PDA

View Full Version : في انتظار الرجل الفاجر ..



إبراهيم سنان
26-03-2008, 08:22 PM
العالم لا يبدي أي مرونة تجاه الناس ، ومازلنا لا نجد أي بادرة للعدول عن التطور نحو الأسوأ ، والآمال التي يحملها البشر بدأت أيضا تتجاوب مع هذا الأمر وتصبح غريبة إلى حد يجعل الشخص يقف متسائلا متى أصبحت تلك الأمنية حلا لكل ما يحدث ، وكيف يمكن لها ذلك ، هذا ما شعرت به عندما تحدثت مع أحدهم عن حال المجتمع وكيف أنه في تسارع مستمر نحو تغيير الموروث الفكري بكل أسسه وقيمه المختلفة سواء تلك التي تستمد حضورها وقوتها من الدين أو من العادات والتقاليد ، ولعل ذلك الشخص الذي تحدثت إليه لم يجد لنفسه ذريعة أخرى يستخدمها لإثبات أن غايته النبيلة تحتاج إلى وسيلة قذرة حتى تصل بها إلى الهدف المرجو منها ، وفي النظر إلى الواقع الذي نعيشه لم أجد في هذا الشخص أي اختلاف كبير عن معضلة الفكر الذي يريد أن يجير كل المبررات لصالح إزاحة الذنب عن كاهله .

يستطيع الإنسان مثلا أن يفعل أمرا يعلم تماما وبكل الأدلة والنصوص والأحكام والفتاوى وأيضا العرف ، أنه أمر محرم ، وأنه سيجعله مذنبا جدا أمام ربه ، ورغم ذلك سيبادر إلى ارتكابه ، ولا يزعجني هذا الأمر ، ومن حق كل إنسان أن يكون صالحا أو طالحا ، بشرط أن يكون قد ألم بما عليه معرفته من واجبات وقواعد وفروض حتى لا يصبح جاهلا وخالطا بين الخطأ والصواب ، وفي تلك الحالة التي قد نجد فيها أحدهم وقد مارس أمرا محرما عن جهل ، سوف نلاحظ أنه يبادر إلى التراجع عنه ومن ثم ينساق في عملية تشابه ما يقوم به ذلك الشخص الذي تحدثت إليه .

التبرير والبحث عن فهم ومنطق مختلف كل الاختلاف عن الشائع والمتعارف عليه ، وهذا في حد ذاته سخرية دفعتني إلى التساؤل ، إن كان لا بد لشخص أن يرتكب فعلا محرما ، عن قناعة تامة ومعرفة كاملة لما يبادر إلى فعله ، ما الذي يجعله بعد ذلك يبرر ذلك شرعيا ويبدأ في نقض الأحكام واحدا تلو الآخر.؟ والجواب هنا لا يحتاج للكثير من التفكير ، لأنه إجابته احتمال واحد فقط ، وهو الشعور بالذنب ، والهروب من مواجهة المجتمع المتفق على حرمة ذلك الفعل ، إنه يبحث لنفسه عن منفذ يبعده عن مواجهة نفسه ، وبالتالي يستعيد ثقته التي تدفعه للاستمرار في أفعاله دون مراعاة لعدم التقبل الاجتماعي متجاهلا كل االصفات التي تطلق عليه نتيجة نظرات المجتمع وأحكامهم التي يتم تداولها بالتواتر والإجماع ، ولن تسقط تلك الأحكام والصفات إلا بأن يجعل الإنسان نفسه معزولا بفكر خاص به .

وأحيانا قد يكون ذلك الشخص لا يملك العقل الكافي لفعل ذلك ، وليس لديه القدرة على ترتيب المبررات المنطقية وربط المقدمات واستخلاص النتائج ، ورغم ذلك سيظل مصمما على البحث عن مخرج ليجده بكل سهولة متوفر في فكر آخر على مقربة منه ، في شخص آخر استطاع قبل فترة أن يقوم بهذا العمل على أكمل وجه . ليتراكم مع الوقت مجموعات شاذة تطالب باعتبارها حرة وذات أحقية في التعبير عن أرائها وارتكاب أفعالها ، وتطالب أيضا النظام بأن يحفظ لها حقوقها ويمنع الآخرين من التعرض لها أو حتى رفضها ، في حين أن تلك المجموعات لم تلاحظ أنها قد اخترقت المجموع الكلي للوعي الاجتماعي وأثارت التوتر في السقف العام من الحرية الفكرية عند محاولة فتح الفجوات فيه ، فتصبح الحرية هنا مرتبطة بالقدرة على الفعل الأقصى والمطلق دون حدود ، في حين أن الحرية لا يمكن لها أن تكون مطلقة ، ومن الصعب جدا أن يكون سقفها لا نهائي ، لأنها تتولد من المعرفة الاجتماعية ومقومات الإدراك والوعي الاجتماعي المتناسب مع سلسلة من المتغيرات الطارئة والمستجدة القديمة والحديثة والمرتبطة بالبيئة والظروف المكانية والزمانية الأدنى منها والأقصى ، وكل ذلك يأتي في تدرج لا ينقطع عبر التاريخ يربط الماضي بالحاضر ويجعله موضع احتكام للمعرفة الموروثة بكل معطياتها التنظيمية للمجتمع .

وهنا نجد أنفسنا في فراغات مبعثرة على محيط شاسع من الوعي ، والكل يحاول انتزاع أحد أطراف الحدود المتطرفة من الحرية ليجعلها سقفا خاصا به ، وفي هذه المنظومة المستجدة نوع من الفوضى يقود إلى تطورات غير منضبطة ولها نتائج سيئة بغض النظر عن فوائدها ، وفي الوقت الذي يدرك فيه أولئك المنادين بذلك التفاوت غير المتناسق من سقوف الحرية ، يكون الأمر قد وصل إلى حيث لا يمكن تدارك النتائج والاستمرار في افتراض مبررات وأحكام جديدة وإعادة قراءة هذا الحاضر كماضي وتاريخ أنتج لنا تلك التغيرات المتطرفة بطريقة لا يمكن بها احتواء الكوارث والأزمات الناتجة عنها .
والمفجع في كل هذا ، هو أدوار البطولة التي تجعل من أحدهم منقذا في حين أنه يندرج ضمن تلك الفئة التي تغير في الواقع بطريقة عشوائية وتحاول خلق المبررات دون إلمام واسع بمتطلبات واحتياجات وضع الأحكام والحدود ، ومن ذلك أن يصرح ذلك الشخص الذي كنت أتحدث عنه ، أن كل ما يفعله لا يجعله شخصا سيئا تجاه ديننا الإسلامي ، وانه ربما بشذوذه الفكري قد ينفع هذا الدين من حيث يعتقد الآخرين أنه يضر ، وقبل أن ينهي حديثه إلي ؛ كان لابد له أن يختم حديثه باستشهاد يعتقد فيه الصحة حسب فهمه وقناعته التي التقطت جزءا من هذا الشاهد وأغفلت مناسبته ودون الرجوع لتأويله أو شروحه ، فيقول لي : وينصر الله الدين بالرجل الفاجر . ولا أدري كم من فاجر يعتقد في نفسه مثل هذا الأمر، وينتظر أن ينتج عنه نصرة لهذا الدين، لنصبح بعد حين وفي كل مرة يخرج لنا شخص بفكرة شاذة نعتقد فيه الرجل الفاجر الذي سينقذنا. وحتى ذلك الحين الذي يصبح فيه هذا الواقع تاريخا يشهد على قمة سقوط الوعي والإدراك لدى أفراده الذين صنعوه، سننتظر نحن ذلك الرجل الفاجر.

ماجد راشد
26-03-2008, 08:41 PM
مساؤك ورد يا رائع ..


سواء تلك التي تستمد حضورها وقوتها من الدين أو من العادات والتقاليد

وضع الدين و العادات و التقاليد في سلة واحدة هو ما أخرج لنا المتطاولين على الدين و على علماء الدين.
هذا من وجهة نظري ، و هو خطأ ثنائي التأثير ، يعني تنتج عنه الاخطاء المؤدية للنزول و الانحدار صوب أحد القطبين.

يعني نحتاج للدقة و التفصيل أكثر عند الحديث عن كل حالة و كل حادثة على حده و أن نفصل تماماً بين الدين الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه و لا من خلفه و الذي لا يمكننا رد شيء منه لاعتبار عقلي أو اتباع للهوى و الذي لا يمكن الخوض في مناطق متشابهه إلا من قبل الراسخون في العلم .
و بين العادات و التقاليد التي ترك لنا الإسلام حرية العمل بها و استحسانها أو الابتعاد عنها و رفضها .


فقط .. و شكراً

الخطّاف
26-03-2008, 08:54 PM
..
أن يتواجد إبراهيم سنان في موضوع أسلاكي فهذا أمر يدعو إلى البهجة ..
أما أن تجد ماجد بن راشد يرد عليه أولاً فماهذا بالموضوع الذي يُفوّت !

تواجد ابتدائي كإبداء لحسن النوايا قبل الشروع في القراءة ..
و قد أعود لأعقب .



الملاحظة التي استوقفتني أن العنوان أكشن ! ;)

.
سأصعد الان لأقرأ ..

م ش ا ك س
26-03-2008, 09:45 PM
أهلاً بك أخي إبراهيم .. كان الموضوع كعادة مواضيع كاتبه عائم في محيط عقول فئة معينة من المجتمع ..... تعجبني مواضيعك يا إبراهيم ويشهد الله أنني لا أجاملك

إن كان لا بد لشخص أن يرتكب فعلا محرما ، عن قناعة تامة ومعرفة كاملة لما يبادر إلى فعله ، ما الذي يجعله بعد ذلك يبرر ذلك شرعيا ويبدأ في نقض الأحكام واحدا تلو الآخر ، والجواب هنا لا يحتاج للكثير من التكفير ، لأنه احتمال واحد فقط ، وهو الشعور بالذنب ، والهروب من مواجهة المجتمع المتفق على حرمة ذلك الفعل ، إنه يبحث لنفسه عن منفذ يبعده عن مواجهة نفسه ، وبالتالي يستعيد ثقته يدفعه للاستمرار في أفعاله
أعتقد أنك هنا تقصد التفكير أليس كذلك ؟اردت أن أبين أملاً ألا يأتي أحدهم ويحول الموضوع إلى شروط التكفير ومن يكفر ومن لا يكفر ويفسد الموضوع بسبب خطأ مطبعي

عزيزي إبراهيم .. هل تعتقد أن الشعور بالذنب هو السبب ؟ لماذا لا يكون الرغبه في أن يفعل مايريد فعله جهاراً دون أن يتعرض له أحد وأن يقوم بالبحث عن حجج واهيه ليواجه بها من يقف في طريقه ويقوم بالبحث عن مجموعة أفراد يشاركونه نفس الرغبه ليكون الصوت أعلى وأقوى


ولكن سيظل مصمما على البحث عن مخرج ليجده بكل سهولة متوفر في فكر آخر على مقربة منه ، في شخص آخر استطاع قبل فترة أن يقوم بهذا العمل على أكمل وجه . ليتراكم مع الوقت مجموعات شاذة تطالب باعتبارها حرة وذات أحقية في التعبير عن أرائها وارتكاب أفعالها ، وتطالب أيضا النظام بأن يحفظ لها حقوقها ويمنع الآخرين من التعرض لها
لأنه لو لم يجد أفراد يساندونه في فكره سيضطر لممارسة أفعاله المحرمة في الخفاء وهذا يجعله أكثر توتراً عند القيام بممارسة المعصية ثم إنه يبحث عن أفراد يساندونه في فكره لإيمانه بأن (يد واحده لن تصفق)


أدوار البطولة التي تجعل من أحدهم منقذا في حين أنه يندرج ضمن تلك الفئة ، التي تغير في الواقع بطريقة عشوائية وتحاول خلق المبررات دون إلمام واسع بمتطلبات واحتياجات وضع الأحكام والحدود ، ومن ذلك أن يصرح ذلك الشخص الذي كنت أتحدث عنه ، أن كل ما يفعله لا يجعله شخصا سيئا تجاه هذا الدين في شموليته ، وانه ربما بشذوذه الفكري قد ينفع من حيث يعتقد الآخرين أنه يضر ، وقبل أن ينهي حديثه إلي كان لابد له أن يختم حديثه باستشهاد يعتقد فيه الصحة حسب فهمه وقناعته التي التقطت جزءا من هذا الشاهد دون رجوع لتأويله أو شروحه ، فيقول لي : وينصر الله الدين بالرجل الفاجر . ولا أدري كم من فاجر يعتقد في نفسه مثل هذا الأمر، وينتظر أن ينتج عنه نصرة لهذا الدين، لنصبح بعد حين وفي كل مرة يخرج لنا شخص بفكرة شاذة نعتقد فيه الرجل الفاجر الذي سينقذنا. وحتى ذلك الحين الذي يصبح فيه هذا الواقع تاريخا يشهد على قمة سقوط الوعي والإدراك لدى أفراده الذين صنعوه، سننتظر نحن ذلك الرجل الفاجر

الموضوع كله جميل ولكن أعجبتني كثيراً السطور الأخيره التي طليتها بالأحمر

تقبل ... ودي

الخطّاف
26-03-2008, 09:56 PM
..

لا أعتقد أن الرجل الفاجر سيكون له وجود بيننا لو أننا لم نمارس فعلنا الباغي في تعاملنا و حكمنا مع ما نعتبره - و من باب الإقصائية - تضاداً !
نحن من يصنع الفاجر و نحن من يصنع الرجعي المتخلف ..
و نحن من ينشئ بيننا طبقية تحتّم علينا أن نجعل من نظنهم من أصحاب الجنة في صف ، و من نظنهم من أصحاب السعير في صف موازٍ ليس بينهما شعرة من تلاقي ؟
المفترض علينا أن نبني أفكارنا على أساس جمعي لا استفرادي ..
الجماعة هي من تصنع منقذاً ..
حينما نصل لما يدعى بالتفكير التجمعي سيمكن لنا أن نلغي فكرة الرجل الواحد صالحاً كان أو فاجراً !
نحن لم نصل لهذه الطريقة من التفكير إلا لأننا نؤمن تقليداً او ديناً بفكر القطب الأوحد المتمثل في الرئيس أو الملك أو المدير أصحاب العقلية المنفردة والقاصرة مهما وصلت من عبقرية وفذية !
الرجل الفاجر لن يكون له وجود إذا مارسخنا في أنفسنا العمل المؤسسي التجمعي ..
و لنا في غيرنا أسوة حسنة .

ساءني ما قرأته اليوم من " دعوة من أحدهم لأن تصبح الأندية الأدبية السعودية حكراً يرتع فيه ماسماهم بالمحافظين ..
و أن تُجعل جمعية الثقافية و الفنون مرتعاً لما سماهم بالمنفتحين ! "
هذا هو التضاد الذي يصنع بيننا الهوة التي تكرس لنا مبدأ الفجور و التشدد من أنصار قطبي التضاد



قد يكون في كلامي بعض الشطح عن فكرة الموضوع ..
و لكن أرجو أن تعذرني أخي الكريم إبراهيم على هذا .





و أشكرك كثيراً على هذه المساحة .


.