وجه الدقة لحظة انتهاء العمل في هذا المصنع . فالعمال بعد إنتهائهم من اعمالهم يُطردون إلى بيوتهم أو للشوارع وقد أسودت وجوههم, تفوح من اجسامهم رائحة الزيت و القذارة.

في أحد بيت عمال المصنع تدور الرواية. ميخائيل فلاسوف رجل طاعن في السن و ميكانيكي من عمال المصنع , تتطابق تصرفاته مع أفراد عائلته تصرف رب العمل مع العمال. سكير و عربيد لا يعرف من الحياة سوى التفنن والإبداع في ضرب زوجته بيلاجيا نيلوفنا. وهي بطلة الرواية والمساة بـ " الأم "

في هذا البيت يسير الابن بافل أحد أبطال الرواية الأساسيين على سيرة أبيه في العربدة والسكر, إلا أنه يتغير بعد وفاة الأب. ف يتجه للقراءة , حتى شكت الأم بأن ابنها سلك طريق الرهبنة. ولم تدري بأنه يقرأ كتب ممنوعة تدعو للثورة على أرباب العمل و الدعوة للإشتراكية. كانت الفكرة المطروحة في عقل بافل بأنه إذا أردنا معرفة البؤس في الحياة وما يعانيه الفقراء من ظلم يجب أن ندرس أولاً, ثم نعلم الآخرين. خصوصاً العمال. ويجب أن نبحث عن مصادر هذا الشقاء و البؤس لإزالته. وكيف يجب أن يعيش الناس اليوم, لا كيف كانوا يعيشون في الماضي.


يبدأ بافل بتشكيل جماعة ثورية تتألف من الفقراء, و العمال المعدمين في منزله . يأخذهم الحديث باتجاه الاتفاق على أهم المبادئ التي يجب الالتزام بها. في هذا الجو القائم على الحوار الساخن و الحاد أحياناً بين أطراف الجماعة , تتعرف الأم على شخصيات فقيرة تدعو للحياة, ملتزمة بخط لا يمكن الحياد على تنفيذه. هي امية و لا تعرف بالتحديد عن ماذا يتحدثون , و لكن عاطفة الأمومة أخبرتها بأن ابنها كرس نفسه لقضية جوهرية تصب في مصلحة الإنسان الروسي, و العامل الروسي, و سبل تدعيم العلاقات الإجتماعية. رغم قلقها على مصير ابنها إلا انها تفخر بابنها وهي تشاهده يرأس الاجتماعات ويتحدث بأشياء لا تفهمها. ولكنها لم تكن أمه وحده.. كانت أماً لجميع أصدقائه الذين يجتمعون في بيتها.. كان حنانها كأم يفيض عليهم جميعا ويحيط بهم.. تمنحهم الدفء والحنان ويمنحونها معنى جديد للحياة.فيأخذها النقاش معهم ., و تقرر الدخول في هذه الجماعة في الأخير. مرغمة بعاطفة الأمومة.


كان بافل وأعضاء الجماعة الثورية يطبعون المنشورات ويووزعونها بين العمال. رغم خطورة هذا الفعل وتربص الجواسيس بهم إلا أنهم قرروا مواصلة عملهم حتى آخر الطريق ,لا يحيدون عن الفكرة, والإيمان بقضية العمال المهدورة. كان بافل يهيء أمه لتلك الساعة التي سيعتقلونه فيها، فكان يرفض حتى أن تعبر أمه عن مشاعرها وخوفها ويعتبر ذلك حجر عثرة في سبيل تحقيق هدفه السامي.. دون أن يفهم أن مشاعر الأم هي أسمى وأهم من أي قضية أخرى

" عليك ألا تحزني، ولكن يجب أن تفرحي. أي متى يا رب يكون عندنا أمهات يفرحن في حين يرسلن أبناءهن إلى الموت من أجل الإنسانية؟"

عندما سجن ابنها تابعت هي مسيرته وأصبحت توزع المناشير مع أصدقائه ... بدأت الرواية والأم خائفة ومتوجسة من أصدقاء ابنها ثم تعاطفت معهم ومع قضيتهم وفي النهاية تبنت هي القضية وأصبحت كغيرها من الرفاق المناضلين من أجل القضية.

كيف ستكون حياة الأم؟ وما مصير الجماعة الثورية بزعامة بافل؟ هذا ما ستجدونه عند قراءة الرواية. لكن الحقيقة الوحيدة في الرواية. أن الأم كانت ترمز لطريقة أو بأخرى للوطن. رمزاً للمستقبل والنضال والإشراق والتمرد والقوة الإنسانية. أعد من سيقرأ الرواية بعدم نسيان بطل الرواية بافل وهو يخطب في المحكمة بروح حيه ترفض الإستسلام . كان يجسد شخصية الثوري الحقيقة الرافض للعنف, والمؤيد لقيام نهضة إجتماعية وثقافية بين صفوف العمال.


اقتباسات

" لن تستطيعوا مهما فعلتم أن تقتلوا روحاً بعثت من جديد".

- علينا أن نصرخ بحزم بكل ما نريد، سواء كان هذا ايجابا أم سلباً.
-وحتى لو كان هذا التصريح لأمك؟
-أجل، للجميع على حد سواء. فلا أريد أن تكبلني صداقة أو محبة
-حسناً، إنك بطل. ولكن امسح مخاط أنفك، وامض قل كل هذا الكلام لساندرين وليس لأمك.
لكني قلته لها أيضاً.
أبهذه الطريقة؟ انك تكذب علي. وإنما قلته لها بلطف، بحنان. لكن أمام أمك المسكينة تعرض بطولتك. ثق أيها البهيم أن بطولتك هذه لا تساوي فلساً".

" لا تخافوا شيئاً مطلقاً. إذا لا يوجد شيء أشقى وأتعس من حياتكم التي تعيشونها طوال العمر."

" من أجلهم جميعاً أيتها الأم, بلا استنناء. نحن لا نعرف فرقاً و أمماً . بل نعرف رفاقاً فحسب, وأعداء فحسب. رفاقنا هم كل العمال, وأعداؤنا جميع الحكومات والأغنياء. لو استعرضتِ العالم بنظرةِ وأدركت كثرة عددنا نحن العمال, وعظمة قوانا, فإن فرحاً لا حدود له سيجتاحك, ويغمر قلبك برقص العيد. نحن جميعاً أبناء أم واحدة. تلك هي عقيدة أخوة العمال في العالم أجمع. العقيدة التي لا تُغلب. والتي توفر الدفء لقلوبنا. إنها الشيء الذي يشع في سماء عادلة وتلك السماء هي في قلب الإنسان العامل. إن الاشتراكي مهما كانت هويته, ومهما كان اسمه, هو اخ لنا في الروح حتى آخر الزمن : في الماضي, وفي الحاضر, وإلى الأبد! "




عن رواية الأم


في العام 1905،كان مكسيم غوركي في السابعة والثلاثين من عمره، وقد حقق شهرة, منذ بدأ يكتب وهو في الرابعة والعشرين. كان اشتراكي النزعة، ثوري الأفكار منذ شبابه. وهكذا انضم في العام 1905 الى الثورة التي اندلعت ,من دون أن يكون في البداية ماركسياً بل كان انساني النزعة في شكل مبهم في أحسن حالاته. حين اندلعت تلك الثورة كتب مؤيداً لها، ما جعل السلطات القيصرية تعتقله, لكنها ما لبثت أن أطلقت سراحه بفضل موجة عارمة من الاحتجاج العالمي. وهو ما إن خرج من المعتقل حتى توجه ليعيش في الولايات المتحدة الأميركية، حيث كتب رواية الأم. بيد أن السلطات الأميركية ما لبثت ان طردته بحجة ان المرأة التي تعيش معه ليست زوجته الشرعية. وهكذا عاد الى بلده لينشر الرواية هناك بعد سنتين على شكل حلقات في مجلة أسبوعية.

منذ صدورها للمرة الأولى وصفت رواية الأم بأنها الرواية الكبرى التي تتحدث عن الشعب الذي سيهز العالم كله عما قريب، ومع هذا فإن النقاد الذين تابعوها منذ البداية لم يروا فيها سوى شهادة على الحياة التي يعيشها الناس البسطاء الطيبون.

تعتبر رواية الأم من النصوص الممهدة، لاندلاع الثورة الروسية. ومع هذا لا بد لنا من أن نذكر هنا أن ألكسي بشكوف، وهو الأسم الأصلي الحقيقي لمكسيم غوركي، ما إن تحققت نبوءته في رواية الأم واندلعت الثورة البلشفية الروسية في العام 1917، حتى وقف موقفاً سلبياً تجاهها، إذ رأى انها كانت شعبوية أكثر من اللازم، ثم ما لبث أن غادر روسيا في العام 1921، ولم يعد اليها الا في العام 1928، بناء على طلب شخصي من ستالين، الذي سيحيطه بعنايته، وسيوصله في العام 1934، إلى منصب رئيس اتحاد الكتّاب. ومع هذا، على رغم هذا المجد السلطوي، ما لبث غوركي أن رحل عن هذا العالم بشكل مفاجئ بعد عامين من ذلك. وحتى اليوم لا يزال كثير من الشكوك يحيط بوفاته: هل مات حقاً بفعل داء الرئة الذي أصيب به، أو قيل أنه أصيب به، أم تراه مات مسموماً بأمر من ستالين شخصياً؟

مصدر و مرجع هذه المعلومات
الموسوعة العربية العالمية



هنا (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108445) قراءة مميزة عن رواية الأم من الأخت العزيزة Ophelia, اقتبست منها ثلاثة أسطر أو أربع تقريباً, لاختصارها الكثير مما يُقال.
ويتبع عما قريب بإذن الرحمن

wroood
10-01-2008, 02:15 PM
تسجيل متابعة وثم شكرا جزيلا لك.

يوسف الجميعة
11-01-2008, 10:27 PM
تسجيل متابعة وثم شكرا جزيلا لك.

أهلاً بك عزيزي, أتشرف بمتابعتك, تحياتي لك.

يوسف الجميعة
11-01-2008, 10:29 PM
صور أدبية - تشيخوف وغوركي


http://abuwabdallh900.googlepages.com/Maxim4.JPG


أنطون بافلوفيتش تشيخوف ,من كبار الأدباء الروس وأحد ثلاثة رسموا الخطوط العريضة للقصة القصيرة في أدب مستوى العالم. كتب عدة مئات من القصص القصيرة وتعتبر الكثير منها ابداعات فنية كلاسيكية ، كما أن مسرحياته كان لها أعظم الأثر على دراما القرن العشرين.

يقول عنه معاصره و صديقه مكسيم جوركي في كتابه المعنون بـ " صور أدبية " كان يقول دائماً يا لروسيا من بلد أخرق" ما أكثر ما كان يفعل ذلك, ويتحدث فترة في دفء وجد و إخلاص, ولا يلبث أن يهزأ من نفسه ومن كلماته. وفي هذا الهزء الرقيق الحزين تحس تشاؤماً رهيفاً لرجل يقدر الكلمات حق قدرها, مثلما يقدر الأحلام. كان صادقاً مع نفسه , متحرراً في داخله, لا يلقي بالاً لما ينتظره بعضهم أو ينتظره الآخرون. كانت بساطته جميلة فأحب كل ما هو بسيط وحقيقي وصادق, وكانت لديه وسيلة خاصة في جعل الآخرين بسطاء. كان يتمتع بفن اكتشاف السوقية وابراز الابتذال والدناءة في كل مكان, و هو فن لا يبرع فيه غير رجل مطالبه ازاء الحياة عالية جداً, وينبع من الرغبة القوية في رؤية الجمال والتآلف في الإنسان. كان على وجه الدوام قاضياً قاسياً لا يعرف الرحمة في وجه الدناءة. كان نقياً في تواضعه ولم يكن يسمح لنفسه بأن يقول للناس بصوتٍ عال وبصورة سافرة : فلتكونوا... أكثر استقامة !.. ما أكثر ما يمكن الكتابة عن تشيخوف, ولكن ذلك يتطلب تركيزاً شديداً ودقيقاً, الأمر الذي يخرج عن طوري. ما أحسن لو كُتب عنه مثلما كتب هو نفسه قصته السهب. تلك القصة الروسية العطرة الطليقة, قصة المرء لنفسه"

قراءة أعمال أنطوان تشيخوف بالنسبة لكورغي تجعل المرء يحس أنه في يوم حزين من أخريات الخريف, حينما يكون الهواء شفافاً والأشجار العارية تنتصب مرسومة بدقة في وجه السماء, والبيوت تراكم بعضها على بعض , و الناس قد غلبهم التشاؤم والاكتئاب. كل شيء غريب و وحيد . لا حراك به .

يوسف الجميعة
11-01-2008, 10:32 PM
صور أدبية - تولستوي وغوركي


http://abuwabdallh900.googlepages.com/Maxim5.JPG

الكونت ليف تولستوي , من عمالقة الروائيين الروس ومن أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر, والبعض يعدونه من أعظم الروائيين على الاطلاق. روائي ومصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي . أشهر أعماله روايتي " الحرب والسلام" و "أنا كارنينا" وهما يتربعان على قمة الأدب الواقعي . كفيلسوف أخلاقي اعتنق أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف وتبلور ذلك في كتاب " مملكة الرب بداخلك " وهو العمل الذي أثر على مشاهير القرن العشرين مثل الماهاتما غاندي ومارتن لوثر كينج في جهادهما الذي اتسم بسياسة المقاومة السلمية النابذة للعنف.

قال عنه مكسيم
" إن هذا الإنسان ليخيفني، ويشير في عطفيّ عجباً وفرقاً وإعجاباً متصلاً، وأشعر أنه ليضنيني، أن أراه غالباً، إن تولستوي المفكر والمصلح، هو ختام التاريخ الروسي القديم، ولكنه ينتصب عن علمٍ منه أو دون علم، جبلاً شامخاً، في الطريق التي تفضي بشعبنا إلى حياة مجدّة عاملة، تتطلب من المرء إذكاء قواه الروحية كلها" . وحين علم بوفاته قال " أشعر بأنني قد أضحيت، الآن، يتيماً، إنني أخط هذه الحروف، باكياً "

لم يتحدث غوركي عن تولستوي في ملاحظاته عن الأدباء عن الكونت الروائي الشهير, بل دخل إلى بعض التفاصيل الغير مذكورة . كشخصية تولستوي الفكرية والفلسفية, يتناقش مع الفلاحين والعمال عن القضايا الأخلاقية والحرب والحب والسلام والسياسة والعلم والدين ومدى أهمية الإيمان. وبعض أقواله. كان تولستوي حسب تصور غوركي " ومن أحاديث جانبية بينهما " تشغله فكرة الله حتى تكدر صفاء ذهنه. ويلوح أنها ليست فكرة, بل مقاومة عنيفة لشيء يشعر أنه محكوم به. كانت أحاديثه المفضله " الله و الفلاح و المرأة. ونادراً ما يتحدث عن الأدب. يقول تولستوي في بعض أقواله المذكورة في ملاحظات غوركي" ماذا نقصد عندما نقول أننا نعرف؟ أعرف أنني تولستوي, ولي زوجة , وأولاد , وشائب الشعر, وقبيح الوجه, ولي لحية. وهذا كله مدون في جواز سفري. ولكنهم لا يدلفون إلى الروح في جوازات السفر! وكل ما أعرفه عن روحي انها تتوق إلى الاقتراب من الله. لكن ما هو الله ؟ هذا الذي روحي هي ذرة منه. هذا هو كل شيء. كل من تعلم أن يفكر يكتشف أن من الصعوبة أن يؤمن, ولكن المرء لا يستطيع إلا أن يحيا بالله عن طريق الإيمان. "

بقي أن أشير لمن أراد أن يقرأ عن تولستوي المفكر والمصلح عليه بقراءة كتاب صور أدبية لـ غوركي , وكتاب قمم في الأدب العالمي لبديع حقي , وهو كتاب رائع يحكي سيرة تولستوي الأدبية والشخصية, ومناقشة لبعض أراءه المشهورة, مثل قوله " أن المسيح نفسه، ليس بإله، ولا يمكن أن يكون سوى إنسان بريء من السمة الإلهية التي يقرن إليها"

يوسف الجميعة
11-01-2008, 10:34 PM
بوليسلوف - قصة قصيرة
بقلم / مكسيم غوركي

يوما ما حدثني صديق لي قال : كنت أواصل دراستي في موسكو ؛ متًخذا مسكناً صغيراً حيث كانت جارتي البولندية التي أسمها " تيريزا " فتاةً غربيةَ الأطوار . يمكنني وصفها بأنها طويلة القامة , قوية البنية . لها بشرة داكنة , وحواجب ثخينة , وملامح فضًة كما لو أن فأساً أحدث كل هذه الشروخ البارزة في وجهها .. عيناها غائمتان ؛ وصوتُها خشنٌ وعميق ؛ فيما تصرفاتُها تشبه سلوكيات رجلٍ صرفَ حياته في الشجارات والعراك الدائم . كانت ثقيلة الجسد ، ومظهرُها الخارجي يعرض قبحاً مخيفاً . تسكن غرفةً تقابل غرفتي في الطابق العلوي من البناية التي نسكنها ، لذلك غالباً ما ألتقيها عند السلَّم أو في الفناء . ترميني بابتسامةٍ تغلّفها السخرية ، وغالباً ما أبصرُها عائدةً إلى البيت بعينين حمراوين وشعرٍ يتخلّى عن انتظامه . وقد نتواجه فتروح تحدّق بي ثم تهتف : " مُرحِباً : أيها الطالب ! " .

ضحكتُها تبعثُ على الاشمئزاز ، لذلك قررتُ تغيير غرفتي تجنباً لرؤيتِها .. وفعلاً حظيت بمكانٍ أشعرني بالارتياح خصوصاً وثمَّةَ نافذةٌ أستطيعُ من خلالِها ملاحظة المدينةِ بشوارعِها المنفتحة الهادئة . وكثيراً ما جلستُ طويلاً أتشبّعُ بالمشاهدة وأنهلُ من الهدوء .في أحدى الصباحات : وبعد أن انتهيت من ارتداءِ ملابسي وارتميتُ على السرير فُتحت الباب فجأةً فإذا بـ تيريزا " تقف عند العتبة :
- مرحباً أيها الطالب !.. قالتها بنبرتها الخشنة المعهودة .
- ماذا تريدين ؟! . سألتها مستغرباً .
حين أمعنتُ النظر رأيتها بوجهٍ اكتسى تعابيرَ مرتبكة وخجولة لم أبصرها فيه من قبل .
- أيها الطالب !.. قالت وأكملت : " أريد أن أسألك معروفاً وأرجو أن لا ترفضه " .
لم أقل شيئاً إنَّما هي التي استمرت : " أريدك أن تكتب لي رسالة إلى أهلي !" .
" ماذا تبغي هذه الفتاة برب السماء ؟!.. قلتُ مع نفسي . قفزتُ من على السرير متخذاً مجلسي عند المنضدة ساحباً ورقةً ومقرّباً قنينة الحبر .قلتُ :
- تعالي : اجلسي وأملي عليّ ما تودّين .
دخلت جالسةً باحتراس ، ُمطلِقةً نظرةً حادّة باتجاه عيني .
- حسناً .. لمن أوجّه الكلام ؟
- إلى " بوليسلوف كاشبوت " الذي يقطن في سوينزياني " قريباً من محطة قطارات وارشو .
- وماذا تطلبين أن أكتب له ؟ .. هيّا ! قولي .
- عزيزي بولص .. حبيب قلبي .. حبّي .. روحي . إلهي يحفظك من كلِّ مكروه ... عزيزي لماذا لم تكتب لحمامِتكَ الصغيرة الوديعة منذ زمن بعيد ؟ . لماذا لا تكتب لتيريزا التي تشعر بحزن عميق ؟! بصعوبة بالغة تمالكتُ نفسي من الضَّحك .. " أهذه حمامة ؟! .. أهذه التي طولها ستة أقدام ، ذات القبضة القوية والوجه الحاد والعافية الكاملة والتي تشبه مخلوقة صرفت عمرَها تكنس سخام المواقد الشتوية يمكن اعتبارها حمامة وديعة وصغيرة ؟! " ..
ضبطتُ نفسي ، واحتفظتُ برباطة جأشي . ورحتُ أسألها :
- من هو بوليسلوف ؟
- بولص : يا سيدي !" .. رددّت الاسم بإعجابٍ كما لو كان من المستحيل نكران مَن يكون بوليسلوف هذا .
- سأتزوج بولص .
- تتزوّجيه ؟!
- ولماذا أنت مندهش ! أيها الطالب ؟ ألا يمكن لشابة مثلي امتلاك حبيب ؟
- شابة ؟! .. أيةُ نكتة ! .. ولكن ربّما .. قد يحدث ذلك . كل شيْ جائز .. منذ متى وأنتما مخطوبان ؟ .
- منذ عشرة أعوام .
نعم .. كتبتُ الرسالة مليئة بعبارات الحب والوله واللطف كما لو كنت أتمنى أن أكون أنا بوليسلوف ، ومن أية فتاة تردني هذه العبارات ، إلاّ تيريزا .
- شكراً لك من قلبي أيها الطالب .
كانت بالغة التأثر ، فسألتني ردّاً للجميل :
- هل تطلب مني خدمة أؤديها لك ؟
- لا : شكراً .
- أستطيع إصلاح قميصك أو أي من ملابسك أيها الطالب . كان هذا ما يزعجني أحياناً . ومع ذلك شكرتها قائلاً : لا أحتاج .
في إحدى المساءات وكان قد مرّ أسبوعان على كتابة الرسالة كنتُ جالساً عند النافذة أصفِّرُ وأتركُ لعيني التجوال تسليةً ، مفضلاً عدم الخروج بسبب رداءة الجو عندما فُتحت الباب بغتةً .لقد كانت تيريزا !

- أيها الطالب . أرجو أن لا تكون منشغلاً .. حسناً :لا أرى أحداً عندك.
- لماذا ؟
- أريدك أن تكتب لي رسالة .
- إلى بولص ؟
- كلا .. أريدك أن تكتب ردّهُ .
- ماذا ؟ . . صرختُ مندهشاً .
- اعذرني ، أيها الطالب . أنا غبية . لم أعبر عن نفسي بصورة واضحة . رسالة ليست لي بل لواحدة من صديقاتي .. فهي لا تعرف الكتابة ، ولها حبيب مثلي .
- أتطلعُ فيها فأحصد خجلاً يغمر وجهها ، وارتعاش كفّيها يفضحان كذبة لم تُصدق .
- اسمعي أيتها الفتاة . كل ما قلتيه عنك وعن بوليسلوف كان خيالاً مَحظاً .، وأنت تكذبين . إنهُ ليس إلا عذراً للحضور إلى هنا . لا أريدك أن تلعبي مثل هذه الأفعال مرّة أخرى ... أفهمت ؟

رأيتُ الخوفَ يكتسحها .. إحمرّت خجلاً . أرادت أن تقول شيئاً لكنها عجزت ، حتّى أنني شعرتُ باضطهادها . لا بدّ أنْ ما دفعها لفعلِ ذلك ! ولكن ما هو ؟!

- " أيها الطالب .. " توقفت لتقول شيئاً ، لكنّها بلمحةٍ مباغتة استدارت خارجةً من الغرفة .
مكثتُ مكاني وفي قلبي مشاعر واحتدامات ضاغطة . سمعتها تغلق الباب بعنف ما أشعرني بأنها خرجت غاضبة . لذلك صممّت على دعوتها للعودة شاعراً بالأسف ومقرراً كتابة الرسالة ,خطوت صوب غرفتها . لمحتها جالسة عند منضدتها وقد رمت بوجهها بين كفّيها .
- يا فتاتي ، أنتِ ..
عندما أصل إلى هذا القدرِ من القص أشعرُ دائماً بأسىً عميق .قفزَت من مكانها ؛ ومباشرةً توجَّهت إليَّ بعينين مشرقتين ، واضعةً ذراعيها على كتفي . ثم شرعت تنشج باكية كما لو أنَّ قلبها يتفطَّر .
- ما الاختلاف إن ... إن كتبتَ .. أسطر .. قليلة ؟ آ .. أنتَ تبدو شاباً مرغوباً فيه !.. نعم ، لا يوجد ثمّة بوليسلوف ... وليست هناك تيريزا ! هنالك أنا فقط .. أنا وحيدة .
- ماذا ؟! هتفتُ مصعوقاً بكلماتها : " لا يوجد بولص مطلقاً " .
- لا ..
- ولا تيريزا ؟! .
- لا .. أنا هي تيريزا .
تطلعتُ إليها مذهولاً " أحدنا هو المجنون " ..
عادت إلى منضدتها . استخرجَت قطعة ورق : هنا ! " قالت " هذا ما وردني .. هنا ! .. خذ هذه الرسالة التي كتبتها لي . الناس الآخرون ذوو القلوب الرحيمة ستكتب لي بدَلك ." أمسكتُ الرسالة التي كتبتها لبوليسلوف المُتخيّل :
- اسمعي تيريزا . لماذا كل هذا ؟ لماذا تريدين الناس أن يكتبوا لكِ بينما أنتِ لم تبعثي الرسالةَ هذه ؟
- لمَن سأبعثها ؟
لم أدري ما أقول .. كل ما فعلته هو أنّي تحركتُ خارجاً . لكنَّها انطلقت تفوه :
- لا يوجد بوليسلوف . أنا خلقته وأردته أن يعيش . أدري أنني ليست كمثل الآخرين . أعرف أنني لا أتسبب بأذى أحد لو أنا كتبتُ إليه .
- ماذا تقصدين بقولكِ " إليه " ؟ .
- إلى بوليسلوف طبعاً ؟
- لكنكِ تقولين لا يوجد شخصٌ بهذا الاسم !
- نعم .. وما الضرر في عدم وجوده .. أكتب إليه كأنَّه رجلّ حقيقي . وهو أيضاً يردُّ عليَّ . أكتب له مرة أخرى ، ومّرة أخرى هو يرد .

وأخيراً فهمتُ . لقد أحسستُ بالذنبِ والخجلِ وبصدمةٍ مثلَ طعنةِ ألمٍٍٍ . آآ .. إلى جانبي تسكنُ إنسانةٌ فقيرة ليس لها ما يقابلُها من روح تبثُّه العواطفَ وتُظهِر له الخلجات .. لا أبوان لها ، لا أصدقاء . لذلك اخترعت لنفسها رجلاً تبثه خلجاتها .

استمرَّت تخاطبني بأسىً عميق : " الرسالةُ هذهِ التي كتبتها لي لتصل إلى بوليسلوف طلبت ُ من شخصٍ آخر يقرأها لي وبصوت عالِ . استمعتُ وتخيلتُ أن بوليسلوف رجلٌ يحيا في هذا العالم . ثم طلبتُ إجابةً من بولص إلى حبيبته تيريزا .. إلي . هكذا أشعرُ أن ثمة بوليسلوف يحيا في مكان ما . لا أعرف أين . وهكذا أستطيع التواصل في الحياة فتصبح عندي أقلَّ صعوبةٍ ، أقلَّ فضاعةٍ . وأقلَّ حدّة " .منذ ذلك اليوم وأنا أكتب الرسائل . اكتبها مرتين في الأسبوع . رسائل مرسلة من تيريزا إلى بوليسلوف ؛ وأخرى من بوليسلوف إلى تيريزا .

أقول كلماتي المليئة بالعاطفة ؛ وبالأخص الردود ، وهي تصغي إلى القراءة باكية ، ضاحكة ؛ ولكن سعيدة . وفي المقابل صارت تعتني بملابسي . ترتِّق قمصاني وجواربي ، وتنظف حذائي ، وتمسح قبعتي وتفرّشها .بعد ثلاثة أشهر ألقي القبض عليها بشبهةٍ فأودعت السجن . ولم أرها بعد ذلك .لا بدَّ أنها ماتت .

ترجمة : زيد الشهيد

يوسف الجميعة
11-01-2008, 10:39 PM
إلى مكسيم غوركي




منازل الأحباب في الدرب مضيئة
فانزل على الرحب بحارة " الفولغا "
وعمال " مدريد " يغنون من القلب "
رفيقنا !
الجبال مكسوة بالثلج
والسماء بالسحب
ولم يزل انساننا باسماً
للموت في عشية الصلب
والأرض من أعماقها
لم تزل تفيض بالعطاء والخصب
ولم يزل مكسيم *
في صوته الأخضر
إنساناً من الشعب
ولم تزل " موسكو " على عهدها
منارة للسلم والحب
قوافل, قوافل في المدى
تصنع فجر الغد في الدرب
رفيقنا
الجبال مكسوة بالثلج
والسماء بالسحب
ولم يزل انساننا باسماً
للموت في عشية الصلب

عبدالوهاب البياتي - 1958م
* بتصرف



انتهى, وتحياتي للجميع, وشكراً لمن ثبت الموضوع, على أمل أن يلاقي القليل من استحسانكم. :rose:

أنـوثـة للحظـات
12-01-2008, 02:55 PM
حيث يرى أن الأدب مبني على النشاط الاقتصادي في نشأته ونموه وتطوره، وأنه يؤثر في المجتمع بقوته الخاصة، لذلك ينبغي توظيفه في خدمة المجتمع

أوه!، إذاً فقد انطلق هذا التوظيف من غوركي أولاً!
غوركي، بايرون، كامو .. وغيرهم، سيرتهم عززت لدي نظرة ما أكثر، أن الأديب في الأزمنة السابقة كان يتأثر بما حوله
الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها، أننا لا نعيش بمعزل عن العالم، نحنُ نعيش مع أشخاص آخرين، في مجتمع كامل، نتأثر بهم، بشكل كامل أو جزئي، نقيم علاقات معهم، نحاول أن نغير بهم مانرى أننا نستطيع أن نقدمه لهم إذا كان هذا يدعو إلى تقدمهم، وإن لم يستطع التعايش معهم فإنه يلجأ فوراً إلى التغيير.
إذاً فالإنسان بطبعه يعيش كل الأجواء حوله، سواء كانت الاجتماعية، أو السياسية، او الاقتصادية، أو الثقافية، ويكتسب صفات المجتمع حوله، حتى لو لم يبدِ اهتماماً في مجال معين ولكنه يضل حتى لو اتجه هذا الإتجاه فإن التأثر بالوضع الحالي الذي هو في داخله سيظهر عليه.
يتضح لنا هذا كثيراً حينما نقرأ سِير لمؤلفين، سواء كانوا شعراء أو روائيين أو مفكرين أو متخذين لأي فنّ إبداعاً لهم، فإن أبرزهم سنجد أن حياتهم التي انطلقوا منها كانت هي الدافع لظهور هذا الفن لديهم.
ولدينا الكثير من الأمثلة على هذا، ومنها آلبير كامو، الأديب الفرنسي الأصل، الجزائري المولد، فقد قرأت عنه أنه ولد وسط ظروف الاستعمار الفرنسي للجزائر عام 1913م وحينها كانت الوجودية قد برزت بشكل قوي، وقد كانت مواقفه السياسية المؤيدة للشيوعية سبب تعرفه على الكثير من الأدباء المهتمين بالسياسة كأصدقاء أمثال سارتر قبل نبذه من الحزب الشيوعي، وكان إذ درس الفلسفة في جامعة الجزائر فقد ركز على الوجودية في دراسته ومن ثم في أعماله الأدبية و الصحفية، حيث قالت عنه : ( كان شغله الشاغل في أعماله محاولة اكتشاف الأبعاد الحقيقية للإنسان , لذلك ففلسفته إنسانية وجودية . حاول جاهدا أن يوضح أن الإنسان ليس في حاجة للانتساب إلى مبادئ أخلاقية عليا حتى يكون على خلق،.ويبدو أن حياة كامو نفسها هي التي دفعته إلى ذلك المنحى , إي إلى أن يؤقلم معتقداته وآراءه مع الحياة )، إذاً فما هذه الأبحاث والدراسات و التي أخذت منحى كامو الأدبي إلاّ نتيجة للأوضاع السياسية التي عاش فيها منذ طفولته.
وعن سيرة اللورد جورج بايرون التي ذكرتها أنت سابقاً ، ذُكر فيه أن نشأة اللورد في عصر رومانسي يهتم بالأدب الشرقي جعله ينحى هذا الطريق، حيث اتسمت قصائده بالطابع الرومانسي والملامح الشرقية، ويتضح ذلك – كما ذُكر – في الأنشودة الأولى لـ أسفار شيلد هارولد، وصورته التي أشتهر فيها وهو يرتدي ملابس شرقية معتماً بعمامة وفارداً شاربيه كالأتراك.
لذا فقد تتجد علاقة الكاتب دائماً في المكان و الزمان في كتاباته، وربما حتى في توجهه، فلو عاش مثلاً في جو يهتم بشكل كبير جداً بالفن التشكيلي لوجدناه أنه يتخذ هذا المنحى وهذا الفن كاهتماماً له، وهكذا في كل الفنون، ولذا عند العودة إلى تاريخ كل فن فإننا لن نجد كل شيء هائماً بخروجه وولادته، بل سنجد أن السيرة تنقسم إلى عدة أجيال وكلّ جيل يمثل عصر مختلف وهناك فنانين مثلوا هذا الجيل، ونلاحظ أن طابعهم واحد وهدفهم واحد و مبدأهم واحد، وإن شذّ عنهم أحد آنذاك فإنه قد لا يجد الرواج الكبير أو التقبل، شيئاً فشيئاً حتى ينتهي هذا العصر ثم تبدأ هناك قيامة عصر جديد.
وتأثره هنا هو وفناني جيله لا يعني بالضرورة تكرار الأعمال لدى الكثير، بل في المبدأ فقط، ولكل منهم حالته الخاصة في فنه.
وهذا التأثر بالطابع المحيط السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي هو ما خلق الجو المختلف داخل الفنان، فلم يعد كل فن بمعزل عن الآخر ولا رابط بينهما، بل أصبحت هناك قواسم مشتركه بينها جميعاً، حيث أن صورتهم واحدة، صوتهم واحد، وخلفيتهم واحدة، ولكن ما يختلف بينهم أسلوبهم التعبيري، ولكنه لا يظهر الآن في عصرنا، حيث أصبح الفنان حينما تتطلع إلى فنه تشعر أنه اشتغل عليه بمعزل عن كل شيء، فلا تظهر فيه سوى جوانب معينة من حياته التي حوله، فترى القصائد مثلاً لا تحمل ثقافات مختلفة بل هي عناوين ومحاور محددة كلها يدور حولها بعض الشعراء بتكرار، وترى اللوحات التشكيلية تمثل الفرد فقط، وهكذا في جميع انواع الفنون الأخرى، وهذا ما جعل الفن مزدهراً في الماضي أكثر من الحاضر، حيث أن الفنان لم يكن مجرد معبر عن فن واحد فقط ورسالة واحدة فقط، بل كان يحمل صندوق به الكثير الرسائل مما جعله فناناً حقيقياً صادقاً.

كعادتك يا يوسف، مذهل كثيراً:rose:

الفياض
13-01-2008, 12:18 PM
أستاذ يوسف ، مذهل فعلا ، وثرّ ، ومليء كالعادة ، أشكر روحا تمنحك كل هذا ..

سويس
15-01-2008, 02:45 AM
بوليسلوف - قصة قصيرة
بقلم / مكسيم غوركي



تحياتي :m:

يوسف الجميعة
15-01-2008, 06:58 PM
أوه!، إذاً فقد انطلق هذا التوظيف من غوركي أولاً!
غوركي، بايرون، كامو .. وغيرهم، سيرتهم عززت لدي نظرة ما أكثر، أن الأديب في الأزمنة السابقة كان يتأثر بما حوله
الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها، أننا لا نعيش بمعزل عن العالم، نحنُ نعيش مع أشخاص آخرين، في مجتمع كامل، نتأثر بهم، بشكل كامل أو جزئي، نقيم علاقات معهم، نحاول أن نغير بهم مانرى أننا نستطيع أن نقدمه لهم إذا كان هذا يدعو إلى تقدمهم، وإن لم يستطع التعايش معهم فإنه يلجأ فوراً إلى التغيير.
إذاً فالإنسان بطبعه يعيش كل الأجواء حوله، سواء كانت الاجتماعية، أو السياسية، او الاقتصادية، أو الثقافية، ويكتسب صفات المجتمع حوله، حتى لو لم يبدِ اهتماماً في مجال معين ولكنه يضل حتى لو اتجه هذا الإتجاه فإن التأثر بالوضع الحالي الذي هو في داخله سيظهر عليه.
يتضح لنا هذا كثيراً حينما نقرأ سِير لمؤلفين، سواء كانوا شعراء أو روائيين أو مفكرين أو متخذين لأي فنّ إبداعاً لهم، فإن أبرزهم سنجد أن حياتهم التي انطلقوا منها كانت هي الدافع لظهور هذا الفن لديهم.
ولدينا الكثير من الأمثلة على هذا، ومنها آلبير كامو، الأديب الفرنسي الأصل، الجزائري المولد، فقد قرأت عنه أنه ولد وسط ظروف الاستعمار الفرنسي للجزائر عام 1913م وحينها كانت الوجودية قد برزت بشكل قوي، وقد كانت مواقفه السياسية المؤيدة للشيوعية سبب تعرفه على الكثير من الأدباء المهتمين بالسياسة كأصدقاء أمثال سارتر قبل نبذه من الحزب الشيوعي، وكان إذ درس الفلسفة في جامعة الجزائر فقد ركز على الوجودية في دراسته ومن ثم في أعماله الأدبية و الصحفية، حيث قالت عنه : ( كان شغله الشاغل في أعماله محاولة اكتشاف الأبعاد الحقيقية للإنسان , لذلك ففلسفته إنسانية وجودية . حاول جاهدا أن يوضح أن الإنسان ليس في حاجة للانتساب إلى مبادئ أخلاقية عليا حتى يكون على خلق،.ويبدو أن حياة كامو نفسها هي التي دفعته إلى ذلك المنحى , إي إلى أن يؤقلم معتقداته وآراءه مع الحياة )، إذاً فما هذه الأبحاث والدراسات و التي أخذت منحى كامو الأدبي إلاّ نتيجة للأوضاع السياسية التي عاش فيها منذ طفولته.
وعن سيرة اللورد جورج بايرون التي ذكرتها أنت سابقاً ، ذُكر فيه أن نشأة اللورد في عصر رومانسي يهتم بالأدب الشرقي جعله ينحى هذا الطريق، حيث اتسمت قصائده بالطابع الرومانسي والملامح الشرقية، ويتضح ذلك – كما ذُكر – في الأنشودة الأولى لـ أسفار شيلد هارولد، وصورته التي أشتهر فيها وهو يرتدي ملابس شرقية معتماً بعمامة وفارداً شاربيه كالأتراك.
لذا فقد تتجد علاقة الكاتب دائماً في المكان و الزمان في كتاباته، وربما حتى في توجهه، فلو عاش مثلاً في جو يهتم بشكل كبير جداً بالفن التشكيلي لوجدناه أنه يتخذ هذا المنحى وهذا الفن كاهتماماً له، وهكذا في كل الفنون، ولذا عند العودة إلى تاريخ كل فن فإننا لن نجد كل شيء هائماً بخروجه وولادته، بل سنجد أن السيرة تنقسم إلى عدة أجيال وكلّ جيل يمثل عصر مختلف وهناك فنانين مثلوا هذا الجيل، ونلاحظ أن طابعهم واحد وهدفهم واحد و مبدأهم واحد، وإن شذّ عنهم أحد آنذاك فإنه قد لا يجد الرواج الكبير أو التقبل، شيئاً فشيئاً حتى ينتهي هذا العصر ثم تبدأ هناك قيامة عصر جديد.
وتأثره هنا هو وفناني جيله لا يعني بالضرورة تكرار الأعمال لدى الكثير، بل في المبدأ فقط، ولكل منهم حالته الخاصة في فنه.
وهذا التأثر بالطابع المحيط السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي هو ما خلق الجو المختلف داخل الفنان، فلم يعد كل فن بمعزل عن الآخر ولا رابط بينهما، بل أصبحت هناك قواسم مشتركه بينها جميعاً، حيث أن صورتهم واحدة، صوتهم واحد، وخلفيتهم واحدة، ولكن ما يختلف بينهم أسلوبهم التعبيري، ولكنه لا يظهر الآن في عصرنا، حيث أصبح الفنان حينما تتطلع إلى فنه تشعر أنه اشتغل عليه بمعزل عن كل شيء، فلا تظهر فيه سوى جوانب معينة من حياته التي حوله، فترى القصائد مثلاً لا تحمل ثقافات مختلفة بل هي عناوين ومحاور محددة كلها يدور حولها بعض الشعراء بتكرار، وترى اللوحات التشكيلية تمثل الفرد فقط، وهكذا في جميع انواع الفنون الأخرى، وهذا ما جعل الفن مزدهراً في الماضي أكثر من الحاضر، حيث أن الفنان لم يكن مجرد معبر عن فن واحد فقط ورسالة واحدة فقط، بل كان يحمل صندوق به الكثير الرسائل مما جعله فناناً حقيقياً صادقاً.


كعادتك يا يوسف، مذهل كثيراً:rose:



العزيزة هديل
حرام عليك!
لا تعليق لدي حول ماذكرتي. مذهلة كعادتك, وأكثر والله.:rose:

يوسف الجميعة
15-01-2008, 06:59 PM
أستاذ يوسف ، مذهل فعلا ، وثرّ ، ومليء كالعادة ، أشكر روحا تمنحك كل هذا ..


الفياض
أهلاً بك أخي العزيز. أتمنى أن استحق هذا الثناء منك. تحياتي لك.:rose:


سويس
مرحباً بك.

عمر بك
15-01-2008, 10:22 PM
أيجب أن نخبرك أننا نتابعك من أول رد, كما فعلنا في موضوع الثورة الفرنسية!

رائع, مذهل جداً .

Ophelia
18-01-2008, 06:45 PM
http://upthings.googlepages.com/DSC00010.jpg
يعني بصراحة اسم مكسيم غوركي بحد ذاته هو "شغلة"
وهذا الموضوع بحد ذاته أيضاً "شغلة" تانية
والقراءة لمكسيم غوركي، كما عبرت إحدى شخصياته، "تكنس الغبار من خلايا مخك"

مؤلفات مكسيم غوركي المختارة بستة مجلدات تحتوي على الكتب التالية:
المجلد 1: طفولتي
المجلد 2 - بين الناس . جامعياتي
المجلد 3 - قصص (عام 1892 - عام 1936)
المجلد 4 - قصص ( عام 1912 - عام 1936 )
المجلد 5 - الأم
المجلد 6 - مسرحيات

وهي جميعاً صادرة عن دار التقدم موسكو 1983
وبترجمة المحامي سهيل أيوب


في المجلد الثالث نجد القصص التالية:
ماكار تشودرا ، رفيقي في الطريق، الجد ارخيب وليونكا ، العجوز ايزرغيل، تشيلكاش، مرة في الخريف، كونوفالوف، مالفا، ستة عشرون رجلا وفتاة واحدة، مدينة الشيطان الأصفر، انشودة نذير العاصفة

وفي المجلد الرابع:
حكايات عن ايطاليا ( الاضراب، اطفال بارما، النفق، الأم، نونشيا، بيب)
أقاصيص ( مولد انسان، انزلاق الجليد، الاحازين الغليظة، الحب الأول، قصص عن الأبطال)
صور أدبية (انطون تشيخوف، ليف تولستوي، فلاديمير ايليتش لينين)


"لعبقرية غوركي تسمية واحدة فقط - الحقيقة".
ستيفان سفيغ

"..غوركي - موهبة فنية ضخمة، حمل، ويحمل الكثير من الفائدة للحركة البروليتارية العالمية."
ف.لينين

"لم يكن لأحد كغوركي مثل هذه الثقة بالحياة، بإمكانية حلول "العصر الذهبي" للانسانية باصالة، وفي نفس الوقت لم يكن هنالك من فهم تراجيديا الحياة وتعقيداتها مثله. ولهذا كان هو بالذات من طالب الناس باجتراح المآثر البطولية، علمهم البطولة، وكان هو نفسه مثالاً يحتذى في هذا الميدان"
ليونيد ليونوف، كاتب سوفييتي معروف


شكراً يوسف

Ophelia
19-01-2008, 08:50 PM
بعد إذن صاحب الموضوع سأنقل إحدى قصص مكسيم وقد حدث أني قرأتها وأحببتها كثيراً جدن فقلت أنقلها لكم



الحب الأول


... في هاتيك الفترة جعلني القدر، ومأربه الوحيد إكمال تثقيفي، أجتاز تجربة مريرة للحب الأول، حب اتسم بسيماء السخرية والمأساة معاً.
اتفق بعض أصدقائي على القيام برحلة في القوارب على سبيل المتعة في نهر أوكا، وانتدبوني لدعوة س... وزوجته، وهما زوجان آبا من فرنسا مؤخراً ولم تتح لي معرفتهما بعد. فزرتهما في العشية.
كانا يقطنان قبواً في بيت قديم، تقوم أمامه، من أحد طرفي الشارع إلى الطرف الآخر، بركة موحلة لا تحول ولا تزول طوال فصل الربيع وأكثر فصل الصيف، تتخذ منها الغربان والكلاب مرآة، والخنازير حماماً.
كان التفكير قد استغرقني إلى حدّ أني انزلقت إلى شقة أناس لا أعرفهم، مثل كومة من تراب انهالت من تل، فأثرت هلعاً غريباً. واستقبلني رجل سمين أنبس الوجه، ربعة في القامة، له لحية شقراء كثة وعينان زرقاوان لطيفتان، انتصب في طريقي فحجب بجسمه مدخل الغرفة المجاورة.
أصلح من وضع ثيابه، ونبر في اقتضاب:
- ماذا عساني أفعل لك؟
وأضاف موبخاً:
- قبل أن يدخل المرء بيتاً يقرع الباب عادة.
استطعت أن أرى في ظلال الغرفة وراءه شيئاً يماثل طيراً كبيراً أبيض اللون يهوّم هنا وهنالك، وجاءني صوت مشرق النبرة واضح الرنة يقول:
- وبخاصة اذا أتيت تزور زوجين.
استوضحت في شيء من الاستياء عما اذا كانا من أسعى إلى رؤيتهما، وما أن أكد لي الرجل الذي بدا مثل تاجر رخي العيش ذلك، شرحت له هدف زيارتي.
كرر الرجل قائلاً، وهو يمسّد لحيته في وقار:
- تقول أن كلارك أرسلك؟
وانتفض فجأة وصاح بألم:
- أواه ! أولفا!
واستدار، وأمسك ذلك الجزء من جسده الذي لا يأتي الناس على ذكره في المجتمع المؤدب لوقوعه أسفل بقليل من الظهر. ورنّ في خلدي أنه نال قرصة.
أخذت مكانه عند المدخل فتاة نحيلة القوام زنّرت إليّ عينين زرقاوين باسمتين:
- من أنت؟ شرطي؟
فأجبت متأدباً:
- أوه، كلا. سروالي لا غير
ضحكت، ولم أغضب أنا لأن البريق في عينيها كان الشيء الذي حننت طويلاً إلى رؤيته. وبدا أن ثيابي استثارت ضحكها. فقد كنت أرتدي سروالاً أزرق من سراويل الشرطة وسترة بيضاء من سترات الطهاة. وكانت هذه الأخيرة الجزء الأكثر ملاءمة في لباسي، تقوم مقام سترة عادية ومزررة حتى العنق فلا يستدعي ارتداء قميص تحتها.
وكانت استعارتي لحذاء مما يلبسه القنّاصون وقبعة عريضة الحواف يرتديها قطاع الطرق الايطاليون اللمسات الأخيرة الفعالة في موضوع ذلك اللباس.
شدتني من يدي إلى الغرفة، ودفعتني ناحية المنضدة، وسألت:
- فيم تراك ترتدي مثل هذه الثياب الغريبة؟
- ولماذا تسمينها غريبة؟
فردت تسترضيني:
- تعال، لا يفعمنّك الغضب.
يا للفتاة الغريبة! كيف يمكن أن يغضب المرء منها؟
كان الرجل الملتحي جالساً على السرير يلف دخينة. أنحيته بصري، واستفسرت:
- هل هو والدك أم شقيقك؟
فأجاب متأنياً:
- زوجها!
وسألتني هي ضاحكة:
- لم سؤالك؟
قلت بعيد أن ترنّيتها بنظري:
- سامحيني.
استمررنا نبدي مثل هذه الملحوظات القصيرة قرابة خمس دقائق وغادرت المكان مطمئناً تحدوني الرغبة إلى البقاء في ذلك القبو طوال خمس ساعات، أو خمس أيام، أو خمس سنوات حيث أعب من متعة الترنّي إلى وجهها البيضوي الوسيم وعينيها الوديعتين. كانت الشفة السفلى في ثغرها الصغير أكثر امتلاء من العليا، يخال المرء معها أنها منتفخة قليلاً.وكانت قد قصت شعرها البني الكثيف قصيراً بحيث شكّل قبعة من زغب حول رأسها، وتجعّد حول أذنيها الشبيهتين بالصدفة وخديها الموردين. وكانت يداها وذراعاها في القمة من الفتنة. وقد رأيتهما عاريتين حتى المرفقين حين انتصبت عند المدخل وقد اعتمدت عضادة الباب. كانت ثيابها بسيطة بسيطة، فهي ترتدي بلوزة بيضاء ذات ردنين كاملين ونهاية مطرزة، وتنورة ناصعة تلف جسدها لفاً. وأروع ما كان يميز ملامحها هما عيناها. يا للفرحة، والعطف، والفضول الودي الذي تشعانه! وأكثر من ذلك أنهما تضيئان بنوع من الابتسام (وليس في ذلك ذرارة من ريب!) يتوق إليه شاب في العشرين من عمره، وبخاصة اذا كانت الظروف الخشنة سحقت قلبه سحقاً.
أعلن زوجها، وقد نفث سحابة من الدخان في لحيته:
- السماء توشك أن ترسل غيثها.
مددت نظري من النافذة. كانت السماء صافية مرصعة بالنجوم. فهمت أنني زائد في عين هذا الرجل وارتحلت. وكنت مفعماً بذلك السرور الرخي الذي يطغى على امرئ عثر على ما كان يفتش عنه طويلاً.
قضيت الليل بطوله أضرب في الحقول، أطيل التفكير في ذلك الاشعاع الحنون لتينك العينين الزرقاوين. وأقنعت نفسي عند الصباح أن ذلك المخلوق الضخم البنية، صاحب اللحية والطلعة الراضية الشبيهة بطلعة قط حسن التغذية، ليس جديراً بهذه السيدة الصغيرة كزوج. وأحسست بالرثاء لها حقاً، تلك الغالية المسكينة! ما أبأس فكرة أن تعيش مع زوج يحمل في لحيته كسراً من الخبز!
انطلقنا في اليوم التالي في رحلة بالقوارب على نهر أوكا المضبّ تحت جسر عال مخطط بطبقات من الطين المتعدد الألوان. وكان النهار من أروع النهارات منذ خليقة العالم. فالشمس تلتهب في سماء مهرجانية، وشذى التوت البري الناضج يسبح فوق النهر، والناس عارفون ما في نفوسهم من طيبة تملؤني غبطة وحباً لهم. حتى زوج معبودتي بدا شاباً رائعاً- لم يركب القارب الذي جلست فيه زوجته والذي كنت أجذّف فيه. وكان تصرفه مثار الاعجاب النهار بطوله. روى لنا أول الأمر قصصاً شائقة عن غلادستون، ثم نهل جرة من الحليب الفاخر، واضطجع تحت شجرة، وأغفى مثل طفل صغير حتى حلول المساء.
بالطبع كان قاربنا الأول في الوصول إلى مكان النزهة. وحين حملت سيدتي خارج القارب عالنتني قائلة:
- لكم أنت قوي!
شعرت أني مقتدر على قلب أعلى برج كنيسة وأخبرتها أنني قادر على حملها في طريق العودة إلى البلدة (وتبعد سبعة فراسخ كاملة) ولا يكلفني شيئاً من جهد. ضحكت ضحكة رقيقة، وهدهدتني بعينيها. وعيت النهار بطوله وميض عينيها، وكنت على ثقة، من دون ريب، أنهما تومضان لي وحدي.
تطورت الأمور بسرعة طبيعية تماماً لامرأة صبية التقت حيواناً لم تشاهد مثله من قبل، ولصبي قوي يستحوذ عليه التوق إلى ملاطفات امرأة.
وما أسرع أن تناهى إليّ أنها، على الرغم من طلعتها الغضة، تكبرني عشر سنوات، وأنها تخرجت من مدرسة الشابات النبيلات في بيلوستوك، وكانت مخطوبة إلى آمر القصر الشتوي في بطرسبورج، وعاشت في باريس، ودرست الرسم وألمت بفن التوليد. وتبين فيما بعد أن والدتها، أيضاً، كانت تمارس القبالة ومسؤولة عن خروجي إلى هذا العالم. واعتبرت ذلك نذيراً طيباً واغتبطت به.
كانت مزاملتها للبوهيميين واللاجئين السياسيين، والصلة الوثيقة التي ربطتها بواحد من هؤلاء الأخيرين، والحياة نصف الساغبة نصف المتشردة التي عاشاها في الأقبية والعلّيات في باريس، وبطرسبورج، ولكنها تبعث على الاهتمام بصورة غريبة. كانت أنيقة مثل طائر القرقف، ترى الحياة والناس بعيني تلميذة ذكية فضولية، وتغني أغنيات فرنسية تفيض بهجة، وتدخن برشاقة، وترسم بمهارة، وتبدي شيئاً من الموهبة في التمثيل، وتبدي خبرة في صنع الثياب والقبعات. والأمر الوحيد الذي لم تمارسه هو التوليد.
قالت:
- مرّ في حياتي أربع ولادات، انتهت ثلاثة أرباعها بالموت.
كان ذلك كافياً ليفقدها كل رغبة في تقديم المعونة المباشرة لزيادة السكان. أما بالنسبة إلى الاشتراك المباشر فقد شهدت لها ابنة فاتنة في الرابعة من عمرها بكفاءتها العالية في هذا الميدان. كانت تتحدث عن نفسها كمن يتحدث عن شخص تعرفه معرفة حميمة ولكنها بدأت تضجر منه قليلاً. وبين حين وآخر تبدو أشبه بمن أثارت دهشة نفسها: تزداد عيناها ظلمة محببة، وتومض في أعماقها ابتسامة مرتبكة خفيفة. إن الأطفال الذين يتملكهم الخجل يبتسمون مثل هذه الابتسامة.
كنت عارفاً بذهنها الوقّاد السريع، وتأكد لي أنها أكثر مني ثقافة، وشدهتني الكياسة المحببة التي تعامل بها أمثالها من الناس. فقد كانت تثير اهتماماً أكثر بكثير من أي فتاة أو امرأة لقيت في حياتي. وكان الأسلوب العرضي الذي تروي به قصة من القصص يفعل فعله فيّ ويقودني إلى الايمان أنها، بالاضافة إلى معرفة جميع ما كان يعرفه رفاقي أصحاب الأفكار الثورية، كانت هي تملك معرفة أخرى، أسمى وأكثر قيمة، ولكنها تراقب كل شيء من بعيد، فكأنها متفرجة، وعلى سيماها ابتسامة يخلعها الكبار على ملامحهم حين يروحون يراقبون لعب الأطفال المعروف لهم، اللطيف والخطير أحياناً.
كان القبو الذي تقطنه مؤلفاً من غرفتين: مطبخ صغير يستخدم مدخلاً أيضاً، وحجرة وسيعة ذات ثلاث نوافذ قبالة الطريق، ونافذتين تطلان على باحة قذرة تعج بنفايات. ومما لا ريب فيه أن ذلك القبو يمكن أن يكون منزلاً ملائماً لاسكافي، وليس لسيدة أنيقة عاشت في باريس، العاصمة المقدسة للثورة العظمى، لموليير وبومارشيه وهوغو وآخرين من أمثالهم. وكان هنالك تنافر آخر كثير بين الصورة والاطار، الأمر الذي أزعجني وأثار ، فيما أثار من عواطف وجدانية، شعوراً بالحنو على تلك المرأة. فقد بدت، وكأنها، هي نفسها لا تلاحظ ما كانت اهانة مؤكدة لها في رأيي.
كانت تنهمك في العمل منذ طلة الصباح حتى عسعسة الليل، بصفة طاهية وخادمة، ثم تجلس إلى المنضدة الكبيرة تحت النوافذ وتنقل صوراً قلمية عن صور ضوئية لسكان واسعي الثراء، أو ترسم خرائط وتلونها، أو تساعد زوجها في تصنيف كتب عن الاحصاءات القروية. وكان غبار الشارع يساقط عبر النافذة المفتوحة على رأسها وعلى المنضدة، وأرجل السابلة تلقي ظلالاً كثيفة على أوراقها. وكانت ترسل أغانيها وهي تعمل، وحين ينهكها التعب من جراء جلوسها تنهض وترقص الفالس برفقة أحد المقاعد أو تلاعب طفلتها. ومهما يكن العمل الذي تنجزه قذراً فهي تظل على الدوام حسنة الهندام نظيفة مثل قطة.
كان زوجها كسولاً طيب السريرة، ألف قراءة الروايات الفرنسية المترجمة إلى الروسية وهو مضطجع في سريره، وبخاصة روايات دوماس الأب. وكان يقول: "إنها تكنس الغبار من خلايا مخك". وكان ينظر إلى الحياة "من وجهة نظر علمية محضة"، ويطلق على طعام الغداء تعبير "امتصاص القوت" وما أن ينتهي من تناول الطعام حتى يعلن:
- كيما تدفع الطعام من المعدة إلى خلايا الجسد ينبغي أن تكون الأعضاء في حال من الاسترخاء التام.
وهكذا فهو يتسلق سريره دون أن يبالي بإزالة كسرات الخبز من لحيته، ويقرأ دوماس أو ده مونتبان عدة دقائق، ثم يروح يشخر في منتهى السعادة طوال ساعتين كاملتين، تاركاً شاربيه الدقيقين يتحركان فكأن حشرات غير منظورة تزحف فيهما. وحين يهب من نومه يحملق متسائلاً في شقوق السقف برهة من الزمن، ويقول من بعد:
- لقد أعطى كوزما ترجمة خاطئة لأفكار بارنيل الليل الماضية.
وسرعان ما يسرع خطواته بعد ذلك إلى بيت كوزما على أمل افهامه الحقيقة، ويخاطب زوجه عند الفراق قائلاً:
- أنهي عني حساب عدد الفلاحين ممن لا خيول لهم في مقاطعة ميدان. وسوف أعود سريعاً.
ويرجع أدراجه عند انتصاف الليل أو بعد ذلك إلى البيت جذلان:
- أفلم أجعلها ورطة بالنسبة إلى كوزما! أن له ذاكرة طيبة للحقائق، فلتصبه اللعنة، ولكن لي ذاكرة طيبة أنا الآخر. وبالمناسبة، فهو لا يفهم أول شيء عن السياسة الشرقية لغلادستون.
كان يتحدث على الدوام عن بينيه، وريشيه، والصحة الذهنية، وحين يحجزه المطر عن الخروج من البيت يأخذ على عاتقه مهمة تدريس ابنة زوجته الصغيرة التي أبصرت النور مصادفة على الدرب بين قضيتين من قضايا الحب:
- يجب أن تمضغي طعامك جيداً، يا لوليا، فذلك يساعد على الهضم بوساطة تسارع تحويل الطعام إلى خليط من العناصر الكيماوية السهلة الامتصاص.
وبعد الغداء، حين يكون قد حوّل أعضاءه إلى حال من "الاسترخاء المطلق"، يحمل الصغيرة إلى الفراش ويقول على سبيل رواية قصة على مسمعها:
- وهكذا حين عمد نابليون المتغطرس المتعطش للدماء إلى اغتصاب السلطة...
كانت محاضراته تثير في زوجته عاصفة متشنجة من الضحك، ولكنه لا يبالي بذلك – فهو يستغرق في النوم قبل أن يجد متسعاً من الوقت للانفعال غضباً. وبعد أن تلهو الفتاة الصغيرة بلحيته الحريرية فترة من زمن تنطوي على نفسها وتستغرق في النوم بدورها. وقد غدوت صديقها الحميم. فهي تستلطف الأقاصيص التي أرويها لها أكثر من محاضرات بولسلاف عن مغتصب السلطة المتعطش للدماء وتعيسته جوزيفين. وأثار نجاحي غيرة بولسلاف الأكول:
- إني أعترض، يا بشكوف! قبل أن نتيح للصغيرة الاحتكاك بالحياة ذاتها ينبغي أن نعملها المبادئ الأساسية التي تحدد مفهومها الضمني. من سيئاتك الكبرى أنك لا تعرف اللغة الانكليزية لتقرأ كتاب "علم الصحة الذهنية للأطفال"..
وكنت أشك في أنه، هو نفسه، يعرف من اللغة الانكليزية غير كلمتين: "غود باي".
كان عمره ضعف عمري، ولكنه فضولي مثل بودل* صغير، يتعشق الثرثرة وأن يخلق لدى المرء انطباعاً أنه يعرف جميع أسرار الحلقات الثورية الأجنبية مثلما يعرف الحلقات الروسية تماما. ولعله يعرفها حقاً، فقد كان يزوره على الدوام غرباء يتصرفون مثل ممثلين تراجيديين عظام أرغموا في هذه اللحظة على القيام بأدوار المغفلين. وفي منزله التقيت الثوري سابونايف الذي كان يرتدي، بسبب من اختبائه من الشرطة، جمة حمراء بشعة وحلة مبهرجة ضيقة عليه بصورة ساخرة.
رأيت ذات يوم عند وصولي إليه رجلاً صغيراً عجولاً له رأس صغير وطلعة حلاق. كان يلبس سروالاً مخططاً، وسترة رمادية وحذاء مصرصراً. دفعني بولسلاف إلى المطهى، وهمس قائلاً:
- جاء من باريس لتوه حاملاً معلومات على جانب من الخطورة.. وينبغي أن يجتمع بكورولينكو. فتلطّف بتدبير ذلك..
بذلت جهدي، لكنه تبين أن كورولينكو رأى ذلك الرجل بعدما أشاروا إليه في الشارع، فعالنني في ثقة:
- كلا، شكراً لك، فليس لديّ ما أفعله مع هذا الغندور!
وكان بولسلاف يعتبر ذلك اهانة للباريسي و "قضية الثورة" على حد سواء. فأمضى اليومين التاليين ينشئ رسالة إلى كورولينكو، يصوغ احتجاجه آونة في ألفاظ من الشجب الغاضب، وآونة في عبارة من التوبيخ اللطيف، وأخيراً أرسل جميع جهوده التي بذلها في تدبيج الرسائل إلى الفرن. وما أسرع أن أعقب ذلك سلسلة من الاعتقالات في موسكو، ونيجني نوفجورود، وفلاديمير، وتبين ان الرجل المرتدي سروالاً مخططاً لم يكن سوى لانديزن – غارتن الشهير، أول عميل للشرطة وقعت عليه عيناي.
وعلى أي حال، فقد كان زوج محبوبتي من طراز طيب، عاطفي نوعاً ما، له مسحة ساخرة زودته بها "الأمتعة العلمية" التي ألقت عبأها على كتفيه. وقد اعتاد ، هو نفسه، أن يقول:
- المسوّغ الوحيد للمثقف في الحياة هو أن يجمع المعرفة العلمية التي يستطيع الحصول عليها، ثم يوزعها بين الجماهير دون أن يفكر في اجتناء ربح شخصي...




• كلب ذكي كثيف الشعر أجعد.






بكمل لاحقاً..

يوسف الجميعة
20-01-2008, 01:53 AM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/JPG



في ذكرى مرور 70 عاما على وفاة مكسيم غوركي
بقلم: ليف تروتسكي





توفي غوركي، حينما لم يعد لديه ما يقوله. وهذا يشكل عزاء لموت كاتب بارز، ترك اثراً عميقاً في تطور الانتلجينتسيا الروسية والطبقة العاملة على مدى 40 عاما. بدا غوركي شاعراً مشرداً. وكانت مرحلته الأولى تلك أفضل مراحله كفنان. فمن القاع، من أحياء الفقراء جلب غوركي للانتلجينتسيا الروسية روح الجرأة الرومانسية ـ بسالة الناس الذين ليس لديهم ما يفقدونه. وكانت الانتجيلنتسيا تستعد لكسر قيود القيصرية. وافتقرت للجرأة، ونقلت هذه الجرأة للجماهير. وبالطبع لم يجد المشرد الحي مكاناً له في أحداث الثورة لربما فقط بأعمال السلب والتدمير. وجابهت البروليتاريا في ديسمبر 1905 تلك الانتلجينتسيا المتطرفة، التي حملت غوركي على اكتافها، كخصم. وقام غوركي بجهود نزيهة ولدرجة ما بطولية حين ادار وجهه نحو البروليتاريا. وتبقى رواية " الام" الثمرة الاروع لتلك المرحلة. فقد استحوذ بصورأوسع لاقياس لها وحفر بشكل أعمق مما كان في السنوات الاولى. بيد ان المدرسة الادبية والدراسة السياسية لم تصبح بديلا للمباشرة البديعة التي تميزت المرحلة الاولى. واكتشف في المشرد الذي تمالك نفسه بقوة، منطقا بارداً فاخذ الفنان ينحرف نحو النزعة التعليمية والوعظ. وتوزع غوركي في مرحلة الردة الرجعية بين الطبقة العاملة التي غادرت الساحة العلنية، وبين الانتلجينتسيا صديقته/ عدوته القديمة وتطلعاتها الدينية الجديدة. والى جانب الراحل لوناتشارسكي ولع بالموجة الصوفية. وظلت قصة "الاعتراف" الضعيفة اثرا لذلك الاستسلام الروحي.
إن أعمق ما تأصل في هذا المتعلم ذاتيا غير العادي، عبادة الثقافة: وكأن أول تعامل معها لسعه على مدى الحياة. كان ينقص غوركي المدرسة الفكرية الحقيقية ويعوزه الحدس التاريخي، حتى يقيم بينه وبين الثقافة مسافة كافية ليحصل لنفسه على القسط الضروري من حرية التقييم النقدي. وشاب علاقته بالثقافة دوما، قدرا غير قليل من الصنمية وعبادة الاوثان.

وتعامل غوركي مع الحرب بالدرجة الأولى بمشاعر الخوف على القيم الثقافية للبشرية. ولم يكن امميا بقدر ما كان كوسموبوليتيا، حقا روسيا حتى النخاع. ولم يرتق الى وجهة النظر الثورية للحرب كما لم يرتق لوجهة نظر ديالكتيكية للثقافة. ومع ذلك فانه كان أعلى بهامة من الاخوة الانتجليتستيا الوطنيين.
استقبل غوركي ثورة 1917 بقلق، يكاد يكون مثل قلق مدير متحف:" وبعث الجنود الحفاة والعمال العاطلون" الرعب فيه. واثارت انتفاضة يوليو العاصفة والعفوية لديه القرف. والتحم مرة اخرى مع الجناح اليساري للانتليجينتسيا التي وافقت على الثورة ولكن بشرط أن تكون دون اضطرابات. واستقبل انقلاب اكتوبر بصفة عدو، حقا ضعيف وخامد.

وكان من الصعب على غوركي الاستسلام لحقيقة انتصار الانقلاب : ساد البلد التدمير وتضورت الانتلجينتسيا من الجوع وتعرضت للملاحقة، واصبحت الثقافة في خطر. وفي أغلب الاحيان قام غوركي في السنوات الاولى بمهمة الوسيط بين السلطة السوفياتية والانتلجينتسيا القديمة، كشفيع لها عند الثورة. وخاف لينين، الذي كان يقييم ويحب غوركي جدا، من ان يصبح هذا ضحية لعلاقاته وضعفه،
وفي نهاية المطاف توصل لرحيله الطوعي للخارج.

وتصالح غوركي مع النظام السوفياتي فقط عقب انتهاء الاضطرابات وبداية النهضة الاقتصادية والثقافية. وقيم بحرارة حركة الجماهير الكبرى نحو التعليم وشكر ثورة اكتوبر ولو بصورة متاخرة على ذلك.
ودون شك فإن المرحلة الاخيرة من حياته كانت مرحلة غروب. بيد أن هذا الغروب جزء طبيعي من مدار حياته. لقد حصلت طبيعته ذات النزعة التعليمية الآن على فسحة واسعة. وعكف غوركي بلاكلل على تدريس الأدباء الشباب، وحتى طلبة المدراس، ولم يُدرس دائما ما ينبغي تدريسه، ولكن بالاصرار الصادق والكرم الروحي، التي كفرت بفيض عن صداقته الرحبة جدا مع البيروقراطية. والى جانب الملامح الإنسانية، الإنسانية جداً في هذه الصداقة، فقد عاش وتغلب عليها الاهتمام ذاته بالتكنولوجية والعلم والفن: ان " الحكم المستبد المطلق يتوائم مع خدمة "الثقافة". وكان غوركي على ثقة بأنه ومن دون البيروقراطية ما كانت هناك تراكتورات ولا خطط خمسية، والأهم من ذلك ما كانت هناك مكائن طباعة ولا احتياطات من الورق. في الوقت ذاته فانه صفح عن البروقراطية رداءة نوعية الورق، وحتى الطابع البيزنطي الذي لايطاق لذلك الادب، الذي اطلق عليه "البروليتاري".

ونظر غالبية المهاجرين البيض بحقد لغوركي، ولم يجدوا ما يستخفون به غير نعته "بالخائن". وليس من الواضح الطرف الذي خانه غوركي، ويمكن التفكير بقيم الملكية الخاصة. ان حقد " ناس الطبقة العاليا السابقين" على غوركي مسالة مشروعة وفي نفس الوقت تضفي الاحترام على هذا الانسان الكبير.
وسعت الصحافة السوفياتية باغراق شخصية غوركي، قبل ان يبرد رفاته بجبال من المديح الكاذب غير المعتدل. ولم يصفوه الا بعبارات " العبقري" وحتى "العظيم". وعلى الارجح غوركي لو كان حياً لقطب جبينه لمثل هذه المبالغات. بيد ان الصحافة البيروقراطية عديمة الكفاءة لها مقاييسها: اذا كانت قد رفعت بستالين وكاغانوفيتش وميكويان وهم أحياء إلى مصاف العبقرية، فالبطبع لايمكن بأي حال من الاحوال حجب هذه الصفة عن غوركي بعد موته. وفي حقيقة الامر فان غوركي سيدخل في تاريخ الأدب الروسي مثلا واضحاً ودامغاً لاجدل فيه للموهبة الادبية الكبيرة، التي مع ذلك لم تمسها نفحة العبقرية.

ومن نافل القول الاشارة إلى أن موسكو تصور الأديب الراحل الآن على أنه ثوري ثابت وبلشفي صلب كصلابة الحجر. إن كل هذا لايعدوا غير أباطيل بيروقراطية!. فغوركي اقترب من البشلفية عام 1905 ، بمعية شريحة كبيرة من الديمقراطيين، رفاق الدرب. الى جانب ذلك فانه ابتعد عن البلاشفة، من دون ان يقطع علاقات الصداقة الشخصية معهم. ويلوح أنه انضم للحزب فقط في مرحلةالترميدور السوفياتي . ان عداءه للبلشفية في مرحلة ثورة اكتوبر والحرب الاهلية كما هو اقترابه من البيروقراطية الترموداريانية اوضحت بصورة جلية أن غوركي لم يكن في يوم من الأيام ثورياً. ولكنه كان كوكباً تابعا للثورة مرتبطا بها بقانون الجاذبية الذي لايمكن التغلب عليه ودار حولها طيلة حياته. ومثل كافة الكواكب التابعة مر بمختلف " المراحل": فاحياناً اضاءت شمس الثورة وجهه، وأحيانا آخرى ظهره. ولكن غوركي وفي كافة المراحل ظل مخلصا لذاته لطبيعيته الثرية والبسيطة وفي ذات الوقت المعقدة. اننا نشيعه دون نغم شخصي ولامديح مبالغ فيه، ولكن باجلال وامتنان: ان هذا الاديب والانسان الكبير دخل وللابد في تاريخ الشعب، الذي يُعَبد طرق تاريخية جديدة.


ليف تروتسكي

تتدلل
20-01-2008, 03:26 AM
اشكرك من القلب سيدي جميل جداً هذا المكان

Ophelia
21-01-2008, 09:17 PM
.
.
تعمقت مودتي وسببت لي آلاماً مبرحة. ففيما أنا جالس يوماً في القبو أراقب محبوبتي منحنية على منضدة عملها وقعت تحت سيطرة تشوّف قاتم إلى أخذها بين ذراعي وحملها بعيداً عن تلك الغرفة اللعينة الخانقة بالمتاع – السرير المزدوج الكبير، والمتكأ الثقيل عتيق الطراز الذي تنام الطفلة عليه، والمناضد المزدحمة بكتب وأوراق علاها الغبار. وكانت أرجل السابلة تومض عند النوافذ على نحو مضحك، وبين حين وحين يمد كلب شريد بوزه، وهبات الرياح تحمل نتانة الغرفة – هواء خانق، والملامح الطفولية عند المنضدة، وغناؤها الهادئ، وخربشة ريشتها أو قلمها، وابتسامة عينيها الزرقاوين اللتين ترفعها لحظة فتلاقيان عيني... أحببتها إلى حدود الخبل ورثيت لها إلى درجة اليأس.
قال لي مرة:
- أخبرني مزيداً من التفصيلات عن نفسك.
بدأت أروي لها، ولكنها لم تلبث أن قاطعتني بعيد لحظات:
- أنت لا تتحدث عن نفسك.
تيقنت عندها أني لم اكن أتحدث عن نفسي، بل عن شخص آخر مزجت به شخصيتي.
كان علي بالتالي أن أعثر على نفسي الحقيقية في هيولى انطباعاتي ومغامراتي. ولقد كنت عاجزاً إلى حد بعيد، بل خائفاً، أن أفعل ذلك. من تراني أكون وما ماهيتي؟ أربكني هذا السؤال. كنت مراً في وجه الحياة، حتى إنها جرتني إلى محاولة مخزية للانتحار. لم أفهم الناس، ووجدت الحياة التي يعيشونها غبية وضيعة لا معنى لها. واستحثني فضول مهذب أن أدس أنفي في جميع الزوايا القاتمة للوجود، في جميع ألغاز الحياة ومعمياتها، وشعرت بنفسي أحياناً قادراً على اقتراف جريمة بدافع من الفضول – قادراً على اقتراف جريمة قتل لمجرد معرفة الأحاسيس التي تنتابني بعد ذلك.
خشيت أنني اذا عثرت على نفسي الحقيقية فقد تعثر محبوبتي على مخلوق كريه أخذ في شرك متين من الأفكار والأحاسيس المنافية للطبيعة أو العقل، مخلوق خرافي شرير قد يثير في نفسها الرعب والنفور. شعرت أنني يجب أفعل بنفسي شيئاً. كنت على ثقة أنها قادرة على نجدتي، بل حتى على نسج رقية سحرية يمكن أن تحررني من الانطباعات السوداء عن الحياة المحدقة بي. وعندها تنفجر نفسي في شعلة فائقة من القوة والسرور.
كانت النغمة العرضية التي تتحدث بها عن نفسها، والموقف المتلطف الذي تبديه للآخرين، يقودانني إلى الايمان أنها تحوز معرفة غير طبيعية، وأنها تمسك في يدها مفتاح جميع معميات الحياة، وهذا هو السبب الذي يجعلها على الدوام مبتهجة واثقة من نفسها. لعلني فاقمت من حبي لها نتيجة لما لم أفهمه فيها، ولكن الحقيقة كانت أني أحببتها بكل ما في شبابي من سلطان وهوى. كان يؤلمني أن أكتم هوى أذواني وأضناني جسدياً. ولو كنت أخشن وأبسط لكان ذلك أفضل لي، غير أنني آمنت أن العلاقة بين الرجل والمرأة شيء أعظم من مجرد الرباط الجسدي الذي عرفته في أكثر أشكاله وحشية. على ذلك الغرار كان ينفخ فيّ اشمئزازاً، على الرغم من أنني كنت شاباً قوي البنية متين الجسد، صاحب مخيلة سهلة القياد والانطلاق.
كيف يجب أن أمتلك مثل هذا الحلم الرومانطيقي أمر أعجز عن الافصاح عنه، ولكن ايماني كان ثابتاً بخصوص شيء أبعد من كل ما كنت أعرف، شيء يضم في جوانحه المعنى النبيل والخفي لصلات الرجل بالمرأة، شيء عظيم، مفرح، بل مرعب، يمكن الكشف عنه من العناق الأول. وآمنت أن ذلك الذي اختبر هذا الفرح العظيم سيتحول كلياً.
ليخيل إليّ أني لم أستخلص هذه التصورات من الكتب التي قرأت: لقد تعهدتها بالرعاية كيما تنشأ على الشر؛ ذلك أني، كما قيل، "جئت إلى هذا العالم كيما اختلف معه".
وفضلاً عن ذلك كانت لي ذكرى غريبة غامضة: ففي مكان ما وراء حدود الواقع، في زمن مبكر من وجودي، تعرضت لتشوش روحي عظيم، خوف حلو، أو لعله – نذير انسجام، فرح أكثر اشراقاً من الشمس ابان شروقها. لربما حدث وأنا لا أزال في رحم أمي أن الطاقة العصبية لفرح عظيم تعرضت هي له انتقل إليّ في ومضة نارية خلقت روحي، وأشعلت فيها الحياة؛ وربما كانت تلك اللحظة من لحظات ذهول نشوة أمي قد قذفت بي إلى الحياة أحمل توقعاً كامناً وعاطفياً بشيء غير مألوف أحصل عليه من امرأة.
ما لا يعرفه المرء فهو يتصوره. والأكثر حكمة بين الأمور التي تعلم أن يفعلها هو أن يحب امرأة ويعبد فتنتها. وكل ما هو جميل في الوجود ولد من حبه للمرأة.

ذات يوم وأنا أستحم في النهر، غطست تحت كوثل قارب لنقل البضائع، وصدمت صدري بسلسلة المرساة حيث علقت بها قدمي. وهنالك تعلقت، ورأسي في الماء، إلى أن سحبني سائق عربة للنقل. أخرجوا الماء من صدري، وفركوا جلدي بشدة. مرضت وبصقت دماً، ووضعوني في الفراش وجعلوني أمصّ جليداً.
جاءت سيدتي لرؤيتي. جلست إلى جانب سريري واستوضحتني كيف حدث ذلك، وفركت جبهتي بيدها الغالية وترنّت إليّ بعينيها القلقتين السوداوين.
سألتها ما اذا كانت عاجزة عن رؤية حبي لها.
أجابت في ابتسامة محترسة:
- بلى، أنا أراه، وهذا سيء جداً، رغم أني أحبك أيضاً.
وثبت الأرض حين تفوهت هي بتلك الكلمات، وترنحت الأشجار في الحديقة طرباً. خرس لساني نشوة وانشداهاً.
دفنت رأسي في حجرها، ولو لم امسك بها بشدة لكنت قميناً أن أسبح عبر النافذة مثل فقاعة من الصابون.
نبرت في حدة، وهي تحاول اعادة رأسي إلى الوسادة:
- كف عن الحركة فهي تسيء إليك. وإن لم تجنح إلى هدوء أرحل إلى بيتي. يا لك من شاب مجنون! أبداً لم أعرف لك مثيلاً! أما بالنسبة الينا وإلى احاسيسنا – فلسوف نتحدث عنها عندما تتحسن صحتك.
كانت تتحدث في رباطة جأش تامة، والبسمة في عينيها المتألقتين تفيض حناناً لا وصف له. وما أسرع أن ذهبت، وتركتني ألتظي أملاً وأفيض ثقة من أنني، بعون منها، سأحلق في عالم من الأفكار والمشاعر الجديدة.
بعيد عدة أيام كنا نجلس في حقل على حدود أخدود في ضواحي البلدة. والريح تحفحف الأدغال الصغيرة تحتنا. وسماء شاحبة تنذر بالمطر. واشارت إلي بكلمات عملية رتيبة موضحة الفارق في عمرينا، قائلة أن علي أن أشرع في الدراسة، وأن الأوان لم يأت لأثقل كاهلي بزوجة وولد.
ونجحت تلك الحقائق الموحشة، المترسّلة بنغمات أم تخاطب ابنها، في اغداق مزيد من حبي واحترامي لها. كان الاصغاء إلى صوتها وكلماتها الحنون يحزنني ويسعدني معاً. أبداً من قبل لم يحدثني أحد على هذا الغرار.
ألقيت بصري إلى الاخدود المتثائب حيث الأدغال، وقد مسحتها الريح، تشبه نهراً أخضر اللون سريع الجريان، وأقسمت في صميم فؤادي أن أعوّضها عن عاطفتها التي أبدتها نحوي بأن أهب لها روحي بأسرها.
سمعت إليها تقول في عذوبة:
- ينبغي أن نفكر جيداً قبل اتخاذ أي قرار.
كانت تصفع ركبتيها بقضيب من شجر الجوزية وقد جلست تحدّق في اتجاه البلدة المدفونة تحت خضرة بساتينها.
- طبيعي أنني يجب أن أحدث بولسلاف. فهي يرتاب في أمر من الأمور وينتابه القلق. وأنا لا أحب المآسي.
كان ذلك بالغ الحزن والجمال، وبدا من بعد أن فيه مسحة من السخر والخشونة أيضاً.
كان سروالي عريضاً بالنسبة إلي عند الخصر، وكنت قد جمعت أطرافه بدبوس من النحاس طوله قرابة ثلاثة انشات (مثل الدبابيس لم يبق تصنيعها قائماً، وذلك من حسن حظ العشاق المفلسين). وظل الدبوس يخزني، وما أن أتيت حركة عابثة حتى انغرز في جنبي. استطعت أن أنتزعه ، وأذعرني أني شعرت بالدماء تتدفق من جرحي وتبلل سروالي. لم أكن أرتدي شيئاً من الملابس الداخلية، وكانت سترة الطاهي تصل إلى خصري. فكيف يتسنى لي أن أنهض وأسير بسروال مبلل ملتصق بساقيّ؟
انطلقت ، وقد أدركت مقدار سخافة ذلك الحادث وغضبت لشكله الهزلي هذا، أتحدث مستثاراً في صوت غير طبيعي لممثل نسي كلمات دوره.
أصغت إليّ فترة، في انتباه أول الأمر، ثم في ارتباك واضح.
قالت:
- يا للجمل الطنانة! أنت لا تشبه نفسك على الاطلاق.
تلك كانت القشة الأخيرة. فخرست مثل المخنوق.
- حان أوان العودة إلى البيت. فلسوف تمطر الدنيا.
- سأبقى هنا.
- لماذا؟
ماذا يمكنني أن أقول؟
استفسرت وهي تنظر بحنان في عينيّ:
- هل أنت غاضب مني؟
- أوه، أبداً! أنا غاضب من نفسي.
قالت، وهي تنهض:
- ولا ينبغي أن تغضب من نفسك أيضاً.
لم أستطع أن آتي حركة. وبينا أنا جالس في تلك البحيرة الدافئة تخيلت أن الدماء تنصبّ من جنبي مطلقة صوتاً لا يمكن إلا أنها سمعته، وأنها سرعان ما تسألني:
- ما هذا؟
تضرّعت إليها في ذهني قائلاً:
- اذهبي.
خلعت علي بسخاء بعض كلمات أخرى لطيفة، واستدارت وسارت مبتعدة على طول حافة الأخدود، تتغايد برقة على ساقيها الجميلتين. راقبت جسدها النحيل وهو يتصاغر إلى أن غابت عن بصري. وعندها طوحت نفسي على الأرض، وقد سحقتني حقيقة أن هذا الحب، حبي الأول، سيكون تعيساً.
وهذا ما حدث. ذرف زوجها دموعاً وغمغم طوفاناً من الهراء العاطفي والشكاوة، فما استطاعت أن تتخذ قرارها بالسباحة إلى جانبي عبر ذلك التيار الدبق.
عالنتني والعبرات في عينيها:
- هو يائس وأنت قوي! وهو يقول إنني اذا هجرته فسيشحب مثل وردة لا ترى الشمس..
قهقهت وأنا أذكر الساقين القصيرتين البدينتين، والوركين الخنثين، والبطن الشبيهة بالبطيخ لتلك "الوردة". كان ثمة ذباب في لحيته – فالذباب يعثر فيها دائماً على شيء يطعمه.
ابتسمت، واعترفت قائلة:
- صحيح، انه كلام مضحك. ولكن الأمر صعب جدا بالنسبة إليه حقاً.
- وهو صعب بالنسبة إليّ أيضاً.
- أوه، ولكنك شاب وقوي...
للمرة الأولى في حياتي أحسست أني عدو لرجل ضعيف. وغالباً ما كنت ألاحظ مؤخراً، في مناسبات أكثر جداً، مقدار اليأس الفاجع الذي يصيب الأقوياء حين يطوقهم الضعفاء، ومقدار الطاقة الثمينة للقلب والعقل التي تضيع على صيانة الوجود العقيم لأولئك الذين انتوت الطبيعة هلاكهم.
بعيد ذلك بفترة قصيرة، وانا نصف مريض وعلى وشك أن أصاب بالجنون، رحلت عن البلدة وجعلت طوال سنتين تقريباً أجوب طرقات روسيا. فاجتزت وديان الفولغا والدون، وهمت على وجهي عبر اوكرانيا، والقرم، والقوقاز، واختزنت انطباعات لا يحصرها حد، وشاركت في مختلف أشكال المغامرات، وغدوت أكثر خشونة وأشد امتعاضاً مني قبلاً، ومع هذا فقد حفظت في أعماقي صورة تلك المرأة رغم أني التقيت كثيرات كن أفضل منها وأكثر حكمة.
وحين أنبئت ذات يوم خريفي وأنا في تيفليس، بعيد مرور أكثر من عامين، أنها رجعت أدراجها مرة أخرى من باريس، واغتبطت لدن سماعها أني مقيم في البلدة ذاتها، فقد أغمي عليّ للمرة الأولى في حياتي، وأنا ذلك الشاب القوي الذي يغازل الثالثة والعشرين من عمره.
لعلني كنت لا أجد ما يكفي من شجاعة فأمضي إليها وأراها لو لم ترسل هي إلي دعوة عن طريق احدى صديقاتها.
وجدتها أبهى جمالاً وفتنة منها قبلاً. كانت لها ذات الملامح الطفولية، وذات اللون الشهي، وذات الوميض الحنون المنبعث من عينيها. وكان زوجها قد تخلف في فرنسا، وجاءت وحدها برفقة ابنتها، الفتاة الجميلة الحلوة مثل أنثى الأيل.
كان ثمة عاصفة في عنفوان ثورتها حين ذهبت لرؤيتها، والهواء يصخبه تهطال المطر، وأنهار منه تتدفق عن جبل القديس داود، وتندفع عبر الشوارع في قوة تقتلع الحصى. وكان المنزل يهتز بفعل الرياح، وانصباب المياه الغاضب، وعنفوان الدمار وتصخابه. وكان زجاج النوافذ يهتز، والغرفة تضيئها على الدوام ومضات زرقاء، وبدا كل شيء وكانه يتهاوى في حفرة لا قاع لها.
دفنت الابنة المذعورة رأسها تحت ملاءة السرير، ووقفنا نحن إلى النافذة يعشي عيوننا البرق، نتهامس دون أن نعرف لتهامسنا سبباً.
جاءني صوت محبوبتي يقول:
- لم أر من قبل مثل هذه العاصفة.
سألت هي على حين فجأة:
- حسناً، هل تغلبت على مشاعرك نحوي؟
- كلا.
أبدت دهشتها، وقالت في صوت هامس ايضاً:
- يا الهي ، لكم تغيرت! أنت شخص مختلف كلياً!
غرقت على مهلة في مقعد وثير إلى جانب النافذة، تجفل مقطبة حينما تومض صفحة حية من البرق، وتهمس:
- ثمة أحاديث كثيرة عنك. ما الذي جاء بك إلى هنا؟
يا الله! لكم كانت صغيرة جذابة!
ظللت أتحدث حتى انتصف الليل وكأنني أعترف لها.
كانت الطبيعة في سماتها الشرسة تستفزني على الدوام وتجعلني أتهلل إلى درجة التوحش. لا ريبة أني كنت أتحدث بصورة جيدة، وقد اقتنعت بذلك من الانتباه المتوتر الذي أصغت إليّ به والنظرة الجامدة في عينيها المفتوحتين عن آخرهما.
كانت تكتفي بأن تهمس بين حين وحين:
- هذا فظيع!
حين انصرفت لم يفتني أنها ودعتني من دون تلك الابتسامة المشجعة التي يبديها الكبار للصغار والتي كانت تخلعها علي في مواضي الأيام. سرت في الشوارع المبللة أراقب منجل الهلال الرهيف يجز السحب، ورأسي تدوم به السعادة. أرسلت إليها في اليوم التالي القصيدة التالية بالبريد (ظلت تكثر من تردادها بعيد ذلك حتى انطبعت سطورها في ذاكرتي):

سيدتي!
كلمة حنون، ونظرة عطوف
تكفيان لتجعلا عبداً خنوعاً
من هذا الساحر،
الصنّاع في فن تحويل
التوافه وصغار الأمور
إلى أفراح قليلة.
فلتقبلن نفسك هذا العبد!
فلعله يحول الأفراح الصغيرة
إلى سعادة غامرة.
أفما خلق العالم العظيم
من أجزاء صغيرة صغيرة؟
أنا لا أعترف بعالم يغمره المرح،
عالم من الأفراح النادرة الضئيلة؛
ومع هذا تكون له ناحية ساخرة:
عبدك الخنوع، على سبيل المثال؛
وله ناحية جميلة ايضاً:
وهل هنالك من هو أجمل منك؟
لكن، مهلاً!
أتستطيع مسامير الكلمات الكليلة
أن تثبت حلاوتك السماوية..
يا أجمل زهرات الأرض القليلة؟

لا ريب أن هذا لا يمكن أن يسمى شعرا، ولكنه كتب باخلاص مزوح.
وهكذا فأنا أجلس، مرة أخرى، قبالة الكائن الأكثر روعة في العالم، الكائن الذي لا أستطيع حياة من دونه.
كانت ترتدي فستاناً أزرق اللون يتهدل حواليها في ثنيات رقيقة ولا يخفي تقاطيع جسدها الرشيق. وهي تتحدث بكلمات فريدة من حيث جلست تلهو بشرابات حزامها، وقعدت أنا أراقب حركات أصابعها الرقيقة المنتهية بأظافر وردية اللون وأتخيلني مثل كمان يداعبه موسيقي ماهر وحنون.
كنت أتوق أن أموت، أتوق أن أنشق هذه المرأة في روحي لكي تلازمني إلى الأبد. كان جسدي يترنم متوتراً ويؤلمني إلى أبعد الحدود، ويتراءى لي أن قلبي يجب أن ينفجر.
قرأت عليها قصتي الأولى (وكانت قد نشرت لتوها) ولكنني لا أذكر رأيها فيها. ويبدو أني أتذكر قولها في انشداه:
- وهكذا فقد جعلت تكتب النثر!
وسمعتها، كالحالم تسترسل:
- لقد شغلني التفكير فيك كثيراً خلال هاتين السنتين. أحقاً أنني سبب تحملك لهذه الويلات كلها؟
همهمت شيئاً عن أنه ليس ثمة شيء من الويلات في عالم تعيش هي فيه.
- ما ألطفك...
غلبني التوق إلى عناقها، وكنت أملك ذراعين طويلتين ويدين كبيرتين إلى درجة حمقاء، فما جرؤت على لمسها خشية من إيذائها. وهكذا انتصبت هنالك، أتأرجح مع خفقان قلبي وأتمتم:
- تعالي وعيشي معي. أتوسل إليك أن تعيشي معي!
ضحكت في عذوبة وشيء من ارتباك، كما بدا لي، وتألقت عيناها الغاليتان بصورة تعشى البصر. انسحبت إلى إحدى الزوايا في الغرفة، وقالت من هناك:
- إليك ما سنفعل: ترجع إلى نيجي نوفجورود وأبقى أنا هنا أفكر في الأمر. ثم أكتب إليك...
انحنيت في احترام، مثل بطل إحدى الروايات التي قرأتها، وانصرفت... على متن الهواء.
.
.

makman
25-01-2008, 07:58 PM
تشيخوف وغوركي .. اديب له كلمته

Ophelia
25-01-2008, 08:28 PM
.
.
في ذلك الشتاء انتقلت وابنتها إليّ في نيجني نوفجورود.
"حتى الليالي تغدو قصيرة حينما يتزوج الفقير". هذه هي الحكمة الكئيبة الساخرة لمثل شعبي روسي وقد دلتني تجربتي الخاصة على صدق هذا القول.
استأجرنا منزلاً كاملاً روبلين اثنين في الشهر – حمام في بستان دار الكاهن. أشغلت أنا المدخل وانتقلت زوجتي إلى الحمام ذاته الذي صرنا نستخدمه غرفة استقبال أيضاً. لم يكن البناء يليق بحياة زوجية- فالجليد يتشكل في زواياه وعلى طول الشقوق فيه. وكنت أعمل ليلاً في أغلب الأوقات، وقد تدثرت بجميع الثياب التي لدي فضلاً عن سجادة فوقها، ورغم هذا أصبت اصابة بالغة بداء الرئة- وهو شيء لم يكن متوقعاً على الإطلاق اذا اعتبرنا صحتي وطاقتي على الاحتمال التي كنت أفخر بها في ذلك الحين.
كان الحمام نفسه دافئاً، لكنني ما أن أشعل النار في الفرن حتى تعج الغرفة بالصابون، وتتبخّر بأوراق البتولا والخشب المتعفن. وكان ذلك يجعل الفتاة الصغيرة (الدمية البورسلانية صاحبة العينين الجميلتين) تزداد عصبية وينتابها الصداع.
في الربيع تروح العناكب ودويبات الخشب تتخذ من الحمام مسكناً. وتصاب الأم وابنتها باغماء لدى رؤيتهما هذه الحشرات، فأضطر أنا إلى قتلها "بالكلوش". وكانت تعلو نوافذنا الصغيرة أكداس من الشجيرات وأدغال توت العليق التي تبقي الغرفة في حال من الغسق، لكن الكاهن النزوي السكّير لا يسمح لي باجتثاثها أو حتى تشذيبها.
لا ريبة أنه كان في مقدورنا العثور على منزل أكثر ملاءمة، لكننا كنا مدينين للكاهن بمبلغ من المال، كما كنت موضع إعجابه إلى حد أنه لا يأذن لي بالرحيل.
كان يقول:
- لسوف تألف ذلك. وإذا لم يكن كذلك، فادفع لي مالي وارحل حيثما يطيب لك- وحتى إلى الانكليز، فذلك لا يهمني.
كان يكره الانكليز. فيؤكد قائلاً:
- هم كسالى، ولم يخترعوا شيئاً سوى لعب الورق ولا يجيدون القتال.
كان مخلوقاً ضخم الجثة له وجه مدور أحمر اللون ولحية مسترسلة حمراء، ويعب من الخمرة عباً حتى يعجز عن تقديم الصلوات في الكنيسة. وكان يعاني كثيراً من هوى خياطة قميئة البنية، مستدقة الأنف، فاحمة الشعر تشبه غراب الزيتون.
كان يلطم العبرات عن لحيته براحة يده، وهو يروي لي أخبار الحيل التي يخدعها بها:
- أعرف أنها مستهترة، ولكنها تذكرني بالشهيدة فيمياما، وهذا ما يجعلني أحبها.
فتشت عن هذه الشهيدة في سجل القديسين، ولم أعثر لها على أثر.
أسخطه أني سأشب غير مؤمن، فحاول أن يثير روحي بما كان يحذرني منه على المنوال التالي:
- انظر إلى ذلك من وجهة نظر عملية، يا بنيّ: هنالك ملايين من المؤمنين، وبضع عشرات أو قرابة ذلك من غير المؤمنين. ففيم هذا؟ لأن روحاً من دون كنيسة أشبه بسمكة من دون ماء. أتفهم؟ فلنشرب قليلاً نخب ذلك.
- أنا لا أشرب.. فالشراب يضر برئتي.
ويشك قطعة من سمك الرنكة بشوكته، ويلوّح بها فوق رأسه، ويقول متوعداً:
- وهذا أيضاً لأنك من دون ايمان.
لم أكن أستطيع النوم في الليالي بسبب من خجلي لأنني أسكن محبوبتي في ذلك الحمام، ولأنني لم يكن يتوفر لدي في أغلب الأوقات مال أبتاع به لحماً للغداء أو دمية للطفلة، ولأنني أغرقتها في هذا البؤس اللعين الساخر. لم يكن الفقر يربكني شخصياً، ولكنه كان مذلاً فاجعاً لأن تلك المرأة الأنيقة المهذبة، وبخاصة ابنتها، تضطران لاحتماله.
في الليالي كنت أجلس إلى منضدتي في الزاوية أنسخ وثائق قانونية أو أكتب قصصاً وأطحن أسناني وأصب اللعنات على نفسي، وحبي، وقدري، والناس جميعاً.
وكانت محبوبتي على كثير من رحابة الصدر، فهي أشبه بأم تأنف أن يرى ولدها مبلغ قساوة الحياة بالنسبة إليها. فلم تفلت من بين شفتيها أية شكوى من هذه الحياة المبتذلة، وكلما زادت ظروفنا قسوة زاد صوتها إشراقاً وضحكتها سعادة. وكانت ترسم صوراً للكهنة وزوجاتهم اللواتي انتقلن إلى الحياة الأخرى، منذ الصباح حتى المساء، كما تنشئ خرائط للمنطقة. وقد نالت مرة الادارة المحلية ميدالية ذهبية عن هذه الخرائط في أحد المعارض. وحين لا تتوالى عليها طلبات الرسوم فهي تقوم بصنع قبعات باريسية عصرية للنساء في شارعنا من قصاصات من الحرير والقش والأسلاك المعدنية. لم أكن خبيراً بقبعات النساء، لكن ابتكاراتها الغريبة كانت هزلية على درجة كبيرة، حتى ان صانعتها تنفجر ضحكا كلما جربت واحدة منها أمام المرآة. وكان لهذه القبعات الخيالية تأثير غريب على كل من ترتديها، فتنفخ أوداجها في فخار غريب وهي تتبختر في الشارع وعش العصافير جاثم على رأسها.
عملت كاتباً لدى أحد المحامين، وكنت أكتب قصصاً للصحف المحلية، وأقبض كوبيكين اثنين عن كل سطر من أسطر جهودي الخلاقة. وحين لا يكون لدينا ضيوف على الشاي عشية فإن زوجتي تسليني برواية أقاصيص من أيامها الدراسية. ويبدو أن القيصر ألكسندر الثاني قام بعدة زيارات إلى المدرسة الداخلية في بيلوستوك. ودعا الفتيات النبيلات على نوع من السكاكر جعل من بعضهن حاملات بوسيلة عجائبية، ومن وقت لآخر كانت واحد من أروع الفتيات بهاء ترافقه في رحلات الصيد إلى أرض محظور فيها الصيد في بيلوفيجسكايا، ومن بعد تذهب إلى بطرسبورغ مباشرة ليعقد قرانها.
روت سيدتي لي كثيراً من الأمور الممتعة عن باريس. كنت قد عرفت عنها أشياء كثيرة من خلال مطالعاتي، وبخاصة من المجلد المعتبر الذي كتبه مكسيم دو كان. لقد تعرفت على باريس في مقاهي مونمارتر وفي هرجلة الحي اللاتيني. وجدت أقاصيصها أكثر إثارة من الخمرة، فكتبت أناشيد تسبيح بالمرأة وأنا مقتنع أن الجمال كله في العالم أوحاه حب نحوها.
كنت أكثر استمتاعاً بالاصغاء إلى قضايا غرامها الشخصية – كانت تحدثني عنها في أسلوب أخاذ وفي صراحة مطلقة تثير ارتباكي في كثير من الأحيان. كانت ترسم لي ضاحكة، وكلماتها تشبه ضربات قلم رشيق، صورة للجنرال الذي خطبت له. حدث مرة خلال حفلة صيد ملكية أن أطلق رصاصا إلى ثور بري دون أن يفسح المجال للقيصر أن يقوم بذلك أولاً، ثم راح يهتف بالحيوان الجريح: "اصفح عني، يا صاحب الجلالة!".
حدثتني عن المهاجرين السياسيين الروسيين، وفيما كانت تتحدث كنت أنا أتخيل تراقص ابتسامة من الكياسة واللطف على شفتيها. كان اخلاصها في بعض الأحيان يجعلها ساخرة بصورة ساذجة، فتروح تمرر ذروة لسانها الوردية على شفتيها مثل قطة صغيرة، ويومض في عينيها نور غريب. وأحياناً بدا لي أنه تومض فيهما شعلة من القرف. ولكنها تبدو في غالب الأحيان مثل طفلة صغيرة مستغرقة في اللعب بدماها.
قالت لي ذات يوم:
- عندما يستغرق الحب روسيا فهو يغدو ثرثاراً يبعث على الضجر- وأحياناً يصير فصيحاً إلى حد بغيض. وحدهم الفرنسيون يعرفون كيف يفعلون الحب. فالحب بالنسبة إليهم يكاد أن يكون ديناً.
غدوت بعد ذلك، رغماً عني، أكثر انكماشاً وجزعاً معها.
قالت عن النساء الفرنسيات:
- ليست قلوبهن على الدوام عامرة بالحنان، ولكنهن بدلاً من ذلك يعوضن انغماساً في الشهوات الجنسية تعهدنه بالتهذيب إلى أقصى حدود الرعاية. فالحب بالنسبة إليهن فن من الفنون.
كانت نغمة صوتها وقورة مضيئة وهي تروي لي تلك الأمور. ولم أكن في مسيس حاجة إلى مثل هذه المعرفة، ولكنها معرفة على أية حال، فنهلتها على شره.
قالت لي ذات ليلة مقمرة:
- الفارق بين النساء الروسيات والفرنسيات قد يكون ذاته كالفارق بين الفاكهة وكراملا الفاكهة المطيبة.
هي نفسها كانت كراملا. أدهشتها كثيراً خلال الأيام الأولى من حياتنا معاً حين بسطت لها في حماسة وجهات نظري الرومانطيقية عن العلاقات بين الرجال والنساء.
سألتني، وهي تستلقي بين ذراعي مستحمة بنور القمر الأزرق:
- أتتحدث جاداً؟ أتظن هذا حقاً؟
كانت جسدها الشاحب شفافاً يعبق بشذى اللوز المسكر. وأصابعها الرشيقة تلهو شاردة الذهن بشعري، وثمة ابتسامة مرتابة على شفتيها وهي ترنو إليّ بعينين متسعتين قلقتين.
هتفت، وقد وثبت إلى الأرض وجعلت تراوح وتغادي بين الضوء والظلال:
- أيتها السموات الطيبة!
كان جسدها الوسيم يومض مثل الساتان حين تنصب عليه أشعة القمر، وقدماها الحافيتان تلمسان عوارض الأرض الخشبية دون أن يند عنهما أدنى صوت، رجعت إليّ، ووضعت يديها على وجنتي، وهي تعلن في صوت أمومي:
- لا بد أن تبدأ حياتك الزوجية مع فتاة بريئة – أجل، لا ريب في ذلك! ما كان ينبغي أن تكون معي...
حين أخذتها بين ذراعي شرعت تنوح وتسألني في عذوبة:
- أنت تعرف حقاً مقدار ما أكن لك من الحب، أليس كذلك؟ أبداً لم أعرف السعادة مع أي كائن مثلما عرفتها معك- هذه هي الحقيقة، وعليك أن تصدقني. أبداً لم أحب أحداً غيرك بمثل هذا الحنو وهذا القلب الجذلان. ولا تستطيع أن تتصور روعة وجودي معك! ومع هذا أقول إننا ارتكبنا خطأ – فأنا لست المرأة المناسبة لك والتي تحتاج إليها. أنا التي أخطأت.
لم أفهمها. أرعبتني كلماتها، فأسرعت أخنق اكتئابها في ملاطفات مفرحة. لكن كلماتها الغريبة التصقت بذاكرتي. بعيد عدة أيام قالت لي من جديد، في فيض من عبرات الوجد:
- آه لو كنت فتاة بريئة!
أذكر أن الليلة كانت عاصفة، وأغصان الشجيرات تضرب على زجاج النوافذ، والرياح تعول في المدخنة، والحجرة مظلمة باردة تعجّ بخشخشة ورق الجدران الممزق.

كلما توفرت لدينا بعض روبلات فائضة كنا ندعو أصدقاءنا إلى عشاء لذيذ: لحم، وفودكا، وبيرة، ومعجنات، ومختلف الأصناف الجيدة الأخرى. وكانت لفرنسيتي شهية منفتحة وضعف أمام الطعام الروسي: السيشوك (معدة بقرة محشوة بالحنطة السوداء ودهن الأوز)، وفطائر مملؤة بسمك السلور، وحساء من لحم الضأن والبطاطا.
عملت على تأسيس "أخوية البطون النهمة" وانضم إليها قرابة عشرة أعضاء من الأصدقاء الذين يستمتعون بتناول وجبات مشبعة من الطعام ويغتبقون أطيب الشراب، وكانت لهم معرفة ممتازة بفن الطهو، ويستطيعون أن يلقوا فيه محاضرات بليغة لا يتطرق التعب إليهم. وكنت منصرفاً إلى فن من نوع آخر، فآكل قليلاً وأجد قليلاً من المتعة في مجال الغذاء – فهو لم يكن مندرجاً ضمن متطلباتي المتعلقة بعلم الجمال.
"أكياس فارغة"، هذا هو الاسم الذي أطلقته مرة على اخوان البطون النهمة.
فأجابتني:
- كل انسان يفرغ اذا هززته جيداً. فقد قال هايني مرة: "جميعنا عراة تحت ثيابنا".
كانت لها معرفة وافية بالاقتباسات الساخرة، وبدا لي أنها لا تستخدمها دائماً على نحو ملائم.
كانت مغرمة بأن "تهز جيداً" أعضاء الأخوية من الذكور، ولها في ذلك براعة لا تخيب. وكان ذكاؤها ومرحها يتيحان لها اغداق الحيوية على كل الأمور حيثما كانت، وتثير مشاعر لم يكن سموها رفيعاً. كانت أذنا المرء تحمران بعد حديث قصير يجريه معها، ثم تتقرمزان، ويطوف سديم في عينيه، فيروح يحدث فيها مثلما تحدق معزاة بحقل من الملفوف.
أعلن مساعد الكاتب بالعدل، وهو نبيل رث الثياب طفح وجهه بالتآليل وكبرت بطنه حتى أشبهت قبة كنيسة:
- يا لها من امرأة مغناطيسية!
وكتب لها طالب أشقر الشعر من ياروسلافل شعراً – منظوماً بالتفاعيل. وجدت ذلك الشعر كريها تعافه النفس، ولكنه يضحكها حتى تفيض عيناها بالعبرات.
سألتها مرة:
- فيم تثيرين مشاعر هؤلاء الرجال؟
فقالت:
- إنها رياضة حلوة مثل صيد السمك. يطلق عليها اسم الغزل بقصد العبث. وليس هنالك امرأة تحترم نفسها في هذا العالم لا تطربها هذه الأمور.
كانت تنعم النظر في عيني متخابثة، وتستوضح:
- تتأكلك الغيرة؟
أبداً، لم تكن الغيرة تتأكلني، ولكنني كنت متضايقاً. فأنا لا أطيق السوقية. كنت بطبيعتي مرحاً، وتيقنت أن قابلية الضحك موهبة من مواهب المرء الأكثر سمواً. وقد احتقرت مهرجي السيرك وكوميدي المسرح لأن في مقدوري التغلب عليهم في هذا الميدان. وما أكثر ما جعلت ضيوفنا يغرقون في الضحك حتى تؤلمهم خواصرهم.
قالت لي مرة:
- كان في مقدورك أن تكون كوميدياً رائعاً. ينبغي أن تمثل على المسرح. حقاً ينبغي أن تفعل ذلك!
هي نفسها كانت تمثل بصورة ناجحة في حلقات للهواة حتى أنها تلقت عروضاً من منتجين محترفين.
قالت:
- أنا أحب المسرح، ولكنني أخاف مما وراء الكواليس.
وكانت صادقة في تفكيرها، وكلماتها، ورغباتها.
كانت تخاطبني قائلة:
- أنت تتفلسف كثيراً. الحياة في جوهرها خشنة بسيطة. وليس هنالك شيء من الاحساس في تعقيدها بالتفتيش عن معانيها المخبؤة – الشيء الوحيد الذي يستطيع المرء أن يعمله أن يجعلها أقل خشونة. وليس هنالك من يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك.
شعرت أن هنالك كثيراً من علم أمراض النساء في فلسفتها، وكان انجيلها المقدس كتاب "مقرر علم القبالة". وقد أخبرتني، هي نفسها، عن الصدمة التي تلقتها حين تركت مدرسة الفتيات وقرأت كتابها العلمي الأول:
- كنت البراءة كلها فبدا أن خفاشاً ضربني على رأسي. فتهاويت من السحب إلى الطين، وبكيت على ذلك الايمان الذي أضعت. وسرعان ما شعرت أن الأرض تحت قدمي صلبة ثابتة، رغم أنها خشنة. والشيء الذي بكيت عليه كثيراً هو الله – فقد أحسست أني قريبة منه جداً، وعلى حين فجأة تلاشى في الهواء، مثل دخان اللفافة، وتلاشت معه أحلامي السامية عن الحب. لكم أغرقنا في تفكيرنا، وكم تحدثنا أحاديث عذبة عن الحب في المدرسة!
نفّرتني عدميتها – خليط من سذاجة طالبة مدرسة ودنيوية باريسية. كنت أهب أحياناً عن منضدتي في الليل وأذهب لالقاء نظرة عليها. كانت تبدو أكثر صغراً، وأكثر رقة وجمالاً وهي في السرير، وفيما أنا أرنو إليها كنت آسف بمرارة على تقلبات الحياة التي لوت روحها. وكانت شفقتي عليها لا تفعل أكثر من تمتين حبي لها.
.
.

Ophelia
25-01-2008, 08:32 PM
بقي أن أشير لمن أراد أن يقرأ عن تولستوي المفكر والمصلح عليه بقراءة كتاب صور أدبية لـ غوركي , وكتاب قمم في الأدب العالمي لبديع حقي , وهو كتاب رائع يحكي سيرة تولستوي الأدبية والشخصية, ومناقشة لبعض أراءه المشهورة, مثل قوله " أن المسيح نفسه، ليس بإله، ولا يمكن أن يكون سوى إنسان بريء من السمة الإلهية التي يقرن إليها"
بالنسبة لكتاب "قمم في الأدب العالمي" لبديع حقي
وما جاء فيه عن تولستوي
فهو موجود كاملاً في هذا الموضوع
http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=108898

Ophelia
26-01-2008, 10:07 PM
.
.
كان ذوقانا الأدبيان على طرفي نقيض: فأنا معجب ببلزاك وفلوبير، وهي تفضّل بول فيفال وأوكتاف فييّي وبول ده كوك. وكانت مولعة بصورة خاصة برواية "زوجتي الصبية جيرو" التي تعتبرها احدى الروائع الأكثر طرافة مما قرأت. ووجدتها أنا باعثة على الضجر مثل المدونة الجزائية. فيما عدا هذه الأمور كنا في أحسن حال، لا يمل أحدنا الآخر ولا يكف عن التهيام به. ولكنني أدركت في السنة الثالثة من حياتنا معاً شيئاً مثل نذير السوء يضطرب في داخلي – يضطرب في الحاح كثير. كنت أقرأ وأدرس بصورة مكثفة في ذلك الوقت، وبدأت أنظر إلى كتاباتي نظرة جدية. وكان ضيوفنا الكثر يضيقون على عملي، ومعظمهم أناس لا شأن لهم، وقد شرعت أعدادهم تتزايد لأن زيادة مدخولنا كانت تسمح لنا بإقامة مآدب الغداء والعشاء مراراً وتكراراً.
كانت الحياة بالنسبة اليها نوعاً من غرفة لعرض البدع الجديدة، ولما لم يكن الرجال يحملون لوحة تقول "أبعد يديك عني!" فقد كانت تعاملهم أحياناً بدون احتراس فيترجمون ذلك منها لمصلحتهم الخاصة. ونجم عن ذلك سوء تفاهم اضطررت إلى اجلاء غموضه. كنت متهوراً في بعض الأحيان إلى درجة بعيدة، وكنت سخيفاً دائماً. وأذكر جنتلماناً فركت له أذنيه مرة راح يشكو:
- حسناً، أقر أني أخطأت، لكن بأي حق يفرك لي أذني؟ أنا لست تلميذاً في مدرسة! وعمري يكاد يكون ضعف عمره، وهذا هو يفرك أذني! ان لكمة على الفك كان يمكن أن تكون أكثر وقاراً.
ويبدو أني لم اكن خبيراً في فن انزال العقوبة المناسبة بشعور ذلك الآثم بالوقار.
لم تكن زوجتي تنظر إلى أقاصيصي بعين الجد، ولكنني لم أبد شيئاً من المبالاة بذلك في أول الأمر. فأنا نفسي لم أكن أؤمن أني سأغدو كاتباً. صحيح أني مارست لحظات من الالهام، ولكنني كنت أعتبر عملي الصحفي ككل مجرد وسيلة من وسائل اكتساب العيش. وذات صباح قرأت "العجوز ايزرغيل"، ثمرة جهدي ليلة واحدة، على زوجتي. وما أسرع أن استغرقت هي في النوم. لم يشتملني الغضب أول الأمر. توقفت عن القراءة وأمعنت النظر فيها مستغرقاً في التفكير. إن الرأس الذي فتنت به حباً قد تهاوى على ظهر الكنبة المخلّعة، وافترقت شفتاها، وراحت تتنفس في رقة وهدوء مثل طفل صغير. وتسللت شمس الصباح من خلال الشجيرات عند النافذة مبعثرة بقعاً ذهبية اللون أشبه بأزهار شفافة على صدرها وركبتيها.
نهضت وخرجت إلى الحديقة وقد انجرحت عميقاً وأفعمتني الشكوك فيما يتعلق بمواهبي الأدبية.
أبداً لم أشاهد من قبل في حياتي امرأة لم تنزلق في القذارة والفسق والتفقر والحقارة، أو في رضى عن النفس سوقي ضيق التفكير متخم إلى أبعد الحدود. إن طفولتي لم تخلع علي غير انطباع واحد – هو الملكة مارغو، ولكن سلسلة كاملة من جبال أحاسيس أخرى تفصلني عنه. وقد افترضت أن النساء سيغتبطن لقصة حياة إيزرغيل، وأنها ستثير فيهن حنيناً إلى الحرية والجمال، وهذه هي المرأة التي محضتها ودادي.. غارقة في لفائف النوم.
لماذا؟ ألعل جرس صاغته الحياة في صدري لا يدق دقاً رناناً؟
كانت تلك المراة تشغل في قلبي مكان الأم. وقد رجوت وآمنت أنها ستكون قادرة على أن تحفز قدراتي على الخلق، وأن سلطانها سيقوى على انتزاع الخشونة التي غذتها الحياة في جوانحي.
حدث ذلك قبل ثلاثين سنة، وإن ذكراها لترسم على شفتي اليوم بسمة. ولكن حقها الذي لا نزاع فيه في النوم ذلك الحين، وقد شعرت برغبة في النوم، أصابني بأوجاع وفيرة.
آمنت أن الكآبة يمكن تبديدها بالحديث عنها في مجون. وساورني الشك أيضاً في أن شخصاً استعذب العذابات البشرية يتدخل في القضايا البشرية: روح شريرة تختلق المآسي العائلية وتدمر حيوات الناس. واعتبرت هذا الشيطان الخفي عدوي الشخصي، وبذلك المستحيل للإفلات من حبائله.
أذكر أني لدى قراءتي (في كتاب أولدنبورغ "بوذا، حياته، تعاليمه وأتباعه") هذه العبارة "الوجود بأسره يعاني" اغتظت كثيراً. الحياة لم تسبغ علي كثيراً من الأفراح، ولكنني أحسست أن عذاباتها اتفاقية وليست محتومة. وبعد تمعن وفير في كتاب المطران كريسانف "الدين في الشرق" ازداد ايماني عمقاً أنه ليس أكثر غرابة بالنسبة إلى طبيعتي من تعاليم حول العالم تستند على الحزن، والخوف، والآلام. وبعدما عشت فترة متوترة من النشوة الدينية وصلت إلى هدوء التثبت من العبث المخزي لمثل هذا الانفعال. وغدا العذاب منفراً بالنسبة إليّ بحيث كرهت كل أصناف المأساة وبرعت في قلب المأساة إلى ملهاة.
قد لا تكون هناك ضرورة للدخول في مثل هذه الأمور جميعاً لمجرد القول إن "مأساة عائلية" كانت تتطور في منزلنا، وإن كلاً منا كان يبذل طاقته للحيلولة دون وقوعها. وقد أذنت لنفسي بهذا الاستطراد الفلسفي كيما استعيد في ذهني ذلك الدرب الملتوي الذي اجتزته بحثاً عن نفسي الحقيقة.
كانت بهجة زوجتي الفطرية تجعل من المستحيل عليها أن تمثل المأساة- وهي لعبة ما أكثر ما كان يستمتع بها في بيوتهم روسيون "متسكلجون" من كلا الجنسين.
ورغم هذا فقد كانت التفاعيل الشعرية الكئيبة لذلك الطالب الأشقر الشعر تفعل فعلها فيها مثل مطر الخريف. فقد كان يملأ صفحة بعد صفحة من أحد الدفاتر بأشعار يخطها بخطه المدور الجميل، ويدسها بين صفحات الكتب، وفي القبعات، وحتى في علبة السكر. وحيثما عثرت على مثل هذه الصفحات المطوية في أناقة كنت أناولها إلى زوجتي قائلاً:
- تقبلي هذه المحاولة الأخيرة لاذابة فؤادك!
بادئ الأمر لم تؤات سهام كيوبيد الورقية أي تأثير عليها، فهي تقرأ الشعر عليّ ونضحك معاً من أمثال هذه الأبيات:
أبداً من أجلكِ أحيا اليوم
لا أعرف أطياف الأفراح
ضيعت بحبك معنى النوم
وهنا حياتي مني راح
فأطير كصقر لا يرتاح
عيناه إثرك أنى راح

وذات يوم، بعيد مثل هذا الايضاح من قبل الطالب، قالت متفكرة:
- إني أشعر بالرثاء له.
فرددت أني لا أشعر بالرثاء له هو. فكفت بعد ذلك عن قراءة هذه الأشعار علي.
والشاعر، وهو شاب قصير البنية قويها يكبرني أربع سنوات، صموت، دؤوب، يكثر من الشراب. يحضر أيام الآحاد لتناول الغداء في الساعة الثانية بعد الظهر ويبقى جالساً، صامتاً لا حراك فيه، حتى الساعة الثانية صباحاً. وكان، مثلي، يعمل كاتباً لدى أحد المحامين. وكان نطاق شروده الذهني يسبب لمستخدمه دهشة بالغة. وكان، بالاضافة إلى ذلك، مهملاً في إنجاز واجباته، وما أكثر ما يعلن في صوت خشن:
- هذا كله هراء في هراء.
- وما هو ما ليس هراء إذن؟
فيجيب متأملاً:
- هم... كيف أوضح ذلك؟
ويرفع عينيه الرماديتين الواهنتين إلى السقف. ولم يكتشف قد كيف يوضح ذلك.
كان يمارس ضجراً يستفزني أكثر من أي شيء آخر.
وكان يشرب كثيراً ولكنه يسكر في بطء، ويظل يطلق شخيراً قصيراً راشحاً بالازدراء حين ينال منه السكر. وبصرف النظر عن هذه السمات السلبية ما كنت أستطيع أن أرى فيه شيئاً يلفت النظر، فإن ثمة قانوناً لا يرى الرجل بموجبه غير الأشياء السيئة في رجل يغازل امرأته.
كان له قريب في أوكرانيا يزوده بخمسين روبلاً كل شهر- وهو مبلغ لا يستهان به في هاتيك الأيام. وكان يحضر في أيام الآحاد والأعياد لزوجتي الشكولاته على الدوام، وأهدى لها في عيد ميلادها منبهاً برونزياً يمثل جذع شجرة وقفت عليه بومة تقتل أفعى من أفاعي الأعشاب. وكانت هذه الآلة الكريهة توقظني دائماً قبل ساعة وسبع دقائق من موعد يقظتي.
كفّت زوجتي عن تدللها مع الطالب وشرعت تعامله بحنان امرأة تشعر بالتبعة عن اثارة التوازن العاطفي لأحد الرجال. واستفسرتها كيف يؤتى لها أن هذه القضية المؤسية ستصل إلى نهاية. فقالت:
- لست أدري. ليس لدي شعور واضح تجاهه، ولكني أريد أن أهز مشاعره. يبدو أن شيئاً ما يرقد في داخله قد يكون في طوقي ان أهبه من رقاده.
كانت تقول الحقيقة من دون ريب. فهي على الدوام راغبة في أن تُهِبّ أحداً من رقاده، وقد نجحت في ذلك بصورة تثير الاعجاب. أما الشيء الذي نجحت في ايقاظه على الدوام فهو الحيوانية في الرجال. رويت لها قصة "سيركه"، فما أفادت شيئاً، ووجدت نفسي شيئاً بعد شيء محاطاً بالثيران والحيوانات والخنازير.
روى لي معارفي عن حياتي العائلية ما يقف له شعر الرأس، فأجزيتهم عن تعبهم بخشونة وحشية:
كنت أقول:
- سوف أضربكم على مثل هذا الكلام!
تراجع بعضهم بصورة مخزية، وغضب بعضهم الآخر.
قالت لي امرأتي:
- أنت لا تنجز شيئاً بخشونتك. فهم ينشرون قصصاً أكثر رداءة إذن. مؤكد أن الغيرة لا تنهشك، أليس كذلك؟
كلا، كنت أصغر وأكثر ثقة من أن تنهشني الغيرة. ولكن هنالك أفكاراً معينة، وأحاسيس ، وقضايا لا يتحدث عنها المرء إلا لزوجته التي يهيم بها حباً. إن هنالك لحظات من المشاركة العذبة حين يكشف لها عن روحه بأسرها، مثلما يفعل المؤمن في حضرة الآله الذي يعبده. وحين خطر لي أنها قد تكشف عن هذه الأشياء في لحظات المودة- وهي من ابتداعي وحدي- لشخص آخر، فقد كان اليأس يطغى علي. كنت أستبصر شيئاً شبيهاً بالتغرير والخداع. لعله هذا الفهم الذي يكمن في أساس كل غيرة.
تأكد لدي أن الحياة التي أحياها قد تنتزعني عن طريقي المختارة. عرفت حتى ذلك الحين أنه ينبغي أن أهب نفسي كلها للأدب. ولكنه كان يستحيل علي أن أعمل في مثل هاتيك الظروف.
علمتني الحياة أن أقبل الناس بنقاط ضعفهم ونقائصهم دون أن أفقد احترامي لهم أو اهتمامي بهم. وقد حال ذلك بيني وبين إثارة المشاهد المنزلية لحسن الحظ. وقد استطعت حتى ذلك الحين أن أرى أن جميع الناس هم أكثر أو أقل جرماً أمام الاله المجهول للحقيقة المطلقة، وأنه ليس هنالك من هو مجرم أمام البشرية مثل الذي يعتقد أنه أقوم أخلاقاً من الآخرين. إن هذا الأخير وحش ولد من اتحاد بين الرذيلة والفضيلة وترعرع لا بين العنف والاغتصاب، بل من خلال الزواج الشرعي، ولعبت الضرورة المتهكمة في هذا الزواج دور الكاهن . الزواج لغز ينشأ دائماً عن الاتحاد فيه بين متناقضين اثنين شخص عادي رتيب. في هاتيك الأيام كنت مولعاً بالتناقضات مثلما يولع الطفل بالحلوى المتجلدة. وكانت حيوية التناقض تستحثني وتنبهني مثل الخمرة الجيدة، وكان التناقض في الكلمات يلطف من خشونة وأذية التناقضات في الوقائع.
قلت لزوجتي:
- أعتقد أنه يحسن بي أن أرحل.
فقالت:
- أجل. أنت على حق. هذه الحياة لا تناسبك. أنا أفهم.
بقينا حزينين صامتين فترة من زمن، ثم تعانقنا، وغادرت البلدة. واقتدت هي بي سريعاً. فذهبت إلى المسرح.
هذه هي خاتمة قصة حبي الأول- قصة سعيدة رغم أن خاتمتها حزينة.
ومؤخراً ماتت مرأتي الأولى.
فلنشهدنّ لها فأقول أنها كانت امرأة حقيقية. كانت تعرف كيف تتقبل الحياة على ما هي عليه، وكان كل يوم بالنسبة إليها عشية من عشايا العيد. فهي على الدوام تترقب أن الأرض في الغداة ستزهر أزهاراً جديدة تملؤ النفس بهجة، وان أناساً رائعين سيطلون على الوجود، وأن أحداثاً غير عادية لا بد أن تحدث.
كانت تسخر من صعوبات الحياة وتزدريها، وتطردها عنها مثلما تطرد البعوض، وهي على أهبة الاستعداد دائماً للانشداه في غبطة من حدث طيب. لم يكن ذلك عبارة عن اعجاب ساذج لإحدى طالبات المدارس، بل كان فرحاً غامراً لإنسان تيمه هوى تبدلات الحياة الساحرة، والأشراك المأسوية والهزلية للعلاقات البشرية، وطوفان الأحداث اليومية التي تومض مثل ذرات الغبار في شعاع من أشعة الشمس.
لا أستطيع أن أقول أنها أحبت الناس، ولكنها أحبت أن تراقبهم. وما أكثر ما كانت تستعجل أو تؤخر تطور مأساة بين رجل وامرأته أو بين عاشقين، وذلك بتذرية الغيرة من أحدهما ومضاعفة الصبابة في آخر. هذه اللعبة الخطرة بدت لها خلابة.
كانت قد ألفت أن تقول:
- الجوع والحب يحكمان العالم، والفلسفة تفسده.
الناس يحيون في سبيل الحب- فهو من أهم أمور الحياة.
كان بين معارفنا موظف في مصرف- رجل وافي القامة هزيل القد خطواته متأنية متقلقلة مثل خطوات الغرنوق. كان شديد التأنق فيما يتعلق بثيابه، وبينا هو يهندم نفسه عند المرآة يروح ينقر على معطفه بأصابع نحيلة لينفض غباراً لا يلمحه أحد غيره. وكان عدواً لكل الأفكار الأصيلة أو الكلمات المعبرة، ولسانه الدقيق الثقيل لا يجيد شيئاً منها. فهو يتكلم في وقار وبصورة ملهمة، ويملس بصورة ثابتة شاربه الأحمر الرفيع بأصابعه الباردة قبل أن يتفوه بأي من البديهيات الأثيرة لديه:
- بمرور الزمن سيتخذ علم الكيمياء شأناً أعظم فأعظم في معالجة المواد الخام لاستخدامها في الصناعة. وقد صدق القول إن النساء متقلبات الأهواء. ليس ثمة فارق فيزيولوجي بين الزوجة والعشيقة- بخلاف الفارق الشرعي.
قلت لزوجتي مرة، وقد اتخذت ملامحي سيماء الخطورة:
- أما زلت تصرين على أن جميع الكتاب العدل يملكون أجنحة؟
فأجابت في نبرة حزينة شاعرة بالذنب:
- أوه، كلا، ليس هذا، ولكني أؤكد أن من السخافة أن تغذي الفيلة بالبيض المسلوق.
أصغى إلينا صديقنا نتحدث على هذا الغرار دقيقة أو دقيقتين، ثم أعلن في تفكير عميق:
- يؤتى لي أنكما لا تتحدثان بصورة جدية.
وفي مرة أخرى أعلن واثقاً بعدما ضرب ركبته برجل المنضدة:
- الكثافة صفة من صفات المادة، ولا خلاف في هذا.
بعد أن ودعته زوجتي حتى الباب ذات عشية أعلنت في بهجة ومرح، وهي تتكئ على ركبتي نصف اتكاءة:
- يا له من أحمق كامل الحماقة والسخف! أحمق في كل شيء- في خطواته... في حركاته... في كل عمل يأتيه! وهو يعجبني كنموذج كامل. هيا، داعب وجنتي.
كانت تحب أن أمرر رؤوس أصابعي في خفة على الآثار الخفيفة للخطوط البادية تحت عينيها الحلوتين. هرّت، وهي تتشبث بي مثل قطة:
- لكم يبعث على الدهشة الناس أجمعهم! حتى الرجل الذي يجده الآخرون باعثاً على الضجر يمكن أن يثير اهتمامي. أريد أن أنظر في داخله مثلما أنظر في صندوق- فلعلي أعثر على شيء مخبوء هناك لم يكتشفه أحد غيري، شيء أكون أول من عثر عليه.
لم يكن بحثها عن "المكتشفات" تكلفاً. فهي تبحث في استمتاع وفضول يبديهما طفل يدلف إلى غرفة غريبة للمرة الأولى. وكانت تنجح أحياناً في اضرام شرارة من التفكير في عينين كسولتين، ولكن ما أكثر ما كانت تثير الرغبة في امتلاكها. كانت مفتونة بجسدها، فتقول وهي تقف عارية أمام المرآة:
- ما أروع ابداع المرأة! لكم هي متناسقة خطوط جسدها!
وتقول:
- أشعر أني أكثر قوة وعافية وذكاء حينما أرتدي ثياباً لائقة.
كان ذلك صحيحاً: أن رداء أنيقاً يضاف إلى ذكائها ومرحها يحمل إلى عينيها وميضا من النصر. كانت بارعة في استصناع ثياب أنيقة لنفسها من قماش عادي، فترتديها كما لو كانت مصنوعة من حرير أو مخمل. وكانت النساء الأخريات ينتشين من تلك الثياب- ليس بصورة صادقة دائماً، ولكن بصورة صاخبة دائماً. كن يحسدنها، ولا أزال أذكر احداهن وهي تخاطبها في شراسة قائلة:
- ثوبي يكلف ثلاثة أضعاف ثوبك ولا يصل إلى عشر أناقته. والنظر إليك يغمني كثيراً.
طبيعي أن النساء كن يكرهنها وينشرن عنها الأقاويل. عالنتني طبيبة مرة، وكانت حماقتها تعادل فتنتها:
- هذه المرأة ستمتص دمك كله!
تعلمت كثيراً من حبي الأول، ورغم هذا فإن الفروق التي يتعذر التوفيق بينها والتي كانت قائمة بيننا قد سببت لي أوجاعاً كثيرة.
كنت أنظر إلى الحياة نظرة جدية، وأرى أشياء كثيرة، وأفكر كثيراً، وأحيا في قلق مستديم. وكانت جوقة من الأصوات الجشّاء تغمرني بأسئلة غريبة على روح المرأة الطيبة هذه.
رأيت في السوق ذات يوم شرطياً يضرب يهودياً أعور أنيقاً ذرّف به العمر، وهو يتهمه بسرقة الفجل من أحد الباعة المتجولين. رأيت ذلك الشيخ وقد تلطخت ثيابه التراب يهبط الشارع متأني الخطوات وقورها، مثل شكل في لوحة، وعينه الوحيدة السوداء مثبتة في السماء الحارة الخالية من السحب، وجدول نحيل أحمر من الدم ينساب من زاوية فمه على لحيته الناصعة الطويلة.
مرت ثلاثون سنة على ذلك اليوم، وما برحت ألمح ارتعاش حاجبيه الأبيضين، والاحتجاج الأخرس في العين المرفوعة إلى السماء. صعب أن تنسى الاهانات اللاحقة بالمخلوقات البشرية – وعسى ألا ينساها المرء أبداً!
رجعت إلى البيت قانطاً، وروحي ممزقة بين الغضب واليأس. مثل هذه التجارب تجعلني أحقد على العالم وأشعر أنني غريب مستهدف لعذاب مشاهدة كل ما هو وضيع، قذر ، غبي ومرعب، كل ما هو مهين للروح. في مثل هاتيك اللحظات غدوت عارفاً بصورة أكثر رهافة بذلك الخليج العظيم الذي يفصلني عن المرأة التي أحببت.
لكم كانت دهشتها كبيرة حينما أخبرتها بما يدور في خلدي:
- أهذا ما طوح بك في مثل هذه الحال يا للأعصاب الرقيقة التي تمتلك!
ومن بعد أردفت:
- قلت أنه كان وسيماً؟ كيف يمكن أن يكون وسيماً ان كان أعور؟
كانت الآلام جميعاً منفرة بالنسبة إليها. ولم تكن تطيق أن يتحدث الناس عن مصيبة، وما كانت الأشعار لتمس منها وتراً، وما أندر ما كانت تبدي شيئاً من التعاطف البشري. كان شاعراها المفضلان هاينه الذي يهزأ بأوجاعه الشخصية، وبيرانجيه.
كانت تصرفاتها حيال الحياة أشبه بتصرفات طفل امام أحد السحرة: جميع حيله تبعث على الاهتمام، وأفضلها ما سوف يأتي. قد لا يطلعت عليها حتى الغداة أو ربما بعد الغداة، ولكنه سيفعل ذلك دون ريب!
وأؤمن أنها، في لحظة الموت، ظلت تأمل أن تشاهد آخر حيلة، وأكثرها استثارة وروعة.

1923