PDA

View Full Version : بين جداريّـات ولوحـات .. نـوّاف !



صبا نجد ..
31-03-2008, 12:06 AM
بعد الوقوف أمام الرفّ ، لمحت الكتاب ،
فشدّني العنوان /

http://najdelseba.googlepages.com/Scan0009.JPG

جداريّات بيروتيّة
ولوحات قاهريّة

"يوميات صحفي في أزمنة التحول"


لـ الصحفي ـ طبعا ـ نـوّاف القديمي ..

الكتاب من القطع المتوسط كما يبدو 220 صفحة إلا قليلا ..
من إصدارات عام 2008 ـ 1429

وجد عليه ، وبداخله /
بمجرد أن تطأ أرض مدينة ، تغدو جزءا من ترابها ، وهوائها ، ووجدانها ..
وحين تتعفر قدماك بشوائب طرقاتها المغبرة وأمكنتها العتيقة ، تصبح حينئذ بعضا
من روحها الحميمة ودواخلها المسيجة بالغموض ..
عندما تقضي في مدينة بضعة أيام ، أنت تستحوذ على كل شيء من ذاكرة تاريخها بمقدار مااهدرته
من زمن في متاهات أزقتها القديمة ، ليظل بعضك فيها ، ويبقى أثر خطاك محفورا على أرصفة شوارعها ودروبها .
بقدر ماكانت الأرض موغلة في أعماق الأزمنة ، وممتدة في مسارب ماض مكتظ بسجالات السياسة والأفكار ،
بقدر مايبقى عبق الأمكنة عالقا في جسدك ، وهواؤه لايفتأ يتردد في رئتيك ، وتظل حروف اسمك منحوتة في مدونة الانتماء لهذه الأرض وإنسانها وتاريخها ،
دون الحاجة لـ (بطاقة هوية ) أو ( جواز سفر) !

يقول عنه صاحبه "نـواف " /
لم أكن أحسب يوما أني سانشر هذه اليوميات بين دفتي كتاب .. لكونها لم تكن تتجاوز عادة التدوينات الشخصية لتفاصيل بعض الرحلات خارج الوطن ،
بصحبة بعض الأصدقاء أحيانا ، وبدونهم في مرات أخرى .. وكنت أرسل هذه التدوينات على قائمة بريدية (قروب) تضمني مع عدد من أعز الرفاق ، لايعدون الخمسة عشر ......

مايتضمنه هذا الكتاب ، لايعد نزرا يسيرا مما احتوته تضاعيف هذا ( القروب ) ، هي عبارة عن يوميات سردية كتبتها خلال العامين 2006 ـ 2007 م ،
وكانت عن ثلاث رحلات إلى بيروت ، ورحلتين إلى القاهرة .


ولكـوني حديث عهد بزيارة بيروت ، بدت يومياتها مشبعة ـ بعض الشيء ـ بتفاصيل المشهد السياسي والثقافي لهذا البلد ، الذي هو كومة من التعقيدات الطائفية والإثنيّة ، ، والتداخلات السياسية والفكرية ، وداخل حدوده تقع الكثير من خطوط التماس والصراع بين القوى الدولية ..
ولا أخفي أن بعض الخجل ساورني وأنا أهم بنشر هذا الكتاب ، حين تصورت باحثا أو سياسيا لبنانيا يقرأ هذه المعلومات الاولية والبدهية عن وطنه ..
لـذا أعلن هنا وبالفم الملآن أن حديثي هو عن بيروت ( لغير الناطقين بها ) !

أما يوميات القاهرة ، فكانت في غالبها حديث الناس ، والرفاق ، والأزقة القديمة ، وتفاصيل حياتنا اليومية ، بكل ماتلبسني من عفوية الإنسان المصري الصميم ..
لـذا يتضاءل فيها الحديث عن النشاط الثقافي والسياسي ، لكوننا ألفنا هذه الأرض منذ زمن ، وخفتت في دواخلنا شعلة (اكتشاف الجديد ) .
وأيضا لأن كثيرا من الحوارات الفكرية التي أجريتها في القاهرة ، قمت بنشرها في عدد من الصحف والمطبوعات .


هذه اليوميات ، صيغت بعفوية من يحادث رفاقه المقربين ، حيث لا متسع لرصف جماليات اللغة ، واستحضار إبهار البلاغة .. أمنيتي فقط أن يجد القاريء في ثناياها مايمتع ، إن لم يلاقي مايفيد .

نـواف القديمي

..

هذا ماقاله نـوّاف عن جدارياته ولوحاته ..
لايختلف كثيرا بطبيعة الحال عمّا كنت سأقوله أنا !

أسعفتني مقدمته ـ كثيرا ـ في نقل بعضا من الصورة الحقيقية للكتاب ..

أما عنّي فقد كان "نقنقة " على مدى شهر ويزيد !
مع علمي يقينا بأنها مدة مبالغ فيها لكتاب مثل هذا ،
لكن هي الأشياء
التي لاتفتأ أن تقلّب مزاجك لتتنقل بين صفحات الكتاب كـ "سلحفاة " !

كما أن من تلك الأشياء ، أشياء تزاحمت لأنهيها قبله !


هنا كانت إطلالة على يوميات نـواف القديمي ..

بحول الكريم وقوته
سآتيكم ببعض من يومياته في وقتٍ لاحق ..

هذا
ودمتم بخير ..

لماذا؟
31-03-2008, 12:08 AM
جميل وفي انتظار المزيد
شكرا لك يا صبا

صبا نجد ..
03-04-2008, 12:15 AM
أهلا لماذا ..

..

نأتِ على أولى رحلات الجداريات البيروتيّة

الرحلة الأولى من 20 إلى 27 نيسان ( أبريل) 2006 م

وكانت بعنوان " الطريق إلى بيروت .. وحديث الطوائف "


كانت بعض خطوطها كما هو آت /

رغم أنها المرة الأولى التي أطأ فيها أرض بيروت ، إلا أن لهذه المدينة في داخلي مخزونا ضخما من الأحداث والتفاصيل ،
عن زمن الحرب الأهلية التي امتدت خمسة عشر عاما ، وكانت في تداخلاتها وتشابكها من أعقد الحروب .
أضف إلى ذلك ماتقذفه الحياة السياسية الصاخبة في لبنان من أخبار يومية ، عن سجالات هذه الفسيفساء من الطوائف والأحزاب والتنظيمات .

في لبنان أكثر من عشرين طائفة .
يمنح الدستور ثلاث عشرة طائفة منها حق الترشيح البرلماني ، والمشاركة في الإدارة السياسية ، من بينها أربع طوائف مسلمة بحسب الدستور ، هي السنة والشيعة والدروز والعلويين .
وتسع طوائف مسيحية ، أكبرها الطائفة المارونية ،
إضافة للروم الأرثوذكس ، والروم الكاثوليك ، والأرمن الأرثوذكس ، والأرمن الكاثوليك ، وسواهم .


وأحد الخطوط يحكي أن /
الناخب اللبناني أيا كانت طائفته ، يقوم بانتخاب المرشحين على كل المقاعد من كل الطوائف في دائرته الانتخابية .
فالمواطن الذي ينتمي للطائفة المارونية ، ويعيش في بيروت ، عليه أن ينتخب مرشحا على المقعد السني ،
وآخر على المقعد الشيعي ، وآخر على المقعد الماروني .. وهكذا ، بحسب أعداد المقاعد وتنوعها الطائفي في الدائرة الانتخابية التي ينتمي إليها ،
هذا النظام جعل بعض المرشحين ، من بعض الطوائف ، يصل إلى البرلمان بسبب أصوات طائفة أخرى .
ويحصل ذلك غالبا في المقاعد المسيحية ، بسبب عدم انسجام أعداد المقاعد البرلمانية لهذه الطائفة مع كثافتها السكانية ..
ففي بيروت مثلا ، هناك مايقارب الخمسمائة ألف ناخب ، يقوم هؤلاء بانتخاب 19 مرشحا عن مقاعد بيروت في البرلمان .

وإذا ماحاولنا معرفة الطبيعة الطائفية لنصف مليون ناخب في بيروت ، سنجد أن منهم 350 ألف ناخب سني ، أي مايقارب 70% من مجموع الناخبين ،
لذا نجد أن غالبية النواب المسيحيين المنتخبين في بيروت ، وصلوا بأصوات سنية ،
وهو مايعني أن ولاءهم سيكون لناخبيهم ، أكثر مما هو لطائفتهم .


**

كنت أهدف من سفري إلى بيروت عدة أمور .. أولها إتمام عملي الذي أتيت لأجله ، وثانيها محاولة الإمساك بتلابيب الجغرافيا اللبانية على الأرض ،
ومعرفة مناطق وأحياء بيروت ، ورؤية الحدود الفاصلة بين بيروت الغربية والشرقية والضاحية الجنوبية بكل ماتحمله من ذكريات الحرب ،
ومشاهدة خطوط التماس التي كانت مقاصل يومية بشعة راح ضحيتها الآلآف ،
والتجول بقدر ماهو متاح في المناطق اللبنانية ، المدن الأخرى ، الجبل ، الشوف ، الشمال ، مغارة جعيتا ، جبال الثلج ، وسواها
وثالثها زيارة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان " ومخيم عين الحلوة بالذات " ، والقيام بجولة في المناطق الجنوبية المحررة ، ورؤية الحدود الفاصلة مع فلسطين " الخط الأزرق " ، وزيارة معتقل الخيام الواقع على خط الحدود ، والذي كان من أبشع وأشهر مقرات التعذيب والاعتقلال في زمن احتلال الجنوب .

في أحد خطوط اللوحة كان يروي بعضا مما حدث معه في لبنان فيقول /
اتفقنا مع سائق أجرة " ختيار " اسمه محمد نادر ( أبو وليد ) ، أن يأخذنا غدا في جولة إلى الجزء الجنوبي من جبل لبنان .
وفي صباح الغد وأثناء سيرنا باتجاه الجبل ، سألنا أبو وليد ـ الذي ينتمي لإحدى قرى الجنوب ـ عن أسمائنا
فقلت له مداعبا : أنا اسمي نواف القديمي ، ابن عم نواف الموسوي ( والأخير هو مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله ) .
عندها قال أبو وليد بصوت مرتفع : يالله ، هؤلاء من بيوت السادة ـ الأشراف ـ ، هذا يعني أنك سيد ؟!
هنا تدخل سليمان وأحمد ( زميلا سفره ) ليواصلا هذا المشهد التمثيلي ، وقالا وهما يشيرا إلي : ألا تعرف هذا الرجل من قبل ؟!
ألم تشاهد صورته في الصحف ؟!
هذا من السادة المعروفين في السعودية !
واستمرا طبعا في ذكر بعض من فضائل السيد !

كانت أولى المكاسب التي جنيتها بعد أن ألبسني أبو وليد ـ دون قصد ـ عمامة السيد ، أن غدوت طوال الرحلة وكأنني الحاكم بأمر الله ....
حتى زخات المطر وكثافة الغيوم التي صادفتنا ذاك النهار ، نسبت إلى كونها من بركات السيد !


لكل الطوائف في لبنان جغرافيتها الخاصة ، فإذا كان المسيحيون يمتدون على طول جبل لبنان ، وفي سفوح الجبل الغربية ، حيث شواطيء البحر الأبيض المتوسط ،
كمناطق البترون وجبيل وجونيه وسواها من مناطق ساحلية ، إضافة إلى مدينة زحلة في البقاع ، وطبعا في بيروت الشرقية المحاذية للجبل .
ويشاركهم الدروز في القسم السفلي من الجبل حيث منطقة الشوف الواسعة .. فإن المناطق الجنوبية من لبنان والتي تمتد من أواخر الجبل وحتى الحدود الفلسطينية ،
هي مناطق تغلب عليها الطائفة الشيعية ، وإن كانت ثمة جيوب ، تمثلها عدة قرى متقاربة ، تقطنها طوائف أخرى ، كالجيب السني القريب من الحدود السورية ، والذي يحوي قرى كفر شوبا وحاصبيا وشبعا ( التي تتبع لها المزارع المختلفة ) وعشرات القرى الصغيرة ، وعدد من القرى المسيحية المنثورة في أرجاء الجنوب ، إضافة إلى التواجد الكثيف للطائفة الشيعية في منطقة بعلبك الهرمل ، الواقعة شمال البقاع ، وطبعا في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت .

أما الطائفة السنية فتتمركز في المدن ، حيث إن كبرى المدن اللبنانية هي سنية في الأصل ، كبيروت وطرابلس وصيدا ،
إضافة إلى وجود منطقتين ريفيتين واسعتين في أقصى الشمال ، تسميان الخزان البشري للطائفة السنية ، وهما منطقتا الضنيّة وعكّار .


في جولتنا هذه توقفنا عند قصر حجري جميل ، يطلقون عليه اسم ( قصر موسى ) ، ويحكون عنه قصة ، اتفقنا أنا ورفاقي أثناء سماعها ـ بعد أن تبادلنا الابتسامات ـ على أن نتعامل معها كما لو كنا نستمع لحكواتي يقص علينا شيئا من أساطير الزمن القديم ..
وتحكي القصة عن رجل اسمه موسى المعماري ، ويعمل مهندس بناء ، كان مغرما بفتاة ، ويرغب في الزواج بها .
ولكن فقره أعاق مشروع الزواج من هذه الفتاة ، التي كانت تحلم دوما بأن تسكن قصرا كبيرا ، ولذلك فضلت الزواج من رجل غني ، تاركة موسى في حسرته ، بعد أن اتخذ قراره بأن يبني ـ لوحده ـ قصرا حجريا ضخما ، تخليدا لحبه الكبير .
وتروي القصة أن موسى استغرق في بناء هذا القصر خمسين عاما .. طبعا موسى المذكور هنا لاينتمي لعصور سابقة ، بل لازال حيا ، بعد أن تجاوز عمره الخامسة والسبعين ، وقد رأيناه رغم توعكه الصحي في نهاية جولتنا داخل قصر العشق الذي بناه .

بعد أن حكيت لها هاتفيا قصة هذا القصر ، قلت لزوجتي : لقد فوّتِ على نفسك بناء قصر مشابه ، حين وافقت مباشرة على الزواج !

وفي نهاية جولتنا عند المساء ، مررنا على منطقة سياحية تسمى ( نبع الصفا ) ، وتحوي مجموعة من المطاعم والمقاهي المنتشرة على أطراف نبع ماء وشلال بارد ..
طبعا كانت كل المطاعم مغلقة ، لأنها لاتفتح أبوابها إلا في مواسم السياحة الصيفية .
عدنا أدراجنا إلى بيروت مع اقتراب حلول الليل ، بعد أن تشبعت أجسادنا بقدر من الإنهاك السياحي اللذيذ .

وبهذا تنتهي أولى لوحات الرحلة الأولى ..:)

إحسان بنت محمّد
03-04-2008, 12:52 PM
الله ..
جميل ورائع يا صبا !
ذكَّرني برائعة غادة / الكتاب حقيبة سفر

.

.

كلُّ الشكر :)

من سكان الرصيف
03-04-2008, 11:16 PM
في جولتنا هذه توقفنا عند قصر حجري جميل ، يطلقون عليه اسم ( قصر موسى ) ، ويحكون عنه قصة ، اتفقنا أنا ورفاقي أثناء سماعها ـ بعد أن تبادلنا الابتسامات ـ على أن نتعامل معها كما لو كنا نستمع لحكواتي يقص علينا شيئا من أساطير الزمن القديم ..
وتحكي القصة عن رجل اسمه موسى المعماري ، ويعمل مهندس بناء ، كان مغرما بفتاة ، ويرغب في الزواج بها .
ولكن فقره أعاق مشروع الزواج من هذه الفتاة ، التي كانت تحلم دوما بأن تسكن قصرا كبيرا ، ولذلك فضلت الزواج من رجل غني ، تاركة موسى في حسرته ، بعد أن اتخذ قراره بأن يبني ـ لوحده ـ قصرا حجريا ضخما ، تخليدا لحبه الكبير .
وتروي القصة أن موسى استغرق في بناء هذا القصر خمسين عاما .. طبعا موسى المذكور هنا لاينتمي لعصور سابقة ، بل لازال حيا ، بعد أن تجاوز عمره الخامسة والسبعين ، وقد رأيناه رغم توعكه الصحي في نهاية جولتنا داخل قصر العشق الذي بناه .

بعد أن حكيت لها هاتفيا قصة هذا القصر ، قلت لزوجتي : لقد فوّتِ على نفسك بناء قصر مشابه ، حين وافقت مباشرة على الزواج !



تحياتي لك صبا على حسن اختيارك.. كتاب جميل وشيق ـ على ما يبدو ـ لما يتضمنه من إيجاز ثري يختصر فيه بلداً ـ وأكثر ـ من عدة نواح.. ولعل نكهة الوطن قد أيقظت عبق الحنين في صدري مما ضاعف عوامل الجذب لاقتناء الكتاب وإفساح مكان له في مكتبتي الخاصة..

ولكن اسمحي لي بتعليق بسيط على ما جاء في الاقتباس أعلاه.. لقد أدرج الكاتب الصحافي/ القديمي قصة غير صحيحة لسبب بناء قصر موسى المعماري، أثارت في نفسي الدهشة.. فكل قاص ودان في لبنان يعرف أن الحادثة وقعت في زمن الطفولة حين كان موسى لا يزال تلميذا في المدرسة، وكان أن انشغل عن الانصات إلى المعلم بالعبث بالقلم على دفتره راسما قصرا جميلا.. وحين لاحظ استاذه لهوه بادره بالتأنيب والتوبيخ متسائلا عما يقترفه.. وإذ جاءت إجابة موسى حاملة بين طياتها نبرة ثقة عارمة " هذا قصري أنا "، ما كان من المعلم إلا أن استشاط غيظاً وقام بضربه وتقريعه قائلاً " أنى لشحاذ مثلك ومثل والدك أن يكون له قصرا مماثلا" .. وكردة فعل متمردة، صمم موسى أن يبني القصر بنفسه.. وهذا ما كان.. ولكي يؤكد على تصميمه وقدراته، جعله معلما سياحيا يضاهي آثار لبنان التاريخية والجغرافية من خلال تماثيل الشمع المتحركة التي أسكنها غرف القصر ممثلة الحياة اللبنانية القروية بكافة أوجهها وأدواتها.. لقد تميز بالفعل.. وكل من زار ويزور قصر موسى، يمكنه سماع هذه القصة من صاحبه مباشرة.. فقد اهتم موسى المعماري بسردها على مر سنوات طوال لجميع رواد القصر من سياح وزائرين.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا.. هل زار الكاتب فعلا القصر وقابل موسى المعماري شخصيا كما ذكر في كتابه؟.. أم أن الأمر لا يتعدى تجميع معلومات واعتمادها على أنها سيرة حقيقية.. فإذا كان الامر لا يتجاوز كونه سرداً لأحداث واقعية على أنها سيرة شخصية للكاتب، كان من الأجدى لو أنه صاغها كرواية لا على شكل سيرة صحافي تمس جانبا كبيرا من عمله ومصداقيته..

صبا نجد ..
04-04-2008, 02:51 PM
أهلا إحسان
حيّاك الكريم ياكريمة ..


أهلا بك ياأحد سكان الرصيف

وشكرا لجمال حضورك ..
أما بخصوص القصة فقد نقلتها كما رواها نواف وكما كتب عنها ..

ولو سلّمنا أن القصة ماتقول فلم سمي القصر " قصر العشق " ؟!


عموما كماقلت سلفا هي كذلك كما وردت في الكتاب ..

وسلمت على كريم المرور

صبا نجد ..
04-04-2008, 03:58 PM
الجدارية الثانية من الرحلة الأولى ،
عُنونت بـ / إذ يهطل الثلج في غابات الأرز

و كانت خطوطها على النحو الآت /

في نهار اليوم التالي قررنا الذهاب برفقة أبي الوليد إلى المنطقة الوسطى من جبل لبنان ، والتي تحوي قمم جبال فريّا المكسوة بالثلوج ، وتحيطها عدة قرى جبلية غارقة في غابات السرو الكثيفة .


وحين وصلنا لقمة الجبل ، بدا واضحا أن الجليد قد انحسر وذاب عن عدد من القمم الجبلية ، فيما ظل يكسو عدد آخر من تلك القمم ..
ومهما كان القدر الذي بقي ، فهو لاشك سيكون كافيا لإشباع شغف القادمين من الصحراء حيث يسترخي الثلج .

في طريق العودة اكتشفنا أن أحمد يتكلم بلغة غريبة .. ظننت في البداية أن لها علاقة ببعض اللغات الزنجية التي تعلمها في رحلاته المتعددة إلى افريقيا .
ولكن بعد مزيد من الجهد في محاولة فهم هذه اللغة ، اكتشفت أنها مزيج من لهجة نجدية مكثفة ، تحاول التعلق بأهداب اللهجة اللبنانية ، مضاف إليها عدد من الكلمات الحجازية !
( بعد أن أكدت لأحمد تفهمي لمقاصده النبيلة في محاولته الحديث باللهجة اللبنانية ، سألته : ماعلاقة اللهجة الحجازية بالموضوع ؟!)

اتجهنا بعد جبال فاريّا الثلجية إلى حيث مغارة جعيتا . وهي عبارة عن مغارتين ضخمتين . إحداهما في أعلى الجبل ، وتدخلها عبر الجسور المعلقة المبنية على امتداد المغارة .
والأخرى دونها بقليل ، وتدخلها عبر قوارب نهرية ، لكون الماء الذي ذاب من ثلوج الجبال بات يغطي الأجزاء السفلية من المغارة .. وتمتد هاتان المغارتان الضخمتان لأكثر من ألفي متر في جوف الجبل .. وقد تم اكتشافهما على يد علماء آثار ألمان ، وقد اكتشفوا المغارة الأولى في نهايات القرن التاسع عشر ، فيما اكتشفوا المغارة الثانية في بدايات القرن العشرن .
هاتان المغارتان آيو من آيات الله .. حيث تلج داخل فوهتيهما الحجريتين ، تجتاحك حالة من الوجوم والرهبة وأنت ترى عظيم صنع الله .. هذه العظمة ، والضخامة ، والجمال ، والهدوء المتناهي ، والظلام الدامس ، وأصوات خرير الماء الذي يأتي من مكان سحيق ، والقطرات الكلسية المتحجرة ، التي تكونت على شكل سكاكين حادة ، كل ذلك يبعث في النفس إيمانا عميقا يتسرب إلى داخل وجدانك دون أن تشعر .
بدأت أتخيل ماذا لو انطفأت الأضواء فجأة في هذا المكان .. شيء لايوصف ..



جميع المناطق التي تضمنتها جولتنا هذا النهار ( جبال فاريا ، مغارة جعيتا ، وجونيه ) كانت في دائرة انتخابية واحدة ، تسمى دائرة المتن الشمالي .
وهذه الدائرة تكاد تكون مسيحية خالصة ، حيث يوجد بها أكثر من عشرين طائفة مسيحية ، على رأسها طبعا الطائفة المارونية ، إضافة إلى تواجد عدد كبير من أبناء الأرمن ، حيث تعد المتن الشمالي منطقة ثقلهم ونفوذهم ، وثمة أحياء يمثلون هم غالبية سكانها ، كحي برج حمود ، إضافة إلى كثافتهم في حي سن الفيل وغيره من أحياء متاخمة .


ومعلومات وزارة الداخلية اللبنانية تشير إلى وجود مايقارب 170 ألف ناخب في دائرة المتن الشمالي . وتقسمهم الطائفي بحسب وزارة الداخلية كالتالي :
( 73413 موارنة / 1802 دروز / 2267 سنة / 4034 شيعة / 30 علوي / 429 مسلما غير محدد / 25475 أرمن أرثوذكس / 15 أرمن انجيلي / 2066 أرمن بروتستانت / 6865 أرمن كاثوليك / 566 أشوري / 7 أشوريين أرثوذكس / 3097 مختلف / 14 غير محدد / 132 انجيلي / 381 بروتستاني / 23950 روم أرثوذكس / 15068 روم كاثوليك / 2575 سريان ارثوذكس / 63 سريان بروتستانت / 1351 سريان كاثوليك / 6 أقباط أرثوذكس / 1 كاثوليك / 248 كلداني / 295 كلدان كاثوليك / 1601 لاتين / 253 مختلف / 23 يهودي )

بصرحة ، لم أجد في داخلي سوى الهشة الممزوجة بالضحك ، كأفضل تعبير عن غرابة هذا التنوع الهائل ، الذي تضمه منطقة صغيرة ، داخل دولة صغيرة . هل ثمة مبرر بعد هذا للتساؤل عن أسباب نشوب حرب أهلية في لبنان ، ونحن نرى حروبا طاحنة تجري بين جماعات تتشابه في الدين والمذهب والقبيلة والانتماء !!

وفي صباح اليوم التالي قررنا أن نواصل جولتنا في جبل لبنان ، لنتجه هذه المرة إلى شمال الجبل ، حيث أكثر المناطق ارتفاعا ، وجبال الجليد لاتعرف فرقا بين صيف وشتاء ، وحيث غابات الأرز الشهيرة .

مع وعورة الطريق المتجه إلى أقصى شمال الجبل ، ورغم محاولاتي المتكررة لإقناع سليمان أنه ( لا رز في الجبال ) بعد أن كا يسمي الغابات المنتشرة في جبال الشمال بغابات الأرُز ( بضم الراء ) . إلا أن كثافة الأشجاء وعذوبة الطقس والضباب الذي يكسو الآفاق ، لم يدع مجالا سوى للتأمل في جمال الطبيعة .

ولم نشعر بمضي الوقت ، وطول ماقطعناه من طريق ، إلا بعد أن وصلنا إلى بلدة " بشرّي " . هذه البلدة الحالمة في قمة الجبل ، تعد من أهم مقرات القوات اللبنانية ، وبها يسكن الدكتور سمير جعجع أو " الحكيم " كما يناديه الجميع هنا .
ورغم أن الرفاق كانوا قد أبدوا اعتراضهم وتحذيرهم لي من حضور أي فعاليات سياسية أو ثقافية في سفرتنا هذه إلى لبنان ، إلا أنهم في هذه اللحظة أبدوا حرصا شديد على لقاء الحكيم ، وطبعا وهو الأهم لقاء عائلته الكريمة ، بعد أن شاهدوا صور ستريدا جعجع زوجة الحكيم ، النائبة في البرلمان عن القوات اللبنانية .

وبالقرب من بلدة بشرّي ، هطلت علينا كرات الثلج القطنية بعذوبتها المنعشة ، فالتقطنا بعض الصور ونحن نستمع لمزيد من الذكريات الجليدية لرجل الثلج سليمان .
ثم مالبثنا أن لجأنا إلى مقهى خشبي قريب ، هربا من لسع الصقيع ، وبرودة الثلج الذي مافتيء يتزايد في الهطول .

لم نزد عن ساعة قضيناها في هذا المقهى التائه وسط بياض الثلج ، ثم اتجهنا نزولا من طريق مختلف ، نحو مدينة طرابلس الشمالية . ووسط عشرات القرى والضيع الجبلية الهادئة ، مرورا ببلدة حدشيت ، ثم زغرتا ـ مقر تيار المردة الذي يقوده سليمان فرنجية ـ ، وصلنا إلى مدينة طرابلس قبيل العصر بقليل .

تجولنا بعد العصر في الشارع الساحلي بالمدينة ، وطفنا ببعض الأحياء السكنية . ثم اتجهنا إلى مطعم ساحلي متخصص في المأكولات البحرية ، الذي قرر فيه سليمان ـ ككل مرة ـ أن يدعونا للغداء على حسابه ، رغم أنه سيدفع من ميزانية الرحلة التي بحوزته ، وذلك قطعا للطريق عن إبداء أي ملاحظات على هوايته التي تتمثل بأكل طن من الروبيان ، أثناء حديثه المتكرر حول عجزه عن فهم مبررات سمنته !!

بعد هذه الوجبة البحرية الدسمة ، التي تبعها تجول على الشاطيء مشيا على الأقدام ، في هذا المساء الربيعي الرائق . وعند حلول الليل قررنا العودة إلى بيروت .


وبهذا تنته الجدارية الثانية في رحلته الأولى ..


:)

dektator
04-04-2008, 04:17 PM
تصوير يغدق على خيالاتنا صوراً حيه من مناظر كأننا نشاهدنا ..

ساقتبس ان اذنت لي عباره التعدديه في تلك المنطقه وتساؤل الكاتب بما عبر عنه بأنه سبب لنشوب الحروب الأهليه في ذلك البلد الصغير والجميل ..

واقول انا غير بعيد وان كانت التعدديه من نوع آخر في بلادنا ..

اتمنـى ان تطـول الرحله ..

نصل اليراع
05-04-2008, 06:05 AM
جادك الغيث يا صبا نجد..
القراءة بحد ذاتها تقضم من يوماً قدرا كبيرا، فكيف بالنقل والنشر، شكراً على ما أقتطعتيه من حياتك لتكملي به نقص حياتنا..
أتابعك بأعجاب منذ أمد.. وسأظل أترشف زخاتك الأدبية والفكرية..
اخوك

من سكان الرصيف
05-04-2008, 03:03 PM
ولو سلّمنا أن القصة ماتقول فلم سمي القصر " قصر العشق " ؟!



هل هو حقا كذلك؟
لقد عشت معظم حياتي في لبنان، ولم أسمع يوما بهذا اللقب يطلق على "قصر موسى"..
أما الحكاية التي أوردتها في ردي الأول، فقد رويتها تماما كما قصّها علي العم موسى بنفسه حين كنت أتجول في أرجاء القصر متأبطة ذراعه منذ ما يزيد على عشر سنوات مضت.. لذلك لم أستطع تجاوز الأمر دون تصويبه..

تحياتي والسلام.

صبا نجد ..
05-04-2008, 09:24 PM
دكتاتور
أهلا بك ..
هم تعددية طائفية ومذهبية ..

أما في بلادما فما سبب التعددية والتحزب ؟!

الله المستعان

نصل اليراع
تشرّفت بحضورك
فأسعد الكريم قلبك

من سكان الرصيف
حُييتِ ياكريمة ..
أما بخصوص التسمية فورد في الكتاب أنه قصر عشق ، وفهمت أنا أنه يسمى كذلك !!
ويخصوص القصة الحقيقية يُعدني أنك نقلتها ليزال اللبس الحاصل لدّي ولدى أي قاريء ..

أما بخصوص ماأورده الأخ نواف في كتابه ، فربما كان مرشدهم السياحي حكى ذلك !

لا أعلم سبب اختلاف القصة داخل الكتاب عمّا أوردته أنتِ وقلتِ أنه حسبما سمعته من موسى صاحب القصر ..
سُعدت بكِ وبإضافتك ..

صبا نجد ..
05-04-2008, 10:19 PM
الجدارية الثالثة بعنوان /
أفتش عن خطوط التماس
زمن الحرب الأهلية

كانت تقاطيع الجدارية كالآتي /
لم نقض كل أيام رحلتنا في جولات طويلة خارج بيروت ، بل اتجه كل منا في أيام أخرى لقضاء بعض أعماله .
لكن ساعة الغداء في الرابعة عصرا بقيت موعدا مقدسا ، نجتمع فيه في أحد المطاعم البيروتية ..

و زرت عددا من دور النشر الساقي ، الفارابي ، المؤسسة العربية للدراسات ، واستمتعت جدا بمكتبة زاخرة لم أرها من قبل ، اسمها ( المكتبة الشرقية ) .

في أحد الأيام طلبت من أبي الوليد أن يأخذني بجولة في أرجاء بيروت .
تجولت في الحمرا ، عائشة بكار ، فردان ، قريطم ـ حيث قصر الحريري ـ ، الصنايع ، وسواها من أحياء بيروت الغربية التي تعتبرا مقرا للطائفة السنية .
وكانت زمن الحرب الأهلية معقلا للكتلة الوطنية ، التي تضم الفلسطينيين ، والحزب الاشتراكي ( الدروز ) ، والحزب الشيوعي ، وعددا من حركات اليسار ، والمرابطين الناصريين ، وعددا من المجموعات السنية الصغيرة .

وامتد التجوال لرؤية أحياء بيروت الشرقية ، وأشهرها حي الأشرفية ، الذي كان مقرا للقوى المسيحية زمن الحرب الأهلية .

وفي زمن الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 82 م وحصاره الشهير لبيروت الغربية الذي امتد 88 يوما ، وكان ياسر عرفات هو من يقود هذا الصمود في الدفاع عن بيروت ، حيث انتهى هذا الحصار بالقصة المؤلمة لخروج الفلسطينيين عبر البحر إلى تونس ، وسط تراجيديا ضاربة في عمف الوجدان العربي حتى اليوم ، في ذاك الزمن كانت بيروت الشرقية ، التي دخلها الإسرائيليون ، بعد تحالفهم مع بعض القوى المسيحية ، من أهم مراكز الحصار والتجويع للقوى الوطنية المتمركزة والصامدة في بيروت الغربية .


أما الضاحية الجنوبية من بيروت ـ التي تعد انتخابيا خارج المدينة ـ فتبدوا وكأنها مدينة مختلفة ، تعيش خارج النسث اللبناني المألوف .
وفي أحياء الغبيري ، وبئر العبد ، وحارة حريك ، وسواها في الضاحية الجنوبية ترى في كل مكان صورا كبرى للخميني وخامنئي وحسن نصر الله وسواهم . حتى ليخيل إليك أنك تطوف في أحياء قم أو مشهد لا في لبنان !!

في هذه الضاحية تنشط العناصر الأمنية لحزب الله بشكل مكثف ، وهي المسؤولة عن حماية المنطقة .
كنت حريصا على رؤية المربع الأمني لحزب الله ، المعروف بصرامته الأمنية ، لكونه يحوي كل المقار الرئيسية للحزب .
ولأن أبا وليد لايعرف أين يقع هذا المربع الأمني ، اضطررنا للسؤال .
الغريب أنه كلما سألنا أحدا ممن تبدو عليه سمات القرب من حزب الله ، أجابنا بأنه لايعرف .
ومع ذلك تجد في الضاحية من يرشدك ـ بوصف دقيق ـ إلى موقع مطعم فول في طرابلس ، دون أن تجد من يرشدك إلى المربع الأمني لحزب الله !

في آخر جولتي البيروتية ، تجولت داخل مخيمي صبرا وشاتيلا ، اللذين شهدا المجزرة الشهيرة ، على يد الكتائب الماونية .

صبرا وشاتيلا يقعان اليوم على تخوم الضاحية الجنوبية ، وقد صارا أشبه بأحياء فقيرة وسط المحيط البيروتي .
كل شيء فيهما يوحي بعالم مختلف ، ومسحوق ، ومتداع ، يقبع في زواريب هذا المخيم .



في مساءات بيروت كنا نقوم بنشاطات متشابهة . جولة في السوليدير، الحي التجاري الحديث الذي يصفه بعض اللبنانيين ، بأنه جزيرة متحضرة ، محاطة بشريط من البؤس . احتساء الشاي في بعض المقاهي . والتجول سيرا على الأقدام لساعات في الطرقات البيروتية .

قبل عودتنا بيومين ، قرأت في جريدة النهار إعلانا عن فيلم سينمائي شهير ، كنت متشوقا لرؤيته منذ شهور ، بعد أن قرأت خبرا عن نية أحد المخرجين في هوليوود إنتاج هذا الفيلم .. اسمه ( ميونخ ) ويحكي قصة مثيرة عن تاريخ النضال الفلسطيني قامت به منظمة أيلول الأسود الفلسطينية .
وهذه المنظمة قامت بعمليات مثيرة ، هزت الحكو مات الدولية ، وشغلت العالم لأيام طويلة .
من أشهر هذه العمليات عملية " ميونخ " التي يرويها الفيلم .
هذه القصة أو العملية لم تتجاوز الربع الأول من الفيلم ، وبقيته تخصص في رواية الحرب الاستخبارية المعقدة والعنيفة ، التي جرت بين الموساد الاسرائيلي المكلف بقتل عدد من القيادات السياسية والعسكرية والفلسطينية انتقاما من هذه العملية ، وبين المنظمات الفلسطينية التي لاحقت رجال الموساد بكل احتراف ، وقامت بتصفيتهم واحدا تلو الآخر .

لا أدري لم أبدو مسكونا بتفاصيل الحرب اللبنانية أكثر مما يجب .
مرة ونحن نتجول في السوليدير ، قام سليمان ببمارسة إحدى هواياته ، التي تتمثل في أن يسأل عن أمور ، يعرف يقينا أن صاحبه يهتم بها كثيرا ، في حين أنها لاتعني له هو أي شيء .

سألني سليمان عن شيء من تفاصيل الحرب الأهلية ، فرحت أحكي له بحماس عن ذلك الموضوع ، وأروي كيف كان الإسرايليون والقوى المسيحية تحاصر القوى الوطنية من بيروت الشرقية .. وإذ بسليمان يقول في هذه اللحظة وهو يقضم ( الفصفص ) : نعم ، الميحيون مثل جنبلاط ..
طبعا أنا توقفت فجأة عن الحديث .. وشعر كأن قرون الشر بدأت تطلع في رأسي .. بعد أن عرفت أني وقعت في فخ خداعه طوال هذه الفترة .. فقلت له بغضب : بعد كل هذا الشرح تقول لي أن جنبلاط مسيحي !! إذا ربما ستقول بعد قليل أن داني شمعون سلفي ! ، وبيير الجميّل بوذي ! يبدو أنني لو كنت أحكي لك عن الحرب الأهلية في كمبوديا لما أحسست بالفرق!!

سليمان كان الأكثر أناقة في هذه الرحلة دون منازع ، بمعزل عن موضوع انعدام الرشاقة ، خاصة إذا ماارتدى ليلا نظارته السوداء . صحيح أنه إذا لبس معطفه المخطط بألون فاقعة يذكرنا بزمن الانتداب الفرنسي . لكننا قررنا أن نغض الطرف عن هذه الهوة الزمنية في الذوق العام .


وبهذا انتهت الجدارية الثالثة من الرحلة الأولى لبيروت ..
لحقت بها الجدارية الأخيرة بعنوان " مخيم عين الحلوة
جولة في الشوارع الخلفية لعاصمة الشتات "

ولكون القراءة من الكتاب الورقي أمتع ، لن آتِ على شيء من هذه الجدارية ، وستكون وقفاتنا وقراءاتنا بحول الكريم تبدأ في الرحلة الثانية لبيروت من 12 إلى 16 شباط ( فبراير ) 2007 م


:)

ماجد راشد
05-04-2008, 10:28 PM
جميـل ..

و تسجيل متابعة

صبا نجد ..
10-04-2008, 06:46 PM
أهلا
ماجد ..

أعتز بمتابعتك ..
رعاك الله

..

بيروت
الرحلة الثانية
من 13 إلى 16 شباط " فبراير 2007 م

بدئت بجدارية /
بيروت مرة أخرى
ومعارك الساحات

فكانت كما يلي :
رغم أن فكرة المشاركة بحضور فعاليات الذكرى الثانية لاغتيال الحريري في 14 شباط كانت تراودني منذ أسبوعين ، إلا أنني لم أتخذ قرار السفر سوى قبل يوم واحد فقط في لحظة ركوبي الطائرة .

حجزت وتوكلت على الله .

عذوبة الطقس كانت أول شيء تلقاني وأنا أخرج من بوابة المطار ..
وصلت إلى الفندق الذي يقع في ذات الوسط التجاري " السوليدير "
المحاط بمخيم الاعتصام ..
ميزة هذا الفندق أنه يقع في وسط المدينة التجاري ، حيث تقع على طرفيه ساحة رياض الصلح التي تمتليء بمخيم اعتصام المعارضة ، وساحة الشهداء ( الحرية ) التي تنوي قوى 14 آذار أن تقيم بها حشدها في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال رفيق الحريري .

بعد أن لقيت وافر الترحيب من العاملين في هذا الفندق الصغير ، لكوني كما يبدو النازل الوحيد ، وبعد أن استلمت غرفتي ووضعت حقاءبي .. قررت النزول للتجول قليلا في السوليدير .
وأنت تتجول في السوليدير تتأمل هذا الإبداع المعماري الذي شيد به وسط المدينة ، حيث البنايات الحجرية على الطراز الأوربي القديم ، والأزقة المرصوفة بعناية ، والإضاءة المرسومة بأناقة واحتراف ..
وعندما اقتربت من ساحة رياض الصلح ، وجدت حواجز حديدية قد سدت الشارع المؤدي إلى الساحة ، وعلى طرفها يقف رجل أمن ، ومن ورائه تبدو خيم الاعتصام الممتدة على أرجاء الساحة الكبيرة ..
سألت الدركي ( كما يسمون الشرطي في العامية اللبنانية ) أن يسمح لي بالمرور إلى الساحة .. فما زاد على أن سحب طرفا من الحاجز ، وقال لي : تفضل .

لدى دخولي إلى الساحة كانت الساعة تقارب الثانية عشر ليلا .. صادفتني مجموعة خيم متراصة ، تقع بقرب السراي الحكومي .
وبدا واضحا من الأعلام وصور السادة المعممين التي تتواجد في محيطها بكثافة ، أنها مقر اعتصام حزب الله ..
اقتربت أكثر ، وإذ بثلاثة شبان يجلسون في ساحة صغيرة تحيطها بعض الخيم ، وقد أشعلوا نارا للتدفئة ، أن تلحظ التوجس الذي يكسو وجوه كوادر حزب الله من مشاهدة الغرباء .
سحنات وجوههم التي لايرتسم عليها الترحيب بقدر ماتمتليء بالحذر ، تبدو أكبر من قدرتهم على إخفائها ، ربما كانت تربيتهم القتالية ، ومقاومتهم الطويلة للعدو الصهيوني ، هي التي صبغتهم بالصرامة العسكرية ، ونزعت عنهم بشاشة الترحيب التي تسود الشارع اللبناني بكل طوائفه .

بعد التحية والسلام ، سألتهم إن كان ثمة فعاليات ثقافية ستجري في خيم الاعتصام خلال الثلاثة أيام القاد مة .. بدورهم أخبروني ألاشيء سيجري خلال الأيام القليلة القادمة ، وذلك تقديرا للمناسبة التي ستحل بعد يومين وهي الذكرى الثانية لاغتيال رفيق الحريري ، والتي ستجري فعالياتها بقربهم ( أي في ساحة الشهداء ) ..
ثم أضاف أحدهم : هذه مناسبة وطنية تعنينا جمسعا ، ولافرق فيها بين معارضة موالاة ..
وبعد بعض الأحاديث المتبادلة قلت لهم مداعبا : ماشاء الله تبدون صامدين هنا رغم مرور عدة شهور ..
رد أحدهم : لا ، مانع لدينا في أن نبقى عشر سنين إذا لم تتخل الحكومة عن عنتها ..

بعد أحاديث بسيطة ، ودعوة للجلوس بدت مشبعة بروح المجاملة وعدم الجدية ، سلّمت عليهم ..
وقفلت راجعا إلى غرفتي . وشرعت أكتب يومياتي قبل حلول الفجر .

وبهذا انتهت الجدارية الأولى في الرحلة الثانية

:)

صبا نجد ..
11-04-2008, 12:01 AM
الجدارية الثانية /

مع التيار العوني
سجال في خيم الاعتصام


..
فجر الأربعاء ، الرابع عشر من شباط 2007 م

أثناء مغالبتي للنعاس الذي بدأ يجتاحني وأنا استرخي على مقعد وثير ، وإذ بدوي صوت مفزع ، أشبه بانفجار هائل يرج المكان ..
قمت فزعا بفتح النوافذ لمعرفة مصدر الصوت ، وإذ بالمطر الغزير يهطل بشدة ، ودوي الرعد ـ الذي لم أسمع مثله من قبل ـ يصم الآذان ..
لا أدري حينها إن كنت قد وقعت فريسة النبوءة الإعلامية ، وبت في اللاوعي أترقب خبر انفجار ..
لكن هذه النبوءة لم تكن مجرد تخرصات عراف ، إذ ماكدت أفتح شاشة التليفزيون بعد استيقاظي صباح هذا اليوم ، إلا ويسود جميع الفضائيات المحلية والإخبارية خبر تفجير كبير حصل في قرية صغيرة في جبل لبنان اسمها ( عين علق ) راح ضحيته عدد من القتلى والجرحى ..

في ظهيرة هذا اليوم كنت على موعد مع محلل سياسي شاب ومقرب من 14 آذار ، برز أخير كأحد أهم المعلقين على مجريات المشهد اللبناني في الفضائيات العربية ، وهو السيد عقاب صقر .
السيد عقاب ـ وهو ابن الضاحية الجنوبية ـ يعد واحدا من المثقفين والسياسيين الليبراليين الذين يسعون لتدشين تيار ثالث في الوسط الشيعي تحت عنوان ( التيار الشيعي الحر ) بهدف كسر الهيمنة والاحتكار السياسي الذي يمارسه بكل صلابة حزب الله وحليفته حركة أمل .

جلسنا قرابة الساعتين .. تحدثنا فيها مطولا عن الخيارات السياسية المتاحة والمتوقعة وفق الاحتقان الذي يسود المناخ السياسي في البلد .. وسألته عن كثير من دهاليز الشارع السياسي اللبناني ، وتفاصيل الدستور ، وسبب هذا التغير الذي بدا حادا في مواقف بعض الكتل ، وعن قوانين اللعبة السياسية وتوازناتها بعد انتهاء مرحلة الوصاية السورية .


بعد هذا التتبع الممتع لتفاصيل المشهد السياسي اللبناني ، خرجت على عجل لتناول وجبة غداء سريعة في أحد المطاعم الهادئة بشارع الحمرا .. لأنني كنت على موعد في الساعة الخامسة مع السيد ألن عون في أحد مقاهي شارع الجميّزة المطل على ساحة الشهداء المحاذية للوسط التجاري في بيروت .

السيد ألن عون ـ وهو ابن أخ الجنوال ميشيل عون ـ من أهم الناشطين في التيار العوني ( التيار الوطني الحر ) ، وقضى شطرا من حياته مع عمه في منفاه الباريسي ..
وتعرض هو مع عدد من الناشطين في التيار لكثير من المضايقات والعنف السياسي أثناء مرحلة الهيمنة السورية .
إذ كان التيار الوطني الحر هو الأكثر قدرة على النشاط والتظاهر والتصريح برفضه للوجود السوري ، وبسبب ذلك تعرض أفراده لكثير من الخشونة الأمنية التي وصلت في كثير من مراحلها إلى الاعتقال والسجن .

دار نقاش طويل حاول فيه ألن عون تبرير مواقف التيار ، حيث ذكر أن التيار الوطني الحر لم يتغير شيئا من استراتيجيته ، وأنه لم يكن يوما معاديا لسوريا ، بل كان يطالبها فقط أن تخرج من لبنان ، وإذا ماخرجت فهو حريص على أن تظل العلاقة جيدة ووثيقه مع الشقيق السوري .
كنت أعقب على كلامه بعدد من الاستداركات والمعلومات التي تثبت حجم التغير ـ بل وجذريته ـ في مواقف التيار .

الحوار الذي استمر لأكثر من ساعتين لم يخل من بعض التوتر والسجال الحاد , حتى أن السيد ألن عون قال لي مرة ـ في لحظة انفعال ـ ونحن نستعرض مواقف التيار مقارنة بمواقف 14 آذار : شو إنتا معاهم ! ..
قلت له ضاحكا : أعدك أن أفكر بالانضمام إليكم ، لكن بعد أن أحصل على الجنسية اللبنانية .
بعد هذا الحوار الساخن ، رجعت إلى الفندق لأنال بعض الاسترخاء الذي يعيد حقن الوقود في توربينات النشاط الذهني والجسدي .

..

كنت قد عزمت أن أقضي هذه الليلة بالتجوال في خيم الاعتصام .. وفي قرابة الساعة الثامنة والنصف ، وبعد أن استعدت بعض نشاطي ، لبست معطفي وحملت الكاميرا ، وتوجهت إلى حيث يبيت المعتصمون .

حين تدلف إلى ساحة رياض الصلح ، ترى للوهلة الأولى خيم الاعتصام وهي تغطي قدرا كبيرا من مساحة الميدان ، تبدو متراصة وبالية ، وتمدك بإيحاء أنك أمام مخيم للاجئين الفارين من أحد الحروب ..

أول مادخلت لساحة الاعتصام ، اتجهت إلى حيث تتواجد خيم حزب الله ، التي تنتظم بشكل متراص ، تاركة ميدانا صغيرا يتوسط هذه الخيم ، في طرفه تقع خيمة الإدارة ، وبقربها خيمة مخصصة للفعاليات الثقافية ، وفي محيطهما هناك عشرات عشرات من الكوادر الشبابية التي تمارس نشاطات مختلفة .
دلفت إلى خيمة الإدارة بعد أن ألقيت التحية على بعض الوقوف أمام الباب ..
سلمت على المسؤول ، وعرفته بنفسي ، وسألته إن كان ثمة ندوات أو مهرجانات خطابية أو أي فعاليات ثقافية ستجري خلال هذين اليومين . وبعد أن أجاب بالنفي ، حدثني قليلا عن أهداف الاعتصام ، وتطرق للحديث عن وجوب نبذ الخلافات السياسية ، خاصة بين المسلمين ، ولزوم التقارب بين السنة والشيعة ، وأن الغرب وأمريكا يحاولان تفريق المسلمين عبر إثارة النعرات الطائفية .

اتجهت إلى مقر حركة أمل الذي كان على مقربة من خيم حزب الله ، ورغم أنني لم أجد إلا بضعة أشخاص في محيط الخيم التابعة للحركة ، مررت على خيمة الإدارة التي لم يكن فيها غير ثلاثة أشخاص منهمكين في تدخين الأرجيلة . ألقيت التحية التي تبعتها بعض الأحاديث البسيطة . ومن ثم توجهت إلى حيث تتواجد خيم التيار الوطني الحر .

في الخيم التابعة للتيار العوني يعود النشاط ليسري من جديد . أعداد من شباب التيار ومن ضمنهم بعض الفتيات ينشطون مقر الاعتصام .
وصورة ضخمة للعماد ميشيل عون تتوسط المكان .

في خيمة الإدارة المتواضعة رحب بي الدكتور أرش يروربانست يعقوب ـ وهو كما يبدو أرمني الأصل ـ الذي أبدى اهتماما بتواجد صحفي سعودي ، واستعدادا لنقاش أي تساولات عن موقف التيار .

وبعد أن تحدثنا عن بعض تفاصيل المشهد السياسي ، دخل علينا البروفيسور بسام هاشم ، وهو رجل كبير في السن ، وبدا واضحا أنه من القيادات البارزة والمرموقة في التيار .

جلس الدكتور بعد أن ذكر أن بإمكانه مشاركتنا فقط لبضعة دقائق لكونه مرتبط بمواعيد أخرى .
هذه الدقائق تحولت إلى مايقارب الساعتين والنصف . حيث توغلنا في نقاش كثير من التفاصيل السياسية والفكرية التي تخص موقف التيار .
وتطرقنا لنقاشات تاريخية مطولة أراد بها البروفيسور أن يثبت أنه لا مشكلة تاريخية بين المسيحيين والشيعة في لبنان ، وأن مشكلة المسيحيين الأولى كانت من الدولة العثمانية ، ثم من القوى الدينية والقومية السنية ، وبالطبع تخلل الحوار بعض من مواطن الحدة والسخونة المتوقعة ، لحجم التضاد الذي كان يمثله رأيانا بخصوص الواقع السياسي والتاريخ .

وعند قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف ، وبعد أن بدا الإنهاك واضحا على علينا ، قمت بتوديغهم بعد أن عبرت لهم عن شكري وامتناني للطفهم ومجاملتهم بالجلوس معي حتى هذا الوقت المتأخر من الليل ، رغم برودة الجو ، وربما ارتباطهم بأعمال أكثر أهمية .

وأنا أهم بالخروج من ساحة رياض الصلح حاولت إجراء تقدير لعدد الخيم المتواجدة في ساحة الاعتصام ، ووجدت أنها تتراوح مابين المائة وخمسين والمئتين خيمة .
وحين تجولت حولها في طريق عودتي بعد أن تجاوزت الساعة منتصف الليل ، ذهلت حين وجدت أن أغلبها كان فارغا ، إذ لم يتبق في الساحة إلا أعداد محدودة من المعتصمين ، يبيتون في قليل من الخيم المجهزة بوسائل تدفئة .

وحين رجعت إلى غرفتي التي لاتبعد عن ساحة الاعتصام سوى مئات الأمتار . فوجئت بجلبة وضوضاء انتهكت صفو السكون الذي اعتدته في أروقة الفندق ليلة أمس . قال لي موظف الاستقبال بعد أن رأى دهشتي : الفندق هذه الليلة ممتليء تماما ، لأن كثيرا من العوائل التي قررت المشاركة غدا في حشود 14 آذار بساحة الشهداء فضلت المبيت هنا ، حتى لاتكون مضطرة لقضاء ساعات وسط الزحام في طريق قدومهم إلى الساحة صباح الغد .

صعدت إلى غرفتي بعد أن عرفت أنني أبيت في فندق سيقضي طوال الليل وهو يشدو بشعارات الاستقلال والسيادة والمحكمة الدولية ، وسيهتف غدا لدم الحريري الذي فجّر ثورة الأرز ، ووضع لبنان في طريق الخلاص من الهيمنة السورية .

وبهذا تتم جدارية الرابع عشر من شباط

:)

عمر بك
11-04-2008, 05:31 AM
اتجهنا بعد جبال فاريّا الثلجية إلى حيث مغارة جعيتا . وهي عبارة عن مغارتين ضخمتين . إحداهما في أعلى الجبل ، وتدخلها عبر الجسور المعلقة المبنية على امتداد المغارة .
والأخرى دونها بقليل ، وتدخلها عبر قوارب نهرية ، لكون الماء الذي ذاب من ثلوج الجبال بات يغطي الأجزاء السفلية من المغارة .. وتمتد هاتان المغارتان الضخمتان لأكثر من ألفي متر في جوف الجبل .. وقد تم اكتشافهما على يد علماء آثار ألمان ، وقد اكتشفوا المغارة الأولى في نهايات القرن التاسع عشر ، فيما اكتشفوا المغارة الثانية في بدايات القرن العشرن .
هاتان المغارتان آيو من آيات الله .. حيث تلج داخل فوهتيهما الحجريتين ، تجتاحك حالة من الوجوم والرهبة وأنت ترى عظيم صنع الله .. هذه العظمة ، والضخامة ، والجمال ، والهدوء المتناهي ، والظلام الدامس ، وأصوات خرير الماء الذي يأتي من مكان سحيق ، والقطرات الكلسية المتحجرة ، التي تكونت على شكل سكاكين حادة ، كل ذلك يبعث في النفس إيمانا عميقا يتسرب إلى داخل وجدانك دون أن تشعر .
بدأت أتخيل ماذا لو انطفأت الأضواء فجأة في هذا المكان .. شيء لايوصف

هذه هي المغارة التي دارت حولها رواية منذر قباني الجديدة (عودة الغائب ) , ولكن ما يدهشني أن نوّاف استطاع وصفها وتقريبها لنا أفضل من منذر الذي لم يفعل شيئاً , وهو المُطالب بذلك أيضاً ,!

أخطاء مطبعية تملأ المكان
متابع , شكراً صبا .

صبا نجد ..
11-04-2008, 10:15 PM
أهلا
عمر ..

عذرا ،
فـ تقريبا بعد كل جدارية كنت أسوي " سكيمنق " ولم انتبه لتلك الأخطاء ..

اللواتي تبينتهن تم تصحيحهن ..

أعدك بحول الكريم وقوته ألا يزداد مافي المكان ..
:)
سُعدت بمتابعتك ..


..

الجدارية الثالثة /
أهتف مع 14 آذار :
" ألله مع السنية "

كانت خطوطها كما يلي /

فجر الخميس ، الخامس عشر من شباط " فبراير " 2007 م

استيقظت صباح اليوم على وقع هدير الحشود ، فتحت نافذة غرفتي لأطل على الشارع الموازي للفندق ، والمؤدي إلى ساحة الشهداء ، وإذ به مكتظ بأعداد هائلة من المتظاهرين ، الذين يرفعون الأعلام اللبنانية وصور رفيق الحريري ..

وأنا أهم بالنزول ، خطرت في ذهني فكرة الصعود إلى سطح الفندق . ساحة الشهداء ، تقع خلف هذا المبنى مباشرة ، والصعود إلى سطح يرتفع خمسة أدوار سيمكنني دون شك من التقاط مشهد بانورامي رائع لساحة التظاهر ، ورؤية الحشود التي تتدفق على الميدان من كل الجهات .

وبالفعل حين أطللت على ساحة الشهداء من سطح الفندق رأيت الرايات الحمراء التي لاتكف عن التلويح وهي تتوافد بأعداد كبيرة إلى محيط الساحة ، ورغم أن أطرافا من ساحة الشهداء الكبيرة والممتدة لاتظهر أمامي بوضوح ، إلا أنه بدا واضحا أن هذا الميدان سيعجز عن استيعاب كل هذه الأعداد الضخمة للحشود .
وبعد أن التقطت عددا من الصور المميزة لجموع المتظاهرين ، نزلت إلى الشارع المحاذي للفندق .

رغم الإجراءات الأمنية المشددة ، إلا أنني لم استطع فهم سبب ازدحام الحشود عند مدخل الساحة .
بدأت بالدخول فيما بينهم وأنا استحضر ميكانزمات الحركة وسط الزحام أثناء أداء الحج أو العمرة في رمضان .

الأعداد الضخمة للمحتشدين التي تسودها فئة الشباب ، لم تخل من الكهول . بدا غريبا أن تجد شيوخا على عكازات وسط فورة هذا الزحام . يبدو أن الأمر كان بالنسبة لكثيرين أكثر من مجرد التعبير عن موقف سياسي . ربما رغبة في إثبات وجود ، ودفاع عن هوية ، وإثبات ولاء وانتماء . أظنه كان شيئا من ذلك .

فهمت سبب هذا الزحام الاستثنائي عند هذا المدخل بالذات ، وذلك لكونه قريب من بوابة دخول الزعماء السياسيين إلى منصة إلقاء الخطابات ..
في الطرف الغربي لساحة الشهداء يقع مسجد ضخم حديث البناء ، اسمه مسجد محمد الأمين ، بناه رفيق الحريري بعد سجال قانوني طويل ، جرى مع أطراف سياسية حول إمكانية بناء مسجد يشير إلى طائفة محدودة ، في الوسط التجاري للمدينة ، الذي يفترض أن يكون ممثلا لكل لطوائف .
لكن كانت مسوغات البناء أن هذه المنطقة في تاريخها كانت سنية خالصة ، فلماذا يتم منع بناء مسجد عليها لمجرد أنها تحولت إلى وسط تجاري للمدينة !

ومسجد محمد الأمين الضخم لم يتم افتتاحه حتى الآن ، لأنه لم يكن قد اكتمل بناؤه ساعة اغتيل رفيق الحريري يرحمه الله . ولا أدري سبب تأخير افتتاحه حتى الآن ربما كان بقصد توقيت افتتاحه مع لحظة كشف حقيقة من يقف وراء جرائم الاغتيال كما حكى لي البعض .

تحت خيمة كبيرة بقرب مسجد محمد الأمين يقع قبر رفيق الحريري ، وبقربه قبور ستة من معاونيه الذين قضوا معه ساعة الانفجار .
هذا المكان يبقى مفتوحا للزيارة على مدار الساعة ، والأصوات الندية وهي تتلو القرآن ـ عبر أجهزة التسجيل ـ لاتتوقف أيضا .
وبقرب الضريح بني نصب كبير من الكتب ، هو عبارة عن كتاب واحد أرسله كل مبتعث على نفقة رفيق الحريري ، كانت نتيجته بناء هرم كبير مكون من خمسة وثلاثين ألف كتاب ، تمثل أعداد الطلبة المبتعثين .

بعد أن قضيت مدة في التنقل بين أرجاء الساحة وزواياها بدا لي بوضوح أن الغالبية الساحقة من المتظاهرين من الطائفة السنية .

كلما انتقلت من جانب إلى آخر وسط هذه الساحة أسمع مزيدا من الشعارات والهتافات السياسية . كانت في غالبها لاتخرج عن ثلاثة تنوعات .
إما نقدا ـ وربما شتيمة ـ للخصوم السياسيين ، وهنا يحتل حزب الله المساحة الأكبر من الهتافات والنقد .
أو هتافات تفخر بالانتماء إلى طائفة ، كتلك التي كانت لا تنقطع عن مسامعي أينما تجولت ، حين يردد المحتشدون ( ألله مع السنية ) .

كانت تنتشر في أرجاء الساحة لوحات عليها صورة رفيق الحريري وابنه سعد ، وكتب عليها ( الحبيب ابن الحبيب ) ، ولوحات أخرى تحمل ذات الصور وكتب عليها ( عمّر ، علّم ، حرّر ) . إضافة للوحة ضخمة ومعبرة ، عليها صورة رفيق الحريري وقد بدا مبتسما وهو يضع يده على خده ، وبجانبها كتب ( والله اشتقنالك ) .

يمكن لي أن أتفهم لم كل هذا الحب الذي تبديه قطاعات واسعة من الشعب اللبناني تجاه رفيق الحريري ، ليس فقط لأنه لم يسفك قطرة دم في الحرب الأهلية ، وكان عونا على إنهائها ، وأحد أهم عرّابي اتفاق الطائف ، ولكن أيضا لأنه كان يحمل هم الهم الشعبي العام ، لذا كانت كل جهوده تتركز على إعادة إعمار البلد بعد خراب الحرب الأهلية ، وبنى الوسط التجاري ( السوليدير ) الذي يعد تحفة معمارية ومقصدا سياحيا ، واهتم ببناء الاقتصاد ، واستقطاب الاستثمارات الخارجية ، وإنشاء المؤسسات الخيرية ، التي كان من أعمال واحدة منها فقط ابتعاث أكثر من 35 ألف طالب لإكمال دراساتهم العليا في الخارج .
إضافة لكونه حمى المقاومة في الجنوب لسنين طويلة ، وبذل جهودا سياسية كبيرة كي يستثني حزب الله من القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية ..
أي أنه باختصار جاء إلى المنصب السياسي ليبذل لوطنه ، لا ليستفيد من امتيازات المنصب المحدودة في بلد كلبنان .

رأيت أيضا في أرجاء متفرقة من الساحة بعض أعلام الحزب الاشتراكي الذي يقوده وليد جنبلاط ، وأعلام أخرى للقوات اللبنانية التي يرأس هيئتها التنفيذية سمير جعجع ، وحضور محدود لحزب الكتائب واليسار الديمقراطي .

وفي قرابة الساعة الواحدة ظهرا خفتت أصوات الأغاني الحماسية ، وبدأت الخطابات السياسية .

ابتدأ الكلام أحد قيادات 14 آذار .. بدأ كلمته وسط ترقب الجماهير بأن ألقى جملة استعراضية خاطب فيها المعارضة ، وذلك حين قال :( فاجأناكم مو ) .

توالت بعد ذلك عدد من الخطابات الحماسية لعدد من قيادات 14 آذار ..
كان بعضها يدعو إلى التوافق ، ويذكر المعارضة والشعب اللبناني بأجمعه بفاجعة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ، التي يجب أن تكون قطرة الدم الأولى في سبيل وحدة هذا الشعب .. بينما اتسمت خطابات أخرى بنزعة التحدي والمواجهة ، وقالت أن قاطرة السيادة والاستقلال تسير باندفاع نحو الحلم ، وإذا أراد عملاء عهد الوصاية مواجهتها ، فستدهسهم ، وتلقي بهم في قارعة الطريق .

وبعد عدد من الخطابا ألقى الدكتور سمير جعجع خطابا حماسيا امتلأ بنزعة التصعيد ضد المعارضة .
ثم أمسك بالميكرفون الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وألقى خطابا مثّل قمة التصعيد والتوتر ضد المعارضة ، وخصص المساحة الأكبر في خطابه لنقد وشتيمة عهد الوصاية والرئيس السوري . حتى أنه تلفظ بشتائم وصفت بالبذاءة التي لاتليق بخطاب سياسي .

وفي خاتمة هذه الكلمات تقدم سعد الدين الحريري زعيم تيار المستقبل لإلقاء خطابه وسط فورة هائلة من الهتافات الترحيبية التي ماتلبث أن تهدأ ، إلا وتعود كي تتصاعد مرة أخرى مع كل جملة ساخنة أو مقطع من مقاطع خطابه .
اللافت أن خطاب الحريري اتسم بقدر واضح من الهدوء والتوازن .

وحين وصل هذا المهرجان الحاشد إلى مراحله الأخيرة ، ختمت الخطابات السياسية بكلمة وجدانية ، ألقتها نازك الحريري زوجة رفيق الحريري ، خاطبت فيها زوجها الراحل ، الذي اغتالته يد الغدر ، واغتالت معه حياتها وروحها كما تقول ، وصارت تكتفي بالعيش على ذكراه ، لايرافقها إلا ابتسامته الحانية التي لاتفارق خيالها ووجدانها ، ومشروعاته الإنسانية التي لاتكف عن سماع كثيرين ممن لاتعرفهم وهم يلهجون بذكره الحسن وأعماله الخيرة .

بدأت الجماهير الحاشدة تسير بانتظام خارج ساحة التظاهر ، وأيديهم لاتكف عن التلويح بأعلام الوطن .

خرجت من ساحة الشهداء قرابة الرابعة عصرا ، وقد تلازم في داخلي إنهاك الجسد ، ووهج الروح ، وصخب الإثارة السياسية ، تناولت وجبة غداء سريعة في أحد المطاعم القريبة ، ثم قفلت إلى غرفتي كي ألقي بجسدي المتداعي على الفراش ، لأنعم بقدر من الراحة والنشاط ، قبل أن أقوم مرة أخرى لموعد مسائي .
في الساعة الثامنة كنت على موعد مع الدكتور حسين رحال ، مسؤول العلاقات الإعلامية في حزب الله . كنت حريصا على أن ألتقي معه في ذات اليوم الذي أقيمت فيه تظاهرات 14 آذار ، بهدف أن أسمع الانطباعات الطازجة للمعارضة في هذا اليوم الحاشد .

كنت قد اتفقت مع د. حسين على أن نلتقي في مكان شهير على تخوم الضاحية الجنوبية ، اسمه " مطعم وساحة القرية التراثية " ، وهو مركز سياحي كبير ، بني على شكل قلعة تاريخية ، ويحوي مطعما ضخما ومتحفا ودكاكين تراثية ، حتى أن كثيرا من حلقات برنامج " حوار مفتوح " الذي يقدمه ويعده غسان بن جدو على قناة الجزيرة ، تسجل وتبث من إحدى ساحات القرية ..
هذه القرية التراثية تملكها " جمعية المبرّات الإسلامية " التي تعمل تحت إشراف السيد محمد حسين فضل الله ، وهي ليست تجارية الطابع ، بل يصب دخلها لصالح الأعمال الخيرية . وهذه الجمعية بالطبع مقربة من حزب الله ، إن لم نقل أنها إحدى أذرعته الاجتماعية .
وفي حدود الساعة الثامنة والربع كنت مع د. حسين رحال على طاولة واحدة في إحدى صالات المطعم .
تحدثنا ابتداء عن بعض القضايا العامة التي تخص الحزب ، وعن موقف السعودية من حرب تموز .
ثم سألته عن انطباعه عما جرى اليوم في ساحة الشهداء . وكما هو متوقع ، حاول التقليل من حجم الحضور ، وقال أنهم ربما لايتجاوزون الثلاثين أو الأربعين ألفا !ـ رغم أن بعض وكالات الأنباء العالمية قدرت الحشود بأكثر من نصف مليون متظاهر ـ ، وأردف أيضا بأن لعبة التصوير وحركة الكاميرا تظهر دائما الأعداد بأكثر مماهي في حقيقتها .
بعد أن قضينا المدة اللائقة ذوقيا لتبادل المجاملات ، توجهت إليه بعدد من الأسئلة عن مواقف الحزب وتصريحاته ، ونشاطه السياسي بعد حرب تموز على وجه الخصوص .. ويبدو أن أسئلتي استطاعت أن تتخلص سريعا من عبء لغة المجاملات . لذا ساد حوارنا كثير من السخونة والحدة .



طبعا كنت أدرك أن السياسيين اللبنانيين متمرسون على الحوارات الصحفية التي قد تشوبها بعض الحدة والخشونة ، حتى باتت جزءا من ثقافتهم السياسية ، بل ومنحتهم قدرا من الاحتراف والتمكن في السجال السياسي . وربما لو افتعلت هذه الخشونة مع أحد السياسيين الخليجيين ـ لاسمح الله ـ لصفعني بأقرب ماتطاله يداه من أدوات حادة على طاولة المطعم .

استمر سجالنا الذي كان يهدأ أحيانا ، ويشتعل أحيانا أخرى ، حتى قرابة الحادية عشرة .. لا أنكر أنني استفدت كثيرا من معرفة رأي الحزب عن كثب في كثير من الموضوعات ، وازدادت قناعتي في أن كثيرا من مواقف الحزب لازالت تفتقد للتماسك والانسجام المنطقي ، رغم قدراته الإعلامية الفائقة وذكائه السياسي .

خرجت من مطعم القرية التراثية بعد أن ودعت د. حسين رحال ، وشكرته لوافر لطفه وصبره على فضول صحفي لايمتلك القدر الكافي من اللياقة واللطف . وخرجت أمشي لبعض الوقت مستمتعا ببرد بيروت اللذيذ ، في طريق مظلم طويل هو طريق المطار القديم ، الذي تقع عليه القرية القديمة ، وفي داخلي ذهول من حجم هذا التنوع والتضاد في بلد صغير ، تقل مساحته عن مساحة دولة قطر ، ومع ذلك كان في أحايين كثيرة ، ماليء الدنيا ، وشاغل الناس .


وبهذا تنتهي تظاهرات الحشود ، وانطباعاتها ..

:)

صرير
11-04-2008, 10:32 PM
صبا ..
تحية على جهدك الرائع ، نحن نستمتع ، أشكرك !

صبا نجد ..
13-04-2008, 12:51 PM
أهلا صرير ..

وحيّاك الله ..
سعيدة باستمتاعك ..

..

الجدارية التالية ، نقشت في السادس عشر من شباط ..
وكانت بعنوان /
جولة على دور النشر البيروتية

وكانت كالتالي /

بدا هذا اليوم الخميس وكأنه يوم استرخاء ..

كنت أنوي القيام بجولة على بعض دور النشر البيروتية .. خلال سنين متوالية من حضور معارض الكتاب ، نمت علاقة حميمة مع كثير من أصحاب هذه الدور أو العارضين فيها .

طلبت من السائق أن يأخذني ابتداء إلى حي الصنايع حيث مقر المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وكان من حسن حظي أن وجدت الأستاذ ماهر كيالي صاحب الدار .

لم يزد الأمر هناك عن قضاء نصف ساعة ، حتى استأذنت بالانصراف .

ذهبت بعد ذلك إلى المركز الثقافي العربي ، وسلمت الأستاذ حسن ياغي مسودة كتاب ، كنت قد اتفقت معه قبل شهور على نشره عنده .
وبعد أن أخذت جولة أخرى على آخر الإصدارات ، ودعته وأنا غير واثق من وعودي له بأن أنهي سريعا ماتبقى من رتوش طفيفة لإكمال مسودة الكتاب .
أدرت وجهتي بعد ذلك إلى دار الساقي .
وبعد تجوال مشابه على إصدارات الدار ، توجهت إلى دار رياض الريس ، وهناك رأيت السيد محمد الجعيد الملازم لجناح دار الريس في كل معارض الكتب ، والذي تفضل بإهدائي كتابين من آخر إصدارات الدار .

في الساعة الثالثة كنت على موعد مع الأستاذ ربيع كسروان في فندق البريستول .
الأستاذ ربيع من أقدم العاملين في مركز دراسات الوحدة العربية ، الذي يُعد ـ في تقديري ـ أهم مركز عربي للنشر .
كان لقاؤنا مزيجا من التطرق لشؤون عالم الكتب وتقنيات النشر ، والحديث عن بعض الأعمال البسيطة التي كانت بيننا .

في الرابعة والنصف عدت إلى غرفتي لبعض الوقت . نزلت بعدها في الخامسة لملاقاة صديق صحفي شاب ، يعمل باحثا سياسيا ، ويدرس الماجستير في العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية .

وبعد أن وعدت صديقي كنت على موعد في التاسعة مع شاب ودود من أهل طرابلس اسمه ، أحمد ، وقد جرت بيننا سابقا عدة أعمال واتصالات بخصوص بعض شؤون النشر والشحن وسواها ، ولكننا لم نلتق من قبل .

أحمد ينتمي للتيار السلفي ، الذي تنتشر فصائله في طرابلس ، حيث تمثل هذه المدينة الكتلة الأكبر للطائفة السنية في لبنان ، ومن أكثر المدن محافظة وتدينا ، وهي التي ينتسب إليها الشيخ رشيد رضا ، تلميذ محمد عبده ، وأستاذ حسن البنا .

يرى كثير من الدارسين أن التيار السلفي في طرابلس ، رغم خروج اتجاهات عنيفة محدودة ، وفي فترات زمنية متفاوتة ، إلا أن غالب اتجاهاته وقفت موقفا معتدلا من السلطة السياسية ، وكانت تعتمد منهج النصح والإرشاد وتبيين الأخطاء ، دون اللجوء إلى التصعيد والعنف .
عندما التقيت بأحمد ، كنت حريص على أن أستمع منه لطبيعة العلاقة بين التيارات السلفية بتنوعها مع تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري .
وقد أدهشني حين حكى عن تفهم كثير من التنوعات السلفية لتيار المستقبل ، بل ودعوة عدد من الشخصيات السلفية إلى مزيد من التقارب مع هذا التيار ، لكونه يمثل المظلة الكبرى لأهل السنة في لبنان . كما أن كثيرا منهم لايصنف تيار المستقبل على أنه علماني التوجه ، بل يتم اعتباره تيارا يمثل إرثا عائليا تقليديا .

يقول أحمد أن كثيرا من الإسلاميين يعتقدون أن تقاربهم مع هذا التيار سيساهم في تصحيح عدد من الأخطاء والانحرافات التي لايرتضونها .
بعد أن قضينا مايقارب من الساعتين من الحديث والتجول في طرقات المدينة ، ودعت أحمد ، وقررت العودة إلى السوليدير حيث أسكن .

وحين وصلت ، تجاوزت الفندق الذي أسكنه ، واتجهت إلى داخل هذا الحي الأوربي القديم .. الأضواء الخافتة ، وزخات المطر الخفيف ، والريح المحملة بعبق أشجار الجبل ، ودوي الرصاص والقصف الذي لايفتأ طنينه يتردد في أذني من زخم الماضي ، ومنظر الوجوه المكدودة والمتحفزة ، وتاريخ الدم الذي أغرق أحجار الأرض ، وأزمنة خطوط التماس ، والحصار ، وحرب الإخوة ، وأكوام الجثث . ترتسم أمامي كمشهد سينمائي ، شاحب الملامح ، داكن الألوان ، ويدي تفشل دوما في طمس هذا السواد ، من ذاكرة الأمكنة .

عدت إلى غرفتي ، لأبدأ بكتابة هذه اليوميات .
وغدا سأعود بإذن الله إلى الرياض ..


:)

صبا نجد ..
13-04-2008, 04:33 PM
جداريات الرحلة الثالثة
من 4 إلى 22 آب " أغسطس " 2007 م

كانت في ثلاث جداريات /
الأولى : وأهتف مع حزب الله :
" هيهات منّا الذلة "

الثانية : ومع حزب التحرير
أرى الخلافة تلوح من وراء الدخان

الثالثة : وفي الكويت
نحتسي الشاي بصحة الخلافة


سآتي على الجدارية الثانية منها ..
وكانت كالآتي /

رأيت الملصق الإعلاني أول مرة في شارع الحمرا ببيروت ، وكان على جدار بناية قديمة ، للوهلة الأولى ترى صورة لجامع السلطان أحمد الضخم باسطنبول ، وكتب فوقه بخط عريض ( دولة الخلافة ) .
تساءلت في داخلي ساخرا إن كان هذا الإعلان بقي ملتصقا منذ أيام الدولة العثمانية !
بحيث لم تفلح حتى الحرب الأهلية في إزالته وطمسه !
لكن بعد الاقتراب أكثر ، وإذ به إعلان عن المؤتمر السنوي الثاني لحزب التحرير الإسلامي ، الذي سيقام ـ بحسب الملصق ـ في ( ولاية لبنان ) !

وسيعقد المؤتمر يوم الأحد 12 آب 2007 وهو بعنوان ( أنظمة المجتمع في دولة الخلافة المرتقبة )
قلت : لنرى آخر أخبار الخلافة ، لأن الجهود الكبيرة في نشر هذا الملصق ، ربما توحي بأن الخلافة باتت وشيكة !

غريب أن يقوم مؤتمر لحزب التحرير علنا في دولة عربية ، خاصة وأن الحزب لايعترف بشرعية الوطن الذي ينشط فيه ، وقد كتب على ملصقه أنه سيقيم مؤتمره في ( ولاية لبنان ) !
كما أنهم يعتبرون النصارى أهل ذمة ( رغم أنهم وفق الدستور اللبناني يعتبرون نصف السكان ) .
إضافة لكونهم يطالبون علنا بالإنقلاب العسكري على الحكام في كل الدول العربية ، لأنهم مجموعة من العملاء والخونة الذين يديرون أنظمة كافرة .
ومايزيد الأمر غرابة ، أن المؤتمر يقام في قاعة حكومية شهيرة ، اسمها " قصر الأونيسكو " أي أنهم قاموا باستئجار القاعة من " الحكومة العميلة والخائنة وغير الشرعية "

في اليوم المذكور حضرت المؤتمر .. كانت القاعة تتسع لقرابة ألف مشترك .. وفي مدخلها يتوزع عدد من الكوادر الحزبية .. ملامحهم المكتنزة بالتصميم ، نظراتهم الحادة ، الجدية البادية في كل التفاصيل ، والود الغائب وراء تروس الصرامة الحزبية ، كل ذلك حقن في أوردتي مزيدا من جرعات الجاذبية والشغف لرؤية هذا التجمع الحزبي .

بعد أن أوشك الجمع على الاكتمال ، تقدم مدير الحفل وبأداء عميق ـ يشبه ذاك الذي يتحدث به الزعماء السياسيون في الأحداث التاريخية ـ افتتح المؤتمر على وقع ترنيمة صوته الوقور ( نجتمع اليوم في الذكرى الرابعة والثمانين من الفاجعة .. فاجعة إلغاء الخلافة الإسلامية )
تنبهت حينها أن تاريخ اليوم 28 رجب 1428 هـ هو التاريخ الذي شهد التوقيع على إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا .
وبعد فاتحة مجلجلة للحفل ، تقدم أحدهم ليرتل شيئا من القرآن الكريم .. حتى الآيات التي ابتدأ بها القاريء تحمل إشارات مضمرة ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها )

ثم جاء شاعرهم يهدر هدرا بقصيدة تمتليء بالعنفوان ، وإن بدت ركاكتها واضحة :
يارب وحد بالخلافة أمة
سفكت دماها رحمة بعباد
يارب واحفظ بالخلافة عزنا
يارب أرجع سالف الأمجاد
ضاقت بنا الأرض الرحيبة ربنا
حقق رجاء عبيدك العباد
صلي وسلم للحبيب محمد
لن يُسلم الله التقاة لعاد


ثم جاء موعد الندوات ، وقد تم الإعداد لتقديم أربع منها ، كل واحدة تحكي رؤية الحزب وتصوراته التفصيلية للكيفية التي ستعمل بها بعض قطاعات دولة الخلافة !

وكما توقعت لم تزد الندوات عن أن تكون سردا للأنظمة التقليدية المدونة في العديد من الكتب التي أصدرها الحزب منذ عشرات السنين ، مع محاولة تحديث بعض الشواهد والأمثلة التطبيقية كي تتواءم مع المتغيرات والمستجدات التي جرت مؤخرا .
المؤتمر كان تبشيريا بامتياز .. هدفه التعريف ببرنامج الحزب ، وسرد بعض من أفكاره ورؤاه ، والتحاور حولها مع عدد من المدعوين والمستهدفين . وكل ذلك في المحصلة يهدف إلى كسب أنصار جدد ، وإسماع صوت الحزب للعالم عن طريق تغطية بعض وسائل الإعلام .
طبعا ، أنا لم أكن في منحى من هذا الاستهداف .. إذ مالبث أحد كوادر الحزب أن يتبادل معي بعض الحديث ، الذي لم يتجاوز في بدايته أطر الترحيب والتعارف ، ثم مالبث أن صار سؤالا عن تقييمي لما أسمع ، تخلله انضمام بعض الكوادر الأخرى لحديثنا . ولم تنته الدردشة إلا وقد أخذ رقم هاتفي بعد أن دعاني للقاء خاص للتعارف والتحاور في إحدى المساءات البيروتية ..
في الحقيقة ، لم يتجاوز هذا الأمر أن يكون أحد أهدافي المضمرة أنا أيضا ، بغية الاقتراب أكثر من هذه الترسانة الفكرية الصلبة التي تدعى حزب التحرير .

بعد أربعة أيام جاءني الاتصال ، وتم تحديد الموعد .

وفي التوقيت المحدد ، كنت أجول مع سائق التاكسي بغية الوصول لمكان اللقاء .
وبعد بعض اللأي رأيت صاحبي يقف على رأس الشارع عند المكان المتفق عليه .

دخلنا في بناية منزوية ومظلمة ، وصعدنا أربعة طوابق وسط الظلام .
وبعد طرق خفيف ، فتح الباب رجل طويل القامة ، بالكاد كنت أرى ملامح وجهه .
سلمت عليه وأنا أدخل إلى غرفة مظلمة تضيئها بعض الشموع ، فبادأتهم القول لتلطيف الأجواء : هذا الظلام وهذه الشموع تجعلني أبدو وكأنني في أحد أوكار الماسونية لأداء قسم الولاء .
هنا ضحك الأخوان بصوت مرتفع ، وأخبراني عن قصة الكهرباء التي لاتكف عن الانقطاع .

ولم تمض عشر دقائق ، إلا وعادت الكهرباء لتشعل الأضواء .
سألتهم في البداية عن قصة الانشقاق الذي حصل بالحزب في ولاية الأردن ـ صرت أستخدم مصطلحاتهم ـ .
أظنني أحسنت صنعا يوم بادرته ببعض الأسئلة الاستفاهمية ، لأنه أمدني ببعض المعلومات الداخلية المهمة ، التي لا أظن أنه كان سيبوح بها فيما لو سألته عنها في آخر اللقاء ، بعد أن تكون سخونة الحوار قد قضت على رغبته في الإفصاح عن أي معلومات تشير إلى نقاط جديدة ، يمكن أن تستخدم للإشارة إلى ضعف الحزب ..
ومع ذلك لم يتردد محاوري في أن يقول لي ضاحكا : ليتني لم أخبرك .
وذلك حين استخدمت بعض المعلومات التي ذكرها هو في بداية اللقاء أثناء حوارنا .

حين شرعت في الحوار ، بدأت بالسؤال حول نقطة هي بمثابة المدخل ، وتتمثل في السؤال التالي /
حزب التحرير وضع نظاما تفصيليا جدا لطبيعة هيكل دولة الخلافة ، ومؤسساتها ، ولكنه في المقابل لم يضع تصورا لكيفية الوصول إلى إقامة هذه الخلافة !
أي أنه لايمتلك أي رؤية علمية وواقعية لكيفية إقامة الدولة ، وتعتمد طريقته الوحيدة على " طلب النصرة " من الحكام وقادة الجيوش .. وهذه الطريقة توقيفية عند الحزب ، ولايجوز تغييرها لأنها كما تقولون الطريقة التي اتبعها الرسول عليه الصلاة والسلام في إقامة الدولة الإسلامية عندما كان في مكة .. وكان في تصور الحزب أن الأمر لن يزيد عن ثلاثة عشر عاما ـ هي المدة التي قضاها الرسول في مكة قبل الهجرة ـ حتى تقوم دولة الخلافة من جديد ، ولكن انقضت حتى الآن أربعة أضعاف هذه المدة ، دون أن يظهر في الأفق أي مؤشر يشير لقرب قيام دولة الخلافة المرتقبة !
هل عليكم أن تنتظروا أربعة قرون أخرى لتصلوا بعدها إلى نتيجة منطقية تقول : أن هذه الطريقة لن توصلكم لشيء !
هنا تولى مضيفنا الحديث للرد على هذا الاستفسار ، وأفاض في شرح رؤية الحزب التوقيفية طريقة إقامة الخلافة ، لأن هذا من أساسيات الدين .
وأفاض أيضا في طرح رؤيته حول صوابية ومعقولية هذه الطريقة .
وركز في حديثه على أمرين ..
الأول أنه مهما طال الانتظار ، فإن دولة الخلافة من الممكن أن تقوم بيوم واحد .
الأمر الثاني أن دور الحزب ينتهي بمجرد قيام دولة الخلافة على أي بقعة من الأرض .

هنا سألته سؤالا استدارجيا ، قلت له : يعني أنه بمجرد إقامة الخلافة على أي رقعة من الأرض ، ستقومون بحل الحزب ، وتتحول بقية المهمة في التوسع وإقامة شريعة الله إلى الخليفة ومؤسسات الدولة ؟

أجابني بالضبط ، هذا صحيح .

هنا قلت له ضاحكا : ياأخي لماذا لم تحكوا لنا ذلك من الأول ، كي نقول لأحد التجار أن يشتري لكم إحدى الجزر النائية في أندونيسيا ، لتهاجروا إليها ، وتقيمون عليها دولة الخلافة ، وتوقفون كل هذه ( الزحمة ) من النشاطات والإصدارات والباينات التي يقوم بها الحزب يوميا .

الغريب أن تعليقي الساخر هذا أربكهم بعض الشيء ، وقاموا بالحديث عن أن الرقعة التي يجب أن تقوم عليها الخلافة من المهم أن تكون دولة قائمة ، لا رقعة نائية من الأرض .
قلت لهم : طيب ، لنفرض أنكم نجحتم في أن تقيموا الخلافة في دولة جيبوتي أو أفغانستان ، هل يمكن أن تشرح لي كيف ستقوم دولة الخلافة حينها بالتوسع وفتح الدول الأخرى ؟!

قالي لي أحدهم بغضب : ولم تحاول أن تختار أسوأ الدول وأضعفها كي تقوم الخلافة فيها !

الخلافة يجب أن تقوم في دولة قوية تملك إمكانات اقتصادية وعسكرية جيدة .
قلت مبتسما : ياأخي أنتم لم تضعوا اشتراطات لشكل الدولة التي يمكن أن تقيمو عليها الخلافة .
طيب لنفترض أنكم أقمتم الخلافة في دولة مثل الأردن أو سوريا ، ماهي الخطوة التي ستلي قيام الخلافة .

أجابني أحدهم : سنحاول بعدها التوسع لضم الدول المجاورة .

قلت : وهل تعتقد أن بقية الدول العربية ـ فضلا عن أمريكا وأوروبا ـ ستضع يدها على خدها وهي تراقبكم وأنتم تقيمون دولتكم ، وتبدؤون في التوسع لضم الدول الأخرى !!
صدام حسين لم يستطع البقاء في الكويت رغم علاقاته الوثيقة مع الغرب ، وأتى العالم من كل مكان لإخراجه من الكويت .. فكيف بكم وأنتم تكفرون الدول العربية ، وتلعنون الغرب صباح مساء !!

هنا تطوع أحدهم للحديث عن التوفيق الإلهي ، وكيف أن الله ينصر عباده الصالحين .

قلت له بلطف : ولكن ياسيدي الله أمرنا أن نقوم بتقدير الأمور ، وحسب موازين القوى ، لذا صالح الرسول عليه الصلاة والسلام كفار قريش في الحديبية ، ولم يقل : بما أن الله معنا إذن سنقاتل دون حسابات وتقدير .. وإلا لماذا خسرت طالبان بأفغانستان في حربها مع أمريكا . ولماذا خسرت المحاكم الإسلامية في الصومال في حربها مع أثيوبيا ..
خسروا لأنهم أساؤوا التقدير ، ولم يقيموا اعتبارا لحسابات الممكن والمتاح عسكريا وسياسيا .

قال لي : لايمكن المقارنة بين حزب التحرير وطالبان والمحاكم الإسلامية .
هؤلاء لديهم بدائية سياسية مفرطة ، وحزب التحرير يعتبر حزبا سياسيا متقدما في قدراته التحليلية والثقافية .

قلت : بمعزل عن تقييم القدرات السياسية ، إلا أن طالبان والمحاكم الإسلامية يرون إقامة دولهم الإسلامية بقوة السلاح ، ولم يفعلوا كحزب التحرير الذي يكتفي بإرسال خطابات إلى الزعماء وقادة الجيوش كي يقولوا لهم ـ وهنا استخدمت العامية اللبنانية ـ :" مشان ألله سلموا لنا الدولة حتى نقيم الخلافة " !!

قالوا بغضب :" إحنا بنقول لهم هيك " !!

قلت : إذا ماذا تسمون خطاباتكم التي أرسلتموها لمعمر القذافي ، ولعدد من قادة الجيش التركي ، ولسواهم ، تطالبونهم فيها بتسليم الدولة لكم كي تعيدوا إقامة الخلافة !
قالوا : هذه سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأنت ربما لاتعلم أن الشباب الذين سلموا هذا الخطاب لمعمر القذافي قام بقتلهم جميعا .

واستمر السجال لساعات على هذا المنوال .

ولم نشعر إلا وقد أمضينا مايقارب الأربع ساعات من النقاش ، دون أن نجاوز بعد هذا الموضوع الذي كنت اعتقد أنه مجرد مدخل للحوار . لكن يبدو أن مداخل الحوار مع حزب التحرير ليس لها نهايات .

وفي قرابة الثانية عشرة ليلا ، استأذنتهم بالانصراف ، بعد أن طلبوا أن نقوم بتكرار اللقاء لإكمال الحوار أثناء تواجدي في بيروت .

خرجت لأسير لبعض الوقت وسط هذا الحي الشعبي الهاديء ، بعد أن ركن الجميع إلى النوم ، ونسائم الطقس العليل تهب محملة برائحة البحر المنعشة .
والذهول الذي يملأ عقلي لايكف عن الضجيج لحجم الهوة الزمنية التي تفصل شباب حزب التحرير عن الواقع السياسي المعاش ..
ولكنني مع ذلك أكبرت فيهم ضخامة الطموح ، وصدق اللهجة ، وحرارة الصمود ، وزخم الاستعداد للتضحية ، من أجل حلم كبير ، نحتوا على جدرانه حروف دولة الخلافة ، شوقا لزمن القوة ، والوحدة ، والكرامة .

غادرتهم وصخب سؤال لجوج في داخلي يقول :
ماقيمة أن تسلبهم لذة الأمل ، وتزيل عن عيونهم غشاوة الحلم ؟!

هنا انتهت جداريته الثانية ليبدأ بخطوط الجدارية الثالثة من رحلته الثالثة إلى بيروت ..

لن أوافيكم بعرض للجدارية الثالثة بل سأنتقل بعدها لـ اللوحات القاهرية ..
:)

صبا نجد ..
16-04-2008, 12:53 AM
اللوحات القاهرية
كانت في رحلتين ..

الرحلة الأولى من 11 إلى 23 يناير
2006 م ..

لوحتها الأولى بعنوان /
حج إلى معرض الكتاب ..


كانت كما هو آت /
لا أدري كيف باتت القاهرة في داخلي جزءا حميميا من عصف الشتاء وروحانيته ..
منذ ثمان سنين وأنا أتردد عليها ساعة يهطل البرد ..
في الوقت الذي تُشرع فيه أبواب المعرض الدولي للكتاب ، آخر شهر يناير من كل عام ..


غدت رحلتنا كل عام لحضور معرض الكتاب أشبه بحج سنوي ، لايمكن أن نرتكب جريرة الغياب عنه ، مهما كانت الأسباب .
نكون عادة بين أربعة وثمانية أشخاص ، ونقضي مايقارب العشرة أيام .

ومنذ خمس سنين وأنا أسكن في نفس المكان ، فندق أم كلثوم في الزمالك . هذا الفندق يقع في عمارة مرتفعة تسمى ( برج أم كلثوم ) ، بُنيت على أنقاض فيلا أم كلثوم المطلة على النيل ..
يبدو هذا الفندق رائقا بعض الشيء ، حيث يرقد في منطقة هادئة كانت مقرا للأرستقراطية المصرية في ( الزمانات ) ، ويتميز بخلوّه من المرافق الليلية التي يرتادها رواد العالم السفلي .

تعرفت على هذا الفندق من صديق نزل فيه قبل سنين .. قال لي : ربما يبدو صعبا الحصول على الهدوء في القاهرة ، لكن ثمة مكان يمكن أن يمنحك شيء من ذلك ..
حين تدخل إليه ترى عددا من الصور والمقتنيات التي تخص أم كلثوم معروضة في أروقة هذا الفندق وصالاته ، وصوتها يتردد في بهوه وممراته .
حتى غرف النوم تم تسميتها بحسب أغنيات الست .. أضاف صاحبي ساخرا : يمكن لك أن تسكن في غرفة " الأطلال " ، فإذا ازدادت روماناسيتك في أحد المساءات يمكن أن تطلب المبيت في غرفة " سيرة لحب " ، أما إذا ارتفعت روحانيتك بعد صلاة جمعة في الأزهر ، فليس لك تلك الليلة إلا المبيت في غرفة " ياراحلين إلى عرفات " .

شاركني القدوم هذا العام في نفس الطائرة ، اثنان من الرفاق ، يوسف وأحمد .
كنت أترقب أول دخولنا إلى فندق أم كلثوم الاسم الذي سأعيش معه عشرة أيام ..
منحوني غرفة اسمها " حيرت قلبي " ..
الظريف في الموضوع أن الغرفة التي كتبها القدر ليوسف ـ وهو متردد في طبعه ـ كانت تحمل اسم أغنية " أروح لمين " .. قلت له : يجب أن تؤمن أن هكذا أمور لاتحصل جزافا ، هاأنت ترى برهان ربك ، ليعلمك أي تيه تعيش فيه يارفيق القاهرة .

أشياؤنا المقدسة في مساءات القاهرة لم تتغير أيضا ، عشاء متأخر على النيل ، ثم مقهى لتناول " أم علي " .
نسير بعد ذلك على الأقدام لمسافات طويلة في طرق القاهرة العتيقة ، بعد ن يخلد الجميع إلى النوم ، وسط صقيع يبعث في أجسادنا روحا يمازج الدفء الكامن في دواخلنا المشتعلة .. ثم ننهي ليلنا مع اقتراب الفجر في مقهى سيقما نت القريب من الفندق ، لنقضي ساعة تصفح للبريد وصحف الصباح .
مرة ونحن نتاول طبق " أم علي " ، أرسلت لزوجتي رسالة جوال قلت فيها :" قررت يازوجتي أن اعترف لك بالحقيقة مهما كانت تبعاتها ، أنا حين أقدم للقاهرة أسهر كل ليلة مع السيدة أم علي ، فأنا مغرم بها ، وأنتِ جديرة بأن تغفري لي نزواتي " ..
لكنني فوجئت صباح الغد أن الرسالة قد وصلت مقطوعة !
وكانت على النحو التالي :" قررت يازوجتي أن اعترف لك بالحقيقة مهما كانت تبعاتها ، أنا حين أقدم للقاهرة أسهر كل ليلة مع السيدة .............. وانقطعت الرسالة هنا !! "

وفي إحدى الليالي ، كنت أتسامر في غرفتي مع بعض الرفاق ، فاتصلت على مطعم الفندق ، وقلت للنادل : عاوزين أم علي ياباشا ..
أجابني النادل بظرافة : إديني ربع ساعة بس ، أزحلق أبو علي ، وأجيب لك أم علي ..

الجديد في رحلة هذا العام هو مشاركة يوسف ، الذي قرر أن يكتشف العالم الجديد هنا ..
عادة مانلتقي كل عام بعدد من المثقفين والسياسيين المصريين ، الذين تطورت العلاقة ببعضهم وغدت أشبه بالصداقة ..
ولأجل يوسف نفكر جديا هذا العام بلقاء المطرب الكبير شعبان عبدالرحيم ، حتى نتزود بشيء من ذائقته الموسيقية الرفيعة ، " على فكرة ، يوسف مغرم بالصخب حتى الثمالة ، أي نوع من الصخب ، ولو كان خليطا من عواء بعارين ، على صراخ أطفال ، على موسيقى أفريقية ، على صوت دريل يستخدمه عامل بناء ، على أصوات شخير ، أي شيء ، أي شيء " .

لأحدثكم قليلا عن يوسف ..
السيد يوسف قرر قبل عامين البدء بمسيرة اكتشاف العالم ، بعد أن اتخذ قرارا تاريخيا بإصدار جواز سفر ، وبعد أن أنهى جولته الخليجية قبل شهور ، قرر الهجرة لفتح مصر في وقت معرض الكتاب هذا العام ..
السيد يوسف كانت دوافعه ثقافية محضة . لذا قرر السفر إلى القاهرة بتاريخ 11 يناير والعودة لظروف طارئة ـ كما يدعي ـ في صباح 17 يناير " علما أن معرض الكتاب يبدأ في مساء 17 يناير " ..

ولكن المشكلة الاستراتيجية الرئيسية التي كانت تشغل باله ، تتمحور حول سؤال كبير ، يمكن تلخيصه في الجملة التالية " ماذا سيرتدي في القاهرة ؟!! "

أنا بدوري ولمعرفتي السابقة بذائقة يوسف المضروبة ، قمت بتحذيره قائلا : شوف ، إذا قدمت إلى القاهرة بملابس من أذواق الستينيات ، أو أي حركات "نص كم" على أمل أن تكون
" سبور" ، فإنني أعلن لك مقدما اعتذاري عن مرافقتك لأي زيارة لأحد المثقفين، وذلك لما سيترتب على شكلك من تبعات مدمرة !

أول ماوصلنا إلى القاهرة ، اختار لنا أحمد ـ باعتباره خبير في البلد ـ سائق تاكسي مضروب ، منحه الله قدرة على التحدث ستة آلاف كلمة في الدقيقة ، طبعا يوسف كن يلفه الذهول وهو يكتشف العالم الجديد ، صار كلما تكلم سائق التاكسي بحكاية سخيفة ، يلتفت إلي ويقول : وش يقول ؟؟!
وقمت في البداية بعملية ترجمة معقدة لإفهام يوسف المضامين الفلسفية في كلام السائق ، لكنني اكتشفت بعد ذلك أنه " مطوّل " ، وينوي متابعة كل سوالف السائق بدقة ، قلت له بعد أن فرغ صبري : هل تعتقد أنه يتحدث بلغة أفغانية !! .. بالله عليكم ياجماعة من لايعرف اللهجة المصرية ماذا تعلم في حياته !
في القاهرة اكتشفت أن ليوسف وجوها وأمزجة متقلبة ، وعنده بعض التصرفات ، إذا ماأردت أن تعرف كنهها ، تحتاج إلى اللجوء لتكتل من تسعة أطباء نفسانيين .

اكتشفنا أيضا في القاهرة ، طبيعة الساعة البيولوجية ليوسف ، وتداخلاتها الفكرية والأيدولوجية ، فيوسف في النهار يهوى الضجيج والإزعاج ، ويحب البهجة والتسكع في الطرقات ويسعى لاقتحام الأماكن المشبوهة !!
لولا تدخلنا في الأوقات الحرجة ، وفي النهار يردد دوما على مسامعنا " انتو مطاوعة " ، " خلونا نكتشف الدنيا " ................ الخ ..
ولكن بمجرد أن تتجاوز عقارب الساعة العشرة ليلا ، ويكون حينها قد انتهى من كل متع الحياة بحسب ماأتاحته الرقابة الأخلاقية الصارمة التي ضربناها حوله ، تبدأ عنده مرحلة مختلفة ، هي خليط من الهوى الجهادي والنزوع لليسار الثوري ! ، فهو يرى أن أيمن الظواهري هو أكثر نماذج الإسلاميين وضوحا في المنهج والمشروع ، وأن مواجهة الإمبريالية الأمريكية الشريرة صارت ضرورة إنسانية ، ويتحدث باستمرار عن وجوب استنهاض قوى النضال الثوري لصنع التحرر العالمي .. ثم لايكتفي بإتحافنا بآرائه المضروبة حول النضال والثورة ، بل يستمتع كثير عندما يمارس دور الواعظ وهو يكرر علينا : أنتم تفتقدون إلى كثير من الجدية !! ولاتعملون في مشروعات ثقافية مفيدة !!

في أحد المساءات حضر يوسف مع أحمد ندوة عن أزمة اليسار المصري ، ولم أستطع ساعتها مرافقتهما لارتباطي بموعد آخر ..
الندوة امتدت من الساعة السادسة وحتى التاسعة مساءا .. وحين التقيت بعد ذلك بيوسف سألته : ماأخبار الندوة ؟
عندها تقمص يوسف دور المحلل السياسي المرموق ، وقام يشتم المستوى المتدني الذي سمعه في هذه الندوة ، وأضاف : كلامهم سخيف وقديم ، لم يتجاوز بعد أطروحات اليسار في الستينيات ..
المهم أنه أعطاني انطباع سلبي عن الندوة ، طبعا لمعرفتي بدقة النقل التي يمتاز بها يوسف ، أحببت التأكد من كلامه ..
وحين قَدِم أحمد ، قلت له : هاه ، ماأخبار الندوة ، يوسف يقول أنها كانت " كلام فارغ " !!
عندها قال أحمد والدهشة تعلوه : أصلا يوسف كان نائما طيلة الندوة !!
وأضاف : المشكلة أن يوسف ـ وبعد انتهاء الندوة ـ كلما رأى أحدا وقف بقربه ، وقال له مع ابتسامة صفراء : أنا صحفي من الرياض !!
حتى كدت أظن أنه يعمل مديرا لوكالة رويتر للأنباء ، لامجرد " صحفي بالقطعة " يعمل متعاونا مع صحافة الدرجة الرابعة !
طبعا هذا بمعزل عن تخصصه الدراسي في الهندسة الكهربائية ، الذي لاأدري كيف استطاع إتمامه ، مع أن علاقته بالرياضيات تشبه علاقة أمي بدوري الكرة الليبية !

هنا انتهت أولى اللوحات القاهرية ..

:)

ماجد راشد
16-04-2008, 01:05 AM
لا زلت مستمتع بالمتابعة ، و رغم الأخطاء الإملائية بس معذورة و مقدرين جهدك بالكتابة

صبا نجد ..
16-04-2008, 01:15 AM
أهلا ماجد ..

حيّاك المولى ياكريم ..

أضفت اللوحة الأولى ماانتبهت إني ماراجعتها ..

ولما نزلت التعديل لقيتك سبقتني :)

وإن وُجدت أخطاء بعد التعديل فأرجو المعذرة ..
فأنا أمر بحالة "غير طبيعية" من الأخطاء الطباعية !

ومن لديّ على " المسن " يشهدون بذلك ..

فالمعذرة من الجميع ..


وأسعد الله قلبك برضاه ..

صبا نجد ..
17-04-2008, 03:35 PM
اللوحة الثانية /

كوميديا يوميّة اسمها
( سيارات الاجرة )


وهي كالآتي /

يوم الجمعة بدا مختلفا في القاهرة .. طوال النهار والمسجد المجاور للفندق يتلو أدعية وتراتيل عبر مكبرات الصوت .. والشوارع تبدو هادئة بعض الشيء .. حتى دوي السيارات بدا خافتا .. قررت أن أصلي الجمعة في الجامع الأزهر ، الذي يعد من أعرق المساجد وأقدمها في القاهرة ، وهو يتوسط منطقة الحسين الضاربة في القِدم ، وبجواره مقر إدارة جامعة الأزهر ..
وبسبب تاريخيّة المسجد وموقعه المهم ، تجري فيه كثير من النشاطات السياسية والخطب ، والتظاهرات ، وخصوصا بعد صلاة الجمعة .

وصلت إلى المسجد قبيل دخول الخطيب ، ولم يكن مزدحما كما ظننت ، لذا استطعت أن أجلس في مكان لايبتعد كثيرا عن منبر الخطبة .. دخل الخطيب بعد دقائق ، وبدأ بإلقاء خطبة كان فيها بادي الانفعال .. وعرج على قضايا المسلمين في فلسطين والعراق وسواها .. لكنه في خطبته أكثر من توجيه كلامه للأمة ، وكأنما كانت الأمة شخصا يشاركنا الصلاة ، وينتظر التوجيه من خطيب الجمعة ..

الظريف أنه بعد انتهاء الشيخ من الصلاة ، قام أحد المصلين المُعممين من وسط الزحام ، بإلقاء خطبة ارتجالية عصماء ، وبصوت مرتفع جدا أشبه بالصراخ ـ طبعا بدون ميكروفون ـ ، ضمّنها مجموعة من اللعنات لكل العالم الخارجي والداخلي الذين يتآمرون عليهم ، وبعد أن انتهى من خطبته ، قام بإخراج مجموعة أوراق كان يخفيها تحت رداء يلبسه ، ورماها بشدة باتجاه السقف ، لتتناثر على المستمعين المتزاحمين حوله ..
القدر حينها أشبع فضولي ، إذ جاءت إحدى الأوراق فوقي مباشارة " لأن الناس اختطفت الأوراق بشكل مريع " .
وإذ بالورقة عبارة عن بيان سياسي ، أصدرته حركة تطلق على نفسها اسم " حركة 14 مارس " أو تاريخ مشابه ، تضمن البيان حديثا عن الإمبريالية والاستعمار والخصخصة وسواها من مفردات تتكرر عادة في خطاب اليسار ..
بعد خروجي من الجامع اتصلت على أحد الأصدقاء المصريين المهتمين بتفاصيل المشهد السياسي المحلي ، وسألته عن ماهية هذه الحركة ، فقال لي :" دي حركة ماركسية ثورية تشكلت حديثا "
عرفت حينها أنها مجرد حركة يسارية مشابهة من ذلك النوع الذي يتم تفريخه يوميا . لأنه من المشهور عن اليساريين ، أنه إذا اختلف خمسة منهم على موضوع في أحد المساءات ، يتم الإعلان غدا صباحا عن تأسيس سبع حركات يسارية جديدة !!

طبعا لم يكن ذلك الماركسي الثوري الأزهري المعمم هو الخطيب الوحيد ، بل قام بعده عدة خطباء ، كان أحدهم مجدي حسين الأمين العام لحزب العمال المجمّد ، الذي يبدو أنه يخطب في الأزهر على الدوام عقب صلاة الجمعة .

بعد صلاة العصر ، قررت الذهاب برفقة يوسف إلى منطقة " الفِجالة " ، وهي عبارة عن عدد من الطرقات والأزقة الضيقة ، التي تحوي كثيرا من المكتبات القديمة ، مثل " مكتبة مصر " التي تُصدر عادة كل روايات نجيب محفوظ ، و " مكتبة نهضة مصر " و" دار المعارف " ، وعدد من المكتبات الأخرى ..
في وسط حارات الفجالة وطرقاتها تشعر بكثير من المتعة ، خاصة حين تتجول في أزقتها الضيقة ، التي لايتجاوز عرض بعضها المتر الواحد ، ، ومع ذلك هي مكتظة بعشرات الدكاكين المتخصصة في بيع القرطاسية والكتب ، إضافة إلى عدد من المقاهي المنثورة هنا وهناك ..
في دكان لأحد المسيحيين / مخصص لعمل رسومات وتماثيل " مريم العذراء " و "صلب المسيح " ، اقترحت على يوسف أن أشتري له هدية عبارة عن صورة لمريم العذراء ، وأوقع عليها " روح القدس تباركك وتخصك بالرعاية " .. ولكنه للأسف رفض عرض الهدية ، وقال : أنت ناوي توديني بداهية !!


في مساء هذا اليوم ، وباعتباره من أهم الصحفيين العاملين بالقطعة ، سألني يوسف : برأيك ماذا يمكنني أن أكتب عن القاهرة ؟
قلت له : اكتب عن سائقي السيارات السوداء ..

سائقو التاكسي هم أكثر من يكشف لك عن العالم الحياتي البسيط في أي مدينة ، بدون رتوش وأقنعة تسعى لإبراز شيء وإخفاء أشياء .. إضافة إلى أنهم يملكون وفرة في الثرثرة حول أي موضوع .
حاول فقط أن تتيح له مجالا للحديث طبعا هذا إن كان من النوع الذي ينتظر أن تتيح له مجالا حينها سيأتيك مالاراد له إلا الله !

مرة ركبت مع سائق تاكسي في ساعة متأخرة من الليل ، كان خطئي الوحيد أنني قلت له : الشوارع في القاهرة رائقة ليلا ..
الرجل سمى بالله وبدأ : شوف ياسيدنا ، مش كل سوّاء سوّاء ـ يعني سواق ـ ، سواء الليل بيختلف عن سواء النهار ، في النهار كل حد بيسوء ، أما بالليل مابيسؤشي إلا الناس الرايئة ، حتى الزباين بيختلفوا عن بعض ، البهوات مابيطلعوش إلا في الليل ، الناس في الليل بتكون مرتاحة وموراهاش حاجة ، كمان الناس بالليل بتدفع كويس ، ......... إلخ .
وكلام طوييل ، بعيد عنكم عبارة عن مقاربات في سيكلوجيات الكائن الليلي !

أمس ، وأنا عائد من المعرض ركبت في سيارة أجرة . يبدو أن سائق التاكسي وبكل أسف توسم في وجهي خيرا ، فراح طيلة الطريق يحكي لي أنه لم يشرب ( ويسكي ) في حياته !
وأنه رجل مستقيم و ( مالوش ) في الحشيش والمخدرات والحاجات دي أبدا أبدا ..
ويحكي لي بكل حماس ، ويردد كل فينة : تصدق بالله أن عمري ( ماشربتش حشيشة ) .. وأنا جالس بجواره أردد في داخلي : إنا لله وإنا إليه راجعون ، بعد أن عرفت أن الله ابتلاني بسائق تاكسي تربى في حي الباطنية الشهير بالمخدرات !!

مرة أزعجني سائق أجرة وهو يردد طيلة الطريق : شوف ياباشا أنا مستعد أجيب لك أي حاجة تطلبها ، يعني أي حاجة تخطر ببالك ، انتا تؤمر بس وأنا خدامك ، أي حاجة ياباشا ..
أحسست أنني من إلحاحه أصبت بغرغرينة في الدماغ ، فقلت له بعد مدة : أنا أريد منك شيئا واحدا فقط .
هنا أشرق وجهه وقال : إنتا تؤمر ، عاوز إيه ؟
قلت : عاوزك توصلني بسرعة وانتا ساكت !

قبل ثلاثة أيام قررت أن أتبع استراتيجية جديدة في تحديد ميكانيزمات العلاقة مع سائقي التاكسي ، تتمثل في أن أقضي وقتي بقراءة كتاب خفيف ، خاصة على الطرق الطويلة التي نسلكها يوميا بين المعرض والفندق ، لذا أخذت معي مذكرات جيفارا التي سماها " يوميات دراجة نارية " . ولكن سائق التاكسي الذي أرجعني في ذاك اليوم ، لم يعتقني لوجه الله ويتركني أقرأ بهدوء ، فبدأ يثرثر حول الإجراءات الأمنية المصاحبة لإحدى البطولات الرياضية المقامة في القاهرة ، وأنه شخص لايتابع المباريات لأنها كلام فارغ ........... إلخ ، وكلام آخر كثير ..
قلت له : " معليش ياباشا " عندي غدا امتحان مهم ، ويجب أن أدرس " وأشرت له إلى الكتاب "
وبحمد الله وتوفيقه نجحت الخطة ، وأكرمني عندها بسكوته .
أذكر مرة أنني قلت لسائق تاكسي كبير بالسن : أنت تشبه عبدالحليم حافظ .
عندها بدأ الرجل ومسك الخط : تصدق بالله أن كل العيلة عندنا " مابيسمونيش إلا سي عبدالحليم "، حتى عيال الحتة دائما ماينادونني بـ " عمو عبدالحليم " ، أنا مرة كنت في عزومة ولما الناس شافوني ....... إلخ ، طبعا لكم أن تتخيلوا بسهولة بقية الحكاية !!


وبهذا تنتهي اللوحة الثانية
:)

صبا نجد ..
23-04-2008, 12:19 AM
عذرا على التأخر ..

أكمل اللوحات القاهرية ..
اللوحة للثالثة بعنوان /
أحاديث السياسة
في مقاهي القاهرة القديمة


البارحة ، وأنا أسير نهارا في أحد الطرقات ، ألح علي صبي صغير يشتغل بتنظيف الأحذية ، على أن يقوم بعمل واجب الضيافة تجاه حذائي ، وكان حينها متسخا بعض الشيء ، فقلت له : إتوكل على الله ..
الولد بدأ يلمّع ، وينظف ، ويلف ، ويدور ، ويستخدم أحيانا مواد طبيعية من فمه ..
وبعد عشرة دقائق من الصراع مع الحذاء ، ظهرت النتيجة ..
الصبي ـ والشهادة لله ـ كان يملك قدرات استثنائية على زيادة اتساخ ماهو متسخ أصلا ، وعلى إخفاء اللون الحقيقي لحذائك ، وعمل موديل جديد على الموضة ، يتمثل في جعل حذائك مكون من أربعة ألوان ، موزعة حسب الجغرافيا الجلدية !!

وحين التقيت مساء بالدكتور جمال عبد الجواد ، حكيت له قصة الصبي الإسكافي ..
فحكا لي د. جمال قصة مشلبهة ، قال : كنا في الصيف الماضي في رحلة مع مجموعة من الأساتذة والباحثين في المركز ـ يقصد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ـ إلى شرم الشيخ ، وكانت رحلتنا في حافلة كبيرة ، وبعض الأساتذة الذين معنا كانت زوجاتهم أمريكيات ، احتاجت إحداهن إلى دورة المياه ..
قلنا للسائق : هل يمكن أن تتوقف عند أقرب دورة مياه من أجل السيدة ؟
(وماتخجلناش مع الخواجات)
أخبَرنا السائق أنه لايمكنه التوقف ، وقال : في آخر الحافلة دورة مياه يمكن للسيدة استخدامها ..
يقول د، جمال : رأيت دورة المياه الموجودة في آخر الحافلة وجدتها في غاية القذارة .. قلنا له : مايصحش ياعم دا الحمام مش نظيف !!
قال لنا السائق وهو غاضب : إزاي أنا منظف الحمام بنفسي ، وهو زي الفل !

عندها قال د. جمال ببحة صوته الجميلة وهو يبتسم : هو لم يكذب علينا ، هو قام بتنظيف الحمام فعلا !!
والحمام زي الفل فعلا !
لكن وفق معايير الجودة لديه ..
الصبي الذي قام بتنظيف حذائك قام بكل مايمكنه القيام به فعلا ، ربما شيء واحد لم يصارحك به ، هو أن حذاءك قبل تنظيفه كان أنظف مما تستطيع أن تفعله قدراته الشخصية !!

بصراحة طربت لفكرته كثيرا ..

د. جمال عبدالجواد شخصية في غاية اللطف .. يرأس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية .. وهو يمتلك قدرات رائعة في التحليل السياسي ..
مرة دعانا للتجول سويا .. برفقة أحد الأصدقاء .. في بعض حارات القاهرة القديمة .. وأثناء تجوالنا كان يشير إلى بعض المقاهي التي نمر بها ويقول : هذه "قهوة التقدم " يجلس بها عادة اليساريون الثائرون على سياسات حزب التجمع اليساري .. وهذه " قهوة الطليعة " يجلس بها بعض الفنانين ..
وهذه "قهوة شباب مصر " يجتمع بها عادة بعض الناصريين ومؤيدي حركة كفاية ..
أما نحن فجلسنا في آخر التجوال في " قهوة دار الثقافة "
وقضينا فيها ثلاث ساعات مكتظة بالحوار حول شؤون السياسة العربية ، وكانت من أمتع لحظات تلك الرحلة ..
أذكر أننا بعد جلوسنا بمدة ، طلبت من النادل أن يقوم بتصويرنا ، قلت له : تعرف تصوّر ؟
أجاب : أمّال ، طبعا بعرف !
ومن أجل توفير بعض الوقت ، قمت معه لأخبره بكيفية التصوير بالكاميرا ، وقلت له : ماشي يامعلم خلاص عرفت ازاي تصور ؟
وجلسنا ننتظر المعلم يصور .. يالله يامعلم .. ماتصور ياباشا .. لكن الأخ اكتفى بوضع الكاميرا على عينه دون أن يفعل شيئا !!
قمت عدة مرات لأرى إن كانت الكاميرا قد سجلت أي صورة جديدة .. والنتيجة لاطبعا ..
بعد أن مللت قلت له : خلااااااص ، شكرا يامعلم ، كلو تمام ، شكرا لك ..
ولما سألني د. جمال : هل تم هذا المشروع التاريخي بنجاح ؟
قلت له : للأسف كان الفشل حليفنا ، لم يلتقط أي صورة !!

وبعد جولة أخرى من الشاي والنقاشات ، وبعد أن بدأ يخدم طاولتنا نادل جديد ، قلت لرفاقي : لنجرب حظنا هذه المرة ، ولأن المكان كان مشبعا بعبق القاهرة القديمة ، لم أرغب أن تفوتني فرصة التصوير فيه ..
ومرة أخرى سألت النادل الجديد : يامعلم تعرف تصور .. أجاب : أكيد ، طبعا بعرف !
طيب ممكن تصورنا من هنا .. وقمت معه ، وأعطيته دورة تدريبية أخرى !
وعدت إلى مكاني .. يالله يامعلم .. ماتصور ياباشا .. ومرة أخرى يضع النادل الكاميرا على عينه دون أن يبدي حراكا .. وبعد أن اجتاحني الملل من جديد ، وأدركت حرج المرحلة وصعوبة الموقف ، ودقة الظرف الاستراتيجي ، قلت له : خلاااص ، شكرا يامعلم ، أعطني الكاميرا أرجوك !
طبعا كانت المفاجأة حين رأيت الكاميرا ، وإذ بـ"المعلم " كان قد صورنا ثماني عشرة صورة متتابعة !!
طلع الأخ ضاغط على زر التصوير دون توقف ، حتى انتهى الفيلم !
قررت بعدها أن أفتح دكانا متخصصا في بيع صور مقهى دار الثقافة في القاهرة القديمة ..
أسرع فالكمية محدودة ..

هذا ويتبقى من هذه الرحلة لوحتين
الرابعة تحت عنوان /
إجراءات أمنية .. وتمويه حركي ..
قبل لقاء شباب الإخوان

والخامسة والأخيرة بعنوان /
محاورة على وقع الفطير المشلتت ..

سأنتقل بعدها بحول الكريم وقوته إلى الرحلة الثانية
من 23 يناير إلى 3 فبراير 2007 م

:)

صبا نجد ..
08-05-2008, 11:41 PM
عذرا على التأخر ..

نبدأ في اللوحات القاهرية من الرحلة الثانية ..

اللوحة الأولى بعنوان /
رئيس حزب سياسي
يطلب مني العمل في الرياض !

خطوطها كما هو آت /
القاهرة من جديد .. تقبل الله طاعاتنا

رغم محاولات فيصل المتكررة ألا أكتب شيئا عن يوميات هذه الرحلة ، لأنه يريد أن يتحرك بحرية ، دون أن يكون أحدنا ـ كما يقول ـ رقيبا على تصرفاته وأفعاله !
ورغم أن أكبر نشاط يقوم به فيصل حتى الآن لم يتجاوز تناول الغداء في مطعم على النيل ، وحديثه الدائم عن رؤاه الشرعية والفلسفية !
إلا أنني قررت تجاوز هواجسه الطهورية هذه والكتابة مجددا ..
السبب طبعا لأن فيصل كان أول من انتهك " اتفاق الشنبات " في الرياض ، بإن يدع نبوءاته ورؤاه الفلسفية العظيمة في الرياض ..
ورغم أن جميع الرفاق استبشروا بمشاركة الشيخ فيصل هذه المرة في حجنا السنوي إلى القاهرة ، لأنه ـ وباعتبار تخصصه في الدراسات الشرعية ـ كان قد سرّب للجماهير أخبارا عن نيته تقديم مجموعة من " التسهيلات الدينية " ، وأن فضيلته سيشارك في هذه الرحلة تحت شعار " افعل ولاحرج " ، إلا أنه لم يفِ بوعوده ، ولم تتلق الجماهير حتى الآن أي تسهيلات تذكر .
باستثناء الأرستقراطي العريق أحمد الذي قرر السكن في فندق خمس نجوم ..

برفقة يوسف وأحمد وصلنا يوم الثلاثاء .. صديقنا أيمن كان قد سبقنا بيوم ، وفضيلة الشيخ فيصل انضم إلينا نهار الخميس .
عند وصول فيصل ، أحسست أن يوسف بدأ يشعر بالهيمنة على القرار السياسي للرحلة ، بعد أن صار يملك أغلبية برلمانية مريحة . لذا قرر أن يضعنا مباشرة في نهار الخميس أمام محك ديمقراطي حقيقي ، حينما طالب بالتصويت على أن نتناول طعام الغداء في مطعم رآه سابقا على النيل ، وكان يعج بدخان الشيشة ، وقد رفضنا دخوله من قبل ، رغم تأكيداته الدائمة بأن رغبته لاتتجاوز حدود الفضول الصحفي وحب الاستكشاف !!
وخضوعا للرأي الشعبي ذهبنا إلى ذلك المطعم .. ورغم خيبة أمل يوسف ، بعد أن اكتشف أن الموضوع لايتجاوز ماهو موجود في مقاهي الشيشة المنتشرة على أطراف الرياض ، وأن أي أمور تتجاوز ذلك ستكون محظورة بقوة الدستور ! ، إلا أننا بلا شك استمتعنا بطعام الغداء ..
برفقة أحمد صليت الجمعة في الأزهر ..
دخلنا الأزهر وجلسنا خلف المنبر ببضعة أمتار .. بعد دقائق دخل خطيب الجمعة ، وتحدث في خطبة هادئة عن دروس تربوية من الهجرة النبوية .. بعد الخطبة وقف مجدي حسين ـ الأمين العام لحزب العمل المجمّد ـ على دكة مرتفعة في وسط المسجد ، وبدأ يلقي خطبته السياسية والدينية المعتادة ..
طبعا لست في حاجة إلى أن أعيد عليكم تفاصيل خطبته التي تعرفونها .. مجموعة من الشتائم لكل العالم " الغرب ، الحكومة ، الإمبريالية ، العلمانيين ، الأقباط ... الخ " ..
وهو كعادته يبدأ تحذير الناس من الهجمة الشرسة التي تستهدف الإسلام في مصر ، وينتهي بلعن من تسببوا بخصخصة القطاع العام " لايستطيع إخفاء اشتراكيته " !!
المشكلة أنه لايجد حرجا في تكرار بعض المعلومات المضروبة ! ، يقول مثلا أن ماتم بيعه حتى الآن من القطاع العام هو بقيمة 800 مليار دولار ، وأن الحكومة باعته ببضعة "ملاليم " كي يستفيدوا من ورائه .. ربما هو لايعلم أن هذا المبلغ الضخم 800 مليار دولار يتجاوز الدخل القومي لمصر لأكثر من عشرين سنة !!

غدت الغوغائية حرفة أصيلة لبعض السياسيين !
هل حدثتكم سابقا عن قصتي مع رئيس حزب الأحرار ؟
قبل ثمانية أعوام ، كنت في القاهرة وقت معرض الكتاب ، وبرفقة بعض الأصدقاء ، وكان من أهداف رحلتي تلك البحث عن محرر صحفي جيد ،
يستطيع القدوم إلى الرياض للعمل في مشروع صحفي ناشيء .. وقبل قدومي قمت بنشر إعلان صحفي بهذا الخصوص في جريدة الأهرام ، ذكرت فيه أن من أهم مواصفات الصحفي المتقدم أن يكون شابا صغيرا في السن ، ومتخصصا في الصحافة ..
المهم أثناء إجرائي لمقابلات المتقدمين ، فوجئت بتقدم أشخاص لايطابقون المواصفات المطلوبة على الإطلاق ! ، وأظنهم يقومون بالتقدم على كل الوظائف المعلنة ، ولافرق في ذلك بين وظيفة ميكانيكي سيارات ووظيفة خبير في البرامج النووية !! .
بعضهم كان كبيرا جدا في السن ، والبعض الآخر لا أظنه ينجح في كتابة اسمه دون أخطاء إملائية ، وآخرون أتوا للمقابلة ووجوههم تنضح بتعبير يقول :" يجب أن تشكروا الله كثيرا على أننا قبلنا العمل لديكم "!!
وقد يبدو كل هذا مقبولا أمام غرابة أحد المتقدمين .. هذا المتقدم قام بتعريفي بنفسه على أنه " رئيس حزب الأحرار " !!
وحين رأيت مجلة كانت برفقته ، وجدت اسمه ممهورا بتعريفه كرئيس لحزب الأحرار !
قلت له باندهاش :" يامولانا إنتا عارف إيه الوظيفة ؟! "
قال : نعم .. محرر صحفي " حيروح السعودية "
قلت له ضاحكا : ليه إنتا نويت تقفل الحزب ؟
الغريب أنه رغم امتعاضه من سؤالي " البايخ " ، إلا أنه قرر مواصلة المقابلة !!
طبعا بعد ذلك عرفت أن هذا المتقدم هو أحد الرؤساء المفترضين لحزب الأحرار ..
لأن الحزب في ذلك الوقت شهد عدة انقاسامات ، وكان هذا المتقدم رئيسا لأحد هذه الأقسام !
أحزاب تبيّض الوجه !!
تقاليدنا اليومية لم تتغير في هذا العام أيضا .. المعرض ، ثم غداء على النيل ، تليه أي لقاءات ثقافية ، أو مواعيد مع أصدقاء .
وفي آخر الليل العشاء ، مردوفا بطبق ( أم علي ) ، ثم السير على الأقدام لمسافات طويلة حتى نصل إلى الفندق ، ونختمها بتصفح البريد وصحف النهار في مقهى سيقما نت .
الغريب أنه رغم كل المتغيرات الكونية وتحولات النظام الدولي ، إلا أن ( أم علي ) لازالت طبقا مقدسا كل ليلة ..
يوسف صار في هذه الرحلة أول من يبادر بتذكيرنا بطقسنا الليلي . ولا أدري إن كان انجذابه لهذا الطقس خاليا من النوازع البيولوجية !
لذا لا استطيع الجزم إن كان يوسف سيبقى على حرصه فيما لو تغير اسم الطبق إلى ( أبو فرغلي ) على سبيل المثال !!


:)