PDA

View Full Version : كائن لا تحتمل خفته .. ميلان كونديرا (مقتطفات)



Ophelia
07-03-2008, 07:55 PM
كائن لا تحتمل خفته
ميلان كونديرا
http://www.adabwafan.com/content/products/1/37584.jpg
رواية
ترجمة : ماري طوق
الطبعة الأولى: حزيران 1991
الناشر: المركز الثقافي العربي



العود الأبدي فكرة يكتنفها الغموض وبها أربك نيتشه الكثيرين من الفلاسفة: أن نتصور أن كل شيء سيتكرر ذات يوم كما عشناه في السابق، وأن هذا التكرار بالذات ستكرر بلا نهاية! ماذا تعني هذه الخرافة المجنونة؟

تؤكد خرافة العود الأبدي، سلباً، أن الحياة التي تختفي نهائياً، والتي لا ترجع إنما هي أشبه بظل ودون وزن وميتة سلفاً. ومهما تكن هذه الحياة فظيعة أو جميلة أو رائعة فإن هذه الفظاعة وهذا الجمال وهذه الروعة لا تعني شيئاً. هي غير ذات أهمية مثل حرب وقعت في القرن الرابع عشر بين مملكتين أفريقيتين فما غيرت شيئاً في وجه التاريخ، مع أن ثلاثمائة ألف زنجي لاقوا فيها حتفهم وفي عذابات تفوق الوصف. فهل كان سيتغير شيء لو أن هذه الحرب بين المملكتين الأفريقيتين في القرن الرابع عشر قد تكررت مراتٍ لا حصر لها في سياق العود الأبدي؟
بلى: كانت ستؤول إلى كتلة متراصفة من الجماجم، وتفاهتها ستكون متصلة دون توقف.

ولو قُدّر للثورة الفرنسية أن تتكرر باستمرار، لكان المؤرخون الفرنسيون أقل فخراً بروبسبيير. ولكن، بما أنهم يتحدثون عن شيء لن يرجع ثانية، فإن السنوات الدامية تصير مجرد كلمات ونظريات ومجادلات؛ تصير أكثر خفة من الوبر ولا تعود مخيفة. هنالك فرق شاسع بين روبسبيير الذي لم يظهر سوى مرة في التاريخ وروبسبيير الذي يعود بشكل دائم ليقطع رؤوس الفرنسيين.

لنقل إذاً أن فكرة العود الأبدي تحدد أفقاً لا تبدو فيه الأشياء كما نعرفها: تظهر لنا من دون الظروف التخفيفية لعرضيتها. هذه الظروف التخفيفية تمنعنا في الحقيقة من إصدار حكم معين. هل بالامكان إدانة ما هو زائل؟ إن غيوم المغيب البرتقالية تضفي على كل شيء ألق الحنين، حتى على المقصلة.

منذ زمن ليس ببعيد فاجأني شعور غير معقول: كنت أتصفح كتاباً عن هتلر فوجدت نفسي مأخوذاً أمام بعض من صوره. ذكرتني بزمن طفولتي التي عشتها خلال الحرب. كثيرون من أفراد عائلتي لاقوا حتفهم في معسكرات اعتقال نازية. ولكن ما أهمية موتهم أمام صورة هتلر التي ذكرتني بزمن غابر من حياتي، بزمن لن يعود؟

إن هذه المصالحة مع هتلر تفضح عمق الشذوذ الأخلاقي الملازم لعالم مبني أساساً على انعدام العَوْد. ذلك أن كل شيء في هذا العالم مغتفر سلفاً وكل شيء مسموح به بوقاحة.
هكذا تبدأ هذه الرواية الفلسفية.. لم أفهم بداية عم يتكلم أو ماذا أقرأ هل هي رواية أم كتاب فلسفي أم فيزيائي ... وإذا بها قصة حب وحرب وخيانة ووفاء وضعف وقوة ومحاولة للإجابة عن السؤال:

هل الثقل هو حقاً فظيع؟ وجميلة هي الخفة؟
فهل الثقل هو كل ما يمكن أن يشدنا للأرض ويشعرنا بالمسؤولية ويأسرنا بالمبادئ والقيم والأفكار والمثالية.. والخفة كل ما يمكن أن يحررنا من كل ذلك.. وبحال تحررنا منه هل ستكون حياتنا وقتها سعيدة .. هل سنستمتع بهذه الخفة؟ أم ستكون تلك هي خفة الكائن التي لا تحتمل...

وهذه بعض المقتطفات منها...


لا توجد أية وسيلة لنتحقق أي قرار هو الصحيح، لأنه لا سبيل لأية مقارنة. كل شيء نعيشه دفعة واحدة، مرةً أولى ودون تحضير. مثل ممثل يظهر على الخشبة دون أي تمرين سابق. ولكن ما الذي يمكن أن تساويه الحياة إذا كان التمرين الأول الحياة نفسها؟ هذا ما يجعل الحياة شبيهة دائماً بالخطوط الأولى لعمل فني، ولكن حتى كلمة "خطوط أولى" لا تفي بالغرض. فهي تبقى دائماً مسودة لشيء ما، رسماً أولياً للوحة ما. أما الخطوط الأولى التي هي حياتنا فهي خطوط للاشيء ورسم دون لوحة.


إن كلمة شفقة توحي عموماً بالارتياب، وهي تُعنى بشعور يعتبر أقل منزلة ولا علاقة له بالحب إطلاقاً. أن نحب أحداً شفقة به فهذا يعني أننا لا نحبه حقاً.


إن ألمنا بالذات ليس بأثقل من الألم الذي نعانيه مع الآخر ومن أجل الآخر وفي مكان الآخر؛ ألم يضاعفه الخيال وترجّعه مئات الأصداء.


في اعتقادنا جميعاً أنه لا يعقل لحب حياتنا أن يكون شيئاً ما خفيفاً، دون وزن. كلنا نتصور أن حبنا هو قدرنا وأن حياتنا من دونه لن تعود حياتنا.


لم تكن تملك، في مقابلة عالم التفاهة الذي يحيط بها، إلا سلاحاً واحداً: الكتب التي تستعيرها من مكتبة البلدية وخصوصاً الروايات. كانت تقرأ أكداساً منها، ابتداءً بفيلدنغ وانتهاء بتوماس مان. كانت هذه الروايات تمنحها فرصة للهروب الخيالي، وتقتلعها من حياة لم تكن تعطيها أي شعور بالاكتفاء. لكنها كانت أيضاً تعني لها بصفتها أدوات: كانت تحب أن تتنزه وهي تتأبط كتباً. كانت تميّزها عن الآخرين مثلما كانت العصا تميز المتأنق في القرن الفائت.


وحدها الصدفة يمكن أن تكون ذات مغزى. فما يحدث بالضرورة، ما هو متوقع ويتكرر يومياً يبقى شيئاً أبكماً. وحدها الصدفة ناطقة. نسعى لأن نقرأ فيها كما يقرأ الغجريون في الرسوم التي يخطها ثفل القهوة في مقر الفنجان.


من يبغي "الارتقاء" باستمرار، عليه أن يستعد يوماً للإصابة بالدوار، لكن ما هو الدوار؟ أهو الخوف من السقوط؟ ولكن لماذا نصاب بالدوار على شرفة السطح حتى ولو كانت مزودة بدرابزين متين؟ ذلك أن الدوار شيء مختلف عن الخوف من السقوط. إنه صوت الفراغ ينادينا من الأسفل فيجذبنا ويفتننا. إنه الرغبة في السقوط التي نقاومها فيما بعد وقد أصابنا الذعر.


يجدر بالضعيف أن يتعلم كيف يكون قوياً، ويرحل عندما يصير القوي أضعف من أن يستطيع إيذاء الضعيف.


يمكنني القول ربما إن الإصابة بالدوار تعني أن يكون المرء سكران من ضعفه الخاص.. فهو يعي ضعفه لكنه لا يرغب للتصدي له بل الاسترسال فيه. ينتشي بضعفه الخاص فيرغب في أن يكون أكثر ضعفاً، يرغب في السقوط أمام أعين الآخرين في وسط الشارع، يرغب في أن يقع أرضاً، تحت الأرض بعد.


أن نخون هو أن نخرج عن الصف لنسير في المجهول. وهي لم تعرف ما هو أجمل من السير في المجهول.


هي تكره الأدب الذي يكشف فيه الكاتب عن حياته الخاصة أو عن حياة أصدقائه الخاصة.. وتفكر أن ذلك الذي يفقد حياته الخاصة يفقد كل شيء. وأن من يتخلى عنها بكامل إرادته، إنما هو مسخ. لذلك فلا يؤلمها أن يكون عليها أن تخفي حبها. بل على العكس، هذه هي وسيلتها الوحيدة لكي تعيش في الحقيقة.


يمكن اختصار مأساة حياة "باستعارة" الثقل. نقول مثلا إن حملاً قد سقط فوق أكتافنا. فنحمل هذا الحمل. نتحمله أو لا نتحمله ونتصارع معه، وفي النهاية إما أن نخسر وإما أن نربح. ولكن ما الذي حدث معها بالضبط؟ لا شيء. افترقت عن رجل لأنها كانت راغبة في الافتراق عنه. هل لاحقها بعد ذلك؟ هل حاول الانتقام؟ لا. فمأساتها ليست مأساة الثقل إنما مأساة الخفة. والحمل الذي سقط فوقها لم يكن حملاً بل كان خفة الكائن التي لا تطاق.


لم تكن تفهم لماذا يرغب الموتى في أن يقام فوقهم ما يشبه القصور. هذه المقبرة هي الغرور ممثلاً في حجر. فبدل أن يكون سكان المقابر أكثر تعقلاً بعد موتهم، فإنهم أكثر حماقة مما كانوا وهم على قيد الحياة. كانوا يعرضون أهميتهم من خلال الأنصاب. لم يكن أولئك الراقدون هنا آباءً أو أخوة أو أبناء أو جدات بل وجهاء وموظفين في الحكومة وأناساً ذوي ألقاب ورتب شرف. حتى أن أي موظف في البريد كان يعرض أمام الملأ رتبته ودرجته ووضعه الاجتماعي – أي قيمته، بتفاخر.


إذا كنا نفقل القبر بحجر فهذا لأننا لا نرغب في رجوع الميت. الحجر الثقيل يقول له: "ابق حيث أنت!".


وحدها الأسئلة الساذجة هي الأسئلة الهامة فعلاً. تلك الأسئلة التي تبقى دون جواب. إن سؤالاً دون جواب حاجز لا طرقات بعده. وبطريقة أخرى: الأسئلة التي تبقى دون جواب هي التي تشير إلى حدود الإمكانات الإنسانية، وهي التي ترسم وجودنا.


الحب يبدأ في اللحظة التي تسجل فيها امرأة دخولها في ذاكرتنا الشعرية من خلال عبارة.

ISSAM
07-03-2008, 08:42 PM
l'insoutenable legerté de l'etre
قرأت الرواية بالفرنسية وهي بحق رائعة، بل من أجمل ما كتب كونديرا.. بعد المزحة طبعا.
وأود أن أضيف أن الرواية قد انتجت سينيمائيا كذلك، والفيلم يحمل نفس العنوان.
تحياتي.

Ophelia
08-03-2008, 09:05 PM
l'insoutenable legerté de l'etre
قرأت الرواية بالفرنسية وهي بحق رائعة، بل من أجمل ما كتب كونديرا.. بعد المزحة طبعا.
وأود أن أضيف أن الرواية قد انتجت سينيمائيا كذلك، والفيلم يحمل نفس العنوان.
تحياتي.


طالما أن عصام أشاد بالرواية فهذا يعني أنها تستحق القراءة
لكن ما لم أستطع فهمه هو فكرة العود الأبدي التي تكلم عنها في البداية
وأن كل شي في عالمنا مغتفر مسبقاً ومسموح به وبوقاحة طالما أنه لن يتكرر
هل يعني هذا أننا مستعدون للتسامح ولغفران ونسيان أي شيء وكل ما أساء لنا يوماً ما فقط لأنه لن يتكرر؟
لكن المشكلة أن كل شيء يتكرر فعلاً ولكن بأساليب وصور مختلفة
حتى هتلر نفسه يتكرر ولكن باسم جديد كل مرة
فهذا يعني أن نيتشه محق وكل شيء يتكرر بلا نهاية ونحن لا نفعل سوى أن نضحك على أنفسنا ونقنعها أن ما يحدث شيء جديد لم يسبق أن حدث ولذلك يمكننا تقبله باعتبار أنه لن يتكرر

أما فكرة الثقل والخفة فأيهما الجميل وأيهما الفظيع؟
هل حقاً خيانات سابينا وهروبها وتحررها من كل ما يمكن أن يربطها بشيء ويحد من حريتها قد حقق لها الخفة الجميلة؟
هل هي خفة جميلة أن لا نشعر أننا مسؤولون حتى عن عذاب شخص ما؟
وهل وفاء تيريزا ومحاولتها المستمرة لتحميل توماس مسؤولية ضعفها وحمايتها وحاجتها له قد حقق لها الثقل الذي يضمن استقرارها واحساسها بالوقوف على أرض صلبة؟
أم أنه كان ثقلاً فظيعاً يجعلها دائمة الاحساس بالدوار والرغبة بالسقوط فكان حتى تعلقها وحبها لكلبتها ثقلاً سبب سقوطها..
أيهما الأفظع.. ثقل التعلق بالأماكن والأشخاص والأشياء أم الخفة التي لا تحتمل.. خفة التحرر من كل شيء؟..

الاسكندري
17-03-2008, 04:26 AM
عذرا على هذا الرد المتأخر
رواية ميلان كونديرا "خفة الكائن التي لا تحتمل " هذه من أمتع/ أفيد ما قرأت. إنّها من وحي الغزو السوفياتي لبراغ سنة 1967 على ما أذكر. إنّها من أروع الروايات التي أدانت الدوغمائية والسلطة بمفهومها الواسع. (إن كان لها مفهوم واسع)!!!
انصح كلّ الأخوات والإخوة بقرائتها. ويا حبّذا لو توجد بمكتبة الساخر.