PDA

View Full Version : أديب فرنسا الساخر .. موليير



Ophelia
08-05-2008, 10:53 PM
http://upthings.googlepages.com/moliere.jpg







لما أخذ الفرنسيون في كتابة الملهاة جعلوا غايتها أول الأمر الإضحاك، ولم يرتفع بها إلى الفن الأدبي الرفيع إلا موليير، وهو عند الفرنسيين أديب فرنسا غير مدافع والذي استطاع أن يمثل بأدبه وروحه خصائص الشعب الفرنسي


وأن يخلق لنا أدباً عالميا ممتازاً


موليير


ولد "جان بابتست بوكلان" الذي اختار لنفسه فيما بعد اسم (موليير) ببارس سنة 1722 من أب يشتغل بالتجارة ويعيش في يسر وسعة، وفقد أمه وهو في العاشرة من عمره وتعهده أبوه تعهداً حسناً فاختار له كلية (الجزويت) في كليرمون فدرس ثمة عيون الأدب القديمة، وكانت الكلية تعنى باللاتينية أكثر مما تعنى بالاغريقية، واتصل هناك بالفيلسوف (جلسندي) وتأثر بكثير من آرائه الحرة وبعد ان أنتهى من دراسته بالكلية قضى عاماً في دراسة البلاغة، وعامين بعد ذلك في دراسة الفلسفة، وكان في أثناء دراسته للفلسفة ينعم بقسط من الحرية مكنه من التردد على دور التمثيل فيشهد بعض المسرحيات الهزلية الشعبية، وقد استهواه المسرح، ولكنه لم يفكر في إنهاء دراسته بعد فالتحق بمدرسة الحقوق بمدينة (أورليان) ونال إجازتها ومع هذا فقد أراد له أبوه أن يخلفه في تجارته، وأن يتصل بالقصر كما كان متصلا به في صورة متعهد، وقد شغل هذه الوظيفة مدة ضاق فيها بحياة القصور والسير في ركاب الملوك ومزاحمة الحجاب والخدم على إرضاء سيد القصر، وقد أبت طبيعته الفنية ذلك، وشاء له القدر أن يتعرف على أسرة "بيجار" التي تحترف التمثيل فربط مصيره بمصيرها، وأرسل إلى والده وهو في الحادية والعشرين من عمره ينبه عن تخليه عن وظيفته بالقصر ورغبته في الاشتغال بالتمثيل، وسأله أن يرد عليه شيئاً من المال الذي خلفته له والدته . وقد غضب الأب غضباً شديداً لهذه العزيمة ولكنه لم يحرمه ميراث أمه فأعطاه بعض المال ونفض منه يديه، وقد أنفق موليير هذا المال في دعم حياته المسرحية. ولكنه باء بالإخفاق وتراكمت عليه وعلى شركائه الديون. وكاد طالعه النحس يفضي به إلى السجن، وأخيراً اعتزمت الفرقة أن تجرب حظها في الأقاليم فغادرت باريس، وظل موليير بعيداً عن تلك المدينة العظيمة يجوب أرجاء فرنسا كلها مدة اثني عشر عاماً، وقد أفادته هذه السنوات في حياته المسرحية فائدة جليلة، لأنه تمرس بأصول الفن المسرحي، وعرف كثيراً من العادات واللهجات وشتى ضروب الحياة مما كان له أكبر الأثر في كتابته. وقد عرف في هذه الحقبة موهبته على حقيقتها وأنه لا يصلح للأدوار الجدية وأنه خلق للتمثيل الهزلي، ولم يفكر حتى ذلك الوقت في التأليف المسرحي، ثم أخذ يكتب فصولاً قصيرة لتسلية الجمهور وبعث الضحك ولم تكن هذه الفصول ذات بال من الوجهة الفنية، ولكنها أطلعته على مقدرته في إثارة الضحك، وأخيراً كتب ملهاة "المشدوه" من خمسة فصول ومثلت بمدينة "ليون" أول الأمر، وقد لاقت نجاحا عظيما حينما مثلت بباريس بعد ذلك. وقد رأى موليير أن باستطاعته أن يكتب للمسرح، وأن يسخر ثقافته الواسعة، وتجاربه الكثيرة لخدمة الأدب، وألا يكتفي بالتمثيل.

وأخيراً انتقلت الفرقة إلى باريس في عام 1658، وهو في السادسة والثلاثين من عمره وقد سبقته إليها شهرته وصيته، وفي القصر مثل موليير لأول مرة بعد عودة "نيكوميد" لكورني والطبيب العاشق لموليير وقد صادفت الأخيرة نجاحاً عظيماً وضحك الملك لها ضحكا لم ينسه بقية حياته وأمر بأن تخصص إحدى قاعات فرساي لهذه الفرقة التمثيلية الناجحة.


ومن ثم أخذ موليير يزداد حماسة في نتاجه الأدبي ويخرج المسرحية تلو المسرحية حتى استطاع في مدى خمسة عشر عاماً بقيت له من حياته أن يؤلف ثمانياً وعشرين ملهاة مع أنه كان مشرفاً على إدارة الفرقة، ويقوم بتمثيل أصعب الأدوار في مسرحياته، ولذلك لم تحتمل بنيته كل هذا المجهود فقضى نحبه في فبراير عام 1673 وهو يمثل دوره في آخر مسرحيته (المريض الموهوم).


وقبل أن نتكلم عن فن موليير ومسرحياته يجدر بنا أن نلقي نظرة عابرة على بعض المؤثرات التي وجهت فنه وطريقته وجهة خاصة وجعلته يخرج خروجاً واضحا على تقاليد المدرسة الاتباعية في كثير من الأمور؛ ولقد عرفت آنفاً أنه قد تثقف ثقافة عالية، ودرس آداب القدماء دراسة مستفيضة، وحذق فن البلاغة وتعمق في دراسة الفلسفة، ولكنه اكتسب من مناقشاته للفيلسوف الفرنسي المعاصر له (جلسندي) كثيراً من آرائه الحرة ودرس الحقوق وأفاد منها قوة الحجة ونصاعة البيان، كما عرفت أنه أفاد من رحلته بفرقته خلال اثني عشر عاماً في جميع أرجاء فرنسا فوائد لا تحصى جعلته يفهم الحياة على حقيقتها، ويخالط كثيراً من أفراد الشعب ويعيش عيشتهم ويتقن لهجاتهم، ويتعرف على أخلاقهم وعاداتهم ودخائل نفوسهم، ولقد كان لهذا أثره العظيم في فنه، ومن المؤثرات الواضحة على نتاجه زوجته (أرماند بيجار) وهي فتاة لعوب من تلك الأسرة التي ربط مصيره بمصيرها، وكانت أسرة (بيجار) متحللة شأن المشتغلين بالمسرح حينذاك، وقد كانت أرماند ربيبته تقريباً تصغره بعشرين عاماً، إذ كان في الاربعين وهي في العشرين، وكانت جميلة لعوباً، فلم تحافظ على أواصر الزوجية وحقوقها، وكان سلوكها يصير في نفسه الغيرة، ويضرم النار في أحشائه. ولقد كان لهذه الحياة الزوجية التعسة أثر بالغ في نتاج موليير، ونظرته إلى النساء. لقد كان يستلهم في نتاجه إحساسه ومشاعره وحياته وحياة زوجته، ويسخر من نفسه ومن يقرأ روايته (مدرسة النساء) يجد فيها صورة من حياة موليير وآراءه في الزواج، فقد أدرك خطأه بزواجه من فتاة تصغره بسنوات كثيرة، وأدرك أن الحيطة الشديدة، والتعليمات الصارمة التي تلقى على الزوجة مع هذا الفارق الكبير في السن لا تجدي شيئاً لأن عاطفتها وأنوثتها سيدفعانها إلى شاب في مثل سنها.

لقد صور موليير نفسية أرنولف تصويراً بارعاً عميقاً وأجاد كل الإجادة في تصوير العواطف المصطرعة وأبرز فكرته الفلسفية التي تكمن وراء هذه المسرحية بوضوح وجلاء ألا وهي: إن الغريزة الطبيعية تدفع الشباب إلى الشباب، وإن فضيلة المرأة لا تقوم على جهلها بالرذيلة فحسب فمن لا يعرف الشر كان حريا أن يقع فيه. وقد اعتبرت هذه الملهاة من أجود نتاج موليير. ونرى كذلك كل حياته الزوجية التعسة في مسرحية (كاره البشر) فقد صور جانباً من نفسيته في (إلسست) بطل هذه الرواية ومثل زوجته في (سليمين).


وثمة عامل آخر كان له أثر قوي من نتاج موليير ألا وهو حماية الملك له من أعدائه الكثيرين، فقد مكنته هذه الرعاية من أن يمضي في نتاجه الأدبي على طبيعته لا يلوي على شيء ولا يحفل بأحد، وينقد المجتمع كما شاء له فنه، ولولا هذه الحماية وذلك التشجيع لقضى عليه أعداؤه من أول وهلة وكانوا أشداء أقوياء، بل كانوا أعظم شيء في فرنسا بعد الملك. لأنه عادى الطبقة الارستقراطية وسخر منها سخريات بالغات لاذعات جعلها تحنق عليه حنقاً عظيماً. ترى ذلك في مسرحيته (النساء المتحذلقات) ، وفي (دون جوان) وعادى رجال الدين والمنافقين في رواية (ترتوف) وعادى الأطباء في رواية (الحب المداوي) وكانت سطوة رجال الدين لا يستهان بها ولولا أن الملك أضفى عليه حمايته لما نجا من أيديهم، ولقضى على مستقبله المسرحي. أضيف إلى ذلك أنه عادى طبقة النبلاء وسخر منهم من تأنثهم وتفاهة شأنهم وفسقهم في كثير من رواياته تجد ذلك في كاره البشر وفي النساء وفي المتحذلقات ودون جوان وغيرهما، وعادى أثرياء الطبقة الوسطى من الشعب الذين لم يقنعوا لما لديهم من مال بل راحوا يحاولون اكتساب الوجاهة وتقليد الطبقة الارستقراطية كما ترى هذا في "السيد البرجوازي" وعلى العموم فقد وضع موليير نفسه في عداء مع مجتمعه ينقده بحرارة وقسوة، فتألبت عليه فئات كثيرة، كما نفس عليه الأدباء نجاحه ومكانته لدى الملك، وكان كل هذا كفيلا بأن يحطم قلمه ومسرحه لولا أن ظلله الملك بحمايته، ولكن هذه المكانة جنت عليه أحياناً فقد كان الملك بطلبه بين الفينة والفينة أن يكتب مسرحية مضحكة خالية من تلك التحليلات النفسية العميقة غير متقيدة بأصول الفن، وكان عليه أن يرضيه فجاءت بعض ملاهيه تهريجاً Farce بعيدة عن الفن الرفيع، ومن أمثال هذا الضرب من المهازل (الزواج بالاكراه) و (الطبيب رغم انفه).



يتبع..



المصدر:


المسرحية


نشأتها وتاريخها وأصولها


تأليف


عمر الدسوقي





خير للإنسان أن يكون في عداد المجانين من أن يكون العاقل وحده..




أحمق جاهل أفضل من أحمق متعلم



كم هو مزعج ألا يسمح القانون للمرأة بتغيير زوجها كما تغير قميصها



أعيش على حساء جيد.. ليس على كلمات منمقة



أفضل النقيصة المبهجة على الفضيلة المملة



نحن لسنا مسؤولون عما نفعل فقط وإنما عما لم نفعل أيضاً



دور الملهاة أن تصلح أخطاء الإنسان من خلال إضحاكه



الشجرة التي تنمو ببطء تحمل الفاكهة الأفضل



الكتابة كالبغاء، في البداية تمارسها من أجل الحب، ثم من أجل بضع أصدقاء، ثم من أجل المال..


من يستطيع أن يمسك بي وأنا متلبس بالجرم المشهود يتعلم كيف يستفيد من زلتي ليسير في الطريق القويم

لا أطلب من المرأة الصالحة سوى حلو الكلام والتضرع إلى الله والطبخ والخياطة وسائر الأعمال المنزلية

أحبذ أن تكون زوجتي بلهاء وبشعة، وأن لا تكون حسناء كثيرة الفطنة والفتنة ومستبدة طاغية

قد تنزلق المرأة الذكية إلى ارتكاب الخيانة أحياناً إذا تجاسرت على خلع العذار.أما البليدة الطبع فإنها لا تحجم عن اتيان المنكرات في اغلب المناسبات ربما بدون قصد وتصميم.




سنحاول في هذه الصفحة أن نتعرف على هذا الساخر ونقرأ أدبه الذي سخر فيه من فئات اجتماعية عديدة.. من رجال الكنيسة المنافقين ومن النساء المتحذلقات ومن الأطباء الفاشلين ومن الارستقراطيين وغيرهم ...

موليير الأعمال الكاملة المجلد الأول (http://www.4shared.com/file/20940542/4df914c3/__online.html)
موليير .. الاعمال الكاملة المجلد الثانى. (http://www.4shared.com/file/34728886/a6e29437/_____.html?dirPwdVerified=da17f0f5)
موليير .. الاعمال الكاملة المجلد الرابع. (http://www.4shared.com/file/34730586/56ee063b/_____.html?dirPwdVerified=da17f0f5)

القـــوس)
09-05-2008, 10:09 AM
متألقه سيدتي

م ش ا ك س
09-05-2008, 03:26 PM
شكراً أوفيليا

عمر بك
09-05-2008, 03:42 PM
يبدو لي أنه سيكون موضوعاً رائعا ..

اخترت مسرحية المتفلسفتان السخيفتان , حيث يبدو لي من العنوان أنها جميلة وساخرة :p

شكراً أوفيليا .

Ophelia
09-05-2008, 07:04 PM
^
^
وأنا سأختار مسرحية "نساء متحذلقات" حيث يبدو لي أنها تمدحنا كثيراً :biggrin5:



.
.

أشرنا في مبدأ حديثنا عن موليير إلى أن عوامل كثيرة جعلته يخرج في كثير من الأمور على تقاليد المدرسة الاتباعية، وجدير بنا أن نشير في هذا الموضع إلى تلك الأمور في إيجاز، فنرى أولاً: أن موليير عنى بالموضوعات الاجتماعية عنا باللغة وعنى بتصوير عصره ونقده، وإبراز محاسنه وعيوبه مجسمة، على خلاف ما أثر عن المدرسة الاتباعية من لجوئها إلى الأدب القديم – اليوناني والروماني – تستمد منه الموضوعات كما رأينا لدى كورني وراسين. وقد دفعته عنايته بالمجتمع إلى إهمال التاريخ فلم يلجأ إليه. وإنما لجأ إلى حياته المعاصرة، على عكس ما عرفت به المدرسة الاتباعية؛ إذا لم تكن تحفل بالحياة المعاصرة ولا بالمجتمع ولعل طبيعة الملهاة لها أثر في هذا التوجيه..



ونجده ثانياً يختار شخصيات أبطاله من أواسط الناس بل نراهم أحياناً من الطبقة الكادحة العاملة كشخصية سنجاريل الحطاب التي أدخلها موليير في مسرحية (طبيب رغم أنفه). لم تكن الشخصيات الرئيسية لدى موليير شخصيات خرافية أو متخيلة يضفي عليها صفات العظمة والإرادة التي لا تفل والعزيمة التي لا تلين، ولكنها شخصيات واقعية، وإن جسم صفاتها وضخمها ليبعث منها السخرية ويثير الضحك، وهو في هذا يخالف ما رأيناه لدى كورني وراسين فشخصيات مآسيهما من الطبقة العليا من الشعب، اشتهر بعضهم بالعظمة وبعضهم بالشجاعة الخارقة.. الخ ما كان يخلع على أفراده هذه الطبقة من صفات في القرون الوسطى.



ومن الأمور التي لم يتقيد فيها موليير بتعاليم المذهب الاتباعي أنه كان يكتب بعض ملاهيه نثراً كملهاة البخيل، وهذا ما لم يفكر فيه الاتباعيون، ولقد سخر منه هؤلاء سخرية عظيمة وعدوا ذلك عجزاً منه، بل إن الجمهور قابل مسرحية البخيل بفتور بالغ أول الأمر، لأنه لم يتعود المسرحيات النثرية ولا سيما المسرحيات ذات الفصول الخمسة كهذه الرواية. ولعل موليير نظر إلى طبيعة الملهاة وأنها ألصق بالحياة المعتادة من المأساة، وأن الشعر ليس لغة التخاطب في حياتنا اليومية، وكان واقعياً في اختيار النثر وليست مسرحية البخيل بالمسرحية الوحيدة التي لجأ فيها إلى النثر، ولكن معظم ملاهيه جاءت شعراً.



ومما جعله قريباً من الواقعية متنكراً لبعض تعاليم المذهب الاتباعي أنه أجرى على لسان أبطاله والشخصيات التي أدخلها في مسرحياته اللهجات المحلية الخاصة بكل منهم، بل كان يستعمل بعض الكلمات الدخيلة، وقد ثار عليه علماء الأكاديمية لهذه التحلل من الأسلوب ، وثار عليه نظراؤه من أصحاب المذهب الاتباعي، ولكن غيرهم رأى في أسلوب موليير عاملاً من عوامل القوة في ملاهيه حين اعرض عن أسلوب الطبقة الراقية ولغة الأدب وهو يجري الكلام على لسان خادم أو فلاح أو صانع، ورأوا أن هذا يجعل الصورة صادقة واضحة قريبة من الواقع.



وقد أفضنا في حديث الواقعية ولغة المسرح في غير هذا الموضع. على أن موليير كان يخطئ في اللغة أحياناً ويتحلل من العروض لا عن عجز وهو من هو في علمه وثقافته ولكن عن محاكاة، وقد أرجع بعضهم ذلك إلى سرعة الانتاج وعدم التفرغ للأدب لأنه كان يدير الفرقة ويمثل ويكتب لها، وكان يضطر أحياناً إلى كتابة مهزلة في أيام لشدة حاجته وحاجة فرقته إلى المال ولذلك كان لا يعاود النظر فيما يكتب ولا سيما في مهازله أما ملاهيه فكانت في الغالب ذات لغة منتقاة وله فيها فقرات تعد آيات في البلاغة وسمو الشاعرية.



ومن الأمور التي خرجت على قواعد المذهب الاتباعي أنه لم يعن في بعض مسرحياته بأن تكون لها عقدة أو حبكة قصصية، وقد نجحت بعض هذه المسرحيات نجاحاً باهراً، لأنه قدم صورة حية من الحياة تعتمد على إثارة انتباه الجمهور بما تعرضه من مناظر جذابة فكهة ومن حوار طريف ونقد ساخر لاذع أكثر من اعتمادها على العقدة، وإن كانت العقدة ألزم للملهاة من المأساة لأن موضوع الملهاة ليس بذي خطر وارتكازها على العقدة يغري الجمهور بمتابعتها ويشوقه لمعرفة نهايتها، ونرى هذا التحلل من العقدة والحبكة القصصية في "مدرسة النساء" وتراه واضحاً كل الوضوح في "كاره البشر"، على أن المدرسة الاتباعية على العموم قد أباحت ذلك، وإن كان موليير قد قرب بمسرحياته تلك من المدرسة الواقعية كما عرفت فيما مرّ.



وثمة شيء آخر لدى موليير خرج به عن تقاليد المذهب الاتباعي وهو ظهور شخصيته وعواطفه وتصوير نفسيته في مسرحياته، فلم يكن أدبه موضوعياً خالصاً بل كانت حياته وأحاسيسه تنعكس في كتاباته، وفيما ينطق به شخصياته من حديث، نرى ذلك على لسان "ألسست" في كاره البشر، وعلى لسان أرنولف وغيرهما، بل نرى نظرته إلى النساء ونشككه فيهن، واهتمامه البالغ بتقاليد الزواج والأخلاق والثقافة النسائية كانت أثراً من آثار معاملة زوجته له انعكس في مسرحياته وإن ستره حجاب رقيق من الموضوعية.



ومع كل هذه الأمور التي باعدت بينه وبين راسين – خير من طبق نظريات المذهب الاتباعي – فإنه كان يلتزم قانون الوحدات الثلاث، ويعنى بالتحليل النفسي عناية بالغة في بعض ملاهيه، ولا يكثر من الشخصيات على المسرح مما يطيل الحوار والجدل أو يقلل الحركة، ويقصد إلى التعميم في أدبه أحياناً بتضخيم صفات أبطاله وتجسيمها حتى يجعلها نموذجية بعيدة عن الواقعية، ويختار لملهاته عدداً قليلاً جداً من الحوادث وإن كان يحسن اختيارها وترتيبها في تعاقب دقيق شأن المدرسة الاتباعية، ويعنى بتركيز الضوء على جانب واحد أو جوانب قليلة من شخصياته، وبتعمق في تحليل ذلك الجانب من غير أن يعرفنا بالجوانب الأخرى وكل ما تحويه الشخصية من عناصر ، وذلك على العكس من شكسبير الذي كان يعطيك صورة كاملة عن الشخص في شتى أحواله. إنك لدى شكسبير تفاجئك الرواية في كل آونة بصفة جديدة من صفات أبطاله حتى إذا انتهت الرواية تمثل لك ذلك البطل حياً كامل الصورة، أما لدى موليير فإنك تعرف من أول الرواية الصفات التي سيركز عليها الأديب ضوءه، وكل حادثة بعد ذلك إنما تأتي لتؤكد تلك الصفات ولا تزيد عليها شيئاً، نعم! قد نراه أحياناً يأتي لنا بأكثر من جانب أو تظهر شخصياته معقدة ويضفي عليها أضواء ساطعة تظهرها فتخرج من لدنه بصورة تكاد تكون كاملة عن تلك الشخصية، كما في طرطوف وكاره البشر، فنرى طرطوف مثلاً متصفاً بالنفاق الديني وحدة الشهوة، وحب السيطرة، ونرى كاره البشر حاد الطبع متشائماً مستقيما، معتداً بنفسه ولكن السمة الغالبة هي النظرة العميقة النفاذة إلى جانب واحد أو جوانب محدودة من شخصياته شأن المدرسة الاتباعية.



ولم يكن موليير ممن يتقيد بتعاليم المسيحية، بل كان ممن ينتقد بشدة وصرامة رجال الدين ولا سيما المرائين منهم، وقد ناصبوه العداء المرير في حياته، وأبوا أن يدفن مع المؤمنين في الكنيسة بعد وفاته لولا أن ارتمت زوجته تحت أقدام الملك تقبلهما وتشفع لزوجها المسكين. كان موليير يؤمن بقانون الطبيعة والفطرة، ويعتقد ان مقاومة هذا القانون عبث وضرر بليغ. بل كان ينادي بأن يترك للغرائز الإنسانية قسطاً وفيراً من الحرية اذا كان قيادها في يد العقل، ويرى أن هذه الفلسفة تؤدي إلى سعادة الفرد وسعادة المجتمع على السواء. فهو مثلا يرى أن زواج الشيوخ مهما كانت مواهبهم ومنزلتهم الاجتماعية بالشابات الفاتنات أمر غير طبيعي، وعامل هدام لتقويض بيت الزوجية وجلب التعاسة للزوج المسكين. ويرى أن فرض الآباء سلطانهم على بناتهم، وتزويجهن بمن لا يرغبن فيه ظلم يجب أن يقاوم ولو كان في مقاومته عقوق للوالدين.



ولا شك أن موليير قد أفاد من تجاربه في حياته الزوجية، فنظر إلى المراة نظرة خاصة تتركز في وجوب التكافؤ في السن والظروف الاجتماعية والثقافية، ولم يكن يردي المرأة راهبة. ولم يكن يريدها جاهلة تعتقد في الخرافات والترهات، أو متحذلقة لا تعنى بشؤون أسرتها وسعادة بنيها وزوجها، وإنما تصرف نهارها وتقضي ليلها في التشدق بالأدب اللاتيني والفلسفة اليونانية. بل بحسب المرأة في نظره أن تفهم الحياة العملية حق الفهم، وأن تكون متزنة صادقة الشعور ودوداً.



واذا تتبعت آثاره، وحللتها بدت لك هذه الفلسفة ظاهرة جلية في كثير من ملاهيه، كما بدا لك اهتمامه بالطبقة الوسطى من الشعب، وجعلها محور ملاهيه وعنايته بإصلاح المجتمع عن طريق تجسيم عيوبه والسخرية منها.







يتبع..

شقاوه..&
10-05-2008, 10:17 PM
شكرا على هذا الموضوع الذي راقني كثيرا
لكن أين المجلد الأول والثالث ؟

Ophelia
11-05-2008, 09:22 PM
لمحة موجزة عن مسرحية موليير
"نساء متحذلقات"



المسرحية كما هو واضح من عنوانها تتحدث عن النساء المتحذلقات اللواتي يتكلمن في كل شيء ويدعين الفهم في كل شيء ويرددن العناوين الكبيرة وأسماء المؤلفين والأدباء كدليل على سعة إطلاعهن..


"المثقفات مثلنا لا تليق بهن إلا المآثر السامية التي يجب عليك أن تتشبثي بها وتفضّليها على كل ما عداها.


"دعي حب الدرس والاطلاع يقودك إلى المعالي ، وزودي تلافيف دماغك بآراء قادة الفكر وأعلام التقدم، ولا تسلمي قيادك إلى مشيئة زوج تظل إرادتك رهينة اهوائه وأسيرة نزعاته ورغباته."


وعن أولئك الكتاب الذين قد لا يستحق الورق الذي يكتبون عليه سوى أن يكون صرة يلف بها الأطعمة ومع ذلك يعتقدون في أنفسهم ما ليس فيها وتشجيعهم لنساء يتوهمن أن الحياة مجموعة قواعد لغوية علينا الإلتزام بها والخروج عنها يستحق طرد خادمة لا تستطيع التمييز بين الاسم والفعل والحرف!


" باليز: حقاً أنت فلاحة ابنة فلاحين. لأنك تجهلين الأصول، كما نرى، ولا يهمك أن تحسّني لغتك وترقّي حديثك وتميّزي بين الفعل والاسم والحرف.

مرتين: بكل صراحة أعترف لك، يا سيدتي، بأني فعلاً، لا أعرف أسماء الأشخاص الذين ذكرتهم الآن." (هي الخادمة المطرودة طبعا لانها مو راضية تفهم قواعد اللغة)


"أحقاً تريد أن أترك هذه الفلاحة الجاهلة في خدمتي لكي تخدش باستمرار أذني بكلامها البذيء المليء بالأخطاء اللغوية التي لا تطاق. إنها لا تتقيد بأية قواعد، ولا بأي منطق سليم، كأنها تتكلم في سوق اللحوم والخضر."

باليز: لا أنكر أن حديثها ركيك، وأنها تخطئ ألف مرة كل يوم بحق سيبويه..


أما مع الخادم الآخر الذي يقع أرضاً وهو يحمل المقعد لسيدته:



فيلامانت:"ماهذا الاهمال؟ وهل هذا وقت الوقوع، بعد أن تعلّمنا المحافظة على توازن الأجسام؟

باليز: ألا تدري، أيها الجاهل، ما هي أسباب سقوطك؟ أولها حتماً عدم تقيّدك بقانون جاذبية الأرض.

لابين: لقد فهمت ذلك بعد وقوعي على الأرض.

فيلامانت: (للابين وهو يخرج) ما أثقل ظله.

تريسوتان: من حسن حظه أنه ليس من الزجاج، وإلا لتحطم,

أرماند: ما أخف ظلك وألطف استنتاجك.


وبأوهامهن هذه يفسدن حياتهن ويصبحن سيئات المزاج وحادات الطبع لاعتقادهن أن رأيهن هو الأفضل والأصوب وكل هذا باسم العلم والفلسفة والثقافة



موليير أيضاً يحاول أن يقول هل المرأة فعلاً تستطيع أن تقنع نفسها أولاً قبل إقناع غيرها أن جمال الروح والعلم الذي حصلته والأدب الذي أتقنته يعوض عن جمالها ووجودها كأنثى؟


" اسمحي لي يا سيدتي، أن أصارحك بأن لي نفساً روحانية، كما أن لي جسداً أرضياً. ولا سبيل في نظري لفصل الروح عن الجسد. فقد حرمتني السماء نعمة فلسفتك التي لا تؤمن إلا بمواهب الذهن، وتطمح إلى اتحاد القلوب من خلال تعانق الأفكار. بينما هي تزدري بتبادل المشاعر الحسية. أكرر عليك أن ما ترينه رفيعاً ومميزاً عن المبتذل الذي تعرضين عنه، أنا لا أنظر إليه بنفس منظارك. وهنا يكمن الفرق الشاسع الفاصل الذي باعد بيننا نحن الاثنين. أنت تقدسين النبوغ والابداع، وأنا أطلب ما يطفئ ظمأ قلبي إلى الحب والحنان، أنت تسرحين في آفاق الخيال البعيدة، وأنا أريد أن أعيش على الأرض بمرح وسلام. وما أبعد المسافة بين هدفينا، وما أكبر البون الشاسع بين نظرتينا إلى شؤون الحياة التي لا أريد أن أستغني عنها."


يبدو أن موليير مستاء بشكل كبير ويبدو أن زوجته لم تكن تطعمه سوى الكلمات والمجلدات حين يجوع فها هو على لسان أحد الشخصيات يشن هجوماً ساحقاً على المرأة التي تتطلع إلى الالمام بالعلم والثقافة بدلاً من شغل الابرة والخياطة والتطريز والاهتمام بشؤون منزلها:


"أراك تستائين من أي خلل في تطبيق القواعد، وأنت غير معصومة عن الوقوع في الخطأ. إن تمسكك بالكتب لا يرضيني. لأنك فضلاً عن مجلد بلوتارك الذي يثير حفيظتي، عليك أن تحرقي كل ما تحويه مكتبتك من مؤلفات، وأن تتركي العلم لأربابه الاختصاصيين. عليك أيضاً أن تقنعي بما أنت فيه، ولا تحاولي أن تطالي القمر البعيد المنال، بل عليك أن تضعي نفسك في مستوى المحيط الذي تعيشين فيه، وأن تطبعي في نفوس أولادك روح الفضيلة وحب عمل الخير. أما المرأة اجمالاً فيتحتم عليها أن تقنع بفلسفة الاقتصاد في المصاريف وإدارة البيت، وأن لا يشرئب عنقها لتبصر ما وصل إليه فلاسفة العصر وأساطين العلم وقادة الفكر البشري. لأن آباءنا وأمهاتنا اكتفوا بما حصلوا عليه من وسائل العيش الأصلح والاهتمام الضروري بمحيطهم بدون التطلّع إلى الأعلى. فنمتْ أسرهم وازدهرت بما أنتجته أنامل الأمهات من أشغال الابرة التي كانت بالنسبة إليهم ككتاب المطالعة الوحيد بدون أن يطمعن بالتحّول إلى شاعرات ومؤلفات. بينما أجد الآن حولي هؤلاء النساء يتفلسفن ليطّلعن على كيفية دوران القمر ومركز النجمة القطبية وسير كواكب الزهرة وساتورن والمريخ، وأنا لا أعرف عنها شيئاً. فلماذا هذا السعي إلى البعيد للالمام بما لا ينفعهن في تربية أولادهن وإدارة مطابخهن، وهنّ يجهلن كيفية إعداد ما يلزم لإنماء الأسرة، ما دمن يحاولن تقليد العلماء والارتقاء إلى مصافّهم. والمطلوب منهن أن يحسن ما هن مسؤولات عنه في ادارة شؤون بيوتهن. فهذه تحرق الطبيخ لأنها تتلهى بقراءة قصة، وتلك تحلم بنظم قصيدة ، بينما أنا عطشان أنتظر من يسقيني جرعة ماء.... أنا لا أحب تشبثك بالعلم الذي تدّعين أنه حلية يجب أن تزدان بها المرأة ولا تبجحات السيد تريسوتان الذي شجعك على قرض الشعر وتنسيق القوافي. ...


وكذلك نقمته الشديدة على مدعي الثقافة:



"أرجو أن يحول تواضعك دون الانضمام إلى هذه القافلة من الأفذاذ الذين لا يفيدون الدولة بشيء من معرفتهم وعلمهم. فماذا تنفع كتاباتهم، ماداموا لأتفه الأسباب يتنكرون لها ويهاجمون عدالتها؟ وهم على كل حال، يتذمرون من قلة تقديرها إياهم ومن تقصيرها في تمجيد مواهبهم النادرة ، ويعتقدون أن من واجبها أن تساهم في نشر كتب المؤلفين وتغليفها بجلد العجل، بل أن تغدق عليهم المنح وفاء لجهود شخصياتهم. مسكينة هذه الدولة التي لا تقوم بواجباتهم تجاه أمثالهم الجهابذة الذين يظنون أن الحكام لا يمكنهم أن يحتفظوا بمناصبهم لولا كتابات أصحاب القرائح السيالة من شعراء ومؤلفين، لا هم لهم سوى الاستئثار بالتكريم والمديح والمكافأة على ما يبذلونه من جهود جبارة لإنارة الأذهان وتوطيد أركان الحكم. وهم في الحقيقة يبثون أحياناً سموم التفرقة ويزرعون بذور الشغب بآرائهم التي لا تترفع عن الابتزاز . ويعزون كل الفضل في استبات الأمن والعدل، إن كان هناك من عدل وأمن، إلى علمهم وثقافتهم وسعة اطلاعهم. وقد أسكرهم ما توصلوا إلى تأليفه من كتب ونظمه من قصائد قل نفعها وكثر أذى بعضها بحجة نشر الثقافة والعلم.







"أحمق العلم يفوق غباءً أحمق الجهل"






المعرفة في رأس الأبله تغدو وقاحة مزعجة كالسلاح الجارح في يد الجبان.






اذا كان للجهل عليّ مثل هذا السحر، فالفضل لما لقيته من أثر سيء على بعض العلماء والمثقفين والأدعياء.






عندما يقتدي الإنسان بسواه عليه أن يأخذ عنه الخصال الحميدة لا أن يقلّده تقليداً أعمى بعاداته المزعجة كالسعال والبصق على الأرض.






النساء العالمات ليس لهن على قلبي أي نفوذ، ما دمت لا أستسيغ نزعة المرأة إلى السيطرة والصدام. فالعالمة الهائمة في متاهات التقدم والرقي لا مكان لها في قلبي. وكم أود أن تتجاهل ابنة حواء في بعض الأحيان ما تعلم علم اليقين أنه تبجّح منها وتشامخ. لأن درايتها في أغلب الأحيان تجني عليها وتحرمها تقدير أقرب المقربين إليها.






المحب لا يتورع حتى عن محاولة استرضاء كلاب الحيّ كي لا يزعجه نباحها عندما يزور حبيبته.





سبحان الله مدري ليه أحس أن أحداث المسرحية جرت في الساخر وخاصة أثناء الردح والشتائم التي تبادلها المثقفين والشعراء f*

Ophelia
11-05-2008, 09:28 PM
القـــوس)
م ش ا ك س
عمر بك
شقاوه..&

أهلين وسهلين ومرحبتين فيكم جميع
لكن شكرا وعفوا ومكثورة الخير هي ما تنفع معنا هون ولا تنصرف بأي مصرف
كل واحد يمسكله مسرحية ويطلعلنا منها الاقتباسات الساخرة
المسرحيات قصيرة ولذيذة تلتهم بسرعة معكم
في طرطوف والبخيل ومدرسة الزوجات ومدرسة الأزواج مشهورات جدا



وحالياً وجدت فقط روابط المجلد الأول والثاني والرابع وهذا المسرحيات الموجودة فيهما:

http://www.4shared.com/file/20940542/4df914c3/__online.html
http://www.4shared.com/file/34728886...ified=da17f0f5 (http://www.4shared.com/file/34728886/a6e29437/_____.html?dirPwdVerified=da17f0f5)
http://www.4shared.com/file/34730586...ified=da17f0f5 (http://www.4shared.com/file/34730586/56ee063b/_____.html?dirPwdVerified=da17f0f5)

المجلد الأول
الطائش
خيبة الحب
المتفلسفتان السخيفتان
اسكاناريل
مدرسة الأزواج
الغاضبون
دون كارسيا دي نافار
النساء العالمات

المجلد الثاني
مدرسة الزوجات
انتقاد مدرسة الزوجات
ارتجالية فرساي
اميرة ايليد
ترتوف
دون جوان
خيانات اسكابان
غيرة المخدوع

المجلد الرابع
العشاق المتمازون
امفتريون
السيد دي بورسياك
القروي المتحدث
الكونتيس اسكربنياس
مريض الوهم
الزواج المفروض
الطبيب الطيار

Ophelia
13-05-2008, 09:29 AM
دراسة لمسرحية طرطوف


للأستاذ عمر الدسوقي

من كتاب "المسرحية نشأتها وتاريخها وأصولها"


"ترتوف" من الروايات التي ترجمت إلى العربية منذ أمد بعيد ، ترجمها محمد عثمان جلال وسماها "الشيخ متلوف" ومصرها نوعاً ما، وساقها باللغة العامية أو القريبة من العامية، وخلاصتها: أن "(أرجون) رجل ثري ساذج فيه تقوى وحرص على الدين، واستطاع طرطوف أن يتقنع بالتقوى والورع، ويتظاهر بالحرص على الدين، وأن يخدع بريائه ونفاقه ذلك الثري الساذج، فكان يذهب إلى الكنيسة في الوقت الذي يذهب فيه أرغون، ويصلي أمامه بحرارة وخشوع ويقبل الأرض ندماً، ويسفح الدموع أسفاً، ثم يتعرض له وهو خارج من الكنيسة، وقد ارتدى أسمالاً بالية وبدا عليه الفقر والمذلة، فإذا نفحه أرغون ببعض المال أسرع لتوه بتوزيعه على الفقراء أمام ناظريه، فوقر في نفس أرغون – بعد أن تكرر ذلك المشهد أمامه مرات – أن طرطوف بلغ الذروة في التقى والورع والزهد في الحياة الدنيا. فمالت نفسه لصداقته، ودعاه إلى أن يعاشره في بيته ويقاسمه نعمته. وظل هذا الرجل – باسم الفضيلة والدين – يعيش في بيت أرغون، ولا يفتأ يوجه إلى سكان البيت رجالاً ونساء الكثير من مواعظه حتى ضاقوا به ذرعاً، وأبغضوه من صميم قلوبهم إلا أم أرغون فقد وثقت به واعتقدت فيه، وكانت تدافع عنه ضد قطان البيت جميعاً، وترميهم بالاستهتار بتعاليم الدين لا تستثني من ذلك أحداً.. وكانت تعتقد أن الحسد هو الدافع لهم على انتقاصه واعتيابه.

وقد حدث أن غاب أرغون عن البيت أياماً، ولما عاد سأل دورين خادم بنته عن أهل البيت، فأجابته أن سيدتها كانت مريضة بالحمى، وكانت تعاني صداعاً غريباً.

أرغون: وطرطوف؟
دورين: طرطوف في صحة جيدة، وهو مكتنز لحما وشحما، وله وجه نضير وفم عميق.
أرغو: يا للمسكين!
دورين: لقد عافت نفس سيدتي الطعام في المساء، واشتد الألم برأسها.
أرغون: وطرطوف؟
دورين: انفرد بالعشاء أمامها، وأصاب وهو في غاية الزهد والورع دجاجتين ونصف فخذ حنيذ.
أرغون: يا للمسكين!

وهكذا كلما قصت عليه دورين طرفا من أخبار سيدتها وماعانته في مرضها، راح يسأل عن طرطوف وهي تجيبه بأنه تمتع بنوم لذيذ، في فراش وثير وأنه شرب من الخمر حتى روي ليعوض ما فقدته السيدة من دم، فيجيبها في كل مرة بقوله: يا للمسكين! وهكذا برهن أرغون على أن حبه لهذا الرجل وإعجابه به قد ملكا عليه شغاف قلبه حتى أنساه زوجه وأولاده.

ثم بلغ به فرط إعجابه أن عزم على أن يزوجه ابنته الشابة الجميلة، مع أنه قد وعد حبيبها من قبل أن تزف إليه، ومع أن طرطوف يكبرها سناً وليس من مستواها الاجتماعي أو المالي، ولكنه أراد أن يربط طرطوف بأسرته إلى الأبد. وخاطب ابنته في ذلك متشفعاً بما للأبوة من حقوق، وعقدت الدهشة لسان ماريان ولكن خادمتها دورين تصدت له تفند له رأيه، وتسفه عقله، ومنعها من متابعة الحديث.

ثم استعانت الأسرة بزوجته على حل المشكلة، فعزمت السيدة ألمير زوج أرغون أن تفاتح طرطوف بنفسها في الأمر وتثنيه عن هذا الزواج، فدعته لحضرتها، وكانا في خلوة، فانتهز المنافق هذه الفرصة. وأخذ يغازلها ويطري جمالها، ويظهر لها أنه متيم بها وأن لا أرب له في الزواج من ماريان اذا أنعمت عليه ألمير بحبها. وستكون في مأمن معه، لأنه لن يفشي لها سراً، وكلما ذكرته بأنه رجل دين وتقوى أخذ يبرهن لها على أن عشق الجميل ليس فيه مخالفة لأوامر الله والدين وتصادف أن داميس بن أرجون كان ينصت لهذا الحديث وطرطوف لا يشعر به فهاج غضبه، وأراد أن يؤدب هذا الدعيّ، فمنعته زوجة أبيه خوفاً من الفضيحة، ودخل أرغون في تلك اللحظة فقص عليه داميس خبر هذا المنافق الكذاب، فلم يصدق من كلامه حرفاً، وتظاهر طرطوف بمزيد من الورع والتسامح والغفران لهذا الذي يهتك عرضه، فما كان من أرغون إلا أن طرد ابنه من البيت وحرم عليه دخوله بعد اليوم.

وأراد أن يرضي صديقه طرطوف ويمسح بكرمه ما عساه يكون علق بنفسه من أذى فكتب وثيقة يتنازل فيها عن كل أملاكه له ويحرم زوجته وأولاده ميراثه، وعز على الأسرة ما أصابها من إهانة بطرد داميس وتبديده الإرث فأخذت توسع أرغون لوما وتأنيباً وهو سادر في عمايته، يعتقد أن صديقه قديس من أولياء الله ، وأنهم شياطين، وأن ما فعله هو عين الصواب، ولما يئست منه زوجته قالت له: سأريك رأى العين كيف ينتهك هذا المنافق عرضك، ويعتدي على حرمك ويسيء إلى صداقتك له، ويتنكر لنعمتك له عن جميع ما تملك. فلم يشأ أن يصدق كلمة مما قالت، ولكنها حملته على أن يتوارى تحت المنضدة، وينصت إلى كل ما يجري بينها وبين طرطوف من حديث، ويشهد اثمه وتهتكه. واستدعت طرطوفا، وأخذت تستدرجه في الكلام حتى باح بحبه لها، فقالت له: إنها كذلك تحبه، فأبى أن يصدقها إلا اذا قدمت له برهاناً عملياً على ذلك، وطلب منها أمراً منكراً فذكرته بواجب الصداقة لزوجها وما لهذه الصداقة من حرمة فأخذ يسب هذا الزوج ويرميه بالغباء والأفن، فلم يسع زوجها إلا أن يظهر ويطلب منه أن يخرج من بيته في غير فضيحة ولا ضوضاء: ولكن المنافق أبى إلا أن يكون نذلا وقحا، فذكره بأن البيت بيته هو بمقتضى الوثيقة التي في يده، وأن عليه هو إذا شاء أن يغادر وأسرته المنزل فكاد أرغون أن يصعق لهذه الصفاقة والنذالة ثم تذكر أنه كان قد استودعه صندوقاً يحوي أوراقاً خطيرة تخص صديقا عزيزاً عليه كان الأمير قد غضب عليه فنفاه فترك لديه هذه الأوراق فسلمها لطرطوف لتكون في رعايته حتى إذا سئل عنها فأنكر أنها تحت يده لم يكن كاذباً، ورعاً منه وتقىً. وخشي أن يستغل طرطوف خطورة هذه الأوراق ويشي به للأمير، ولكن ماذا عساه أن يفعل وقد ظهر له صديقه المزيف على حقيقته.

خرج طرطوف وأقام دعوى بإخلاء المنزل وطرد ارغون وأسرته من منزله وجاء مندوب القضاء للتنفيذ ومعه عشرة من الرجال الأشداء ولما طلب إليهم أن يخلوا المنزل امتنعوا، فهددهم باستعمال العنف، وأرجأهم إلى الصباح، وأسقط في يد أرجون وكانت أمه لا تزال سادرة في عمايتها لم تشأ أن تصدق شيئاً مما اتهم به طرطوف حتى بعد أن أكد ذلك ولدها، فلما شهدت مندوب القضاء، وسمعت الأمر بإخلاء المنزل زالت الغشاوة عن بصيرتها وانهارت اعتقاداتها في طرطوف وفي كل رجال الدين على السواء.

وبينما هم في تلك الحالة المحزنة دخل عليهم فالير حبيب ماريان يخبرهم أن ثمة أمراً بالقبض على أرجون وزوجه في غيابة السجن جزاء خيانته لأمير البلاد بتستره على وثائق خاصة بعدو لدود للأمير سبق أن حكم عليه بالنفي، وعرض فالير على أرجون مالاً يكفيه لأنه يهرب إلى أي جهة يشاء حتى تنجلي تلك الغمة، وأخذ أرجون يفكر في أمره رويداً بيد أنه فوجئ بطرطوف بصحبة أحد رجال الشرطة، فاستقبله أرجون استقبالاً عنيفاً لسفالته ونذالته واستغلال اسم الدين في خداع الأبرياء، وامتهانه لمعنى الصداقة وحرماتها، ونكرانه للجميل، ولكن صفاقة طرطوف أبت عليه إلا أن يجيب: بأن إخلاصه للأمير ومحبته له فوق كل صداقة واعتراف بالنعمة، وأن من واجباته أن يدفع به إلى ظلمات السجون، وأخذ يحث الشرطي على تنفيذ الأمير الذي صدر له، فما كان من الشرطي إلا أن أخذ بتلابيب طرطوف ووضع في يده الأغلال قائلاً له: إن الأمر الذي بين يدي يعني القبض عليك أنت؛ لأن الأمير رجل عاقل حصيف وقد عز عليه أن قوبل المعروف بالجحود، والصداقة بالخداع، والبراءة بالخبث، وقد عرف فيك مجرماً خطيراً متوارياً من وجه العدالة، كما أني مكلف بتمزيق الوثيقة التي لديك، والتي تنازل فيها أرجون عن أملاكه لك، ثم إن الأمير قد عفا عن أرجون على الرغم من وجود تلك الأوراق التي تنتمي لعدو الأمير في حوزته وذلك لسابق بلائه في خدمته وإخلاصه للوطن، فكانت مفاجأة سارة حقا انتهت بأن سيق طرطوف مثال النفاق والغدر إلى السجن، وبزواج ماريان من حبيبها فالير الذي برهن أبان محنة والدها على سخاء وشهامة وشجاعة تستحق المثوبة.

وأنت ترى من هذا الموجز لتلك المسرحية أن موليير أخلص لتقاليد المسرحية الاتباعية في وحدة الزمان حيث لم يتجاوز زمن هذه المسرحية أربعا وعشرين ساعة، وفي وحدة المكان حيث جعل مسرح الحوادث كلها بيت أرجون لم يتعداه إلى مكان آخر، ووحدة العمل حيث جعل موضوع المسرحية دائراً حول إظهار نفاق طرطوف وسذاجة أرجون، كما نرى في المسرحية فصولا طويلة من الحوار والجدل الممل في بعض الأحيان يبطئ بالحركة ويجلب السأم شأن المسرحيات الاتباعية كلها، ثم نرى فيها التعمق في تحليل جانب واحد أو بعض جواب من شخصية بطله طرطوف حيث أظهره بمظهر المنافق المرائي، وبمظهر النذل الغادر المتنكر للجميل وبمظهر الشهواني الدنيء، وصور أرجون في صورة المتدين الساذج الذي يسهل خداعه، وكان عدد الشخصيات قليلاً نوعاً ما. ومع هذا فإن موليير لم يجعل بطله أرستقراطياً بل اختاره من الطبقة الوسطى ، وبالغ في تجسيم عيوبه، كما أنه اختار مشكلة اجتماعية جديرة بالعلاج، ألا وهي مشكلة النفاق واستغلال اسم الدين والفضيلة، وحمل على المنافقين من رجال الدين حملة مرة. ونلمس بعض مظاهر فلسفته في الحياة حيث قاوم زواج طرطوف من ماريان للفارق الكبير في السن، وفي الظروف الاجتماعية والمالية. وقد أنهى الملهاة بالوضع الطبيعي حيث تزوج فالير الشاب الثري من ماريان الشابة الجميلة الثرية. وقد استنكر موليير استخدام أرجون حق أبوته في قهر ماريان على الزواج من طرطوف.. وهكذا لو رحنا نحلل الروابة ونتعمق في درسها لظهرت لنا نموذجاً طيباً لأعلى ما وصل إليه موليير من فن، ولوجدناها تعبر عن كثير من آرائه في الحياة وطريقته في معالجة الفساد.

ومن يقرأ مسرحية طرطوف في لغتها الأصلية، ويقف على نصها كاملاً يدرك أن موليير قد بلغ فيها القمة، وأنها تعد بحق مسرحية فريدة عالمية فلا بدع إذا ترجمت لكل اللغات لأن النفاق والتستر وراء الدين موجودان في كل زمان ولدى كل أمة، ولأن موليير بما أودع فيها من فن، وساق من نكات ودعابة يستثيران الضحك والسخرية قد شارف الذروة.

وحسبنا من ملاهيه السامية هذه الملهاة فإن المقام لا يتسع لسواها، ولكن ذلك لا يعفينا من الإشادة بكاره البشر، والنساء العالمات، والنبيل البرجوازي والبخيل، ومدرسة النساء وغيرها من الملاهي الخالدة، وقد أثر موليير في المسرح العربي تأثيراً كبيراً إذ كان النبع الذي اغترف منه رواد المسرح العربي أول الأمر في مصر والشام.

عمر بك
15-05-2008, 05:25 PM
مسرحية (المتفلسفتان السخيفتان)


تشبه مسرحية نساء متحذلقات في فكرتها , فهي تتحدث كما هو واضح من العنوان عن متفلسفتين سخيفتين تخدعهما المظاهر البراقة , وأضواء المجتمع الراقي في باريس , كما تنخدع النساء جميعاً سواءً كنّ مثقفات أو لا !
تبدأ المسرحية بمشهد لـ لا كرانجْ ودي كرْوازي , العاشقان المرفوضان , يعبران فيه عن غضبهما من تعالي وغرور الآنستين المتفلسفتين .
أنا منزعج إلى حدّ جعلني أصمم على الانتقام من هذه الوقاحة الزائدة . أنا أعلم لماذا استخفتا بنا هكذا . لأن التفلسف والعجرفة لم يتفشيا في باريس بل انتشرا أيضاً في سائر المناطق , وهاتان المغرورتان قد استوفيتا أكثر من حصتهما من هذه الآفة .

وأيضاً تهتمان بزينتهما بشكل يثير غضب كورْجيبوس , والد مكدلون وعم كاثوس , الفتاتان السخيفتان . وبمناسبة الحديث عن الزينة في باريس , ففي القرن الثامن عشر اعتقد الباريسيون أن الاستحمام مضرٌ بالبشرة والصحة , فحرم رجال الدين الاستحمام , وأغلقت الحمامات , و ازدهرت تجارة العطور في ذلك الوقت .
هاتان الخبيثتان تقصدان خراب بيتي بهذا المرهم , على ما أرى . ففي كل مكان لا أجد إلاّ بياض البيض والحليب الدسم . وألف صنف آخر لا أدري ما هو . ولقد استهلكتا منذ أن أتينا إلى باريس دهن عشرة خنازير على الأقل ومن قوائم الغنم ما يكفي لإطعام أربعة خدام .
ونرى استياءه منهما ومن طريقة تفكيرهما في موضع آخر في المسرحية , فهاهو يخيرهما بالزواج ممن أراد لهما أو الذهاب للدير , بعد أن ملّ من مناقشتهما , فهما تريدان أن تعيشا قصة حب كما في الروايات , وأن تنسجاها كما تريدان .
أنا لا أفهم كل هذه الخزعبلات , وأُصرّ على أن أكون هنا السيد المطاع . ولكي نضع حدّاُ لكافة هذه المناقشات العقيمة , وأخيّركما بين الزواج والذهاب إلى الدير بدون إمهال . وأقسم أن لا مناص لكما من اللجوء إلى أحد هذَين الحلَّين .

وكما أن للريف تعابيره , فللمجتمع الراقي في باريس تعابيره أيضاً !
ماروت : هاهو ذا خادم يسأل إن كنتِ باقية في البيت , ويقول إن سيده يودّ أن يأتي ليزورك .
مكدلون : تعلّمي , يا حمقاء , أن تعبري عن فكرك بأسلوب أقلّ بذاءة , وقولي لي مثلاً , هاهو ذا شخص يسأل إن كان في الإمكان أن يتمتع بمشاهدتك ؟
ماروت : اعذريني , يا سيدتي , فأنا لا أفهم اللغة اللاتينية , لأني لم أتعلم الفلسفة نظيرك في المعهد العالي .
مكدلون : تباً لوقاحتك التي لا تطاق .

والأحاديث التي تصبو لها المرأة لا تتغير في أصلها , مهما تغيرت المرأة أو ادعت ! تقول مكدلون :
... أن هذه الزيارات الثقافية تسمح لنا أيضاً باكتساب ألف معرفة تقضي الضرورة بالإلمام بها لأنها أساس انفتاح الذهن على آفاق جديدة في كافة القضايا الجوهرية . وبهذه الوسيلة نطّلع كل يوم على أطرف الأنباء وعلى أروع المساجلات النثرية والشعرية . وعلى سبيل المثال , نعلم (( أن فلاناً ألّف أفضل مسرحية في العالم عن الموضوع الفلاني , وأن فلانة وضعت كلمات للحن الشهير المتداول , وأن هذا نظم قصيدة غزل حول نعيم الملذات , وأن ذاك دبّج مقاطع صارمة عن الخيانات الزوجية , وأن السيد فلان وجّه بالأمس بعض أبيات إلى الآنسة فلانة وأنها أرسلت له بدورها الردّ هذا الصباح حول الساعة الثامنة ...)) في الحقيقة , هذه الأخبار تضفي على أصحابها قيمة واعتباراً في المجتمع وإذا تجاهلنا هذه الخاصّة لا يسعنا أن ننظر بإعجاب إلى أي ذهن خلّاق , يودّ أن يلمع تحت سماء باريس في فن الكتابة .
ولا يتورعنّ عن إدعاء المعرفة , وها هو المركيز مسكاري مدعي الأدب يسخر منهما بإدعائه ارتجال هذه الأبيات ..
مسكاري :


لم أكن آبه لما يجري حولي
حين أبصرت عيونك كاللآلي
وحانت منك لفتة أسرت فؤادي,
فصرخت لا أبغي نجدة , وقد نلت جلّ مرادي .
كاثوس : يا الهي , ما أروع هذا الغزل الرقيق .
مكدلون : طبعاً أنت بعيد جداً عن الإسفاف وحبّ الظهور .
مسكاري : هل لاحظت جمال هذا المطلع : (( لم أكن آبه )) .
مكدلون : أجل , أجده في غاية السلاسة .
مسكاري : أعتقد بأنه لا يستحقّ كل هذا الإعجاب .
كاثوس : يا الهي . ماذا تقول ؟ في الحقيقة , ليس أبلغ من تعبيرك هذا .
مكدلون : بدون شك , كأنه مطلع ملحمة بطولية .
مسكاري : لعمري إن ذوقكِ ممتاز .
مكدلون : أنا أعلم أن ذوقي سليم وحسّي مرهف .

وهكذا تسير المسرحية على هذا المنوال , بين ادعاء المعرفة وادعاء الأدب , وتتطور الأحداث وتطول الحوارات مما يصيبنا بالملل أحياناً , وتكتشفان (مكدلون و كاثوس ) أن مسكاري ليس ماركيزاَ , وإنما خادم السيد لاكرانج !
خلاصة القول , أن موليير يرى بأن المرأة لا تتغير سواءً كانت مثقفة أو لا , فهي لازلت تنخدع بالمظاهر البراقة وتبحث عن الأخبار , أخبار الحي أو أخبار المجتمع الثقافي , إذن لا داعي إلى اهتمام المرأة بالثقافة !

Ophelia
16-05-2008, 10:39 AM
تقديم لمسرحية "مدرسة الأزواج"

الدكتور حسن عون

ترجم وقدم لمسرحية مدرسة الأزواج

من مجلة مسرحيات عالمية

من الشخصيات التي خلقها موليير من يبلغ في تشاؤمه أقصى درجات التشاؤم ومنها المتفائل إلى أبعد حدود التفاؤل، كما كان فيها الساخر إلى أقصى درجات السخرية ومنها المتحذلق إلى أبعد حدود الحذلقة، ثروة أدبية كبيرة وكنز فريد من الشخصيات النادرة ومصدر للتأليف المسرحي لا ينفذ.

وقد كشف هذا كله في موليير عن مقدرة فنية أصيلة وثروة لغوية طائلة ومرونة في الأساليب اللغوية والتعبير الأدبي قلما يتوفر مثلها لشخص آخر، فأجاد في تحليل هذه الشخصيات أيما إجادة، وأبدع في تصوير ملامحها ورسم قسماتها أيما إبداع، فانبهر الأدباء المعاصرون بفنه وذكائه وافتتن الجمهور بعبقريته ودقته ومهارته ووصل الفن المسرحي الفرنسي على يديه ما وصل إليه الفن المسرحي الانجليزي على يدي شكسبير.


مدرسة الأزواج

ألفت هذه المسرحية سنة 1861، وهي تحتوي على ثلاثة فصول، وقد نظمها موليير شعراً ولقد حققت هذه المسرحية في تمثيلها نجاحاً كبيراً، والعنوان الذي وضعه موليير لهذه المسرحية له مغزاه البعيد، إذ أنه يريد من كلمة "مدرسة" المسرحية التي يتعلم فيها كل من يريد التعلم. ولقد حاول النقاد أن يعقدوا صلة بين هذه المسرحية وبين مسرحية قديمة لاتينية ألفها "تيرانس" تحت عنوان "ليزاديلف".

يتخذ موليير موضوع مسرحيته نوعين متناقضين من التربية بالنسبة لفتاتين صغيرتين شاء لهما القدر أن تقع إحداهما تحت وصاية "سجاناريل" واسمها "ايزابل" وأن تقع الأخرى تحت وصاية "أريست" واسمها "ليونور".
أما سجاناريل فيمارس نوعا من الشدة والقسوة والتحفظ والتزمت في تربيته لايزابل ويكون رد الفعل بالنسبة لها أن تبغض وصيها وتنفر من قربه وتتمرد على هذه التربية وتعمل جاهدة على أن يختطفها من بين يديها شب تبادله الحب وتدخره لمستقبلها يسمى فالير.

وأما آريست فإنه يمارس نوعا من اللين واللطف والحرية والتسامح في تربيته لليونور ويكون رد الفعل من جانبها أن تشعر بالود نحوه وأن ترتبط به روحيا وتثق بمبادئه العقلية وتحبه من قلبها ثم ترضى به زوجا لها.

وفي تصوير موليير لشخصيات مسرحيته نستطيع في يسر أن نتلمس عدداً من الحلول للمشاكل التربوية كما نستطيع أيضاً أن نقف على عدد من المبادئ التي يمكن أن تكون أساساً للسلوك الإنساني ولمسايرة الملابسات الاجتماعية.

والمؤلف يعتمد هنا كما يعتمد في كثير من مسرحياته الأخرى على ما يعرف بنظرية التقابل بين مبدأين مختلفين يعرضهما الواحد في مقابلة الآخر: مبدأ الخير ومبدأ الشر، مبدأ اللين ومبدأ العنف، مبدأ التسامح ومبدأ القسوة ومن خلال هذا التقابل يتضح المنهج السوي والطريق المعقول. ولقد أثار هذا المبدأ الفني لدى موليير ضجة من أعداء موليير المغرضين الذين كان يصوب إليهم نقده: فقالوا أنه داعية إلى الانحلال الخلقي كما قالوا إن مسرحياته قد فتحت الباب على مصراعيه أمام ظاهرة التدهور الخلقي وأمام انهيار التقاليد العريقة في الأسرة الفرنسية الفتيان والفتيات اقتفاء آثار الرذيلة، والواقع أن هؤلاء النقاد قد أساءوا فيما نعتقد فهم موليير في هذه المسرحية بالذات حينما صوروه بهذه الصورة المشوهة، كما أنهم فهموا الفضيلة فهما قاصراً محدوداً. فهم حينما يتحدثون عن الفضيلة كما يراها موليير تتمثل امامهم الفضيلة التي كان يراها فيما مضى تيرانس في المجتمع اللاتيني خلال القرن الثاني من قبل الميلاد، وفرق بين مفهوم التفضيلتين في عصرين يتباعد الزمن بينهما حتى يبلغ تسعة عشر قرناً.

ان فلسفة الفضيلة عند تيرانس تقوم على أسس كان يدين بها مجتمعه، وعلى ظروف هي من وحي ذلك المجتمع اللاتيني القديم، ولكن فلسفة موليير في الفضيلة تقوم على أسس يدين بها مجتمع آخر، وعلى ظروف هي من وحي المجتمع الفرنسي في القرن السابع عشر الميلادي.

الفضيلة عند موليير ليست شيئاً يفرض بالقوة، أو يكتسب بالعنف، والقسوة ولكنها على العكس من ذلك شيء يمكن الحصول عليه باللطف واللين والتفاهم كما يمكن تثبيتها وتنميتها وتقويتها بالحرية والمنطق ومنح الثقة. هذه هي الفضيلة في نظر موليير، الفضيلة التي رآها وعرضها في هذه المسرحية، ودافع جهده عنها بكل وسائل فنه المسرحي من إشارة وعبارة ونظرة ونبرة، وإذن فلا غضاضة أبدا أن يكون موليير قد أعطى صورة بشعة إلى أبعد حد للقسوة وصورة جميلة إلى أبعد حد للتسامح.

وفوق ذلك يمكن أن يقال إنه من الخطأ الواضح أن نتطلب من موليير المسرحي الأديب الفنان أن يكون فيلسوفاً خالصاً وأن ننسى فيه أنه شاعر مرهف الحس. ومن حق الشاعر الذي يكون على هذا النمط أن يظهر انحيازه في غير مواربة ولا التواء وأن يدافع عن رسالته حتى لو وصلت به إلى درجة التهور، إذ المسرح لم يعد في عصره من العصور لعرض نظريات فلسفية باردة وبدون تحمس، ولو أنه فعل ذلك لأصبح في نظرنا وفي نظر كل من يؤمن برسالة المسرح أقل أهمية وأقل تفكها وأقل اخلاصا لرسالته الفنية.



شخصيات المسرحية

"سجاناريل" وهو الوصي على إيزابيل، ونرى فيه شخصية غريبة متغطرسة لا تقيم وزنا للأحاسيس الإنسانية، ولا تظهر أدنى احترام للعواطف والمشاعر مهما كان مصدرها ومهما اتجه سيرها ما لم تكن في الحدود التي يرسمها هو نفسه لها.
لقد كان الداعية للقسوة والعنف، كما كان الداعية للقهر والسلطان، لا يرى الشرف إلا باستعمال السلطة، ولا الفضيلة إلا بالقوة وتحت الرقابة، وهو فوق ذلك يصور كل النقائص؛ أناني إلى أبعد حدود الأنانية، نزاع إلى أن يفرض حبه واحترامه على الناس. يمد يده إلى ايزابيل، ويأمرها بتقبيلها برهانا منها على حبها له، سليط اللسان بشكل ممجوج، شرير في سلوكه وفي أقواله، ففي الوقت الذي يجب عليه أن يثور لشرف أخت ايزابيل يغتبط لتوهمه أن أخاه قد خدع وغرر به ثم يتمنى أن يعرف الجميع ذلك عن أخيه. متبلد الحس، يهزأ به الجميع وهو لا يدري ويخدعونه وهو ذاهل لا يفقه شيئاً مما يصنعون. أبله. غبي تنطلي عليه الحيلة إلى درجة أن يستغل فيقوم بدور الرسول بين ايزابيل وحبيبها فالير، مغفل ضُحكَهَ تلعب به ايزابيل كما تلعب الفتاة بدمية في يدها. وليس أدل على ذلك من موقفه الأخير حينما يستدعي أخاه أريست لعقد الزواج بين فالير وليونور وهو لا يدري أن العقد سيكون بين فالير وايزابيل وبعد أن تظهر له الحقيقة ويتبين له أنه كان الضحية في هذه المؤامرة يبدو قليل الحيلة مشدوها لا حول له ولا قوة.

"اريست" وهو الأخ الأكبر لسجاناريل والوصي بدوره على ليونور أخت ايزابيل ويصور شخصيته على النقيض تماما من شخصية أخيه فهو متسامح إلى أبعد حدود التسامح ، يسبه أخوه ويرميه بالجنون مع أنه أصغر منه سنا فلا يهتم ولا يثور ويقابل ذلك كله باللطف واللين، ويترك الحرية الكاملة لمن هي تحت وصايته تقول ما تشاء وتتحدث مع من تشاء دون تحفظ ولا رقابة مقتنعا بأن الشرف لا يكون إلا عن رغبة واختيار وأن الفضيلة لا تنشأ إلا في أحضان الشرف والحرية والتسامح.

اجتماعي يكره العزلة ولا يميل إلى الانطواء المقبض وتصل به هذه الحال إلى أن يقرر أنه من الخير للمرء أن يعيش في عداد المجانين من أن يكون هو العاقل وحده ضد الجميع. ولا يدخر وسعاً ولا مالاً في سبيل تدليل ليونور واعزازها وقضاء رغباها ما دام ذلك في ميسوره، مقتنعاً بأن أهم شيء في المرأة هو معدنها وجوهرها وتربيتها وذلك هو الضمان لشرفها ولفضيلتها فيقول أنه من العجب ألا تكون المرأة عاقلة إلا بالإكراه كما يقول إنه لا يمكن السيطرة على خطوات المرأة وإنما هو القلب الذي يجب أن يكتسب، وما دامت تلك مبادؤه، وما دامت نظرته تتجه دائماً إلى الخير لا إلى المظهر فلا ضير عليه أن يرى من هي تحت وصايته تغشى الملاهي وتلبس وتتزين وتعلن عن رغباتها واختيارها حتى ولو كان ذلك على حسابه، إذ يقول أنه يفضل أن يراها سعيدة مع زوج آخر على أن يراها زوجة له على كره منها. ولقد انتصرت هذه المبادئ في طول المسرحية وعرضها فلم يخدع فيها ولم يكن في أية فقرة من فقراتها موضع سخرية، وكنا حب ليونور وتقديرها له، كما كانت ثقتها فيه بمثابة تتويج لهذه المبادئ.

"إيزابيل" هي الفتاة التي كانت تحت وصاية سجاناريل وتصور شخصية قد يتردد كثير من الناس في الحكم عليها، فهي في نظر البعض تمثل الرذيلة حيث تخرج على مبادئ وصيها والمشرف على تربيتها وحيث تستغل فيه عدم الخبرة وقلة الدراية فتخدعه وتتآمر عليه وتظهر له الحب بينما هي تخفي له الكراهية والبغضاء، تقبل يده أمام الآخرين برهانا منها على أنها تحبه وتقدره في حين أنها تتمنى قطع تلك اليد، تطلب منه أن يعجل بعقد زواجه منها وهي في نفس الوقت تعمل جاهدة وفي خفاء على أن تيسر لحبيبها زواجه فالير أن يختطفها من بين يديه ويوقعه في حيرة تقصم ظهره وتفسد عليه سعادته وأمله وراحته وهناءه، ثم إنها تمعن في السخرية به فتستخدمه كرسول بينها وبين من تحهب وتتمنى أن يكون لها زوجا، وربما يرى هذا البعض أيضاً أنها أفرطت في الاستهزاء به والإمعان في استغلالها لبلهه وغبائه وطيب سريرته حتى أصبح في حالة يرثى لها ويستحق من النظارة الإشفاق عليه والرحمة به.

وهي في نظر بعضهم الآخر تمثل الفضيلة حيث لا تستغل جمالها ولا ذكاءها في حب عارض أو في نيل متعة مؤقتة أو في قضاء لذة منحرفة فانية وإنما استغلت ذلك لكي تحصل على إنسان تحبه ويحبها عن طريق الزواج المشروع فتسعده ويسعدها حتى تضمن ببقائها معها أن تحافظ على شرفها وعلى كرامتها بوصفها فتاة أحسنت تربيتها وكسيدة تقدر مسؤليتها، ويغتفر هؤلاء للفتاة ما ارتكبته من أخطاء مع رب نعمتها وما صنعته من مؤامرات مع من يشرف على تربيتها ويكلؤها برعايته إذ أنها لم تجد وسيلة للمحافظة على الشرف، والفضيلة غير ما صنعت وحسبها شرفا أنها هدفت إلى الفضيلة وامتنعت عن التردي في الرذيلة بالرغم مما كان لديها من فرص يتيحها غباء من يحرسها وذكاؤها وسعة حيلتها وقدرتها على اصطناع الأحاديث التي تخدم غرضين متناقضين في وقت واحد، وليس أدل على ذلك من حديثها أمام سجاناريل وفالير وكل منهما يرى فيه إرضاء لنفسه وتغذية لآماله.

شخصية ايزابيل، إذن، من الشخصيات الغريبة ودورها الذي تلعبه في المسرحية من الأدوار العميقة، فيه فكر، وفيه فلسفة، فهي إذن من الشخصيات الخيرة الذكية.

"ليونور" هي الفتاة التي كانت تحت وصاية آريست وتصور شخصية الفتاة المترفة المدللة التي تنعم بكل ما تحلم به الفتاة من أمور مادية وأمور روحية، تمنح الثقة التي لا حدود لها وتعامل بالحرية التي لا رقابة عليها فلا تغدر بالثقة التي منحتها ولا تشتط في الحرية التي تعامل بها وتبقى وفية بالعهد نقية في السلوك متزنة في الحكم محافظة على المبدأ بعيدة كل البعد عن مواطن الشبه والشكوك قدوة طيبة، مثلاً صالحا، وبرهاناً قاطعا على أن الحرية والتسامح هما الأساس القويم للتربية السليمة وأن القسوة والإكراه قد يكونان السبب في الشطط والانحراف. تلبس ما تشتهي وتتزين بما تريد وتغشى الملاهي والمراقص وتتحدث مع من تشاء ومع ذلك لا تغامر بشرفها ولا بشرف القيم عليها ولا تنحرف عن الجادة ولا تخدع بالوعود ولا تتورط فيما يملأ فراغها من مغريات. وفي النهاية نراها تحترم رب نعمتها وتقدر فضله عليها وتعترف بذلك كله فتحبه وتخلص له ولا تفكر في إنسان آخر ليكون لها زوجا من دونه. ليونور إذن تصور إحدى الشخصيات الأصيلة في المسرحية كما أنها تجسم المبدأ الفلسفي في نظرية التربية الذي جعل منه موليير الهدف من تأليفه لمدرسة الأزواج والغاية التي يدعو إليها ويدافع عنها ويكرس كل امكانياته الفكرية والفنية لإبرازها وإقناع الناس بسلامتها.

هذه الشخصيات الأربع هي عبارة عن الشخصيات الهامة في المسرحية ونرى أن ما عداها تعتبر شخصيات ثانوية دورها ثانوي ولا نحتاج من أجل ذلك إلى تقديم خاص.