PDA

View Full Version : خرائب الأمس



حبرها زِئْبق
05-02-2008, 10:22 AM
ماعادت القرية تنام باكرا منذ اعتمرت أطباق الفضاء , وتخصرت بشهقة الأضواء
الجريئة ..حضارة التكهرب التي غزت القرية اغتالت خجل الفوانيس
وأطفأت كرم الحطب , لتتركها تلتهب بحرارة اصطناعية تبقيها تتلظى باليقظة
ليل نهار ..


من بين تلك التلال أراكِ بقعة نار .. حجارة مشتعلة تتكئ على بعضها .. ترسم لي
طيف غاويةعجوز تشد تجاعيدها بأطواق إضاءة ذهبية .. تفتح ذراعيها لكل زائر..
تستدعيه للولوج إليها من حيث يشاء .. فلا أبواب تتحصن خلفها .. ولا حرّاس يصونون عرضها ..
أهي فلسفة الكرم التي تتبناها القرى .. أن تضل بلا أبواب .. أم لأنها تعرف بأن
لا شيء فيها لتقف الأسوار دونه حارسة .. !!


تعمدتُ أن أزورها ليلا حتى لا تراني ولا أراها .. وإذ بها تنتظرني ساهرة ..
أحقاً أن القرى لاتنسى أبناءها ؟!.. وأنها تظل تنتظرهم مهما طال هجرهم لها .؟!.
أحقاً أنها تبقى تتعرفهم بدون أن يقدموا لها بطاقة أحوال ..
أو صورة من شجرة عائلة تضرب جذورها بأعماقها .؟!


وأعلم بأن دخولي إليك لايطلب تأشيرة دخول ... بقدر ماهو متلهف إلى شهادة
وفاة ..!
هكذا أخبرتني أمي بنبرة تحدي أذكرها كلما اقتربت منكِ أيتها القرية العجوز
قالت : " وإن رحلت يا سالم ستعود في النهاية ,, لن تجد أرضا تضمك غير أرضك "
وسقط تحدي أمي .. لأني لم أعد إليك في كل مرة أحمل كفناً يبحث عن حضنك ..
بل عدت وللمرة الأخيرة فقط لانتشل آخر جذر يربطني بكِ ..
عدتُ لأحمل أمي ..
لآخذها تعيش معي .. لأنهي هذه المسافة البائسة التي أقتصها من وقتي كل شهر ..
فمنذ رفضت تلك الطاهرة الانتقال
معي إلى المدينة وأنا أقطع الطريق إليكِ لأمنحها زيارة شهرية لاهثة أعرف بأنها لم
تكن تكفي لأمرر إليها بري بها بقدر ما كانت كافية لتعيدني مضمخاً بحنانها وعبق دعاويها الطاهرة ..
ورغم أني توسلت إليها لنرحل سويا .. ورغم أنها تشبثت بي لنبقى سويا ..
افترقنا لنظل مفردين ..
زيارتها زاد شهري أحرص على التزود منه لأعيش بقية الشهر وإن تكلفت من أجله
عناء السفرإلى منطقة نائية تسميها أمي " دار " حين كانت تحملني في كل زيارة شيئا من وصاياها الأمومية الخانقة :
" من خرج من داره ياسالم قل مقداره "
هل شعرت أمي أخيرا بأن من الدار مايقلل المقدار ليأتي اتصالها بالأمس :
" سالم , تعال يابني أحملني الآن "
أخيرا اقتنعت أمي بأن القرية ماعادت صالحة للسكن ..
لآتي أنقلها معي إلى الطرف الآخر
حيث مساحة سكن واسعة كل ماينقصها أن تأتي أمي لتؤثثها بوجودها إلى جواري ..




أخفض سرعة السيارة وأنا أقطع الطريق المؤدي إلى الداخل ..
طريق تنام على ضفتيه أرواح عتيقة .. بهرجت بها القرية مقدمتها ..
كلما عبرتُ هذا الطريق تساءلت :
لمَ اختار أهل القرية أن يضرجوا المقابر في واجهتها .. هل لأن الموتى أولا ..؟
أم هي دعوة عاجلة للموت ..؟!
أو ربما تكون رسالة تعريفية ترحب القرية بالزوار حين تخبرهم:
" هنا القرية .. حيث ( التاريخ , والأمجاد, والأصالة ) مع الاعتذار لك مقدما أيها
الزائر إن لم تجد شيئاً من هذه المفردات الثلاث في الداخل ؛ لأنها ماتت منذ
زمن واستحالت إلى أورام تسكن الأرض ؛لتخلق قبورا هي كل ماتفاخر به القرية الآن "



يسوؤني أن ينتهك هدير محرك السيارة قدسية صمت الأموات , يؤلمني أن يخدش
فضول أنوارها ظلام النتوءات المغلقة ..
إلا قبر أم يحيى وحده النتوء المثقوب إلى الآن ..
منذ وصيتها لأبي يحيى :
" إن مت فلا تدفني إلا بحضور يحيى "
عاشت وهي تنتظر قدوم ابن خرج من القرية ليختط له مستقبلاً كما كان يقول
سقط وقتها تحت قدمي أمه .. تعلق بلحية أبيه .. استعطفهم ليمنحاه المال قبل الإذن
ليخرج من القرية .. ويهاجر صوب المدينة .. ليدرس .. ثم ليعمل موظفاً حكومياً على
درجة عالية ..ويبدو أنها كانت عالية جدا..
لدرجة أنه لم يكن قادر على النزول من عليها ليزور أمه و أباه ولو لمرة واحدة منذ رحيله.


وماتت أم يحيى وبقيت تنتظره وهي جثة .. لأن وصيتها قيدت عجوزا ولد وعاش في
وقت يقدر وصايا الأموات ويخشى خطيئة مخالفتها .. لذا بقي الأب ينتظر هو والجثة
قدوم الابن لمدة يومين إلى أن جاء الرد على البرقية التي بعث بها إلى يحيى :
" أنا في مهمة رسمية من اجل الوطن , ولا وقت عندي للعكوف على المقابر ..
سأصلي عليها صلاة الغائب "
دفنها الأب , وحتى يرفع عن نفسه حرج مخالفة الوصية أبقى بعض القبر مثقوبا و أوصى أهل القرية :
" إن مت فاخبروا يحيى بأن هذا الثقب شاهد على بره بأمه إن نفذ وصيتها وحثا عليها حفنة تراب ".

وذات الثقب أراه في وجه عم راضي وهو يجلس في هذه الساعة المتأخرة خلف كشكه الصغير الكائن بواجهة القرية يقولون : عم راضي يعمل في الليل والنهار لأنه يريد أن يسترجع مافقده .. ويقولون بأن عمله في الواجهة هو مجرد حجة ليظل قريبا من المقدمة يتفحص وجوه الداخلين يفتش عن ملامح راحل وعده بأن يعود يوما


يتسع ثقبه ليكشف عن مغارة حفرها الزمن بين شفتيه وهو يبتسم للخارجين والقادمين ممن يعبروه ليبيع لهم ماء أو عصير أو بعض حلوى ..
ولا تختلف قصة وجهه المثقوب عن قصة ثقب القبر ..فقد أخذته الغيرة وهو يرى يحيى ابن الفلاح يغادر القرية يبحث عن مستقبل .. ليرسل عم راضي بابنه منسي إلى خارج الحدود .. فقد كان وقتها من أعيان القرية وأغناهم باعتباره الوحيد الذي امتلك محطة بنزين كله علاقته بها الآن أن كشكه يقع بجوارها .. اضطر لأن يبيع المحطة لأحد الوافدين .. حتى يستطيع أن يدفع مصاريف منسي الذي كان يستنزف والده كل شهر بحجة ارتفاع كلفة المعيشة والدراسة خارج الحدود ..
ولم يكن عم راضي يأبه وقتها بما يبيع ليدفع ثمن الحلم الذي
جعله يسير في القرية وهو يُنََادى بأبي الدكتور ..
كانت كنيته الجديدة غالية .. كلّفته المحطة وكلّفته مابقي في فيه من أسنان ..
فقد كان يرفض أن يزور طبيب أسنان من وقت رحيل منسي .. وكلما آلمه سقوطها عزّى نفسه بالوعد الذي قطعه له ابنه حين أخبره عن طقم أسنان (دقة جديدة ) يحضره له معه في أول إجازة يعود فيها إلى القرية ..
خيبة عم راضي جعلت أهل القرية يتحسرون :
خسرت محطتك ياراضي .. ليقول : سيعوضني منسي غدا .
خسرت أسنانك ياراضي .. ليقول : سيعود بها منسي غدا.

وماعاد منسي .. وماعادت أسنانه .. وماعادت المحطة محطة بنزين كما كانت .. لأن ذلك الوافد حفر فيها أوكارا لتكون محطة لأشياء أخرى يتزود الناس منها في الخفاء ..
رؤية الأفلام الإباحية .. كؤوس المشروبات الروحية .. قنينات العرق .. كلها كانت
وقود من نوع جديد أدخلته المحطة إلى القرية لتشعل به صغارها بثمن بخس .




على الطريق أثرين .. أثر القادمين .. وأثر الفارين .. أسأل نفسي الآن :
أي أثر أتبعه ليقودني إلى الداخل ..؟!





يتبع ....

عزيز نفس
05-02-2008, 12:04 PM
الكلام هذا .. عياره ثقيل يا حبرها زئبق!
روعة و كفى

لماذا؟
05-02-2008, 04:33 PM
أهلا بك ..
في انتظار اليتبع .. ولتكتمل فصول هذه "القصة" في المشهد مرة أخرى ..

شكرا لك ..

معلومة
05-02-2008, 10:51 PM
دائماً قصص الراحلين تزين أطراف القرى بالإنتظار ,,,


وأنتظر يتبع ...... !

ماجد راشد
05-02-2008, 10:56 PM
بانتظار الـ "يُتبع" للتعليق ..

سسقه
06-02-2008, 09:39 AM
دليلي ليس لشيء
فقط هو نوع من أجناس ينتظرك

حبرها زِئْبق
06-02-2008, 10:10 AM
أيام قلائل لأضرجها هنا كاملة متصلة كما ينبغي أن تكون الخرائب ..
وحتى لا نحتاج إلى يتبع جديدة ..

شكرا لكم جميعاً

بنان
09-02-2008, 07:26 PM
بالانتظار.

حبرها زِئْبق
10-02-2008, 08:31 AM
سالمٌ أنا .. لستُ بيحيى ولا بمنسي لتلبسيني خذلان الفارين .. فلازلت مربوطا إليك بحبلٍ سري ..
لازلتُ أتفلتُ من بين يديك كطفل يستعرض خطواته أمام أمه وإن تعثر ..لأن كل مايهمه أن تعرف بأنه بدأ يقف لوحده بعيدا عنها ..
و سرعان ماتتلقفه عنوة ليمتص منها وان لم يمتصه العطش ..
فقط لتثبت له :
" أنت لم تفطم بعد" .. أبت أمي فطامي من القرية ..
وربما يكون لي موعد متأخر مع الفطام الليلة ..
فلاتسمي ابتعادي عنكِ أيتها القرية فراراً .. هو فقط مشروع عملية فرار .. ابتدأته منذ زمن ..
وإذ به ينتقض رأس كل شهر ..
لذا أنا لستُ فارا .. بل مشروع حلم يحاول الفرار ..

ولأني سالم فلا يحق لك أن تسربليني بجرم القادمين .. طالما القدوم إليك عناء لايتكلفه إلا أولئك الوافدون ممن وجدوا لهم بين أوديتك وشعابك مأوى بعيدا عن أي مساءلة .. كما يتكلفه من يأتيكِ ليموت .. من يرى مقابرك منتجعات سياحية بعد أن يكون قد ساح عمرا في الذنوب بعيدا عنكِ
لازال هناك من يظنك مغسلة للذنوب قبل الدفن ...!!

وكوني سالم فهذا لايعني سلامتي من أماني الفارين ولا من خطايا القادمين .. ليس بالضرورة أن يكون لنا من أسمائنا نصيب .. بل لا أحد له من اسمه نصيب .. يمكنني أن اقسم على ذلك بمجرد رؤيتي لكتلة عفنٍ مدورة يشقها حزام انتحلته من نساء القرى إلى قسمين مقدمة الأعلى كمؤخرة الأسفل
متورمة للعيان بفضيحة .. مدججة بشهوة .. تحتك بك عنوة لتنفجر فيك ..
لماذا تقف كتلة العفن في هذه الساعة المتأخرة أمام بابها الموارب دائماً .؟!
ومن هذا الذي يقرص وجنتيها المتفحمة لتجرح صمت المكان بضحكة غنج ساقطة
تقسم القرية بأنها لا تكون إلا لزكية.
لا أذكر متى استوطنت زكية قريتنا .. إلا أن أمي أخبرتني بأنها قدمت في عام غابر بعد موسم حج
كانت من أولئك الذي يتضرعون بالله ليلجوا إلينا .. وبعد أن ينتهوا من الدين .. يقومون بالتسرب في أجزائنا .. يضربون لهم أوكارا وشبكات في الخفاء ..
شبكة زكية المحمولة فوق رأسها دوما و التي تطوف بها بيوت القرية كانت ذريعة مقنعة لأهل القرية حتى يبقوها تعيش بينهم .. فمن تلك الشبكة تبيع كل شيء مختصرة على النساء
طريقاً طويلا يقطعنه إلى السوق الجماعي الأسبوعي الذي كان ينعقد في مكان قصي من القرية
كما ساهمت في تخفيف وصاياهن من المشتريات للأزواج الهابطين إلى المدينة ..
رحبت القرية بزكية ومنحتها أولا مسمى ( زكية البياعة ) لتبيع كل شيء ... الحناء .. البخور
قطع الأقمشة .. طيوب الشعر .. المكياج المقلد .. بهارات الطعام .. أواني المطبخ ..
قنينات ماء (مقري )عليها دون أن يعرف أحد مالذي قٌرِئ عليها ..
و مارست كل شيء.. توليد النساء .. تزيين العرائس .. الرقص في الحفلات ..
تكفين الموتى .. البصق في وجوه المرضى كرقية شرعية يٌقَال لا احد يجيدها كزكية

كما كانت مدلكة جيدة .. !!
أذكر وفي أحد الأعوام مرض شيخ القرية .. نصحه طبيب الوحدة الصحية بعمل (مساج ) كطريقة تخلصه من إحساسه الدائم بتخلخل عظامه وضعف جسدي وزوجي كدر حياته على الرغم من أنه يتمتع ببنية قوية وشهية شرهة مفتوحة دوما للطعام ولغيره ..
ولأن زوجته ظنت أن ( مساج ) هو أحد ملوك الجن المختصين بجلب الشفاء والأبناء .. تفانت في خنق الشيخ بأنواع من الأدخنة والبخور وفي تقييح جلده ( بتمريخه ) بالزيوت والدماء و تقييده بأثقال العلائق والتمائم عملا بوصايا الجارات .. إلى أن كادت القرية تفقد شيخها خنقا .. وقتها تكفلت زكية بمساج الشيخ خلف باب مغلق .. ليعود عشرين سنة إلى الوراء .. الأمر الذي أدى إلى أن يستشري تخلخل العظام بين بعض رجال القرية ليأخذوا بالهمس الدارج بينهم ما لك إلا ( الشيخة زكية ) لأن لها يد مبروكة وضحكة مشعلة ..
ولزكية الفضل في إدخال أكثر من شيخة إلى قريتنا ..
حاول الشيخ عبدالرحمن أمام المسجد محاربتهن وتحريض الناس لرجمهن .. كن يخففن من نشاطهن عندما تنشط دعوة الشيخ إلى أن تكاد القرية تصدق بأنهن رحلن ..
وهن لازلن يترسبن في أعماقها كعوالق ..
رحيلهن أمر غير وارد أبدا طالما يقف خلفهن بعض نشامى القرية ممن يقولون :
" هن نساء ضعيفات على باب الله وليس من شهامة القرية أن تطرد من اعتصم بها ".

لازالت زكية كما كانت تكتنز عفن ملتهب يغري وكأن تلك السنين لم تعبرها .. !
بينما القرية شاخت كثيرا !!
وتشوهت ملامحها منذ دبت في شبابها سوسة تسمى زكية ..!!


تشاركها سوسة أخرى في مكان آخر .. حيث ينحي عجوز كسنبلة خاوية تتلاعب بمصيرها الرياح ..
دائما هو منحي هكذا .. كلما عبرتُ من بين أشباح الحقول ..
لا أراه إلا مثنيا كعلامة استفهام لاتسأل في زمن ماتت فيه الأجوبة بقدرماكانت تنادي
بجملة واحدة لايكف عن تكرارها :
" أكَلَنَا السوس يامنصور "
اقترابي منه لم يكن يطلب مني رفع ثوبي أو الخوف على حذائي من وسخ
طين ذائب .. دام التربة متشققة بجفاف نقش على الأرض خرائط زمنية تخبر بأنها نسيت
طعم الماء منذ دهر .. أناديه لعله عاد يسمع :
ــ الجو بارد ياعم .. لمَ أنت منحي في العراء في هذه الساعة المتأخرة ؟!
ــ " أكَلَنَا السوس يامنصور".

ليس مهماً أن أخبره بأني سالم وأن منصور رحل مع من رحل ليترك لوالده حياة أختصرها حقلُ منخور بآفة .. وجملة اختصرت أبجدية الحياة في " أكلنا السوس يامنصور "
لقد كانت الأرض لمنصور تعني الحياة .. كل الحياة .. الماضية والحاضرة والمنتظرة .. منذ كنا صغارا
لا أعرفه إلا واقفا تحت والده في الحقل ممسكاُ بفأس بحجم الفأس التي يحملها والده يحرث ويبذر بذراع فتية نمت مبكرا لطفل .. حتى عندما تكونت تلك المدرسة الصغيرة في جانب من بيت الشيخ عبدالرحمن والذي سعى في مخاطبة المدينة لإنشاء مدرسة لأطفال القرية تبرع من اجل إقامتها بنصف بيته... كلنا التحقنا بها وكذا منصور الذي حضر ليومين فقط لينقطع بعدها إلى حقله
كنا نقطعه دوما في طريقنا إلى المدرسة ونحن نحمل حقائب الكتب ونزهو بهندام الدرس
كنا نشاكسه وقتها بغرور الصغار حين نراه يحمل أكياس البذور يتخضب بالعرق والطين..
فربما جذبته الغيرة إلى المدرسة من جديد ..
لكنه لم يكن يأبه أبدا حين يعرض عنا بمنكبه الصغير .. مردد ا بحزم رجل
أبي يقول : " من يعطي الأرض تعطيه "
ولأن العطايا من الأرض كان يجب أن تأتي بملامح الأحلام الجميلة لا بقباحة سوسة غزت الأرض لتهلك الزرع وتفسد المحصول وجد منصور نفسه مع والده يخوضان معركة كبرى ضد سوسة ضئيلة حاولا التصدي لها بكل الوسائل التي تعرفها القرية وبما استجدوه من المكتب الزراعي في المدينة والذي كانت تُقَدم له الشكوى أول الشهر ليرسل بأحد عماله بعد شهور ...
باءت المحاولات بالفشل ليستوطن السوس الأرض وينخر الحلم وينخر أبا منصور الذي تضاعفت خيبته عندما استيقظ يوما ليجد ابنه نفذ تهديده ورحل .. قرابتي من منصور جعلتني أنصحه بأن ينزل معي إلى المدينة ليبحث له عن عمل لكنه كان يرفض بحجة أنه خُلِق ليكون فلاحا ولاشيء يعرفه غير الفلاحة في ملكه ... ولامال عنده ليبقى مالكا لشيء غير السوس .. آخر ماسمعته منه :
"لم اعد انتظر من الحياة شيئاً غير السوس ولم تعد الحياة تنتظر مني شيئا غير الرحيل إلى مستقر لا سوس فيه " .. لم أكن وقتها أفهم مايعنيه .. فلم يكن أحد منا يعلم بأن حكايا الجهاد التي كنا نسمعها من الشيخ عبدالرحمن كانت قد وجدت لها أرضاً خصبة في عقل منصور لتنمو شيئا فشيئا
وهو يرى نبات الحقل يموت بالتدريج .
استنجد والده بالشيخ ليثنيه عن فكرة حدثنا عن تجربته فيها دون أن يدفعنا لها ..
ليعلمه بأن الجهاد في والديه أولى من لغط حاصل لا يستبان الحق فيه من الباطل .. ترجاه أن يبقى ويعود يتكاتف مع والده لمحاربة السوس حتى تعود أرضهما إلى جنة كما كانت.. ليكون رده على الشيخ :
: " أنا ذاهب إلى الله ,, حيث جنة لاسوس فيها " .. ثم رحل .


من هُزِم وسقطت عزيمته في مواجهة سوسة أتراه ينتصر في مواجهة الجحيم ؟!!


دبيب يأكل قدميّ .. أنه السوس اللعين يتحرى كل شيء حي هنا ليأكل منه .. أغادر الحقل وأنا لا أعرف إن كان ذلك العجوز المنحي خلفي حياً أم ميتاً ..
وإن ناحت الحقول بصدى صوته :
" أكَلَنَا السوس يامنصور "
فهذا لايعني بالضرورة انه لازال حياً .!


حياة الكائنات في القرية أمر مشكوك فيه .. وموتها حال قائمة بدون الحاجة إلى ذرائع أو أسباب تعلل هذا الموت .. سكان القرية الآخرون أولئك الذين يعدهم أهل القرية شركاء في الحياة لهم حقوقهم وعليهم واجبات . متى أديت لهم حقوقهم من مأكل ومشرب ورعاية فسيقومون بما عليهم من واجبات .. لتستقيم الحياة هنا .. باعتبارهم مؤشر لحياة البشر ..
انخفض مؤشر الحياة كثيرا .. حين بدأت الأغنام والأبقار و الطيور تنفق بشكل سريع وغريب .. دون أن يجدوا الأهالي سببا يفسر نفوقها .. تلقفهم لكثير من مسميات الأمراض عن الطريق التلفزة منحهم مصطلحات عللوا أنفسهم بها دون أن يعرفوا معنى تلك الأمراض أو أعراضها ليقولوا الحمى المالطية وجنون البقر وبعض أمراض قضت على شركائنا في الحياة .. لتقنع القرية نفسها بأن حيواناتها تنفق مع بقية مخلوقات العالم .. إلى أن ظهر كائن حي غريب في أحد بيوت القرية .. قيل أحدى النساء ولدت كائنا له جسد بشر ورأس حمار .. وبعضهم قال بأنه ليس ببشر ولا بحيوان .. بل هو جني من صلب آدمي .. وتكرر ظهور الكائن الغريب في أكثر من بيت على أشكال مختلفة ..
الأمر الذي جعل القرية تصرخ : " استعمرتني الجن " .
آمنت القرية بأنها تعرضت للغزو من الجن التي اغتالت حيواناتها وولجت إلى أرحام نسائها لتتلبس بالأجنة .. بل قالت أن الجن تلبست بمن بقي من شبابها وفاحت من أفواههم حين كانوا يعودن في منتصف الليل يترنحون ويهذون بروائح نتنة
دون أن تعلم القرية بمرورهم على المحطة ليعبوا من وقود ذلك الوافد ..

فزع أهل القرية .. وشدت كثير من الأسر رحالها إلى القرى القريبة والمدن البعيدة هرباً من المرض وخوفا من أن تخرج الجن من أصلابهم .. و كان للشيخ عبدالرحمن تفسير آخر حين جمع من بقي من الناس في ساحة القرية ليخطب فيهم بأن الله حق .. وأن الموت حق .. وأن عقابكم حق .. أخبرهم بأن مايحل بالقرية هو سخط من الله عليهم .. نصحهم بأن يعود للتقوى .. أن يحطموا أطباق الفضاء .. أن يعمروا الأرض .. أن يعودوا إلى المسجد .. أن يرجموا زكية .. ويطهروا القرية ...


تكلم الشيخ كثيرا دون أن يستطيع رؤية أحد من الموجودين لأن أدخنة المصنع الذي أقامته المدينة في شرق القرية بدأ وقتها كعادته في تلوين هواء القرية بدخان أسود يحجب الصور.. وأنصت الناس للشيخ طويلا دون أن يسمعوا منه شيئاً بسبب ضجيج الناقلات الضخمة والتي بدأت تمارس عملها في غرب القرية حيث تحولت تلك البقعة إلى مرمى واسع لنفايات المدينة .
تكلم ليخلص ذمته وانصتوا بدون أن يفهموا .. ليظل الشيخ يموت هنا ..
وهم يستمرون في الرحيل وأذكر أني طويت نفسي معهم وخرجت .



متشوهة هي الأرض بفجيعة صمت تخدشه لكنة ولكنة ليست للقرية ..
متشوهة بزكية .. بالسوس .. بالضياع ..بالرحيل .. بأبواب تصفق بها الرياح بعد هجران أهلها لها
تسربت العوائل الأصلية من القرية لتتركها حاضنة لتفريخ الجراثيم .. مخلفة خلفها خرائب ..
لايعمرها إلا بعض عجزة ممن يحملون مناعة ربانية ضد زكية والسوس والجن .. أولئك الذين ماسكنوا القرية بقدر ماسكنتهم واحتلتهم من العروق إلى العذوق ..فلا زالوا يرون فيها حبيبتهم وإن شاخت .. وإن تشققت بجفاف التجاعيد .. وإن دسيت بأقدام الرذيلة .. وتشوهت بفضلات الحضارة ..
لازالوا يرمقون كل عائد إليها ليعبرها على عجل ـ كما أنا ـ بنظرات تتهمه بالخيانة بالخذلان بالضعف
هل تكون نظراتك المتصلبة إلى الأعلى يا أمي من تلك النظرات ..؟!
أتراك تلومنني وتتهمني بالأنانية .. ؟!
أتراك تشكوني إلى الله لأني لم أكن هنا أرد عليك دثار سقط لأجدكِ مجمدة ..؟!
لم لا تنظرين إليَ .. لمَ حدقتك موصولة إلى السقف ؟
هل تتأملين في الأعلى أرضا لاسوس فيها .. أتراك ترين منصور ..؟!
لمَ لاتردين ..؟! لمَ أنت ساكنة حـــــــد الفجيعة ..؟!
أمن أجل هذا استدعيتني .. لأحملك .. لأضيف في مقدمة القرية نتوء جديد للتاريخ ؟!
لم أكن أتوقع أن يستنزف مني الفطام كل هذا الألم ..!!
أن يستغرق فصل حبلي السري الموصول بالقرية حــد سكين انتصبت بجوف القلب ..!

وبعد أن نصبتكِ في واجهة القرية كآخر مالفظه الأمس .. أعدكِ ياأمي بأني سأعود ثانية لأسور المقبرة
لأفصلها عن الخرائب .. ومن بعدها سأرفع خطاب أتظلم فيه إلى المسؤولين
أطالبهم فيه بضرورة إصدار قرار لإزالة القرية لأنها أصبحت تشكل خطرا على المدينة .




aishah

سسقه
10-02-2008, 11:31 PM
شكرا لك حبرها قبل وبعد

بنان
11-02-2008, 10:25 AM
بناء وتسلسل رائع يا عائشة
تملكين حرفية في القص جميلة جداً
اقامة طيبة في المشهد.;)

ريشة رسام
11-02-2008, 07:22 PM
جميلة هذه القصة سأتابع قلمك دائما

مطحون
13-02-2008, 12:43 PM
لن أعلق كثيرا يا عائشة..
النص مهندس .. وفق خريطة مسبقة.
ولا مكان للعشوائية في سردك.

معلومة
13-02-2008, 04:30 PM
تملكين حرفية في القص جميلة جداً

لن أزيد ..
حرفك يغري بالقراءة


دمتِ بخير

حبرها زِئْبق
16-02-2008, 10:03 AM
عزيز نفس


لماذا؟

معلومة

ماجد الراشد

سسقه

بنان

ريشة رسام

مطحون

ممتنة لكم جدا .. ولكل من قرأ ..

أما بخصوص الخريطة المسبقة يامطحون فأنا لا أتوقعها من نفسي دوما
وعليك أنت أيضا ألا تتوقعها ..:)

شكرا لكم ألف ..:rose: