PDA

View Full Version : الكروان الأخير..



فاطمه.ن.
13-02-2008, 07:59 PM
الكروان الأخير.
_____________________
لم تكن " لك..لك...لك ..الملك لك..." بالنسبة له تسبيحا ،،أو طفرة في لغة الطير،فحين كان يسكب الكروان أنشودته الوحيده في سمع الكون، كان يؤكد له موقعه من هذه الشساعة التي تضمحل،وحين يسرف في الأنين،تتسع رئة الحقول وتبتسم السماء، وتخشع الوردة،ويسترخي الهواء...
ومنذ زمن لا يتذكره،لم يعد يتصيَّد يقظة الحياة،.همهمة الصبح، ورائحة النسيم الرقيق الذي يجلب له الدقائق الأولى لسهو الكائنات،
يستيقظ مرهقا صار، يسحب نفسه من أغطية نسيجها القلق ،تلتف حوله ثعابين تسلخ جلدها كل يوم، يلملم أوراق قضاياه وملفاته بخمول لا ينقذه منه غير أكواب بأحجام مبتكرة من الشاي الثقيل يعبَّه في الطريق إلى المحكمة،بينما التركيز أبعد من نجمة غافية.
ليس فقط لأن الكروان الذي يوقظه كل يوم ندر وجوده،وهاجرت جوقة الإنشاد بكامل التباريح وألحانها الشجية فجرا وغروب.وليس لأن الاسمنت استشرى في الأرض، وتفرع فانهارت إحدى رئتيها،بل لأن أبوه يتوجع أيضا دون علة معروفه،حار فيه العلم،ولم يتفق على مرضه طبيبان،وصار التشخيص المفضل لدى الجميع، أنه عاش أطول مما ينبغي!
يستيقظ اليوم بضيق يمتد حتى سابع الألم.يلقي بنفسه في الحافلة المكتظة بالروائح وتساؤلات الصباح،ويترك جسده لأمواج الركاب، تمسح عيناه النوافذ باستسلام، فلا تريان غير أبراج الحديد والزجاج الملوَّن،وأدخنة المصانع،وقلبه مثقل بمرض الحبيب.

ربما كان الحاج هو أول من نبّه الفتى لصوت الكروان.
دخل عليه ذات فجر وكان في السادسة، منكبا على رزمة أوراق كما لو كان يودع فيها رهان الأيام.باغته الصبي فابتسم ،و بحنان سكب في وعيّه الثقة :هذا سرنا يا بنيّ،.وهذه مناشير ضد وجود الانجليز في بلادنا،.وكان الكروان يصدح خارج النافذة،وروح الصغير تضطرب وترتفع كنجمة ،للأعالي.
فيما بعد،ارتبط الصوت بالأحداث التي تهز . يذكر أنه حين أصيب بداء شرس في العاشرة، ظن الجميع أنهم فاقدوه لا محالة، سمع في شبه غيبوبته صوت الكروان في الخارج ،وأيقن أن الله سيرأف بوالديه دون شك.
تتركه الحافلة أمام المحكمة على عجل.يستغرق في لهاث ومشاكل ليست لها أولوية،تطلع من بين فجواتها طيور شرَّدتها مطاردات العوادم والضجيج،وأصوات طحن مفزعة تتسرب من رحى الخرسانة اللامعة،
فاجأه المدَّعي العام وهما يتجاذبان أطراف الدنيا بعد محاكمة الحادية عشره: هل اكتتبت في برج الحرية السياحي؟
تلعثم شاردا، ولم تخرج غير همهمة غامضه .ضحك المدَّعي : "خليك إنت مع الكروان!"
هكذا لخص المدَّعى القضية برمتّها،مكاسب سريعة على حساب الحياة.
خوازيق تباعد بين ضلوع الأرض ،تدوس على قلبها ،لتناطح الغيم،تتناسل كحراب تتجه إلى صدر السماء،تشتت الإنتباه عن تجريحها، لمعة الزجاج ،وغضب الشمس.
وهكذا أيضا،لم يعد للكروان ملاذ.
حين عاد للبيت آخر النهار كان الحاج كسيراً في عجزه، يوشك أن يستعجل الوداع،وحوله ورثة نزقون، سحبه أخوه من كمّه ناحية الشرفة وتلجلج بصوت خفيض:أظن الحاج خرّف يا أخي، يقول أنه يريد أن يسمع كرواناً قبل أن يموت!
، تسربت للحاج صحوة مفاجئه حين رآه ،ومدَّ يده،انحنى فوقه ليسمع همسه: خذني إلى السفارة البريطانية!
اضطرب، وسرت في عروقه قشعريرة غامضه.لكنه حمله بين ذراعيه كطفل حزين ووضعه في سيارته التي لا يستخدمها كثيرا.
بدت المدينة كالحة على حين غرَّه وهي تتراجع خلف النوافذ.والأشجار المعمّرة فقدت هيبتها مع انكسار الضوء مطلع الخريف.وانتابتها صفرة معتكره .
تنحنح :السفارة البريطانية؟
رفرفت الروح في مسارب الكلام : عندما جاء الإنجليز يا بنيّ، لم يصدقوا أعينهم لكل الحسن والدفء الذي تفاجئوا به،فاقتطعوا أجمل الأرض ورفعوا حولها الأسوار، جعلوها مقراَ للحاكم،ودولة داخل دوله،تخترقها البساتين ويعبر فوقها جلال الفصول،وأسموها مدينة الجنائن، وصار "الأكابر" و"التابعين" يبنون بيوتهم حولها، وحين رحل الإنجليز، وانقرض الأكابر تقريبا،ظلت هذه المساحات الشاسعة من الأرض ومنذ نهايات القرن التاسع عشر مصدر كل نبات غريب ، و طير فريد، فأقاموا عليها سفارتهم التي تعرف ،وأصبحت كل الحدائق الغناء، ساحتها الخلفية!
وفيما بدا أن الحاج لن ينطق بالمزيد، توقف هو لصق السور حيث أشار بوهن ظاهر.
كان الغروب قد فرد أجنحته العملاقة على المدينة ببطء..ريشة ريشة،وخيّم هدوء مربك حول الرجلين لفترة ،قبل أن يرتفع صوت شجي بين حفيف الأشجار ،.لك لك لك،.الملك لك،. اضطرب،رفّت فراشة بين ضلوعه، وترقرق في عينيه ماء، استدار نحو أبيه،كان مغمض العينين ، في هالة من جلال السكينه، ابيض أبيض وباسم مثل ملاك،ابتسم المحامي، وتسربت إليه طمأنينة قديمه يعرفها جيدا،استرخى، ولم يبد عليه أنه سيهتم للحظة واحده،.بما سيقوله أو يفعله أي من العسكر المقبلين نحوه، لوقفته المريبة تحت السور الأبيض وقد انتشر السواد..
نفس السور الذي كان يلصق عليه أبوه..." اخرجوا من بلادنا"!

المخلب
15-02-2008, 12:14 PM
،تلتف حوله ثعابين تسلخ جلدها كل يوم،

لأن أبوه يتوجع أيضا دون علة معروفه،حار فيه العلم،ولم يتفق على مرضه طبيبان،وصار التشخيص المفضل لدى الجميع، أنه عاش أطول مما ينبغي!


بـديـع أيتها الفاضلة القديرة...وهذه قراءة على الماشي ولي عودة بإذن الله

فالجمال قلما نجده...إلا هنا.

مطحون
17-02-2008, 06:19 PM
::


انطباعي العام عن النص أنه رائع ومتقن يا فاطمة..

هناك بعض الأمور التي ألاحظها كقارئ..

كتابة النص على مراحل يخلق أحيانا تباين في النفس السردي وفي توزيع الصور على بقية مراحل النص ..
في نصك هذا أحس بأن الصور والتفصيلات الدقيقة المركبة كانت مكثفة جدا في البداية.. ثم أخذت بالتلاشي في بعض أجزائه
طبعا أنا لا أجزم بأن النص كتب على مراحل بل هذا استنتاج وقد يكون خاطئ.


في هذا المقطع:

<<عندما جاء الإنجليز يا بنيّ، لم يصدقوا أعينهم لكل الحسن والدفء الذي تفاجئوا به،فاقتطعوا أجمل الأرض ورفعوا حولها الأسوار، جعلوها مقراَ للحاكم،ودولة داخل دوله،تخترقها البساتين ويعبر فوقها جلال الفصول،وأسموها مدينة الجنائن، وصار "الأكابر" و"التابعين" يبنون بيوتهم حولها، وحين رحل الإنجليز، وانقرض الأكابر تقريبا،ظلت هذه المساحات الشاسعة من الأرض ومنذ نهايات القرن التاسع عشر مصدر كل نبات غريب ، و طير فريد، فأقاموا عليها سفارتهم التي تعرف ،وأصبحت كل الحدائق الغناء، ساحتها الخلفية!>>

هذا المقطع يحاول تدعيم القارئ بمعلومات تخدم النص.. ولكني أحس بأن الأسلوب هنا تشوبه المباشرة والتقريرية

في النهاية لا أود أن أغفل عمق الفكرة التي باح بها نصك الرائع.
دمت متألقة.

مطحون




.

فاطمه.ن.
18-02-2008, 08:42 AM
المخلب..

تحياتي لك اخي العزيز..

والف شكر لمرورك هنا..ومرحبا بعودتك ان احببت.

فاطمه.ن.
18-02-2008, 09:02 AM
::


انطباعي العام عن النص أنه رائع ومتقن يا فاطمة..

هناك بعض الأمور التي ألاحظها كقارئ..

كتابة النص على مراحل يخلق أحيانا تباين في النفس السردي وفي توزيع الصور على بقية مراحل النص ..
في نصك هذا أحس بأن الصور والتفصيلات الدقيقة المركبة كانت مكثفة جدا في البداية.. ثم أخذت بالتلاشي في بعض أجزائه
طبعا أنا لا أجزم بأن النص كتب على مراحل بل هذا استنتاج وقد يكون خاطئ.


في هذا المقطع:

<<عندما جاء الإنجليز يا بنيّ، لم يصدقوا أعينهم لكل الحسن والدفء الذي تفاجئوا به،فاقتطعوا أجمل الأرض ورفعوا حولها الأسوار، جعلوها مقراَ للحاكم،ودولة داخل دوله،تخترقها البساتين ويعبر فوقها جلال الفصول،وأسموها مدينة الجنائن، وصار "الأكابر" و"التابعين" يبنون بيوتهم حولها، وحين رحل الإنجليز، وانقرض الأكابر تقريبا،ظلت هذه المساحات الشاسعة من الأرض ومنذ نهايات القرن التاسع عشر مصدر كل نبات غريب ، و طير فريد، فأقاموا عليها سفارتهم التي تعرف ،وأصبحت كل الحدائق الغناء، ساحتها الخلفية!>>

هذا المقطع يحاول تدعيم القارئ بمعلومات تخدم النص.. ولكني أحس بأن الأسلوب هنا تشوبه المباشرة والتقريرية

في النهاية لا أود أن أغفل عمق الفكرة التي باح بها نصك الرائع.
دمت متألقة.

مطحون





.


المطحون..امتناني لتوقفك هنا بغير حدود....تعلم اخي العزيز انني احب ان اعرف رايك في ما اكتب..فالقارئ المنشغل بالهم السردي ايضا هو قاريء ذو ذائقة لا تقبل
تمرير ما لاتهضم...وهذا القارئ بالذات هو المرآة التى ارى فيها نقائص كتابتي واعمل على تلافيها.
عودة لما كتبت عن النص...
كلامك صحيح..وجدا..لكنني أصدقك القول أنني قلبت هذه الفقرة يمينا وشمالا وحذفتها مرتين، ثم فكرت كيف استطيع شرح ما فعله الانجليز بطريقة غير تقريريه لا تجرح انسياب السرد..فكان كل ما توصلت ايه هو ما ترى...اي كتابة التقرير بصورة اقل انشائية واكثر تكثيفا .ولا ادري الى اي مدى اضر ذلك بالنص، لأن احدا لم يذكر لي قبل الآن شيئا عن هذه الجزئيه، ولذلك انا ممتنه لك.

بالنسبة لكتابة النص على مراحل، فالجواب لا..كتبته مرة واحده لكنني عدت اليه اكثر من مرة للتصحيح..وهذا اسوء شىء اعامل به النصوص..لأن الكتابة الاولى هي التى تأتي من القلب..وكل التصحيحات اللاحقة تأتي من العقل..واعتقد ان تلك التصحيحات هي التى احدثت هذاالاحساس...ولذلك ايضا انا اكبر مخربه للنصوص عند العودة اليها للمراجعه!
لكن اريد ان اسألك سؤالين الأول: كيف نستطيع في بعض النصوص التي لا تريد ان تتحرك ان نلتف على جزئية التقرير والمباشرة فيها دون ان ننتقص من الفكرة او الرسالة التى يبعث بها النص للقاريء.
الثاني: هل التقريرية دائما مكروهة اذا جاءت في نص على شكل فقرة صغيرة او حتى جملة طويله؟
والسؤال طبعا مطروح على كل من يحب ان يشارك معنا في الرد.

المطحون..اكرر شكري وان صح لك الوقت..سأنتظر ردك..اجمل التحيه.

بنان
22-02-2008, 12:11 PM
هل التقريرية دائما مكروهة اذا جاءت في نص على شكل فقرة صغيرة او حتى جملة طويله؟
يعتمد ذلك على طبيعة النص من البداية والفكرة التي يريد القاص ايصالها..
بعض النصوص القصصية تأتي شعرية الأسلوب واللغة حتى يختلط القارئ في تصنيفها هل هي قصة ام نص نثري حتى بدأت هوية القصة المتعارف عليها منذ القدم تختفي تدريجياً ويحل محلها هوية جديدة معالمها الى الآن صعب تحديدها؟!
التقريرية أو المباشرة في النص سيئة اذا كان النص مبني عليها من الأساس فتكون أقرب الى نشرة الاخبار.. يعني بعد انتهاء النص يشعر القارئ بأن النص عادي ولا يوجد به شيء مميز او يحرك فيه شيء الا اذا كانت الفكرة مميزة والتقريرية المبني عليها النص لغتها جيدة وجذابة.
أما اذا كانت المباشرة في جملة او فقرة طويلة داخل النص لا أرى أنها مكروهة.. بالعكس قد تكون في بعض الأحيان ممتازة وخصوصاً اذا أردنا ايصال فكرتنا الى أكبر شريحة من القراء.
في حين بعض النصوص تكون خالية من المباشرة ولغتها جميلة وأسلوبها رائع لكن لا تصل فكرتها الا الى فئة معينة من القراء.
لو اتينا الى نصوص يوسف ادريس الكثير من قصصه فيها مباشرة ولكن ليست مباشرة عادية انما مميزة في الأسلوب التي اتت به..بحيث لا يشعر القارئ بالملل في قراءة نصوصه ولا يشعر انها عادية انما تحرك في داخله شيء..حتى لو كان هذا القارئ طالب في الثانوية العامة.

كيف نستطيع في بعض النصوص التي لا تريد ان تتحرك ان نلتف على جزئية التقرير والمباشرة فيها دون ان ننتقص من الفكرة او الرسالة التى يبعث بها النص للقاريء.
اعطاء الحوار حقه في النص..أو عن طريق ابراز التناقض بين الشخوص سواء في الآراء أو الأفعال.
فقد يساعد ذلك في التخفيف من التقريرية.

شكراً فاطمة وشكراً مطحون.

لماذا؟
21-03-2008, 06:56 PM
شكرا يا فاطمة ..
نسخة لمشاهد رائعة