PDA

View Full Version : رحلة مع ابن الفيافي والقوافي



Ophelia
25-12-2007, 08:40 AM
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت === وإذا نطقت فإنني الهيجاءُ
وإذا خفيت على النبي فعاذرٌ === ألا تراني مقلةٌ عمياءُ

أنام ملء جفوني عن شواردها === ويسهر الخلق جراها ويختصم

علي نحت القوافي من معادنها وما === علينا إذا لم تفهم البقر

أمط عنك تشبيهي بما وكأنه === فما أحد فوقي ولا أحد مثلي

وإذا أتتك مذمتي من ناقص === فهي الشهادة لي بأني كامل


إنه أحمد بن الحسين بن مرة بن عبد الجبار الجعفي، وكان مولده بالكوفة، سنة ثلاث، وثلاثمائة، وأرضعته امرأة علوية من آل عبيد الله، ولقد ألحق أحمد الصغير، بكتاب يتعلم فيه، أشراف العلويين، فهو علوي النسب، صليبة، ورضاعاً..
وكان معه في الكتاب أحد أترابه العلويين، هو محمد بن عبيد الله العلوي، وقد أحبه أبو الطيب أيما حب، فقال، وهو في الخامسة عشرة من عمره، يمدحه، ويمدح العلويين:


خير قريش، أباً، وأمجدها === أكثرها نائلاً، وأجودها
تاج لؤي بن غالب، وبه === سما له، فرعه، ومحتدها
قد أجمعت هذه الخليقة لي === أنك، يا بن النبي، أوحدها
وأنك بالأمس كنت محتلماً === شيخ معدٍّ ، وأنت أمردها


والمؤرخون حين يذكرون والد أبي الطيب، يقولون إنه: عيدان السقاء، وقد نقلوا هذا القول عن شيخ من شيوخ العراق، وأحد أصحاب الوزير المهلبي، الذي رفض أبو الطيب مدحه، هذا الشيخ هو أبو علي المحسن التنوخي، وقد عمل، بإيحاء من الوزير، على إهاجة الشعراء عليه، وإغرائهم بهجائه، وتخويفهم أن ينال، في العراق، ما ناله في الشام، فيقطع أرزاقهم كما فعل بمن هم أعلى طبقة منهم، من شعراء الشام، كأبي فراس، والسري الرفاء، وأبي العباس النامي، وأبي الفرج البنعاء، وغيرهم، وحين أغراهم الوزير بهجائه، انطلقوا من كلمة الشيخ التنوخي، فيقول أحدهم:


أي فضلٍ لشاعر يطلب الفضل === من الناس بكرةً وعشياً
عاش حيناً يبيع بالكوفة الماء === وحيناً يبيع ماء المحيَّا


هذا الشاعر تجاوز والد أبي الطيب في سقاية الماء، ونسبها، تطوعاً واجتهاداً، لأبي الطيب نفسه. وعجيب أن تنطلق هذه الفرية، ويصدقها مفتروها، إذا أن هذه التهمة ظلت محصورة في العراق، ولم تبلغ مسامع الشاميين. إذ كيف يتأتى لسقّاء، أو ابن سقاء أن يقف في مجلس سيف الدولة، حتى في وقت انحسر فيه رضا سيف الدولة، عنه، وفيه من الشعراء والعلماء، أمثال، أبي فراس ، قريع المتنبئ وعدوه اللدود، وفيهم كما ذكرنا، السري الرفاء، كيف يتأتى لمن كان نسبه كذلك، أن يقف، ليقول قصيدته الميمية، والتي ورد فيها مثل قوله:


سيعلم الجميع ممن ضم مجلسنا === بأنني خير من تسعى به قدم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي === وأسمعت كلماتي من به صمم


أي فخر لشاعر هو في موقف لا يحسد عليه، يمكن أن يفخر به أكثر مما فعل أبو الطيب.

وقبل أن ننفي هذه الفرية عن والد أبي الطيب، نقرأ هذين البيتين اللذين تحدى بهما، كل من حضر مجلس سيف الدولة. يقول أبو الطيب:


كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم === ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي === أنا الثريا، وذان، الشيب والهرم


وقد فخر أبو الطيب بنفسه، وأكثر، إلا أنه لم ينس، انتماءه إلى أرومة كريمة ومحتد نبيل يقول:
ولو أنه اقتصر على هذا الزهو والخيلاء، بما أورث قومه من محامد ومكارم، وما جلبه إليهم، بانتسابهم إليه من رفعة ومجد، لقلنا إنه قول إنسان مغمور نسبه وضيع المَنبت، لكن أبا الطيب يقول بعد هذا البيت:


وبهم فخر كل من نطق الضاد === وعَوْذ الجاني وغوث الطريد


وبعيد على من يفخر بقومه هذا الفخر، ويشيد بهم هذه الإشادة، أن يكون، سقاءً أو ابن سقاء، يطوف على الناس في أحياء الكوفة، يبيعهم الماء بكرة وعشياً، ويتقاضى عن ذلك دريهمات معدودة.


نبوَّته وعلويته:

ما أصعب الوقوف في وجه شائعة كاذبة، استفاضت على ألسنة الناس، وراحوا يرددونها، وكلهم إيمان بصدقها وواقعيتها، وفي العصر الحديث أدرك كل من علماء السياسة والإعلان، قوة الشائعة – على ما فيها من كذب – وسرّ تصديق الناس لها، فالأولون – أعني رجال السياسة – يقولون! اكذب ، ثم اكذب حتى تعتقد أنك صادق، وحينئذ تسير عدواك إلى الآخرين، فيؤكدون، صدق ما تقول، وربما أقسموا أن ما سمعوه، إنما رأوه بعيونهم، وسمعوه بآذانهم، ولمسوه بأيديهم، والآخرون – وأعني بهم رجال الإعلان – يمارسون اللعبة نفسها، بأسلوب أكثر إغراء وتحريضاً، بما يستخدمون من وسائل الإعلان، من إذاعة وتلفزة، وصحافة.

وقصة نبوة المتنبئ ، لا تبعد كثيراً عن هذا المبدأ، ولقد أصبحت مسألة نبوته وكأ،ها قضية مسلمة، لا تجد من يناقشها أو يطرحها على بساط البحث والمناقشة الجادة والعجيب أن يكون نبزه بالنبوة، وشيج الصلة، بالنيل من نسبه، ولعل أحدهما ولد الآخر، فالأصل فيهما ينبع من مصدر واحد..

وقصة حبسه لدى من يمعن النظر في حياة أبي الطيب، وملاحقة العلويين له حيثما حل وارتحل، وتضيقهم الخناق عليه، ليساير دعوتهم، ويعمل معهم، لتقويض الحكم العباسي في بغداد، وتهديدهم اياه، إذا لم يوافهم، بحرمانه من النسبة العلوية، نقول في قصة حبسه، إنما كانت لادعائه العلوية وتمسكه بها..

وقد اتسعت شقة الخلاف بينه وبينهم على الأيام، في هذه العلوية، فهو مع اعتزازه بها وزهوه بأنه ( خير قريش أباً) إلا أنه عربي من أخمصه إلى قدمه، وهو دائم النعي على أولئك الأدعياء، من فاطميين، وخراسانيين، أو دعاة أجراء لهم، يسعون جميعاً لقلب الحكم العباسي العربي في بغداد، ليقيموا دولة يصح فيها قوله:


ملاعب جنة لو سار فيها === سليمان لسار بترجمان
ولكن الفتى العربي منها === غريب الوجه واليد واللسان


وقد عرف المتنبي من أول أمره، متورعاً في خلقه، لا يلين للشهوات، ولا يلقي إليها مقاده، مترفعاً عن سفساف الأخلاق، آخذاً نفسه بالجد، فما لاط ولا زنى ولا كذب ولا شرب الخمر إلا مضطراً أو مجاملاً.
أما الثالثة، فقد كان المتنبي في أول شعره يكثر من ذكر الأنبياء ويورد أسماءهم في شعره ويشبه نفسه بهم فمن ذلك قوله:


إن أكن معجباً فعجب عجيب === لم يجد فوق نفسه من مزيد
أنا ترب الندى ورب القوافي === وسمام العدى وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الله === غريب كصالح في ثمود


ويروي ابن العديم في ترجمته للمتنبئ: عن أبي الحسن الربعي، صاحب المتنبئ، أنه قال: وقال لي المتنبئ: كنت أذم أهل الكوفة لأنهم يضيقون على أنفسهم في كل شيء، حتى في الأسماء فيتداعون بالألقاب، ولما لقبت بالمتنبئ ثقل عليّ ذلك زماناً، ثم ألفته.


يتبع..

Ophelia
25-12-2007, 08:45 AM
سأختار أثناء عرض سيرة حياته مقتطفات من شعره وليس بالضرورة أن تكون الأجمل وإنما اخترت ما استطعت فهمه أو أعجبني ..

غزل



بأبي من وددته فافترقنا === وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
فافترقنا حولاً فلما التقينا === كان تسليمه عليّ وداعا


أبلى الهوى أسفاً يوم الندى بدني === وفرّق الهجر بين الجفن والوسن
روحٌ تردد في مثل الخلال إذا === أطارت الريح عنه الثوب لم يبنِ
كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ === لولا مخاطبتي إياك لم ترني


ففي فؤاد المحبّ نارُ جَوىً === أحرُّ نارِ الجحيم أ[ردها
شابَ من الهجر فرقُ لمّتهِ === فصار مقل الدمقسِ أسودها
يا عاذل العاشقين دع فئةً === أضلّها الله كيف ترشدها


وخفوقُ قلبٍ لو رأيتِ لهيبه === يا جنّتي لظننت فيه جهمنا
وإذا سحابة صدِّ حبٍّ أبرقت === تركت حلاوة كل حبٍّ علقما


والوجد يقوى كما تقوى النوى أبداً === والصبر ينحل في جسمي كما نحلا
لولا مفارقة الأحباب ما وَجَدَتْ === لها المنايا إلى أرواحنا سُبُلا
بما بجفنيكِ من سِحرٍ صِلي دَنِفاً === يهوى الحياة وأما إن صددتَ فلا


كتمتُ حبكِ حتى منك تكرمةً === ثم استوى فيه إسراري وإعلاني
كأنه زاد حتى فاض عن جسدي === فصار سقمي به في جسم كتماني


أرقٌ على أرقٍ مثلي يأرقُ === وجوىً يزيد وعبرةٌ تترقرقُ
جُهدُ الصبابةِ أن تكون كما أرى === عينٌ مسَهّدةٌ وقلبٌ يخفقُ
ما لاح برقٌ أو ترنم طائرٌ === إلا انثنيت ولي فؤادٌ يخفقُ
جربت من نار الهوى ما تنطفي === نار الغضا وتكلُّ عما يُحرقُ
وعذلت أهل العشق حتى ذقتهُ === فعجبت كيف يموت من لا يعشقُ
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني === عيّرتهم فلقيت منهم ما لقوا


حشايَ على جمرٍ ذكيٍ من الهوى === وعيناي في روضٍ من الحسن ترتعُ
ولو حمِّلت صُمُّ الجبال الذي بنا === غداة افترقنا أوشكت تتصدعُ


تذلل لها واخضع على القربِ والنّوى === فما عاشقٌ من لا يذِلّ ويخضعُ




سخرية

في هجاء القاضي الذهبي:


سُمّيتَ بالذّهبي اليوم تسميةً === مشتقّة من ذهاب العقل لا الذهب




فلسفة


عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ === بين طعن القنا وخفق البنود
فرؤوس الرماح أذهب للغيظ === وأشفى لغلّ صدر الحقود
لا كما قد حييتَ غير حميدٍ === وإذا مُتَّ مُتَّ غير فقيد
فاطلب العزِ في لظى ودع الذل === ولو كان في جنان الخلود


نبكي على الدنيا وما من معشرٍ === جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
أين الأكاسرة الجبابرة الأُلى === كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه === حتى ثوى فحواه لحدٌ ضَيّقُ
خُرسٌ إذا نودوا كأن لم يعلموا === أن الكلام لهم حلال مطلق
فالموت آتٍ والنفوس نفائسٌ === والمستعز بما لديه الأحمق
والمرء يأمل والحياة شهيةٌ === والشيبُ أوقر والشبيبة أنزقُ




نرجسية


أمطْ عنكَ تشبيهي بما وكأنه === فما أحدٌ فوقي ولا أحدٌ مثلي


لا بقومي شرفت بل شرفوا بي === وبنفسي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضاد === و عوذُ الجاني وغوث الطريد
إن أكن معجباً فعجب عجيبٍ === لم يجد فوق نفسه من مزيد
أنا تِرْبُ النّدى وربُّ القوافي === وسِمامُ العدى وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الله === غريبٌ كصالحٍ في ثمود




موسيقا حلوة


أرقٌ على أرقٍ مثلي يأرقُ === وجوىً يزيد وعبرةٌ تترقرقُ




يتبع..

قنديش
26-12-2007, 09:28 AM
يا متنبي

ما زلت منذ الف عام

ترجع كل يوم....

ويرجع من اجلستهم في الشعر كل...

يا متنبي يا موسم الشعر الذي....لا ينقضي..

يا ذهب القصائد...

وحدك...صرت

السيف والرماح والسواعد

ذاكرة صرت لنا...

ازمنة دائمة البطوله....

على صهيل خيلنا....استفاق عالم....واسرج الدهر خيوله..

واشرقت قصائد تمسح وجه الشرق بالبطولة..................

ابيات لمنصور الرحباني عن المتنبي

عمر بك
27-12-2007, 11:25 PM
هل سبب قلة غزله , أنه كان شاذاً !
هل كان حقاً .. يحاول إحياء دولة الخلافة من جديد ؟!
ما سبب تفضيل أعداءه ابو العلاء المعري والشريف الرضي عليه ؟!
وهل كان متزوجاً ؟! وما سبب تهميشه لزوجته إن كان متزوجاً ؟!
وأسئلة كثيرة سأنتظر أجوبتها هنا ..


وعذلت أهل العشق حتى ذقتهُ === فعجبت كيف يموت من لا يعشقُ
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني === عيّرتهم فلقيت منهم ما لقوا
هذان البيتان وأبيات متفرقة قليلة, شدت بها السيدة فيروز .. وهي الأبيات الوحيدة المغناة للمتنبي رغم موسيقية غالب قصائده !!

ثم إنه .. كل عام وأنت بخير والمتنبي في قبره أيضاً بخير !

خلف الكواليس
28-12-2007, 04:00 AM
الله على المتنبي شاعر لا يزال يعيش في قلوبنا ومشاعرنا

قصائده من ذهب

ننتظر المزيد

Ophelia
28-12-2007, 06:00 PM
جدته وارتحاله


ولو لم تكوني بنت أكرم والد === لكان أباك الضخم كونك لي أماً


ماتت أم المتنبئ ( أحمد بن الحسين) وهو وليد، وعوضه الله عن حنانها وأمومتها أماً أخرى، أضافت إلى ذلك الحنان المفقود حناناً، وإلى تلك الأمومة عقلاً راجحاً ونفساً زكية، وهمة سامية، تلك هي جدته، فقد عكفت على الصغير تهبه كل ما وهبها الله من مزايا حميدة، وخصال كريمة، وحسبنا أن نعلم ما قاله المؤرخون عنها (انها كانت من صلحاء الكوفيات). وحين عاد أبو الطيب من رحلته، كان يحمل معه ثورته وكل ما في شبابه من حدة، فأخذت هذه الجدة تهدئ من ثورته وأقنعته – على غير رغبة منه – بالزواج من امرأة، ولدت له ابنه محسَّداً، وقد قتل معه فيما بعد عام 354 هـ. وظل أبو الطيب في الكوفة يتردد على مجالسها، ومساجدها، ينهل من ينابيع العلم المختلفة، في الأدب، والدين، والفلسفة، وكان لهذا أثره في تهذيب شعره، ومده بقوة جديدة أعادت إليه اعتزازه بنفسه، وثورته العارمة على كل ما ليس بعربي. ويذهب أبو الطيب إلى الشام ويتصل بابن طغج يمدحه، وتقدم إليه رسالة من جدته تستدعيه إليها، حين طال غيابه، بين البادية والشام، فيعود أبو الطيب، إلى العراق، ولكنه لا يدخل الكوفة، لأن العلويين كانوا له بالمرصاد، فقصد بغداد، وكتب إليها كتاباً يسألها موافاته في بغداد ، فلما وردها كتابه، أخذته، وقبلته، وأدركت أنها لن تراه بعد ذلك.


أتاها كتابي بعد بأس وترحة === فماتت سروراً بي فمت بها غما


وهو لا يبرئ نفسه من موتها، فهي لم تمت كما يموت الناس، وإنما قتلت بسم زعاف هو سم اليأس من رؤيته:


حرام على قلبي السرور، فإنني === أعد الذي ماتت به بعدها سما


لقد أحبته كل الحب، وتعلق قلبها به كل التعلق فما إن وردتها رسالته، حتى ضمتها إلى صدرها، تلثمها وتلثمها، حتى اسودت محاجر عينيها من مدادها.


وتلثمه حتى أصار مدادها === محاجر عينيها وأنيابها سحما


وكذلك كان أبو الطيب لها محباً صادقا، وابنا باراً بها، وكان يتمنى أن يجد لحمّاها الدواء الشافي، ولكن أنى له ذلك:


هبيني أخذت الثأر فيك من العدى === فكيف بأخذي الثأر فيك من الحمى
وما انسدت الدنيا عليّ لضيقها === ولكن طرفاً لا أراك به أعمى
فوا أسفا أن لا أكب مقبلاً === لرأسك ، والصدر الذي ملئا حزما


حقاً كان حباً عظيماً تبادله كل من الجدة الأم والحفيد الابن.


بداية التطواف


اذا صديق نَكِرتُ جانبهُ === لم تعيني في فراقه الحيلُ
في سعة الخافقين مضطرب === وفي بلاد من أختها بدلُ
يقولون لي: "ما أنت في كل بلدة === وما تبتغي؟" ما أبتغي جل أن يسمى


من الكوفة كانت البداية، وبين جدران كتابها مكث إلى سن الرابعة عشرة من عمره، وإذا كانت سنه لا تتجاوز هذا القدر، فإن عمره العقلي كان يرفعه إلى مرتبة من بلغ العشرين، فقد اجتمع له الاحساس المفرط، والذكاء المتوقد، والتصميم على بلوغ الأرب، وإن أورده موارد التهلكة، وفي أرجاء الكوفة، تفتحت عيناه على القرامطة، يدخلونها بجيوش جرارة، ويفعلون بأهلها الأفاعيل، لقد رأى دولة الأعاجم تعلو، والخلافة العربية تتمزق إلى دويلات، فإذا بالرذائل تفشو،والقيم تتهدم.


في كل أرض وطئتها أمم === ترعى بعبد كأنها غنم
وإنما الناس بالملوك، وما === تفلح عرب ملوكها عجم


كان فقيراً معدماً، لا مال ورثه عن أب، ولا صلة بذوي مكانة أو سلطان، وليس يملك إلا الإرادة والتصميم على الخلاص من ربقة الفقر والحرمان وآلى على نفسه أن يكون صاحب ثروة ومال. لذا كان حريصاً على المال كل الحرص، وكان البخل إحدى هناته، التي أخذها عليه الناس، والغريب أن يكون أبو الطيب هو الذي يقول:


ومن ينفق الساعات في جمع ماله === مخافة فقر فالذي فعل الفقر


ولعل أحد الأسباب إلى دفعه لجمع المال وحرصه عليه، حاجته وحرمانه، والحادثة التالية تفسر جانباً من هذه الصفة التي شاعت عنه، وخلاصتها، أن أبا الطيب مرّ بدكان يبيع الفاكهة وسأل البائع:

- بكم تبيع هذه الخمسة بطاطيخ؟
فرد عليه البائع، بغير اكتراث:
- اذهب فليس هذا من أكلك، ثمنها عشرة دراهم.
وما عتم الأمر حتى مر شيخ من شيوخ التجار، ذاهباً إلى داره فوثب صاحب الدكان إليه، وعرض عليه بطيخه، وباعه ما كان بعشرة دراهم، بدرهمين محمولة إلى داره. وحينئذ بلغ الغيظ بأبي الطيب أقصاه وقال له:
- يا هذا، ما رأيت أعجب من جهلك، أعطيك فيه خمسة دراهم، وتبيعه بدرهمين محمولاً.
فقال البائع:
- اسكت، هذا يملك مئة ألف دينار.
ويقول المتنبئ: لقد علمت أن الناس لا يكرمون أحداً، إكرامهم أصحاب الثراء، وقد أصبح المتنبئ صاحب ثروة، ربما أربت على ثروة الشيخ التاجر.

نعود إلى سيرة المتنبئ في تطوافه وسفره الدائمين، فقد رحل المتنبئ عام 321 إلى بلاد الشام، وكانت دعوة العلويين، والفاطميين، مبثوثة في البلدان التي مر بها، وكل من الطرفين متفقان على تقويض أركان الدولة العباسية، هاتان الدعوتان كان لهما العيون والأرصاد، وما إن وقعت عيونهم على أبي الطيب يجوس بين القبائل، والمدن، يظهر نسبه العلوي الشريف، حتى أخذوا يكيدون له، ويرصدون له الأرصاد في كفر عاقب ناقمين عليه، تقربه من سيف الدولة، وظلوا يطاردونه حتى وقع في أيديهم إذ قبض عليه (ابن علي الهاشمي العلوي) وأنزل به مر العذاب، إذ أمر أن يجعل في عنقه ورجليه خشبتان من الصفصاف فقال له:


زعم المقيم بكوتكين بأنه === من آل هاشم بن عبد مناف
فأجبته: مذ صرت من أبنائهم === صارت قيودهم من الصفصاف


ويمكث في السجن عامين، ويعود إلى الكوفة، وكان خلاصه من السجن على يد التنوخيين، وقد أقام في اللاذقية بعض الوقت، مدح فيه محمداً والحسين، ابني اسحاق التنوخي ويجدر بنا أن نذكر مديحه لرجل من العلويين يتولى شؤون طبريه، وكان ذلك رغبة من علي بن ابراهيم التنوخي، فشد الرحال إلى طبرية ومدرح الرجل بقصيدته المشهورة، دون أن يجد عنده غناء: يقول لعلي بن الحسين وقد عاد إليه:


لولاك لم أترك البحيرة والـ === غورُ دفئ، وماؤها شبم
والموج مثل الفحول مزبدة === تهدر فيها ، وما بها قطم


إلى أن يقول معرضاً بمن شد الرحال إليه، فقال:


يشينها جريها على بلد === تشينه (الأدعياء) و (القزم)



مختارات:



غزل


قَبَّلتُها وَدُموعي مَزجُ أَدمُعِها === وَقَبَّلَتني عَلى خَوفٍ فَماً لِفَمِ
قذُ قتُ ماءَ حَياةٍ مِن مُقَبَّلِها === لَو صابَ تُرباً لَأَحيا سالِفَ الأُمَمِ
تَرنو إِلَيَّ بِعَينِ الظَبيِ مُجهِشَةً === وَتَمسَحُ الطَلَّ فَوقَ الوَردِ بِالعَنَمِ
رُوَيدَ حُكمَكِ فينا غَيرَ مُنصِفَةٍ === بِالناسِ كُلِّهِمِ أَفديكِ مِن حَكَمِ
أَبدَيتِ مِثلَ الَّذي أَبدَيتُ مِن جَزَعٍ === وَلَم تُجِنّي الَّذي أَجنَنتُ مِن أَلَمِ


شَوقي إِلَيكَ نَفى لَذيذَ هُجوعي === فارَقتَني فَأَقامَ بَينَ ضُلوعي
أَوَ ما وَجَدتُم في الصَراةِ مُلوحَةً === مِمّا أُرَقرِقُ في الفُراتِ دُموعي
ما زِلتُ أَحذَرُ مِن وَداعِكَ جاهِداً === حَتّى اِغتَدى أَسَفي عَلى التَوديعِ
رَحَلَ العَزاءُ بِرِحلَتي فَكَأَنَّما === أَتبَعتُهُ الأَنفاسَ لِلتَشيّعِ


يا مَن تَحَكَّمَ في نَفسي فَعَذَّبَني === وَمَن فُؤادي عَلى قَتلي يُضافِرُهُ


جَرى حُبُّها مَجرى دَمي في مَفاصِلي === فَأَصبَحَ لي عَن كُلِّ شُغلٍ بِها شُغلُ
سَبَتْني بدَلٍّ ذاتُ حسنٍ يزينها === تكحُّلُ عينيها وليس لها كُحلُ


المَوتُ أَقرَبُ مِخلَباً مِن بَينِكُم === وَالعَيشُ أَبعَدُ مِنكُمُ لا تَبعُدوا
إِنَّ الَّتي سَفَكَت دَمي بِجُفونِها === لَم تَدرِ أَنَّ دَمي الَّذي تَتَقَلَّدُ




فلسفة


لَيسَ التَعَلُّلُ بِالآمالِ مِن أَرَبي === وَلا القَناعَةُ بِالإِقلالِ مِن شِيَمي


إِذا قيلَ رِفقاً قالَ لِلحِلمِ مَوضِعٌ === وَحِلمُ الفَتى في غَيرِ مَوضِعِهِ جَهلُ




نرجسية


كُن أَيُّها السِجنُ كَيفَ شِئتَ فَقَد === وَطَّنتُ لِلمَوتِ نَفسَ مُعتَرِفِ
لَو كانَ سُكنايَ فيكَ مَنقَصَةً === لَم يَكُنِ الدُرُّ ساكِنَ الصَدَفِ


أَنا اِبنُ اللِقاءِ أَنا اِبنُ السَخاءِ === أَنا اِبنُ الضِرابِ أَنا اِبنُ الطِعانِ
أَنا اِبنُ الفَيافي أَنا اِبنُ القَوافي === أَنا اِبنُ السُروجِ أَنا اِبنُ الرِعانِ
طَويلُ النِجادِ طَويلُ العِمادِ === طَويلُ القَناةِ طَويلُ السِنانِ
حَديدُ اللِحاظِ حَديدُ الحِفاظِ === حَديدُ الحُسامِ حَديدُ الجَنانِ
يُسابِقُ سَيفي مَنايا العِبادِ === إِلَيهِم كَأَنَّهُما في رِهانِ




سخرية

قال أحد إخوان المتنبي له سلمت عليك فلم ترد السلام فقال له معتذرا ومتمسخراً:


أنا عاتبٌ لتعتّبك === متعجّبٌ لتعجّبك
إذ كنت حين لقيتني === متوجعاً لتغيّبِك
فشُغلتُ عن رد السلام === وكان شُغلي عنك بك



قال أبو الطيب لابن عبد الوهاب وقد جلس ابنه إلى جانب المصباح:


أَما تَرى ما أَراهُ أَيُّها المَلِكُ === كَأَنَّنا في سَماءِ مالَها حُبُكُ
الفَرقَدُ اِبنُكَ وَالمِصباحُ صاحِبُهُ === وَأَنتَ بَدرُ الدُجى وَالمَجلِسُ الفَلَكُ




موسيقا


وَمِن جاهِلٍ بي وَهوَ يَجهَلُ جَهلَهُ === وَيَجهَلُ عِلمي أَنَّهُ بِيَ جاهِلُ


في شانِهِ وَلِسانِهِ وَبَنانِهِ === وَجَنانِهِ عَجَبٌ لِمَن يَتَفَقَّدُ

محمد مصطفى
28-12-2007, 06:17 PM
كُن أَيُّها السِجنُ كَيفَ شِئتَ فَقَد === وَطَّنتُ لِلمَوتِ نَفسَ مُعتَرِفِ
لَو كانَ سُكنايَ فيكَ مَنقَصَةً === لَم يَكُنِ الدُرُّ ساكِنَ الصَدَفِ
كلام سليم 100%

.
.

وَمِن جاهِلٍ بي وَهوَ يَجهَلُ جَهلَهُ === وَيَجهَلُ عِلمي أَنَّهُ بِيَ جاهِلُ


في شانِهِ وَلِسانِهِ وَبَنانِهِ === وَجَنانِهِ عَجَبٌ لِمَن يَتَفَقَّدُ



لا أحد يعرف معنى هذه الابيات مثلي..!!




البيت هنا خطأ:
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني === عيّرتهم فلقيت منهم ما لقوا

البيت الصحيح:
وعذرتهم وعرفت ذنبيَ أنني**عيّرتهم فلقيت فيهِ ما لقوا

العابث
29-12-2007, 09:58 PM
صدق من قال عن المتنبي " ان مالىء الدنيا وشاغل الناس "

عاشق المتنبي

محمد العدوي
30-12-2007, 03:46 PM
من اطال الغياب ، جاء بالغنائم ..

فتح الله الدغوغي
30-12-2007, 04:28 PM
البيت هنا خطأ:
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني === عيّرتهم فلقيت منهم ما لقوا

البيت الصحيح:
وعذرتهم وعرفت ذنبيَ أنني**عيّرتهم فلقيت فيهِ ما لقوا
هناك روايتان لهذا البيت هذا كل ما في الأمر
أما الخطأ المطبعي فهاهو:
وإذا خفيت على النبي فعاذرٌ === ألا تراني مقلةٌ عمياءُ
الصواب:
...على الغبي...
تحياتي للجميع
و شكري الجزيل للأخت أوفيليا على المضوع الجميل

محمد مصطفى
30-12-2007, 06:45 PM
هناك روايتان لهذا البيت:
كتبت بواسطة محمد مصطفى http://www.alsakher.com/vb2/images/buttons/viewpost.gif (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?p=1228647#post1228647)
البيت هنا خطأ:
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني === عيّرتهم فلقيت منهم ما لقوا

البيت الصحيح:
وعذرتهم وعرفت ذنبيَ أنني**عيّرتهم فلقيت فيهِ ما لقوا

هذا كل ما في الأمر
أما الخطأ المطبعي فهاهو:
وإذا خفيت على النبي فعاذرٌ === ألا تراني مقلةٌ عمياءُ
الصواب:
...على الغبي...
تحياتي للجميع
و شكري الجزيل للأخت أوفيليا على المضوع الجميل
لا يستقيم معنى البيت في الحالة الأولى بل إنه حتى في هذا الخطأ لا يعطيك المعنى الصحيح له،ولا ينتج منه معنى آخر،فما ينتج عن "منهم"هو بيت ركيك المعنى

Ophelia
02-01-2008, 08:27 PM
مع بدر بن عمار

كانت الخلافة العباسية أشلاء ممزقة، وهي على اتساع رقعتها، لا تكاد ترتبط بالخليفة في بغداد إلا ارتباطاً إسمياً، وقد أصبحت دويلات، وإمارات، يحكم معظمها حكام غير عرب، فمنذ مصرع المتوكل على الله، والحكم يتداوله غير العرب من فرس وأتراك، وسلاجقة، وقلما تقع على أمير عربي، يصرف شؤون إمارته ويستقل بإدارتها. وحين التقى أبو الطيب بأبي الحسين بدر بن عمار، رأى فيه العربي الشجاع، قريب المذهب منه في بغض الأعاجم، يضاف إلى ذلك، سماحة في الخلق، ورجاحة في العقل، وحب للأدب وما كاد تقع عيناه عليه حتى قال:


أَحُلماً نَرى أَم زَماناً جَديداً === أَمِ الخَلقُ في شَخصِ حَيٍّ أُعيدا
تَجَلّى لَنا فَأَضَأنا بِهِ === كَأَنّا نُجومٌ لَقينا سُعودا


أحب بدر بن عمار، وأحبه بدر، وأكرمه ورفعه إليه وعززه ونصره ووجد كل منهما في صاحبه ملجأ يأوي إليه، كل منهما عربي يستشعر عروبته وسط جو من المكائد والعداء وما أسعده وهو يصغي إلى أبي الطيب يعزف على أوتار عربية صرف، يقول في صفة بدر:


هانَ عَلى قَلبِهِ الزَمانُ فَما === يَبينُ فيهِ غَمٌّ وَلا جَذَلُ
تُعرَفُ في عَينِهِ حَقائِقُهُ === كَأَنَّهُ بِالذَكاءِ مُكتَحِلُ


إلى أن يخاطبه قائلاً:


يا بَدرُ يا بَحرُ يا عَمامَةُ يا === لَيثَ الشَرى يا حَمامُ يا رَجُلُ
إِنَّكَ مِن مَعشَرٍ إِذا وَهَبوا === ما دونَ أَعمارِهِم فَقَد بَخَلوا


ومن يتأمل هذا الشعر يجد في صاحبه، الثقة بالنفس، والراحة إلى الممدوح، وبلوغ الأوج في إفراغ مشاعره المتقدة، في عبارة ذكية، وأسلوب أكثر ذكاءً، وحين ناداه باسمه، وأتبع هذا النداء، بالصفات التي ملأت قلب أبي الطيب، وملكت مشاعره، أحس أنه أفرغ كل شحنة عربية السنخ عدنانية الرحم، وكأني بأبي الطيب يرى في ابن عمار القائد الأمثل لدولة عربية خالصة.


مِثلُكَ يا بَدرُ لا يَكونُ وَلا === تَصلُحُ إِلّا لِمِثلِكَ الدُوَلُ


القارئ المتأمل في مناداته باسمه، وبالصفات التالية، يرى فيها أكثر مما يراه، البلاغيون، حين يمثلون للاستعارة التصريحية، المتأمل يرى فيها كل المثل التي رآها مجسدة في بدر بن عمار، يرى فيه، البدر المنير، والبحر العميق، والغمامة الممطرة، والأسد الشجاع، والموت الزؤام، وأخيراً يرى فيه الرجل الرجل، الذي تجتمع فيه كل الصفات السابقة، وينضوي تحت لوائها، كل الشمائل الكريمة التي تجعل من الرجل إنساناً كاملاً.

كان يمكن لشاعر آخر غير أبي الطيب أن يخلد إلى الدعة والهناءة في ظل أبي الحسين، بدر بن عمار، ولكن هيهات هيهات أن يكون أبو الطيب، هو ذلك الشاعر، فما إن يستشعر في صاحبه بعض الملالة، بل عدم الإقبال عليه بكليته، حتى يعود إلى ما ركب في طبعه من عزة وما جبلت عليه نفسه من أنفه، فهي هي نفسه، الأبية رافضة لكل ما يمسها:


يُغَيِّرُ مِنّي الدَهرُ ما شاءَ غَيرَها === وَأَبلُغُ أَقصى العُمرِ وَهِيَ كَعابُ


بل إنه فوق كل وطن، وغني عن كل بلد لم يلق فيه الإعزاز والإكرام:


غَنِيٌّ عَنِ الأَوطانِ لا يَستَفِزُّني === إِلى بَلَدٍ سافَرتُ عَنهُ إِيابُ
وَأَصدى فَلا أُبدي إِلى الماءِ حاجَةً === وَلِلشَمسِ فَوقَ اليَعمُلاتِ لُعابُ


وكان من سوء حظ المتنبئ حين كان في صحبة ابن عمار أن وفد عليه رجل يدعى ابن كروس، وأغلب الظن أنه كان من صنائع العلويين والفاطميين، وقد صحب بدراً وكان كالعين عليه، وكم جهد ليستميله إليه، ويجعله ينحاز إلى الدعوة العلوية والفاطمية، للعمل على تقويض الخلافة في بغداد، وجعل الخلافة علوية، أو فاطمية، وحين رآه أبو الطيب، وأحس بما يدبر خفاءً وجهراً، داخلته الهموم، والأحزان، ولم يجد عند بدر نصرة المحب لحبيبه، فيقول له:


كَأَنَّ الحُزنَ مَشغوفٌ بِقَلبي === فَساعَةَ هَجرِها يَجِدُ الوِصالا
أَلِفتُ تَرَحُّلي وَجَعَلتُ أَرضي === قُتودي وَالغُرَيرِيَّ الجُلالا


ويشتد كيداً ابن كروَّس على أبي الطيب، حتى يحمله على فراق بدر بن عمار، قائلاً:


أَنكَرتُ طارِقَةَ الحَوادِثِ مَرَّةً === ثُمَّ اِعتَرَفتُ بِها فَصارَت دَيدَنا
وَقَطَعتُ في الدُنيا الفَلا وَرَكائِبي === فيها وَوَقتَيَّ الضُحى وَالمَوهِنا


ويخاطب ابن عمار ناصحاً وملوحاً:


وَاِنهَ المُشيرَ عَلَيكَ فيَّ بِضَلَّةٍ === فَالحَرُّ مُمتَحِنٌ بِأَولادِ الزِنا
وَمَكايِدُ السُفَهاءِ واقِعَةٌ بِهِم === وَعَداوَةُ الشُعَراءِ بِئسَ المُقتَنى


وكان لا بد من الرحيل، فليعد له في الليل البهيم، ويخرج إلى دمشق، وهو يردد قصيدة مطلعها:


لا اِفتِخارٌ إِلّا لِمَن لا يُضامُ === مُدرِكٍ أَو مُحارِبٍ لا يَنامُ


وفي هذه القصيدة يطل أبو الطيب على دنيا الشعر، ببيت معجز فلما يقع لشاعر آخر، فقد غمس أبو الطيب في كل حرف من حروفه، تجربته المريرة، ورسم بريشة ساحرة صورة إنسان، قست عليه الحياة كأقصى ما تكون القسوة، وجعلته يحتمل الأذى صاغراً ذليلاً، بل هو مضطر إلى أن يرى من آذاه وآده وأرهقه ضرورة لا غنى عنها، لأن فيها غذاءه، ودواءه، ولكن أي غذاء هذا الغذاء، إنه السم الزعاف، تضوى به الأجساد وتهزل، يقول هذا البيت العجيب الأخاذ:


وَاِحتِمالُ الأَذى وَرُؤيَةُ جاني === هِ غِذاءٌ تَضوى بِهِ الأَجسامُ


ثم تتدفق ثلاثة أبيات في الحكمة التي استفاضت على الألسن وسرت في لهوات المنشدين، عذبة كعذوبتها، قوية كقوتها: وذلك حين يقول:


ذَلَّ مَن يَغبِطُ الذَليلَ بِعَيشٍ === رُبَّ عَيشٍ أَخَفُّ مِنهُ الحِمامُ
كُلُّ حِلمٍ أَتى بِغَيرِ اِقتِدارٍ === حُجَّةٌ لاجِئٌ إِلَيها اللِئامُ
مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ === ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ



وتلاحقه مكايد الأعور ابن كروَّس، أو العلويين، حتى حمى (جرش) فيعجل بالرحيل، ويكتب لمضيفه وصديقه، علي بن أحمد المري مودعاً ومعتذراً.


لا تُنكِرَنَّ رَحيلي عَنكَ في عَجَلٍ === فَإِنَّني لِرَحيلي غَيرُ مُختارِ
وَرُبَّما فارَقَ الإِنسانُ مُهجَتَهُ === يَومَ الوَغى غَيرَ قالٍ خَشيَةَ العارِ
وَقَد مُنيتُ بِحُسّادٍ أُحارِبُهُم === فَاِجعَل نَداكَ عَلَيهِم بَعضَ أَنصاري


ولكن الارتحال في تلك الأيام، ليس في سيارة مكيفة، أو طائرة مبردة، فالرحلة في تلك الأيام الغابرة، محفوفة بالمشقات، مشوبة بالخوف والحذر، ولكن لا بد من مواجهة الأخطار، وركوب كل عسير:


رَكِبتُ مُشَمِّراً قَدَمي إِلَيها === وَكُلَّ عُذافِرٍ قَلِقِ الضُفورِ
أَواناً في بُيوتِ البَدوِ رَحلي === وَآوِنَةً عَلى قَتَدِ البَعيرِ
أُعَرِّضُ لِلرِماحِ الصُمِّ نَحري === وَأَنصِبُ حُرَّ وَجهي لِلهَجيرِ
وَأَسري في ظَلامِ اللَيلِ وَحدي === كَأَنّي مِنهُ في قَمَرٍ مُنيرِ


ولا ينسى، بعد أن نجا من سطوة ابن كروس الأعور، أن يهجوه هجواً مراً، فيه سخرية وهزء بالغ، فيقول:


فَيا اِبنَ كَرَوَّسٍ يا نِصفَ أَعمى === وَإِن تَفخَر فَيا نِصفَ البَصيرِ
تُعادينا لِأَنّا غَيرُ لُكنٍ === وَتُبغِضُنا لِأَنّا غَيرُ عورِ
فَلَو كُنتَ اِمرَأً يُهجى هَجَونا === وَلَكِن ضاقَ فِترٌ عَن مَسيرِ




مختارات


غزل


رَأَت وَجهَ مَن أَهوى بِلَيلٍ عَواذِلي === فَقُلنَ نَرى شَمساً وَما طَلَعَ الفَجرُ
رَأَينَ الَّتي لِلسِحرِ في لَحَظاتِها === سُيوفٌ ظُباها مِن دَمي أَبَداً حُمرُ
تَناهى سُكونُ الحُسنِ في حَرَكاتِها === فَلَيسَ لِراءٍ وَجهَها لَم يَمُت عُذرُ


ما الشَوقُ مُقتَنِعاً مِنّي بِذا الكَمَدِ === حَتّى أَكونَ بِلا قَلبٍ وَلا كَبِدِ
وَلا الدِيارُ الَّتي كانَ الحَبيبُ بِها === تَشكو إِلَيَّ وَلا أَشكو إِلى أَحَدِ


ما بالُهُ لاحَظتُهُ فَتَضَرَّجَت === وَجَناتُهُ وَفُؤادِيَ المَجروحُ
وَرَمى وَما رَمَتا يَداهُ فَصابَني === سَهمٌ يُعَذِّبُ وَالسِهامُ تُريحُ


يَمَّمتُ شاسِعَ دارِهِم عَن نِيَّةٍ === إِنَّ المُحِبَّ عَلى البِعادِ يَزورُ
وَقَنِعتُ بِاللُقيا وَأَوَّلِ نَظرَةٍ === إِنَّ القَليلَ مِنَ الحَبيبِ كَثيرُ



منتهى اللؤم والنصب

قال أبو الطيب هذه القصيدة يمدح بها الحسين بن اسحق التنوخي وكان قوم قد هجوه ونحلوا الهجاء إلى أبي الطيب، فكتب إليه يعاتبه فكتب أبو الطيب إليه:


أَتُنكِرُ يا اِبنَ إِسحاقٍ إِخائي === وَتَحسَبُ ماءَ غَيري مِن إِنائي
أَأَنطِقُ فيكَ هُجراً بَعدَ عِلمي === بِأَنَّكَ خَيرُ مَن تَحتَ السَماءِ
وَأَكرَهُ مِن ذُبابِ السَيفِ طَعماً === وَأَمضى في الأُمورِ مِنَ القَضاءِ
وَما أَربَت عَلى العِشرينَ سِنّي === فَكَيفَ مَلِلتُ مِن طولِ البَقاءِ
وَما اِستَغرَقتُ وَصفَكَ في مَديحي === فَأَنقُصَ مِنهُ شَيئاً بِالهِجاءِ
وَهَبني قُلتُ هَذا الصُبحُ لَيلٌ === أَيَعمى العالَمونَ عَنِ الضِياءِ
تُطيعُ الحاسِدينَ وَأَنتَ مَرءٌ === جُعِلتُ فِدائَهُ وَهُمُ فِدائي
وَهاجي نَفسِهِ مَن لَم يُمَيِّز === كَلامي مِن كَلامِهِمِ الهُراءِ
وَإِنَّ مِنَ العَجائِبِ أَن تَراني === فَتَعدِلَ بي أَقَلَّ مِنَ الهَباءِ
وَتُنكِرَ مَوتَهُم وَأَنا سُهَيلٌ === طَلَعتُ بِمَوتِ أَولادِ الزِناءِ*


يعني ضربني وبكى سبقني واشتكى كان هو الملام فأصبح اللائم وطلع ابن اسحاق قليل فهم ونظر وهاجي نفسه وأكيد أحس بالذنب لما قرأ القصيدة.. فهل كتب فيه المتنبي قصيدة مدح أم هجاء أم سخرية؟!


* سهيل: اسم نجم تزعم العرب أنه متى طلع وقع الوباء في الأرض وكثر الموت.







يتبع
في رحاب سيف الدولة

زرقة ماء
02-01-2008, 09:23 PM
نتابع بحب...

Ophelia
10-01-2008, 01:56 PM
في رحاب سيف الدولة

وأخيراً لقي المحب حبيبه، والطالب مطلوبه، واجتمع الشابان على صعيد واحد، والشاعر الفارس، بالفارس الشاعر، وألقى أبو الطيب بين يدي سيف الدولة أول قصيدة، اختزنها في عقله لهذا اللقاء، كان ذلك في إنطاكية، حيث يلي أمرها، صهر سيف الدولة وابن عمه، أبو العشائر الحمداني، وقبل أن ينشده قصيدته، يعود بذاكرته إلى الوراء إلى عام 326، حين التقى بسيف الدولة، وكان قد أوقع بأحد المتمردين، في رأس العين، وخرج ظافراً منتصراً، وكانت سنه آنذاك: في سن المتنبئ لا تتجاوز الثامنة عشرة، وقد امتلأ فتوة ورجولة وهما مثل المتنبئ الأعلى، في عصر تعذر فيه وجود الأحرار: والمتنبئ يذكر هذا الاعجاب ويذكر قوله لسيف الدولة آنذاك:


وَتَعَذُّرُ الأَحرارِ صَيَّرَ ظَهرَها === إِلّا إِلَيكَ عَلَيَّ ظهرَ حَرامِ
أَنتَ الغَريبَةُ في زَمانٍ أَهلُهُ === وُلِدَت مَكارِمُهُم لِغَيرِ تَمامِ
عَيبٌ عَلَيكَ تُرى بِسَيفٍ في الوَغى === ما يَصنَعُ الصَمصامُ بِالصَمصامِ


والقصيدة الأولى التي ألقاها بين يدي سيف الدولة في لقائه التاريخي به وقد عاد مظفراً من حربه مع الروم فإذا بالمشاعر تجيش في صدره، وبالمعاني تتقاذف من قلبه إلى لسانه، فينشده:


سَلَكتُ صُروفَ الدَهرِ حَتّى لَقَيتُهُ === عَلى ظَهرِ عَزمٍ مُؤيَداتٍ قَوائِمُه
مَهالِكَ لَم تَصحَب بِها الذِئبَ نَفسُهُ === وَلا حَمَلَت فيها الغُرابَ قَوادِمُه
فَأَبصَرتُ بَدراً لا يَرى البَدرُ مِثلَهُ === وَخاطَبتُ بَحراً لا يَرى العِبرَ عائِمُه


يقول هذه الأبيات ثم يضمها إلى قصيدته التي أنشدها فيما بعد كاملة والتي مطلعها:


وَفاؤُكُما كَالرَبعِ أَشجاهُ طاسِمُه === بِأَن تُسعِدا وَالدَمعُ أَشفاهُ ساجِمُه


وقد فعل أبو الطيب هذا أكثر من مرة، وسنقف عند قصيدته التي رثى بها خولة أخت سيف الدولة

ويرحل سيف الدولة عن انطاكية بعد أن مكث فيها أشهراً، وأبو الطيب إلى جواره وفي مجلسه، وبين أصحابه، وكان مفروضاً أن يصحبه أبو الطيب، لولا أمر ما منع أبا الطيب عن صحبة سيف الدولة في هذا الرحيل، ذلك أن زوجته كانت حاملاً، وقد جاءها المخاض وهي مريضة، فأعضلت وعسرت ولادتها. ثم ماتت وتركت وليداً مات بعدها بقليل وينتقل الشاعر إلى حلب، وتموت والدة سيف الدولة، وينشئ قصيدة في رثائها، ومطلعها:


نُعِدُّ المَشرَفِيَّةَ وَالعَوالي === وَتَقتُلُنا المَنونُ بِلا قِتالِ


وفيها من الحديث عن نفسه، وما لقيه في دهره من المصائب والأحزان، أكثر مما فيها من الرثاء والعزاء، يقول:


رَماني الدَهرُ بِالأَرزاءِ حَتّى === فُؤادي في غِشاءٍ مِن نِبالِ
فَصِرتُ إِذا أَصابَتني سِهامٌ === تَكَسَّرَتِ النِصالُ عَلى النِصالِ
وَهانَ فَما أُبالي بِالرَزايا === لِأَنّي ما اِنتَفَعتُ بِأَن أُبالي
يُدَفِّنُ بَعضُنا بَعضاً وَتَمشي === أَواخِرُنا عَلى هامِ الأَوالي


ولعل أبا الطيب المتنبئ لم يكن لينفث هذه الحكمة الحزينة، وهو يرثي أم سيف الدولة، لو لم يكن حديث عهد بفاجعة زوجته ثم وليدها الذي تبعها بعد قليل، بل أن الأسى ظل مسيطراً على كل مشاعره، حتى حين أخذ في مدح سيف الدولة، فها هو ذا يختم قصيدته المدحية بقوله:


فَذي الدارُ أَخوَنُ مِن مومِسٍ === وَأَخدَعُ مِن كَفَّةِ الحابِلِ
تَفانى الرِجالُ عَلى حُبِّها === وَما يَحصُلونَ عَلى طائِلِ


بل إنه فتح الباب على مصراعيه، أمام سيد شعراء الموت في العربية، أبي العلاء المعري، حتى ليمكن القول: إن شيخ المعرة، لم يتجاوز أبا الطيب، إلا بفكرة واحدة هي استنفاد معنى الموت، بل دقائقه وتفصيلاته، والحديث عن مصير الإنسان بعد أن يصبح جزءاً من تراب، وإذا كانت هذه الفكرة قد ملكت على أبي العلاء كل السبل من مثل قوله:


صَاحِ هَذِي قُبُورُنا تَمْلأ الرُّحْ === بَ فأينَ القُبُورُ مِنْ عَهدِ عادِ


ومن مثل قوله:


لَعَلَّ مَفاصِلَ البِناءِ تُضحي === طِلاءً لِلسَقيفَةِ وَالجِدارِ


فإن الموت عند أبي الطيب، معين لا ينضب نهل منه أبو العلاء، ولنقف قليلاً مع أبي الطيب حيث يقول:


إِذا ما تَأَمَّلتَ الزَمانَ وَصَرفَهُ === تَيَقَّنتَ أَنَّ المَوتَ ضَربٌ مِنَ القَتلِ
وَما الدَهرُ أَهلٌ أَن تُؤَمَّلَ عِندَهُ === حَياةٌ وَأَن يُشتاقَ فيهِ إِلى النَسلِ


وحيث يقول قبيل موته بقليل وهو من أعمق ما قيل في الموت:


لا بُدَّ لِلإِنسانِ مِن ضَجعَةٍ === لا تَقلِبُ المُضجَعَ عَن جَنبِهِ
يَنسى بِها ما كانَ مِن عُجبِهِ === وَما أَذاقَ المَوتُ مِن كَربِهِ
لَو فَكَّرَ العاشِقُ في مُنتَهى === حُسنِ الَّذي يَسبيهِ لَم يَسبِهِ
فَهَذِهِ الأَرواحُ مِن جَوِّهِ === وَهَذِهِ الأَجسامُ مِن تُربِهِ


وإذا كان أبو العلاء، قد قلّب الفكرة، على جميع وجوهها، واستوفى كل أجزائها، ولم يدع لمستزيد زيادة، فإن أبا الطيب كان الملهم والموحي، والذي استشعر وجود الموت، وأنه ضرب من القتل.


حان الفراق


فِراقٌ وَمَن فارَقتُ غَيرُ مُذَمَّمِ === وَأَمٌّ وَمَن يَمَّمتُ خَيرُ مُيَمَّمِ
وَما مَنزِلُ اللَذّاتِ عِندي بِمَنزِلٍ === إِذا لَم أُبَجَّل عِندَهُ وَأُكَرَّمِ


على الرغم من الحب المتبادل بين الأمير وشاعره، وعلى الرغم من مكانة أبي الطيب في قلب سيف الدولة، فقد حدث ما لا بد أن يحدث، وآذن الدهر بفراق الأحبة، وقد رووا أن أسباب الفراق كانت على هذا النحو: يقول عبد المحسن علي بن كوجك، إن أباه حدثه قال: كنت بحضرة سيف الدولة، وأبو الطيب اللغوي، وأبو الطيب المتنبئ، وأبو عبد الله بن خالويه النحوي، وقد جرت مسألة في اللغة تكلم فيها ابن خالويه مع أبي الطيب اللغوي، والمتنبئ، سألت فقال له سيف الدولة: ألا تتكلم يا أبا الطيب، فتكلم فيها بما قوّى حجة أبي الطيب اللغوي وضعف قول ابن خالويه. فأخرج من كمه مفتاحاً ليلكم به المتنبئ، فقال له المتنبئ: اسكت ويحك، فإنك أعجمي وأصلك خوزي، فما لك وللعربية، فضرب وجه المتنبئ بذلك المفتاح، فأسال دمه على وجهه وثيابه، فغضب المتنبئ، إذ لم ينتصر له سيف الدولة، لا قولاً ولا فعلاً.
كما رووا، أن أبا فراس قال لسيف الدولة: إن هذا المتشدق كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار عن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعراً يأتون بما هو خير من شعره، فتأثر سيف الدولة، وكان المتنبئ غائباً فبلغته القصة، فدخل على سيف الدولة وأنشده هذا العتاب الرقيق البالغ في رقته:


أَلا ما لِسَيفِ الدَولَةِ اليَومَ عاتِبا === فَداهُ الوَرى أَمضى السُيوفِ مَضارِبا
وَقَد كانَ يُدني مَجلِسي مِن سَمائِهِ === أُحادِثُ فيها بَدرَها وَالكَواكِبا
حَنانَيكَ مَسؤولاً وَلَبَّيكَ داعِياً === وَحَسبِيَ مَوهوباً وَحَسبُكَ واهِبا
أَهَذا جَزاءُ الصِدقِ إِن كُنتُ صادِقاً === أَهَذا جَزاءُ الكِذبِ إِن كُنتُ كاذِبا


فأطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كما كان عوّده، فخرج المتنبئ من عنده، متغيراً، وانقطع أبو الطيب، يعمل القصيدة التي أولها:


واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ === وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ


ويروي الرواة حديثاً طويلاً، عن هذه القصيدة وهو يلقيها بين يديه، وفي المجلس كثير من شائنيه، وعلى رأسهم أبو فراس، إذ ما يكاد أبو الطيب ينهي بيتاً من قصيدته، حتى ينبري له، يسرِّقه إياه، وينسب الفضل فيه لشاعر متقدم حتى وصل إلى قوله:


إِن كانَ سَرَّكُمُ ما قالَ حاسِدُنا === فَما لِجُرحٍ إِذا أَرضاكُمُ أَلَمُ


فسرَّقه أبو فراس هذا البيت الرائع، وذكر أن المتنبئ أخذه من قول بشار، وابن الرومي وذكر بيتيهما، إلا أن سيف الدولة لم يلتفت إلى ما قاله أبو فراس، فتهلل وجهه وأعجبه بيت المتنبئ، ورضي عنه، وأدناه إليه وقبل رأسه، وأجازه بألف دينار ثم أردفه بألف أخرى، فقال المتنبئ:


جاءت دنانيرك مختومة === عاجلةً، ألفاً على ألف
أشبهها فعلك في فيلق === قلبته صفاً على صف


على أن محققي الصبح المنبي، عن حيثية المتنبي يقولون: "إن في هذه القصة مبالغة مصنوعة" وربما كان في هذا الرأي كثير من الصحة، فإن الحب بين الرجلين أكبر من أن يناله قول الوشاة، وكيد الكائدين، وقد ظل أبو الطيب في رحاب سيف الدولة، يتبعه في حله وترحاله، ويصحبه في لهوه وجده، وسيف الدولة عنه راضٍ، وبشعره مولع، ولكن:


إن القلوب إذا تنافر ودها === مثل الزجاجة كسرها لا يجبر


فماذا عسى أن يكون الطارئ الذي فرق بين سيف الدولة أو شاعره العظيم؟ ربما كان للوشاة والحساد، وفخر أبي الطيب بنفسه، وإدلاله على سيف الدولة:


سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا === بأنني خير من تسعى به قدم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي === وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها === ويسهر الخلق جراها ويختصم


ربما كان لهذا كله أثر في تغير قلب سيف الدولة عليه، وقد أشار أبو الطيب إلى هذا:


أَزِل حَسَدَ الحُسّادِ عَنّي بِكَبتِهِم === فَأَنتَ الَّذي صَيَّرتَهُم لِيَ حُسَّدا
أَجِزني إِذا أُنشِدتَ شِعراً فَإِنَّما === بِشِعري أَتاكَ المادِحونَ مُرَدَّدا
وَدَع كُلَّ صَوتٍ غَيرَ صَوتي فَإِنَّني === أَنا الصائِحُ المَحكِيُّ وَالآخَرُ الصَدى


بل إنه يقول بعد عام من هذه القصيدة، مردداً شكواه من أولئك الحساد الصغار وذلك حيث يقول:


أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ === ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ
وَأَتعَبُ مَن ناداكَ مَن لا تُجيبُهُ === وَأَغيَظُ مَن عاداكَ مَن لا تُشاكِلُ


على أن الأستاذ محمود شاكر يرى أن فراق أبي الطيب لسيف الدولة سببه الأول والأخير هو حبه لخولة أخت سيف الدولة، وسنعرض لرأيه في هذه القضية، موجزين – من غير اخلال – رأيه الذي رآه، وتحمس بالغ الحماسة له، ونحن بدورنا، مقتنعون بالحجج التي أدلى بها، واللمحات الذكية التي استطاع أن يلقي بها ضوءاً على ذلك الحب الكبير الذي طرق قلب شاعرنا، واكتوى بناره، فلم يسعه إلا أن يلمح إليه بين وقت وآخر، وربما لم يكتف بالتلميح وربما صرح بهذا الحب تصريحاً، يحس به من عايش المتنبئ، وقرأ بإمعان ما بين السطور.



مختارات:


غزل:


ناءَيتُهُ فَدَنا أَدنَيتُهُ فَنَأى === جَمَّشتُهُ فَنَبا قَبَّلتُهُ فَأَبى*
هامَ الفُؤادُ بِأَعرابِيَّةٍ سَكَنَت === بَيتاً مِنَ القَلبِ لَم تَمدُد لَهُ طُنُبا*
مَظلومَةُ القَدِّ في تَشبيهِهِ غُصُناً === مَظلومَةُ الريقِ في تَشبيهِهِ ضَرَبا*
بَيضاءُ تُطمِعُ فيما تَحتَ حُلَّتِها === وَعَزَّ ذَلِكَ مَطلوباً إِذا طُلِبا
كَأَنَّها الشَمسُ يُعيِي كَفَّ قابِضِهِ === شُعاعُها وَيَراهُ الطَرفُ مُقتَرِبا

لَو حَلَّ خاطِرُهُ في مُقعَدٍ لَمَشى === أَو جاهِلٍ لَصَحا أَو أَخرَسٍ خَطَبا
إِذا بَدا حَجَبَت عَينَيكَ هَيبَتُهُ === وَلَيسَ يَحجُبُهُ سِترٌ إِذا اِحتَجَبا


أراقَت دَمي مَن بي مِنَ الوَجدِ ما بِها === مِنَ الوَجدِ بي وَالشَوقُ لي وَلَها حِلفُ
أَكيداً لَنا يا بَينُ واصَلتَ وَصلَنا === فَلا دارُنا تَدنو وَلا عَيشُنا يَصفو
أُرَدِّدُ وَيلي لَو قَضى الوَيلُ حاجَةً === وَأُكثِرُ لَهفي لَو شَفى غُلَّةً لَهفُ*
ضَنىً في الهَوى كَالسُمِّ في الشَهدِ كامِناً === لَذِذتُ بِهِ جَهلاً وَفي اللَذَّةِ الحَتفُ



كذبك حلو:



نَرى عِظَماً بِالبَينِ وَالصَدُّ أَعظَمُ === وَنَتَّهِمُ الواشينَ وَالدَمعُ مِنهُمُ
وَمَن لُبُّهُ مَع غَيرِهِ كَيفَ حالُهُ === وَمَن سِرُّهُ في جَفنِهِ كَيفَ يَكتُمُ
وَلَمّا اِلتَقَينا وَالنَوى وَرَقيبُنا === غَفولانِ عَنّا ظِلتُ أَبكي وَتَبسِمُ
فَلَم أَرَ بَدراً ضاحِكاً قَبلَ وَجهِها === وَلَم تَرَ قَبلي مَيِّتاً يَتَكَلَّمُ



نسونجية:


المَنهِباتُ قُلوبَنا وَعُقولَنا === وَجَناتِهِنَّ الناهِباتِ الناهِبا*
الناعِماتُ القاتِلاتُ المُحيِيا === تُ المُبدِياتُ مِنَ الدَلالِ غَرائِبا
حاوَلنَ تَفدِيَتي وَخِفنَ مُراقِباً === فَوَضَعنَ أَيدِيَهُنَّ فَوقَ تَرائِبا*
وَبَسَمنَ عَن بَرَدٍ خَشيتُ أُذيبَهُ === مِن حَرِّ أَنفاسي فَكُنتُ الذائِبا
يا حَبَّذا المُتَحَمَّلونَ وَحَبَّذا === وادٍ لَثَمتُ بِهِ الغَزالَةَ كاعِبا
كَيفَ الرَجاءُ مِنَ الخُطوبِ تَخَلُّصاً === مِن بَعدِ ما أَنشَبنَ فِيَّ مَخالِبا*
أَوحَدنَني وَوَجَدنَ حُزناً واحِداً === مُتَناهِياً فَجَعَلنَهُ لي صاحِبا*
وَنَصَبنَني غَرَضَ الرُماةِ تُصيبُني === مِحَنٌ أَحَدُّ مِنَ السُيوفِ مَضارِبا
أَظمَتنِيَ الدُنيا فَلَمّا جِئتُها === مُستَسقِياً مَطَرَت عَلَيَّ مَصائِبا




سياسة:


وَإِنَّما الناسُ بِالمُلوكِ وَما === تُفلِحُ عُربٌ مُلوكُها عَجَمُ
لا أَدَبٌ عِندَهُم وَلا حَسَبٌ === وَلا عُهودٌ لَهُم وَلا ذِمَمُ


إِلى كَم ذا التَخَلُّفُ وَالتَواني === وَكَم هَذا التَمادي في التَمادي
وَشُغلُ النَفسِ عَن طَلَبِ المَعالي === بِبَيعِ الشِعرِ في سوقِ الكَسادِ




نرجسية:


إِنّي وَإِن لُمتُ حاسِدِيَّ فَما === أُنكِرُ أَنّي عُقوبَةٌ لَهُمُ
وَكَيفَ لا يُحسَدُ اِمرُؤٌ عَلَمٌ === لَهُ عَلى كُلِّ هامَةٍ قَدَمُ



حكمة:


فُؤادٌ ما تُسَلّيهِ المُدامُ === وَعُمرٌ مِثلُ ما تَهَبُ اللِئامُ*
وَدَهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ === وَإِن كانَت لَهُم جُثَثٌ ضِخامُ
وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم === وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ*
أَرانِبُ غَيرَ أَنَّهُمُ مُلوكٌ === مُفَتَّحَةٌ عُيونُهُمُ نِيامُ

خَليلُكَ أَنتَ لا مَن قُلتَ خِلّي === وَإِن كَثُرَ التَجَمُّلُ وَالكَلامُ




عملية نصب على أحد ممدوحيه:


وَلَستَ بِدونٍ يُرتَجى الغَيثُ دونَهُ === وَلا مُنتَهى الجودِ الَّذي خَلفَهُ خَلفُ
وَلا واحِداً في ذا الوَرى مِن جَماعَةٍ === وَلا البَعضُ مِن كُلٍّ وَلَكِنَّكَ الضِعفُ
وَلا الضِعفَ حَتّى يَتبَعَ الضِعفَ ضِعفُهُ === وَلا ضِعفَ ضِعفِ الضِعفِ بَل مِثلَهُ أَلفُ
أَقاضِيَنا هَذا الَّذي أَنتَ أَهلُهُ === غَلِطتُ وَلا الثُلثانِ هَذا وَلا النِصفُ
وَذَنبِيَ تَقصيري وَما جِئتُ مادِحاً === بِذَنبي وَلَكِن جِئتُ أَسأَلُ أَن تَعفو



يقول لضحية أخرى:


كَالبَدرِ مِن حَيثُ اِلتَفَتَّ رَأَيتَهُ === يُهدي إِلى عَينَيكَ نوراً ثاقِبا
كَالبَحرِ يَقذِفُ لِلقَريبِ جَواهِراً === جوداً وَيَبعَثُ لِلبَعيدِ سَحائِبا
كَالشَمسِ في كَبِدِ السَماءِ وَضَوؤُها === يَغشى البِلادَ مَشارِقاً وَمَغارِبا






* جمشته: داعبته. نبا: جفا
* الطنب: حبل الخباء
* الضرب: العسل
* اللئام: كناية عن القلة.
* الرغام: التراب.
* اللهف: التحسر على ما فات. الغلة: حرارة الجوف من العطش والشوق.
* التريبة: العظم تحت الترقوة.
* أنشبن: علقن
* أوحدنني: صيرنني واحداً.

Ophelia
18-01-2008, 09:03 PM
خولة

يا لأبي الطيب، كم حمل عليه النقاد، وكم هاجمه الحساد، وكاد له المتشاعرون وقاواه الضعفاء.


أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ === ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ


وكم رمي بقسوة القلب، وأنه قد من صخر أصم، وأنه ما سعى إلا إلى مجد، ومانظم الشعر إلا طمعاً في مال، وأن همه الأول والأخير، أن يطير ذكره في الآفاق:


لِتَعلَمَ مِصرُ وَمَن بِالعِراقِ === وَمَن بِالشام أَنّي الفَتى


وأنه إلى آخر ما ورد في شعره من فخر بنفسه، وزهو بشعره،


سيعمل الجمع ممن ضم مجلسنا === بأنني خير من تسعى به قدم
أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي === وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ


وأنه كالصخرة الصلدة، لا تحركه العيون ولا تلك الأغاريد، وأن للمرأة من حياته ساعة ثم يعبرها: (فلاة إلى غير اللقاء تجاب).

حقاً، إن أبا الطيب لم يذرف دمعة على آثار الظاعنين، ولم يهم على وجهه في الفلوات، ولم يخفق فؤاده (كعصفور بلله القطر) ذلك أنه كان في المقام الأول رجلاً، أحسنت جدته تربيته، وعملت البادية على صهره وتكوينه، وجعلت منه فارساً درب الفروسية، وأتقن فنونها، وشهد المعارك وبرع في وصفها، ورأى سيف الدولة:


يَهُزُّ الجَيشُ حَولَكَ جانِبَيهِ === كَما نَفَضَت جَناحَيها العُقابُ


ورأى بدر بن عمار، وهو يصرع أسداً، ويعفره بسوطه.


أَمُعَفِّرَ اللَيثِ الهِزَبرِ بِسَوطِهِ === لِمَنِ اِدَّخَرتَ الصارِمَ المَصقولا


ولكن من قال إن من كانت هذه صفاته ومشاهداته، محصن القلب، لا تصيبه سهام الحب، ولا تخالط أنفاسه نزعات الوجد، وليس كل العاشقين ابن ذريح، ولا كل المحبين ابن الأحنف، فربما رأيت الشيخ الوقور، والتقي الحصور، والفارس الهصور، وفي قلب كل منهم نيران وجد متأجج، وضرام حب مشتعل:


قالوا أحب العس سلامة === وهو التقي الزاهد الورع


وحب المتنبي لخولة، فيه كثير من التعقيد والتكتم، إنه شاعر الأمير، يمدحه وينال عطاياه، وهو صفيه وحبيبه، وعرف عنه كل ما يعرف الصفي والحبيب، ولا بد أنه رأى خولة، وتحدثت إليه، وتحدث إليها، وهو أمر لا يخفى على العيون والأرصاد، وقد كان أبو فراس وأبو العشائر، وربما غيرهما من الأسرة الحمدانية يرقبون أبا الطيب، ويحصون عليه أنفاسه، وحين أحسوا بريح العلاقة بين المتنبئ وخولة، لم يعد في قوس الصبر منزع وبيتوا أمراً بليل، وقد روي أن أبا الطيب انصرف من مجلس سيف الدولة بعد القائه ميميته المشهورة:


واحر قلباه ممن قلبه شبم


وقف له رجّالة ورماه أحدهم بسهم أخطأه قائلاً: "خذه وأنا غلام أبي العشائر" وكان حرياً بأبي الطيب أن يرد على هذا الاعتداء بهجاء أبي العشائر، لولا وداد قديم بينهما، ولولا قرابة حميمة بينه وبين من يهوى في قصر سيف الدولة، وما كان أرق المتنبئ وهو يشير إلى هذه الحادثة، يعاتب أبا العشائر، ويذكر حبه الدفين، ثم أليس أبو العشائر هو الذي ربط بينه وبين سيف الدولة، وبالتالي كان السبب في لقاء خولة: يقول:


وَمُنتَسِبٍ عِندي إِلى مَن أُحِبُّهُ === وَلِلنُبلِ حَولي مِن يَدَيهِ حَفيفُ
فَهَيَّجَ مِن شَوقي وَما مِن مَذَلَّةٍ === حَنَنتُ وَلَكِنَّ الكَريمَ أَلوفُ


ولا بد لأبي الطيب، وهو الوفي المحب لأبي العشائر، أن يغفر له هذه الإٍساءة، ما دامت حسناته السابقة كثيرة.


فَإِن يَكُنِ الفِعلُ الَّذي ساءَ واحِداً === فَأَفعالُهُ اللائي سَرَرنَ أُلوفُ


ولعل سيف الدول كان قد امتلأ قلبه من المتنبئ آنذاك، ولا بد أنه تطاير إلى سمعه ما أثاره الوشاة والحساد، وكان لا بد للمتنبئ أن يتوارى عن أنظاره، فيختفي عند صديق له، وحين رضي عنه سيف الدولة، أنشده، قصيدة، مدحه فيها، وذكره حبه اليائس، وأنه لا يطمع في تحقيق أمله، يقول:


أَجابَ دَمعي وَما الداعي سِوى طَلَلِ === دَعا فَلَبّاهُ قَبلَ الرَكبِ وَالإِبِلِ
ظَلِلتُ بَينَ أُصَيحابي أُكَفكِفُهُ === وَظَلَّ يَسفَحُ بَينَ العُذرِ وَالعَذَلِ


ثم ينتقل إلى البيت التالي، وكأنه يهون على سيف الدولة أمر علاقته بمن أحب وأنه لا مطمح له في حبه، فيقول:


وَما صَبابَةُ مُشتاقٍ عَلى أَمَلٍ === مِنَ اللِقاءِ كَمُشتاقٍ بِلا أَمَلِ


كلا المشتاقين متيم مستهام، إلا أن أحدهما كان يخفف من لواعجه وعود دافئة وأمل بلقاء مرتقب والثاني محب بلا أمل، وهيهات أن يكونا عند قدر سواء.

وفي هذه القصيدة يتذكر ما فعله به غلمان أبي العشائر، فيقول:


مَتى تَزُر قَومَ مَن تَهوى زِيارَتَها === لا يُتحِفوكَ بِغَيرِ البيضِ وَالأَسَلِ


ولكي نؤكد أننا لا نلقي الكلام على عواهنه، نذكر أن لسيف الدولة أختين، ماتت صغراهما، وأبو الطيب في رحاب سيف الدولة، وكان لا بد من رثائها، فماذا فعل أبو الطيب، لقد رثاها رثاء غريباً، إذ جعل سبقها إلى الموت قبل أختها، مما يهون الخطب، ويخفف وقع المصاب، لقد اختطفت المنايا الصغيرة، وتركت الأكبر:


فَإِذا قِستَ ما أَخَذنَ بِما غا === دَرنَ سَرّى عَنِ الفُؤادِ وَسَلّى
وَتَيَقَّنتَ أَنَّ حَظَّكَ أَوفى === وَتَبَيَّنتَ أَنَّ جَدَّكَ أَعلى


وعجيب أن تكون هذه المقايسة في الموت، ولكنه الحب الذي أملاها على أبي الطيب، أما حين ينزل الموت بخولة، وأبو الطيب بالكوفة، فإن مشاعره تفيض، ودموعه تنسكب فلا يملك إلا أن يقول:


طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ === فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ
حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً === شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي


ولعل أبا الطيب، وقد أصابه الألم في الصميم، ابتدر قصيدته بهذين البيتين، ثم صنع على منوالهما، ما أتمها 44 بيتاً، منها واحد وثلاثون في ذكر خولة وستة أبيات في ذكر الدنيا ونكدها، وسبعة أبيات في ذكر سيف الدولة، تحدث فيها عن ليله الطويل في العراق، ويسأل عن ليل سيف الدولة في حلب، وهل يعتصر الحزن قلبه، كما اعتصر قلبه، وهل برحت الفاجعة بسيف الدولة كما برحت به، يقول:


أَرى العِراقَ طَويلَ اللَيلِ مُذ نُعِيَت === فَكَيفَ لَيلُ فَتى الفِتيانِ في حَلَبِ
يَظُنُّ أَنَّ فُؤادي غَيرَ مُلتَهِبٍ === وَأَنَّ دَمعَ جُفوني غَيرُ مُنسَكِبِ


ولو رحنا نوازن موقف المتنبئ من الموت، بين خولة، وبين غيرها، لرأينا الفرق واضحاً لكل ذي عينين، فهو في رثائه لأم سيف الدولة، حيادي كل الحيدة:


نُعِدُّ المَشرَفِيَّةَ وَالعَوالي === وَتَقتُلُنا المَنونُ بِلا قِتالِ


والموت عنده في موضع آخر، أمر محتوم، وقضاء مبرم:


لا بُدَّ لِلإِنسانِ مِن ضَجعَةٍ === لا تَقلِبُ المُضجَعَ عَن جَنبِهِ


كما أنه في موقف آخر يرى:


وَما المَوتُ إِلّا سارِقٍ دَقَّ شَخصُهُ === يَصولُ بِلا كَفٍّ وَيَسعى بِلا رِجلِ


أما مع خولة فالأمر مختلف كل الاختلاف، ولا سبب له إلا ما يحمله في جوانحه من حب وإجلال. وحتى فراقه لسيف الدولة، وألمه لهذا الفراق، لم ينسه تلك اللوعة والأسى اللذين خامراه لفراقها، يقول وهو في جوار كافور:


أَوَدُّ مِنَ الأَيّامِ مالا تَوَدُّهُ === وَأَشكو إِلَيها بَينَنا وَهيَ جُندُهُ
أَبى خُلُقُ الدُنيا حَبيباً تُديمُهُ === فَما طَلَبي مِنها حَبيباً تَرُدُّهُ


ونعتقد أن قصيدته التي قالها في حضرة كافور في أول قدومه إليه:


كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا === وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا
تَمَنَّيتَها لَمّا تَمَنَّيتَ أَن تَرى === صَديقاً فَأَعيا أَو عَدُوّاً مُداجِيا


هي من عجائب أبي الطيب، ففيها اختلطت مشاعره بين ألم لفراق سيف الدولة وخزن على مغادرة خولة، وفيها إلى جانب هذا وذاك هذا المصير الفاجع، الذي حمله على مديح كافور، وهو من تتقزز منه نفسه، فهو إلى سواده، لا يمت إلى العروبة بنسب، ولعل ما قاله بعيد فراقه كافوراً يعبر عما وقر في نفسه عند لقائه إذ يقول:


مَن عَلَّمَ الأَسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً === أَقَومُهُ البيضُ أَم آبائُهُ الصيدُ
أَم أُذنُهُ في يَدِ النَخّاسِ دامِيَةً === أَم قَدرُهُ وَهوَ بِالفَلسَينِ مَردودُ


وقد رأى ذوو البصر في الشعر أن في هذا المطلع هجاءً وإفحاشاً وسخرية، وأن ما ورد بعد هذين البيتين، إن هو إلا استعادة لذكريات عزيزة غالية، تجيش بها نفسه، وتضطرم عبرها مشاعره، فهو يخاطب قلبه:


أَقِلَّ اِشتِياقاً أَيُّها القَلبُ رُبَّما === رَأَيتُكَ تُصفي الوُدَّ مَن لَيسَ جازِيا
خُلِقتُ أَلوفاً لَو رَحَلتُ إِلى الصِبا === لَفارَقتُ شَيبي موجَعَ القَلبِ باكِيا


وخير ما نختم هذه الكلمة عن حبه، هذان البيتان:


إِلامَ طَماعِيَةُ العاذِلِ === وَلا رَأي في الحُبِّ لِلعاقِلِ
يُرادُ مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم === وَتَأبى الطِباعُ عَلى الناقِلِ
وَإِنّي لَأَعشَقُ مِن عِشقِكُم === نُحولي وَكُلَّ اِمرِئٍ ناحِلِ
وَلَو زُلتُمُ ثُمَّ لَم أَبكِكُم === بَكَيتُ عَلى حُبِّيَ الزائِلِ
أَيُنكِرُ خَدّي دُموعي وَقَد === جَرَت مِنهُ في مَسلَكٍ سابِلِ
أَأَوَّلُ دَمعٍ جَرى فَوقَهُ === وَأَوَّلُ حُزنٍ عَلى راحِلِ
وَهَبتُ السُلُوَّ لِمَن لامَني === وَبِتُّ مِنَ الشَوقِ في شاغِلِ
كَأَنَّ الجُفونَ عَلى مُقلَتي === ثِيابٌ شُقِقنَ عَلى ثاكِلِ

Ophelia
23-02-2008, 04:52 PM
في مصر عند كافور



وَإِنّا لَنَلقى الحادِثاتِ بِأَنفُسٍ === كَثيرُ الرَزايا عِندَهُنَّ قَليلُ
يَهونُ عَلَينا أَن تُصابَ جُسومُنا === وَتَسلَمَ أَعراضٌ لَنا وَعُقولُ


أصبح المتنبئ بعد كل المكائد التي حاكها حوله حساده ومبغضوه، في وضع يستحيل عليه معه المقام، فلم يبق من سبيل أمامه إلا الرحيل، وكأنه يلجلج لسانه بما خاطب به كافوراً، حيث يقول:


وَما كُنتُ لَولا أَنتَ إِلّا مُهاجِراً === لَهُ كُلَّ يَومٍ بَلدَةٌ وَصِحابُ


ولقد فجع الرجل في كل آماله، السياسية، والعاطفية، ما يتعلق منها بسيف الدولة وما يتعلق بخولة، ولذا شد الرحال إلى دمشق ثم سعى إلى الرملة حيث يلقى أميرها – وهو صديق له، نال من قبل مدائحه قبل عشر سنوات – هذا الأمير هو أبو الحسن ابن طغج وقد لقي عنده كل إعزاز وترحيب، وهو الذي زين له الرحيل إلى كافور، واقنعه به فما كان من أبي الطيب، وتلك حالته النفسية بعد فراقه حلب، إلا الرحيل، ليلقى كافوراً، ويلقي في وجهه قصيدته اليائية التي أشرنا إليها، والتي مطلعها:


كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا === وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا


ولا يحتاج المنشد لهذا البيت والذي بعده كثيراً من النظر، ليرى فيهما هجاء فاحشاً، لا ثناء أو مديحاً، ويرى المؤرخون، أن كافوراً لم يكن من الغباء بحيث لا يدرك ما رمى إليه المتنبئ، بل ما أكثر ما تغاضى عن أقوال كثيرة مزج الشاعر فيها المديح بالهجاء، حتى لو أردت التفريق بينهما لما وجدت إلى ذلك سبيلاً، حتى إن ابن جني وقد قرأ هذا البيت:


وَما طَرَبي لَمّا رَأَيتُكَ بِدعَةً === لَقَد كُنتُ أَرجو أَن أَراكَ فَأَطرَبُ


قال له: ما زدت على أن جعلته أبا زنّة (القرد) فضحك أبو الطيب، وإذا مضيت في قراءة هذه القصيدة وقعت على هذا البيت المريب:


وَأَخلاقُ كافورٍ إِذا شِئتُ مَدحَهُ === وَإِن لَم أَشأَ تُملي عَلَيَّ وَأَكتُبُ


ترى ماذا تملي عليه أخلاق كافور؟ أهي أخلاقه الحسان، وسجاياه العربية النبيلة، أم أخلاقه الأخرى، وخليقته، التي يتقزز منها أبو الطيب؟ وهو على الحالتين موضع إلهام ووحي.

ولنمض مع أبي الطيب في قصيدة أخرى حيث يقول:


قَضى اللَهُ يا كافورُ أَنَّكَ أَوَّلٌ === وَلَيسَ بِقاضٍ أَن يُرى لَكَ ثانِ
فَما لَكَ تَختارُ القِسِيَّ وَإِنَّما === عَنِ السَعدِ يَرمي دونَكَ الثَقَلانِ
وَمالَكَ تُعنى بِالأَسِنَّةِ وَالقَنا === وَجَدُّكَ طَعّانٌ بِغَيرِ سِنانِ


وقد وهم بعض النقاد حين أورد البيت التالي:


أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ === فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ


وهم هذا، الناقد حين قال: إن المتنبئ تدنّى في هذا البيت. ولو أمعن النظر فيه لرأى أن أبا الطيب يهجو كافوراً هجاءً كبيراً، ولرأى أن المتنبئ أراد أن يصفه بلؤم الطبع، وخسة النفس، إذ ليس من كريم المجالسة، ولا نبيل الصحبة، أن تقرع الأقداح وحدك، وأن تدير كؤوس الشراب، وأنت تستمع إلى شاعر كأبي الطيب، بذلت كل جهدك حتى قدم إليك، وها هوذا ينشدك مديحك والثناء عليك، وأنت تكرع الكؤوس والأقداح، ألا إنه لؤم أي لؤم. ونمضي في قراءة هذه القصيدة ونقف عند قوله:


يُضاحِكُ في ذا العيدِ كُلٌّ حَبيبَهُ === حِذائي وَأَبكي مَن أُحِبُّ وَأَندُبُ
أَحِنُّ إِلى أَهلي وَأَهوى لِقاءَهُم === وَأَينَ مِنَ المُشتاقِ عَنقاءُ مُغرِبُ


لنقرأ صورة للألم الذي كان يعتلج في صدره، وهو يرى الناس في العيد، يضاحك كل حبيب حبيبه، أما هو فإنه منطو على نفسه، وجراح في أعماقه دامية، يتلفت حوله، فلا يرى أهلاً ولا حبيباً، وأنى له ذلك وقد بعدت بينه وبينهم المسافة. وأغلب الظن أن من يهوى لقاءه، ويبكيه ويندب فراقه، إنما هو سيف الدولة أو خولة، أو قل هما معاً، فما أصعب توضيح المشاعر، حين تغالب القلب الأحزان والذكريات.

لقد احتمل كافور أبا الطيب كثيراً، وكان حسبه أن ينتشي بالبيت، أو البيتين، ينطلقان من لهاته، وهما خالصان من كل تعريض أو تلميح، أو مزج الهجاء بالمديح، وكان يمكن أن يظل على ذلك لو لم يبعد أبو الطيب في مطامحه وآماله، فهو إذا كان قد قدم إلى مصر، وارتضى أن يمدح كافوراً فلأن له آمالاً عراضاً، في ضيعة أو ولاية:


وَهَبتَ عَلى مِقدارِ كَفّى زَمانِنا === وَنَفسي عَلى مِقدارِ كَفَّيكَ تَطلُبُ
إِذا لَم تَنُط بي ضَيعَةً أَو وِلايَةً === فَجودُكَ يَكسوني وَشُغلُكَ يَسلُبُ


ولم تغب هذه المطامع عن بال كافور وهو الذي كان من علماء عصره وأدبائهم، وهو الذي يعلم أنه لو حقق له ما يريد لطلب منه المزيد، ومن يدري فقد يزاحمه على ملك مصر نفسها، وقد رووا عن كافور قوله للمتنبئ: "أنت في حال الفقر وسوء الحال، وعدم المعين، سمت نفسك إلى النبوة، فإن أصبت ولاية وصار لك أتباع فمن يطيقك؟".

لقد أصاب اليأس قلب أبي الطيب، وأخذ يعمل على الرحيل من مصر، ولكن لن يتأتى له ذلك إلا إذا أعمل الحيلة والعقل، ولذا أخذ يظهر لكافور رغبة في الإقامة، إلى أن حانت اللحظة المواتية، وذلك أن كافوراً كان من عادته الاحتفال بيوم الوقفة، وأنه منشغل بتوزيع الهبات والهدايا وتفقد أهل الحاجة، وعندئذ قرر المتنبي قراره، وأعد لهذا اليوم عدته، فخرج إلى ظاهر المدينة ودفن الرماح في الرمال، وحمّل الماء على الإبل لعشر ليال، وتزود لعشرين، ثم سار ليلة الوقفة سيراً حثيثاً لا يألو، حتى قطع في ليلة مسافة أيام، وكان قد أخفى ذلك على غلمانه وخاصته، فلما بلغ كافوراً خبره، بذل في طلبه الرغائب والذخائر، وكتب إلى عماله وولاته، لكنه لم يعثر له على أثر، وضرب أبو الطيب في البوادي والقفار ويروون عن رحلته هذه قصصاً فيها كثير من الغرابة، أو هي أقرب إلى الخرافة، وكلها تصور قدرة هذا الرجل على الخلاص من المآزق، حتى وصل إلى الكوفة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وفي هذه الرحلة نظم مقصورته التي فيها:


ألا كل ماشية الخيزلي === فدى كل ماشية الهيدبى


وصف فيها سيره من مصر، وذكر المنازل التي قطعها، وقال قصيدته المشهورة التي هجا فيها كافورا، وهجا فيها مصر والمصريين:


عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ === بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ
أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ === فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ



في العراق


وأياً كان الأمر، فقد وصل المتنبئ إلى الكوفة، ناصع الجبين، يجر وراءه مجداً عريضاً، وصيتاً بلغ الخافقين، حتى قيل، إنه ما يكاد يفرغ أبو الطيب من انشاده قصيدة بين يدي سيف الدولة حتى تردد بعد شهرين من القائها في جنبات الوطن العربي والإسلامي، بمواصلات ذلك الزمان.

وبقي أبو الطيب ببغداد يقرأ شعره على بعض أصحابه في دار صديقه علي بن حمزة البصري، ثم عاد إلى الكوفة، وفيها ورده نعي خولة، أخت سيف الدولة، وأنشأ قصيدته التي أشرنا إليها، وشعر باليأس والألم، وحين جاءه كتاب سيف الدولة، وفيه يذكر العوائق التي تمنعه عن فتح العراق، وما هو فيه من الكرب والضيق والعسر، حينئذ استحكم اليأس على نفسه وأخذ يبحث عما يخفف من همومه وآلامه، فلم يحمل نفسه على الرحلة إلى سيف الدولة، فبحث عن مكان آخر غير بلاد الشام، ورجل غير سيف الدولة. فكانت هناك أرّجان وكان فيها ابن العميد.


في بلاد فارس (عند ابن العميد):


شد الرحال إلى بلاد فارس، ومعه صاحبه وتلميذه علي بن حمزة البصري وقصد ابن العميد في أرجان، وحين بلغه قدوم أبي الطيب، أمر حاجبه باستقباله أحسن استقبال، ولما دخل عليه، قام من الدست قياماً مستوياً، وطرح له كرسي عليه مخدة وديباج وقال له ابن العميد:
"كنت مشتاقاً إليك يا أبا الطيب".

كان ابن العميد من رجال عصره في السياسة وتدبير الملك، وممن اشتغلوا بالعلم والفلسفة، ومن أفذاذ عصره في البلاغة والأدب، وكان يعرف مكانة أبي الطيب ويتخوف ألا يلبي رغبته في القدوم إليه، ويأنف من مديحه كما فعل مع الوزير الهلبي، وقد قال بعض أصحاب ابن العميد. دخلت عليه يوماً فوجدته واجماً، وكانت أخته قد ماتت عن قريب، فظنتته واجماً لأجلها، فقلت: لا يحزن الله الوزير، فما الخبر؟ قال:

- إنه ليغيظني أمر هذا المتنبئ، واجتهادي في أن أخمد ذكره، وقد ورد علي نيف وستون كتاباً في التعزية ما منها إلا وقد صُدِر بقوله:


طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ === فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ
حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً === شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي


فكيف السبيل إلى إخماد ذكره؟ فقلت:
- القدر لا يغالب، والرجل ذو حظ من اشاعة الذكر، واشتهار الاسم، فالأولى ألا تشغل فكرك بهذا الأمر.

ثم قدم عليه أبو الطيب، والهم واليأس يعتلجان في نفسه، وقد ظهر أثر ذلك في أول قصيدة مدح بها ابن العميد، حيث يقول:


بادٍ هَواكَ صَبَرتَ أَم لَم تَصبِرا === وَبُكاكَ إِن لَم يَجرِ دَمعُكَ أَو جَرى
كَم غَرَّ صَبرُكَ وَاِبتِسامُكَ صاحِباً === لَمّا رَآكَ وَفي الحَشى مالا يُرى


فقال له ابن العميد:
- يا أبا الطيب، أتقول: "بادٍ هواك، ثم تقول بعده كم غر صبرك؟"
فقال المتنبئ:
- تلك حال، وهذه حال

وقد علق محققاً "الصبح المتنبي" بهذا التعليق اللطيف إذ قالا:
"جواب أبي الطيب موجز لم يوضح مراده، ومراده أن الحال التي يذكرها في البيت الثاني سابقة على الحال المذكورة في البيت الأول، لأنه يريد أن صبره كان يغر الناظر إليه قبل أن أسقمه العشق، وغير منظره، ولكنه لما هزل جسمه بعد ذلك، استدل الناظر إليه بنحوله على عشقه، فبدا هواه، ولم يعد صبره ولا ابتسامه بغنيان عنه شيئاً في إخفاء هواه، وقد زاد هذا المعنى بياناً في البيت التالي:


أَمَرَ الفُؤادُ لِسانَهُ وَجُفونَهُ === فَكَتَمنَهُ وَكَفى بِجِسمِكَ مُخبِرا


وحانت لحظة الفراق، وأنشده قصيدة أولها:


نَسيتُ وَما أَنسى عِتاباً عَلى الصِدِّ === وَلا خَفَراً زادَت بِهِ حُمرَةُ الخَدِّ

Ophelia
23-02-2008, 04:54 PM
مع عضد الدولة – ثم النهاية:

ورد على أبي الطيب – وهو عند ابن العميد – كتاب من عضد الدولة بشيراز يستزيده ويطلب منه المسير إليه، فما أبدى أبو الطيب رغبة في تلبية الزيارة فقال لابن العميد:

- "مالي وللديلم؟ فقال له:
- عضد الدولة أفضل مني، ويصلك بأضعاف ما وصلتك به، فقال أبو الطيب:
- إني ملقّىً من هؤلاء الملوك، أقصد الواحد بعد الواحد، وأمَلِّكهم شيئاً يبقى بقاء النيرين، ويعطونني عرضاً فانياً... وأنا إنسان لي ضجرات، واختيارات، فيعوقونني عن مرادي، فأحتاج إلى مفارقتهم على أقبح الوجوه".

كاتب ابن العميد عضد الدولة بهذا الحديث، فورد الجواب: بأنه مملّكٌ مراده، في المقام والظعن، فسار المتنبئ من أرجان، وتلاقى الرجلان على حذر، فكان كل منهما يتملق الآخر خوف البغي والعدوان، أما المتنبئ فمن أجل مذهبه السياسي، ورأيه في العلويين والفاطميين وأما عضد الدولة فلمعرفته برأي أبي الطيب، في الأعاجم، وحسبه أنه حين حضر سماط عضد الدولة بعد مقدمه بأيام. أنشده قصيدته التي مطلعها:


مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني === بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ
وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها === غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ
مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سارَ فيها === سُلَيمانٌ لَسارَ بِتَرجُمانِ


وقد صح رأي عضد الدولة في أبي الطيب، وأنه لم يمدحه إلا محرجاً، فهذه القصيدة، على الرغم مما ورد في مديح عضد الدولة، كشفت عن هوية أبي الطيب العربية، فهذه البلاد، لا تمت إلى العروبة بصلة، وإن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان، ولكن هذا لم يمنع عضد الدولة من المبالغة في إكرامه، وإغراقه بالهدايا والألطاف.

وكان لا بد لأبي الطيب أن يستأذن عضد الدولة بالانصراف عن شيراز "ليقضي حوائج في نفسه ثم يعود إليها" يقول من آخر قصيدة مدحه فيها:


لَعَلَّ اللَهُ يَجعَلُهُ رَحيلاً === يُعينُ عَلى الإِقامَةِ في ذَراكا


وقد أحس أبو الطيب من إكرام عضد الدولة له، وكان هذا قد بلغه طرف من أخبار الكيد الذي يكاد به، أحس أبو الطيب بما يريده عضد الدولة ، وما يراد به، فأشار في هذه القصيدة إلى ذلك حيث يقول:


وَمَن يَظَنُّ نَثرَ الحَبِّ جوداً === وَيَنصِبُ تَحتَ ما نَثَرَ الشِباكا


ولو أن لقب المتنبئ أطلق عليه بعد وفاته، لكان بسبب هذا البيت الذي ورد في القصيدة المذكورة، وقد علم أنه مقتول لا محالة، هذا البيت هو:


وَأَيّا شِئتِ يا طُرُقي فَكوني === أَذاةً أَو نَجاةً أَو هَلاكا


ولم يكن إلا الهلاك.
أما القصة التي تروى عن مصرعه، فهي على ما فيها من دراماتيكية، لا تبعد أن تكون هي الحقيقة، التي عرضت لمصرع المتنبئ، وتداولتها الألسن كثيراً.

قال الخالديان: كنا كتبنا إلى أبي نصر محمد الجبلي نسأله عما أصاب المتنبئ وكيف قتل؟ فقال: اعلما أن مسيره كان من واسط في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة، بقيت من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقتل بضيعة (بيوزي) على مقربة من دير العاقول، في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان، والذي تولى قتله، وقتل ابنه وغلامه، رجل من بني أسد، يقال له فاتك بن أبي جهل بن فراس بن براد، وكان من قوله لما قتل وهو متعفر، قبحاً لهذه اللحية يا سبَّابُ، وسبب ذلك أن فاتكاً، هذا خال ضبة، وضبة هو الذي هجاه أبو الطيب في أيام شبابه عام (321) بقوله:


ما أَنصَفَ القَومُ ضَبَّه === وَأُمَّهُ الطُرطُبَّه
وَإِنَّما قُلتُ ما قُل === تُ رَحمَةً لا مَحَبَّه


وقد أفحش فيها أبو الطيب، أي افحاش، دونما حساب للعواقب، وقد علق راوي هذا الخبر على قصيدة الهجاء قائلا: "وما للمتنبي أسخف من هذا الشعر، ولا أوهى كلاماً، فكان مع سخافته وركاكته سبب قتله، وقتل ابنه وغلمانه وذهاب ماله، وقد علق محقق الصبح المنبي على هذا الوصف لشعر المتنبي فقال: "حقاً إن هذا الشعر ليس من طراز شعر المتنبئ، فحولة، وجزالة، ولعله لم ير المقام مقام جد يستحق ذلك، كما هي عادته".

يقول راوي الخبر، أبو نصر الجبلي: وكان فاتك صديقاً لي، واسمه ينطبق على صفته، فقد كان سفاكاً للدماء وحين سمع بخروج المتنبي من عند عضد الدولة، أخذ يترصده، ويسائل كل من يجتاز به عن المتنبئ، وقد استرعى ذلك انتباه راوي الخبر، إذ سأله عما يريده من أبي الطيب فقال: "يا أبا نصر، والله لئن اكتحلت عيني به أو جمعتني وإياه بقعة لأسفكن دمه، ولأمحقن حياته، إلا أن يحال بيني وبينه، ونصحه أبو نصر، أن يكف عن عزمه، "فإن الرجل شهير الاسم بعيد الصيت، ولا يحسن منك قتله على شعر قاله، وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية والخلفاء في الإسلام، فما سمعنا بشاعر قتل بهجائه، وقد قال الشعر:


هجوت زهيراً ثم إني مدحته === وما زالت الأشراف تهجي وتمدح


ولم يبلغ من جرمه ما يوجب قتله، فقال: يفعل الله ما يشاء وانصرف. ولم يمض لهذا القول غير ثلاثة حتى وافاني المتنبئ، ومعه بغال موقرة بكل شيء من الذهب والطيب، والتجملات النفيسة، والكتب الثمينة، والآلات، لأنه كان إذا سافر لم يخلف في منزله درهماً، وكان أكثر اشفاقه على دفاتره لأنه كان قد انتخبها، وأحكمها قراءة وتصحيحاً، ويتابع أبو نصر حديثه: فتلقيته، وأنزلته داري وسألته عن أخباره، وعمن لقي، فعرفني من ذلك ما سررت به له، وأقبل يصف ابن العميد وفضله وأدبه، وعلمه، وكرم عضد الدولة، ورغبته في الأدب، وميله إلى أهله، فلما امسينا، قلت له: يا أبا الطيب: على أي شيء أنت مجمع؟ قال:
- علي أن أتخذ الليل مركباً، فإن السير فيه يخف علي. قلت:
- هذا هو الصواب رجاء أن يخفيه الليل، ولا يصبح إلا وقد قطع بلداً بعيداً، وقلت له:
- والرأي أن يكون معك من رجالة هذا البلد من يعرف هذه المواضع المخيفة، يمشون بين يديك إلى بغداد، فقطب وجهه وقال:
- لم قلت هذا القول؟ فقلت:
- لتستأنس بهم، فقال:
- أما والجزاء (السيف القاطع) في عنقي فما لي حاجة إلى مؤنس غيره.

وحين ألح على أبي نصر في الافصاح عما يلمح إليه، قال له أبو نصر:

- إن هذا الجاهل فاتكاً الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، وهو غير راضٍ عنك، لأنك هجوت ابن أخته ضبة، وقد تكلم بأشياء توجب الاحتراز والتيقظ، ومعه نحو عشرين من بني عمه، فقال غلام أبي الطيب، وكان عاقلاً:
- الصواب ما رآه أبو نصر. خذ معك عشرين رجلاً يسيرون بين يديك إلى بغداد، فاغتاظ أبو الطيب من غلامه، وشتمه، وقال: والله لا أرضى أن يتحدث الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي، قال أبو نصر: أنا أوجه قوماً من قبلي في حاجة يسيرون بمسيرك، وهم في خفارتك، فقال: لا فعلت شيئاً من هذا، وكأن المتنبئ يذكر بيته:


إن أكن معجباً فعجب عجيب === لم يجد فوق نفسه من مزيد


ثم قال لأبي نصر: يا أبا نصر أبخرء الطير تخشيني؟ ومن عبيد العصا تخوفني؟ والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات، وبنو اسد معطشون بخمس* وقد نظروا إلى الماء كبطون الحيات ما جسر لهم خف ولا ظلف* أن يرده، معاذ الله، أن أشغل فكري بهم لحظة عين. فقلت له: قل: إن شاء الله. فقال: هي كلمة مقولة، لا تدفع مقضياً، ولا تستجلب آتياً، ثم ركب، فكان آخر العهد به، ولما صح عندي خبر قتله، وجهت من دفنه، ودفن ابنه وغلمانه، وذهبت دماؤهم هدراً".


وقد رثاه كثير ممن أحب المتنبئ وأعجب بشعره وبرجولته وشجاعته، يقول أبو القاسم المظفر بن علي الطّبسني:


لا رعى الله سرب هذا الزمان === إذ دهانا بمثل ذاك اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي === أي ثانٍ يرى لبكر الزمان
كان من نفسه الكبيرة في جيـ === ـش، وفي الكبرياء ذا السلطان
هو في شعره نبي، ولكن === ظهرت معجزاته في المعاني


ورثاه ثابت بن هارون الرقي النصراني بقصيدة يستثير فيها عضد الدولة على فاتك الأسدي يقول:


الدهر أخبث والليالي أنكد === من أن تعيش لأهلها يا أحمد
قصدْنَك لما أن رأتك نفيسها === بخلاً بمثلك لأهلها يا أحمد


كما رثاه ابن جني بقصيدة خمسة عشر بيتاً مطلعها:


غاض القريض وأودت نضرة الأدب === وصوحت بعد ريّ دوحة الكتب



• الخِمس: من إظماء الإبل، وهو أن ترد الإبل يوماً، ثم ترعى ثلاثة أيام، ثم ترد في اليوم الرابع.
• يريد بالخف الإبل، وبالظلف، ذا الحوافر، كالبقر والغنم.



وبعد، هذه حياة شاعر نادر المثال، فيه من الشعر قدر ما فيه من الرجولة، وحسبه: "أنه مالئ الدنيا وشاغل الناس".

.
.
.
.

كانت تلك مقدمة ديوان أبي الطيب المتنبي
تحقيق
بدر الدين حاضري
محمد حمامي
عن دار الشرق العربي
الطبعة الثانية
بيروت – لبنان 1995



وسيتبع بمقتطفات من شعره ووقفات عند كتب أخرى تحدثت عن المتنبي وشعره