PDA

View Full Version : عناصر القصة .. دراسة ومحاولة عملية للتطبيق



Ophelia
04-04-2008, 12:32 PM
القصة


القصة: فن أدبي نثري، يحكي به الكاتب حدثاً، أو مجموعة أحداث مترابطة، تجري في بيئة معينة، يقوم بها شخص، أو مجموعة من الشخصيات وفق تصميم خاص من أجل إيصال فكرة محددة إلى القارئ.

والقصة من أقرب الفنون الأدبية إلى التعبير عن الحياة والإنسان وأكثرها إثارة لاهتمام القارئ وأقدرها على تغيره.

والقصة لا تصور الواقع كما هو بل تختار بعض جوانب الحياة وتحاول مشابهة الواقع وتنسيق جزئياته لتؤدي غرض الكاتب.

وهي لا تصور من الحوادث ما وقع فعلاً، وإنما تصور ما يمكن حدوثه وبذلك يتدخل الكاتب بخياله وفنه لإعادة تكوين الواقع بحسب رؤيته الخاصة.


عناصر القصة: تقول القصة على العناصر التالية:


الموضوع – الفكرة – العمل القصصي (الحدث والحبكة) – البيئة – الشخصيات – الأسلوب.



الموضوع



يختاره الكتاب من تجاربه التي عاشها، أو من الشخصيات أو المواقف التي عرفها أو من ثقافته أو من التاريخ أو من الوثائق فتتكون المادة الأولية التي يعمل الكاتب فيها خياله وفنه فينسقها، ويضيف إليها من نفسه لتصبح ناطقة بالحياة.

وأبرز موضوعات القصة:


1-موضوعات نفسية: تدور حول النفس الانسانية وسلوكها وميولها وغرائزها (القصة النفسية) كقصة السراب) لنجيب محفوظ.

2-موضوعات اجتماعية: تتناول بالتحليل والنقد المجتمع، ومآسيه وتقاليده وطبيعة تركيبه فتسمى (القصة الاجتماعية) كقصة (ذهاب وإياب) لصبري موسى.

3-موضوعات تاريخية: تستمد من التاريخ وتستهدف تحليل أحداثه أو تمجيد بعض أبطاله، فتمسى (القصة التاريخية) كروايات معروف الأرناؤوط.

4-موضوعات سياسية: تستمد من نضال الشعوب، والأحداث الوطنية والسياسية فتسمى (القصة السياسية) كقصة الجبان البخيل لأديب النحوي.

5-موضوعات فكرية: تتعلق بمصير الإنسان وطبيعة الكون فتسمى (القصة الفلسفية) كقصة مرداد لميخائيل نعيمة.

6-موضوعات تشمل على الجوانب السابقة جميعها فتعالج الحياة بكل اتجاهاتها مثل ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين – قصر الشوق – السكرية).



فكرة القصة



هي وجهة نظر الكاتب في الحياة ومشكلاتها والتي يستخلصها القارئ في نهاية القصة.

وهي الأساس الذي يقوم عليه بناء القصة. وإن كل عناصر القصة هي وسائل للكشف عنها، ففكرة قصة (ذهاب وإياب) لصبري موسى هي : لا كرامة لكادح في مجتمع الاستغلال.

على الكاتب أن يتجنب الأسلوب المباشر في طرح فكرته كي لا تسقط القصة في هاوية الوعظ والإرشاد، وتتعطل الحركة فيها.



العمل القصصي (الحدث والحبكة)



الحدث القصصي: هو مجموعة الأعمال أو الأحداث التي يقوم بها أبطال القصة، ويعانونها وتكون في الحياة مضطربة لا نظام لها، فيصوغ الكاتب من هذه الفوضى نظاماً منسقاً في قصته، بما يختاره من حوادث يرتبها ليجعلها قريبة من الواقع توصله إلى هدفه. وهناك أنواع من التصميمات لعرض حوادث القصة:


1-النوع التقليدي: تنطلق فيه الحوادث من بدايتها مرتبة ترتيباً سببياً وزمنياً حتى النهاية بحيث يكون كل حدث أو موقف متأثراً بسابقه ومؤثراً في لاحقه كقصة (عودة الروح) لتوفيق الحكيم.

2-النوع الذي يبدأ فيه الكاتب قصته من النهاية: ثم يعود بالقارئ إلى الخلف ليقص عليه تطور الحوادث الذي أدى إلى النهاية كقصة (السراب) لنجيب محفوظ فبعد مقتل الزوجة وموت الأم يعود البطل إلى البدايات ليستوعب ما جرى.

3-النوع الذي يبدأ فيه الكاتب من منتصف القصة: ثم يرد كل حادثة إلى الأسباب التي أدت إليها، ويمضي في القصة إلى نهايتها كقصة (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ فالحوادث فيها تبدأ لحظة خروج سعيد مهران من السجن فتتداعى لديه صور زوجته وصديقه الخائنين اللذين أدخلاه السجن، وصورة ابنته الحبيبة البريئة وصورة رؤوف الصحفي الانتهازي ويمضي في طريقه إلى الانتقام فتطيش رصاصاته ويمضي إلى نهايته.


الحبكة القصصية: هي ترتيب الحوادث وسردها وتطويرها بحسب منطق الحياة الواقعية، ولها نوعان:


1-الحبكة المحكمة: حوادثها مترابطة متلاحمة، تسير متدرجة متشابكة حتى تبلغ الذروة ثم إلى الحل وقد تتفرق خيوطها وتتعدد شخصياتها، ولكنها تلتقي أخيراً في نقطة واحدة، وقد يلجأ الكاتب إلى الحيل لإرجاء الحل، فيبرز عنصر التشويق. يمثل هذه الحبكة قصة ذهاب وإياب لصبري موسى.

2-الحبكة المفككة: حوادثها متعددة غير مترابطة ومواقفها وشخصياتها متفرقة لا يجمع بينها سوى أنها تجري في مكان واحد أو زمان واحد كما في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ.



البيئة



هي مجموعة القوى والعوامل والأشياء التي تحيط بالفرد وتؤثر فيه ولها إطاران مكاني وزماني:


1- الإطار المكاني: ويشمل البيئة الطبيعية أو الجغرافية وما فيها من مؤثرات تحدد طرق معيشة الإنسان، وشخصيته وطبعه.

كما يشمل البيئة الاجتماعية بما فيها البيت والشارع والسوق والعادات التي تؤثر في أخلاق الشخصيات وسلوكها وتوجيه الأحداث.


يختار الكاتب البيئة الملائمة للحوادث والشخصيات لتكون إطاراً مناسباً.

قد تسيطر البيئة الطبيعية أو الاجتماعية على الشخصيات وطباعها وسلوكها فشخصية الطروسي في قصة الشراع والعاصفة لحنا مينة متأثرة بالبيئة البحرية فهي متقلبة متناقضة ثائرة حيناً، وهادئة حيناً آخر كأمواج البحر.

ولا بد من معرفة الكاتب بيئة عمله القصصي معرفة جيدة ليحسن تحريك شخصياته فيها كما في قصص نجيب محفوظ.


2- الإطار الزماني: وهو عامل هام إذ به تتحدد المرحلة التاريخية للحوادث التي تمنحها سماتها الخاصة بها، فالإطار الزمني لقصة تاريخية يختلف عن الإطار الزمني لقصة معاصرة. وطبيعة العلاقات والشخصيات تختلف من مرحلة إلى مرحلة أخرى.


والبيئتان المكانية والزمانية ليستا زينة أو وسيلة من وسائل الإقناع بالواقع فحسب وإنما هما جزء لا يتجزأ من الشخصية.



الشخصيات



الشخصيات هي مصدر الحوادث، وعصب الحياة، ومحور الحركة في القصة، فهي بما تقول وتفعل تقود القصة من بدايتها إلى نهايتها.

يستمد الكاتب شخصياته من الحياة، ولكنه لا ينسخها عنها نسخاً، بل يقتبس منها بعض الملامح، ثم يكونها نفسياً وجسمياً واجتماعياً بما يحقق أغراضه الفنية والفكرية وقد يقدم في تركيبها جانبا من نفسه.


يوجد في القصة عدد من الشخصيات منها:


الشخصية الرئيسية: وهي محور القصة ويطلق عليها بطل القصة، وقد تكون فرداً واحداً أو قد تكون مجموعة من الناس كما في قصة الطابور ليوسف إدريس، وقد يصبح المكان هو البطل كما في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ.

والشخصيات الثانوية: تكوّن بتصرفاتها إطاراً للقصة.


أنواع الشخصية : يمكن تمييز نوعين من الشخصيات القصصية:


1-الشخصية النامية: وهي الشخصية المتطورة المتفاعلة مع الحدث والتي يتم تكوينها بتمام القصة فتأخذ في النهاية شكلاً مختلفاً عن البداية والذوق الحديث يفضلها كشخصيات زقاق المدق لنجيب محفوظ.

2-الشخصية الثابتة: وهي التي تظهر مكتملة من البداية، وذات بعد واحد لا يتغير تكوينها، ولا تتغير تصرفاتها، وإنما يحدث التغيير في علاقاتها بالشخصيات الأخرى. يمثلها شخصية الشيخ رضوان في قصة زقاق المدق.


طرق رسم الشخصية: يلجأ الكاتب في تقديم معالم شخصيات قصصه ورسمها إلى إحدى طريقتين، أو مزجها معاً:


1-الطريقة التحليلية: يرسم فيها الكاتب شخصياته من الخارج فيحلل عواطفها وأفكارها ويعلق على بعض تصرفاتها ويفسر بعضها الآخر كما في قصة ذهاب وإياب لصبري موسى فقد قد لنا معظم ملامح شدوان.

2-الطريقة التمثيلية: يبعد فيها الكاتب نفسه لتعبر الشخصية عن نفسها بالحوار والتصرفات والصلات مع بقية شخصيات القصة، تبرز هذه الطريقة في قصة الجبان البخيل لأديب النحوي.



وقد يستخدم الكاتب الطريقتين معاً كما في ثلاثية نجيب محفوظ.


من شروط القصة الناجحة:


ألا تطغى شخصية الكاتب عليها

أن يدعها الكاتب تتصرف بعفوية وفق مكوناتها الجسمية والنفسية والفكرية

أن يترك الكاتب لها حرية التفكير والسلوك واتخاذ القرارات فلا يلزمها بأفكاره كما فعل المنفلوطي وجبران في قصصهما.



الأسلوب (النسيج اللغوي)



تختلف أساليب الكتاب في صياغة قصصهم اللفظية، والأسلوب القصصي الناجح يميل إلى: البساطة والسهولة والوضوح والبعد عن التأنق اللفظي الذي يصرف الأديب عن الاهتمام بالعمل القصصي ويعطل الحركة كما في بض قصص طه حسين مثل دعاء الكروان.


يتوزع الأسلوب بين وسائل تعبيرية ثلاث: السرد – الوصف – الحوار


السرد: هو نقل الأحداث من صورتها الواقعية أو المتخيلة إلى صورة لغوية تمتاز بالحيوية: وللسرد ثلاث طرق قد يعتمد الكاتب على واحدة منها أو أكثر:


1-الطريقة المباشرة: وهي أكثر الطرق انتشاراً وأيسرها والكاتب يكون فيها مؤرخاً لأفعال الشخصيات مستخدماً ضمير الغائب، وقد استخدم صبري موسى هذه الطريقة في قصته ذهاب وإياب

2-طريقة السرد الذاتي: وفيها يسرد الكاتب حوادث القصة بضمير المتكلم وكأنه بطل القصة أو أحد أشخاصها، اعتمدها المازني في قصته ليلة حافلة.

3-طريقة الوثائق: يسرد فيها الكاتب الحوادث بوساطة الوسائل المتبادلة بين شخصيات القصة، أو بوساطة المذكرات التي يكتبها بطل القصة كما فعل توفيق الحكيم في قصته زهرة العمر.


الوصف: وهو الوسيلة لرسم جوانب البيئة، أو تصوير هيئات الشخصيات وأحوالها النفسية.

ويجب أن تتصف لغة الوصف: بالسهولة والوضوح وبالتركيز والاقتصاد فيختار الكاتب في وصفه العناصر التي تخدم غرضه كما يجب أن لا يكون الوصف لمجرد الزينة.


الحوار: وهو وسيلة التواصل بين شخصيات القصة. ومن أهم وظائفه:

1-الكشف عن أعماق الشخصية ومستوياتها الفكرية والنفسية والاجتماعية وتقديمها لنا شخصية حية حقيقية.

2-تطوير الحوادث ودفعها إلى الأمام والتنبؤ بها.

3-استحضار الحلقات المفقودة للإعلام عن حوادث وقعت في الماضي أو لم تقع أمامنا.

4-المساعدة على حيوية الموقف لكونه استجابة طبيعية للمناقشة والجدل.


ومن صفات الحوار الجيد:


1-أن يكون ملتحماً بكيان القصة.

2-أن يكون مناسباً للموقف ولمستوى الشخصية.

3-أن يكون سلساً موجزاً مشتملاً على طاقات تمثيلية معبرة.

4-أن يكون قريباً من واقع الحياة دون ان ينحدر إلى مستوى الثرثرة والعامية.


وللحوار في قصصنا المعاصرة نوعان:


1-حوار قريب من العامية لكنه لا يخرج عن الشكل الفصيح.

2-حوار مع الذات وهو ما يسمى بـ (المونولوج الداخلي) يقوم على الاستجابة التلقائية للموقف والتداعي النفسي مما يعطيه قدرة على الحيوية والتأثر.

Ophelia
04-04-2008, 12:34 PM
سنقوم هنا أن باختيار قصة أو رواية ما ونطبق عليها المقالة السابقة ( وهي مأخوذة من أحد المناهج الدراسية)
سيختار كل منا قصة كان قد قرأها ليحللها ويقدم لنا دراسة مبسطة عنها تشمل العناصر الستة المذكورة في المقالة
(الموضوع – الفكرة – العمل القصصي (الحدث والحبكة) – البيئة – الشخصيات – الأسلوب.)
فيحدد لنا موضوع روايته وفكرتها وبيئتها ونوع الحدث والحبكة مع أسلوب الكاتب الذي استخدمه فيها..
قد ترون في الفكرة شيء يشبه تطبيقات طلاب المدرسة ،وليكن، فالغاية من ذلك هي أن نتعود على القراءة التحليلية أثناء قراءتنا أي قصة أو رواية ونحلل هذه العناصر بشكل تلقائي لا مجرد القراءة السريعة للوصول للخاتمة..

أنتظر ما ستختارونه ويفضل أن يختار كل منا شيء مختلف لنحصل على أمثلة عملية لجميع الأنواع والأساليب المذكورة في المقالة
وسأعود باختياري
شكراً لكم

Ophelia
05-04-2008, 03:02 PM
القصة الأولى التي اخترتها للتطبيق عليها


هارب من الموت
عبد السلام العجيلي


بدأ الأستاذ بدر الدين يومه بداية سعيدة. فقد ألقى عند نهوضه من النوم نظرة على المرآة ثم بصق عليها فجرّ ذلك شجاراً بينه وبين الست فلومينا صاحبة البنسيون الذي يسكنه. فهي تزعم أنه رجل قذر لوّث مرآتها ببصقة صفراء مما خالطها من بقايا التبغ الرخيص وآثار البلغم. أما هو فيدعي أنه لم يبصق على مرآتها بل بصق في وجهه هو حين طالعه في المرآة.. أليس من حقه أن يبصق في وجهه، ولا سيما اذا استصبح بمثل هذا الوجه من يوم يريد له أن يكون يوماً سعيداً؟
وكان الأستاذ بدر الدين قد عون أن يكون هذا اليوم أسعد أيام حياته بأن يتخلص من كل همومه دفعة واحدة. لذلك فقد كان هناؤه يفوق الوصف وهو يردد بينه وبين نفسه الخطة التي قرر أن يطوق بها حياته الشقية حتى لا تفلت من المصير الذي أراده لها. ولم يتمالك نفسه من اعجابه باحكام خطته فوضع اصبعه في أحد الخروق التي كانت تزين قميصه البالي فوسعه حتى أتى على آخر القميص، ثم لبس القميص كذلك كأنه يتحدى به الحاجة التي كانت تضطره إلى ستر هذه الخروق بألف وسيلة ووسيلة. وكانت فكرة التخلص من الحياة قد راودته مرات عديدة ولكن أساليب الخروج من الدنيا لم تكن تعجبه، إذ كانت تافهة في أنواعها وغير مضمونة في نتائجها. وما كان يعدل به عن الانتحار بالرصاص إلا خوفه من أن تطيش يده عن المقتل، ولا عن شنق نفسه بحبل إلا خوفه من انقطاع الحبل تحت ثقله الذي لم يزل رغم صيام الفاقة مرموزاً إليه برقم محترم، ولا من القاء نفسه في الماء إلا خوفه ان يتغلب عليه حب الحياة فيصيح ويستنجد، فيصيبه من كل ذلك ما هرب منه، وينضاف إلى شقائه بحياته شقاؤه بالسائلين والمستفسرين والقائلين والمؤولين. على أنه في هذه المرة قد أعمل فكره وأحكم أمره فوجد أن أقرب طريق إلى الموت وأضمنها أن يجمع طرق الانتحار الثلاث هذه: يضع رقبته في أنشوطة معلقة بتلك الدوحة الضخمة النامية على جرف النهر الصخري، وفي اللحظة التي يرفع بها رجليه عن الجرف ليتدلى بالحبل، يطلق الرصاص على رأسه. وهكذا يموت مضروباً بالرصاص مشنوقاً بالحبل، واذا كان غصن الدوحة دون ما يحتمل جثته فسيموت بحمد الله وفوق ذلك غريقاً بماء النهر البعيد الغور السريع الجريان!
وخرج الأستاذ بدر الدين من منزل الست فلومينا يحمل في حقيبته البالية الأدوات التي أعدها في الليلة السابقة ليموت ميتته المثلثة: حبلاً غليظاً ومسدساً محشواً بالرصاص هو كل ما بقي لديه من آثار زعامته البائدة. وكان وهو في طريقه إلى الجرف الصخري والدوحة المطلة منه على النهر يفكر بالحياة التي سيقهرها بعد لحظات وفيما ينتظره بعد الحياة. وكانت فضيلة الأستاذ بدر الدين الوحيدة الباقية له من مجموعة فضائله السابقة أنه رجل مؤمن فكان واثقاً أن ما اقترفه في حياته من ذنوب سيجعل مصيره النار. وكان في قرارة نفسه راضيا بهذا المصير لأمرين: أولهما أنه ذاق من البرد في سنوات عديدة ما جعله يرى في جهنم نعيماً، والثاني أنه كان يعتقد أن الست فلومينا امرأة صالحة سيكون مصيرها إلى الجنة، ولا يريد أن يجتمع بالست فلومينا مرة أخرى ولو في الجنة...
وعندما أصبح الأستاذ بدر الدين خارج المدينة وبلغ الجرف الصخري فتح حقيبته وبدأ يعد أدواته. ولاحت له على مسافة قريبة جماعة من المتنزهين بين رجال ونساء قد افترشوا الأرض قرب الضفة وأخذوا يمرحون ويلعبون، بينما انصرف بعضهم إلى تهيئة ما يشبه أن يكون غداء لهم. وأخذ وهو على الشجرة يربط الحبل الغليظ في أحد الفروع القوية، أخذ يفكر بما سوف يصيب هؤلاء القوم حين يبصرون جثته متدلية بعد دقائق من الشجرة فوق الجرف الصخري. ونزل عن الشجرة وجاء بصخرة وقف فوقها، وبعد أن أحكم وضع الأنشوطة في عنقه قبض بيده اليمنى مسدسه وقربه من صدغه ورفع الأخرى محيياً فيها جماعة المتنزهين. وفي لحظة واحدة رفع قدميه عن الصخرة فتدلى منها جسمه فوق النهر، وأطلق الرصاص على صدغه، فدوى صوته في أذنه اليمنى كأنه الأذن بدخول بدر الدين في الحياة الآخرة.
وفي اللحظة التي انطلقت فيها الرصاصة أحس بدر الدين بأن الضغط الذي شعر به في جزء من الثانية حول عنقه قد انقطع وأحس بأنه قد هوى من حالق، فأيقن بأن ما حلم به في حياته قد تحقق، وأنه، بعد أن مات، في طريقه إلى جهنم..

2
- اح ، ما أبرد جهنم!..
قالها بدر الدين لنفسه – نفسه الميتة بعد الانتحار – فقد شعر بأن قشعريرة قد تناولت جسده من القمة إلى الأخمص، وأن رطوبة مثلجة قد تسربت إلى جسمه فتساؤل ترى هل سقط في قدر من قدور الحميم في الجحيم؟ ولكنه يعرف أن الحميم سائل ناري، أم لعل النيران التي خاضها في الحياة الدنيا تفوق كل نار في جهنم؟ وقال لنفسه – نفسه الميتة – ما لي وللتفكير، ماذا أفادني التفكير في الأولى؟ أولى لي أن أسأل الملكين عما أريده حين يأتيان..
وشعر بدر الدين بضيق في أنفاسه وثقل أخذ يجثم على صدره حتى يكاد يحطم أضلاعه، فقال لنفسه – نفسه الميتة – لا بد أن هذه ضغطة القبر لحقتني وأن معلق في حبل في الفضاء، تبارك الله وصدق المرسلون!.. ثم سمع لغطاً وأصواتاً حوله فبشر نفسه بقدوم الملكين. وكان في كل هذا لا يرى شيئاً فقد كان أغمض عينيه في الحياة الدنيا قبل أن يطلق الرصاص على رأسه، ولم يحاول أن يفتحهما في الآخرة التي انتقل إليها. وشعر بأن هناك أيدياً تجذبه وتجره إليها، وسمع أصواتا مختلفة بعضها بعيد وبعضها قريب، ولكنه لم يفهم منها شيئاً اذ كان سمعه مشوشا، أم لعلها اللغة السريانية التي يتكلمها الملائكة؟ انه لا يدري ولا يهمه أن يدري. ولك ما كان يعرفه أنه شعر بأن هناك من يحمل جسده، ومن يرفع رجليه إلى أعلى ويخفض رأسه إلى أسفل، ومن يضغط بذراعيه على صدره في حركات متتابعة، ومن يمدد جسده في النهاية ويتركه ممدداً. لا بد أن كل هذه تقاليد الملائكة في تلقي الأموات الجدد، بل لعلها تقاليدهم في تلقي المنتحرين؟!. وانتظر بعد أن هدأت الحركات أن يبدأوه بالسؤال والاستجواب.
وانتظر طويلاً. فلم يسمع إلا اللغط الذي حوله فحرك رأسه متململاً، فتناهى إليه صوت رقيق يقول:
- من أنت يا مسكين؟
ففتح عينيه في تململ، فهاله أن يرى بدل الوجه المنكر الذي كان ينتظره محياً جميلاً على جسم فتاة. ماذا، هل خابت ظنونه فدخل الجنة؟ وأدار عينيه، وهو ممدد، فيما حوله فلاح له ما أقنعه بذلك أول الأول، فقد كانت هناك أشجار ونهر جار، وخضرة وزرع، ورجال ونساء ولكن شيئا واحدا أيقظه من حلمه، ذلك هو رائحة شواء نفذت إلى خيشومه، فقد كان قد شم هذه الرائحة وهو يضع ربقة الحبل في عنقه في الحياة الدنيا، أفلا تختلف رائحة الشواء في الدنيا عنها في الآخرى، يعني في الجنة؟ وتذكر لذلك شيئا فمد يده إلى عنقه فوجد الربقة حوله، وتقصاها بيده فاذا لها ذيل قربه من عينيه فاذا هو الحبل الذي علقه في عنقه قبل لحظات، مقطوعا!
أغمض عينيه مرات ثم فتحهما، وتطلع فيما حوله بذهن قد انجلى ما كان قد ران عليه من شواش وحواس ذهب تبلدها وغدت مرهفة. ان ما يراه الآن حوله هو ما كان رآه قبل أن يطلق الرصاص على نفسه: فهؤلاء هم جماعة المتنزهين، وهذا هو الجرف على بعد رمية حجر، وتلك هي الشجرة التي علق نفسه بها، وأما الربقة التي في عنقه فما هي حبل من مسد، ولكنها بقية الحبل الذي علقه في رقبته لينتحر به!... اذا فهو لا يزال في الحياة الدنيا، لم يمت ولم يسقط في قدر من حميم، بل سقط في النهر!
وكان قد تحامل على نفسه وعلى أيدي من حوله من الناس وهو يدير في أسرع من البرق خواطر جمة في رأسه. كيف بعد كل هذا الاحكام في تدبير الخطة يعود حياً؟! ألم يشنق نفسه بحبل؟ ألم يطلق على رأسه الرصاص؟ ألم يغرق في النهر؟ وبعد كل هذا يظل حياً؟ وفجأة لمع الحل في رأسه فكاد يتهاوى على الأرض من الجزع، وكاد ينفجر صدره من الغيظ، وكاد ينقطع نفسه من الضحك. الآن عرف كيف ظل حيا. ففي اللحظة التي أطلق الرصاص فيها على رأسه ودفع الصخرة من تحت قدميه انحرفت يده مقدار شعرة، فبدلا من أن تنقذ الرصاصة في يافوخه أصابت الحبل فانقطع، فوقع في النهر، فانتشله المتنزهون.
- يرحم الله أبا القاسم الطنبوري ويرحم حذاءه. ما أشبه حياتي بذلك الحذاء، كلما حاول التخلص منه ارتد إليه مرفقا بالمزعجات، حتى المجرى الذي القاه فيه رده عليه...
هكذا قال بدر الدين لنفسه – نفسه التي عادت حية – وهو يفكر في الحياة التي عاد إليها وإلى التفكير فيها...

3
ولكن بدر الدين لم يفكر بعد ذلك طويلاً. فقد شغله ما حوله عن التفكير بالتأمل والتطلع، كان هناك شواء ونساء وعناية فائقة بشخصه. وكانت العناية بأكثرها من الفتاة ذات المحيا الجميل التي فتح عينيه عليها بعد صحوته. كانت فتاة صغيرة القد مكتنزة الجسم كأنه بوجهها المورد وعينيها الدورتين دمية دبّت فيها الحياة. وخيل إلى بدر الدين وهو يصغي إلى حديثها الهادئ اللين ويرى تقلب عينيها الحوراوين كلما بدأت الحديث أنها فتاة طبعة على اعتزال الناس، ولكن هذا الحادث الذي فاجأها اليوم أخرجها عن طبعها فتخطت حدودها في حدبها عليه وعنايتها به. ورآها وهي تدور على الحاضرين واحدا واحدا تنزع من كل منهم جزءا من ثيابه لتلبسه اياه، فضحك في سره وخطر له أن يناديها ويطلب إليها أن لا تتوهم فتحسب أن حياة الاستاذ بدر الدين تستحق كل هذا العناء، واذا شاءت تفصيلا فلتسأل الست فلومينا فتنبؤها بمعلوماتها التي من هذا القبيل. الا أنه لم يتمالك ان نظر إلى نفسه وهو متدثر بسجادة بالية آثرت نجوى، وهي الفتاة الدمية، أن تلفه بها خوفا عليه من برد الربيع، لم يتمالك نفسه أن شعر بشيء من الزهو، ولأول مرة بعد عدد من السنين لا يذكره، رضي عن نفسه واغتبط بها.
قال لها، وقد مد يده من خرق في السجادة البالية:
- هات قليلا من هذا الفجل لأعينك في تقشيره.
فلم ترفع عينيها عن كومة الفجل وهمست:
- هش!
- هل تخافين أن آكل منه شيئاً؟
- هشش !
- ما معنى هش بالسريانية؟
فرفعت رأسها ورمقته بنظرة متعجبة وهي تقول:
- سريانية؟
- نعم، فقد كنت أظنني عدت إلى الحياة الدنيا، وكلن يظهر أني مت حقا، وأن هذه هي الجنة التي أعدت لأمثالي من الصالحين، وأنت واحدة من الحور العين..
فانفجرت ضاحكة، ولكن الاستاذ بدر الدين استمر في الكلام وقد عقد ما بين حاجبيه ليكسب كلامه هيئة الجد:
- في الحياة الدنيا كنا نضحك فنقول هاء.. هاء.. أما الذين يتكلمون السريانية فيقولون هيء .. هيء.. اليست السريانية لغتكم أيها الملائكة؟
وكان نجوى قد استلقت على الأرض من ضحكها، وانتثرت حزمة الفجل من بين يديها. فلما سكت قليلاً قالت له:
- ما دمت خفيف الروح هكذا فلماذا أقدمت على الانتحار؟
فاصطنع هيئة المهموم وزفر زفرة طويلة وقال:
- اسألي فلومينا..
- فلومينا من؟ هل هي حبيبتك؟ هل هجرتك؟
فهز رأسه أن لا.
- هل .. هل ماتت؟
فكرر الاشارة برأسه أن لا.
- اذن ماذا جرى بينكما.
- لا شيء. قالت اغسل ملابسك بنفسك، فوجدت أن أحسن طريقة لذلك أن أنزل بها إلى النهر فاكسب لنفسي مع غسيل الملابس حماما كاملا.
فنظرت إليه نجوى بطرف عينها نظرة عاتبة، وقالت له:
- ألا تجدّ مرة واحدة؟ هل تدري أني حين سمعت صوت الرصاص شعرت دون أن أدري بك أو أراك أن أحدا ، أحدا عزيزا، ذهب ضحية تلك الرصاصة، فصحت من كل قلبي وبكل صوتي: يا مسكين.
- انت التي صحت بهذا؟
- نعم. لماذا تسأل بهذه الدهشة؟
- خيل إلي وأنا غريق أن أحدا ناداني: يابدر الدين! وهذا ماجعلني أعدل عن الموت وأعود إلى الحياة. اذن فأنت لم تناديني بل ناديت المسكين، يا ستي الوداع!
ونهض بدر الدين يجر ذيل السجادة البالية وراءه متجهاً نحو النهر كأنه يهم بأن يلقي بنفسه فيه. فلحقته نجوى وتشبثت بأطراف السجادة حتى أجلسته وهو يتظاهر بأنه لن يجلس، وهي لا تتمالك نفسها من الضحك.
وكانت الجماعة قد هيأت الغداء وقام كل من افرادها بقسطه من العمل الذي وكل إليه. فالتفوا حول بدر الدين ووضعوا أمامه الشواء وحوله الفتيات ونجوى بجانبه. فتطلع في عطفيه الملفوفين بالسجادة وفي من حوله من الجماعة، فتنحنح وذكر في سره بيتاً لامرئ القيس كان من منسياته، فتمتم به:
كان ثبيراً في عرانين وبله .... كبير أناسٍ في بجاد مزمل
فتبعته الجماعة بالبسملة، وهم يظنونه فيما قرأه هامساً قد حمد الله وسمى باسمه!

4
انتهت الجماعة من غدائها وانتهى معها بدر الدين فقام بعد أن ألقى عن ظهره السجادة البالية، ونفض بقايا الشواء من حجره وتفرق الجميع عنه إلا نجوى التي بقيت بجانبه. قالت له:
- هل أغسل يديك على الضفة؟
فضحك وقال وهو يسبقها في طريق النهر:
- في بلادي يقولون: الذي تلدغه الحية يخاف من أثرها على التراب. نذرت لله أن أبقى دسم الكفين أربعين عاما، أو على الأقل ما بقي من حياتي. ولكن لا بأس، ما قيمة النذر اذا لم يخرق، فلنبدأ اليوم.
قالت بصوت يفيض حنانا:
- أجبني جادا مرة واحدة. ما الذي دفعك إلى الانتحار؟ انظر إلى ما حولك؟ ألا ترى جمال الحياة، ألم تشعر به؟
- بلى، شعرت بهذا الجمال مرة واحدة.
- متى كان ذلك؟
فتوقف بدر الدين حتى صارت نجوى في محاذاته، وتطلع إليها، ثم قال:
- اليوم، بل الآن.
فأطرقت برأسها ، وسبقته ساكتة إلى النهر حتى انحدرت من الجرف إلى الضفة وأخذت تغسل يديها بقطعة من الصابون. أما هو فقد جثم قريبا منها وتطلع وهو واجم، وجوما صحيحا في هذه المرة لا متصنعا، إلى شعرها الكستنائي الذي يدور في حلقات كانت تنوس حول جيدها، وتنسدل خصلة منه على جبينها كلما داعبها نسيم الربيع العليل على شاطئ النهر رفت أمام عينيها في دعة ونعومة. في هذه اللحظة شعر بدر الدين حقاً بجمال الحياة وعجب من نفسه كيف رضي أن يفارق هذه الحياة الجميلة مختاراً إلى عالم كل ما فيه ظلام ورؤى مفزعة. وراح يسأل نفسه كيف عميت عيناه قبل الآن فلم ير في الدنيا نساء غير الست فلومينا. أوَ لم تكن نجوى ولداتها من بنات هذه المدينة؟ بلى كانت وكن، ولكنه هو كان أعمى القلب. ونذر في نفسه، نذراً صحيحاً هذه المرة لا دعابة، ان يتمسك بحبال الحياة التي انتشى بجمالها اليوم، فلا يتركها أو يتنازل عنها لمخلوق لا مختارا ولا مضطرا، ومن يضطره إلى ترك الحياة؟ انه يشعر الآن بعد أن دفئ وشبع وأسكرته نظرات نجوى وما تظهره من عاطفتها وما تخفيه، انه يشعر أن بمقدوره مصارعة ملائكة الموت ومغالبة قوى الكون.
وتناول بدر الدين قطعة الصابون من يد نجوى وتقدم إلى الشاطئ. ويظهر ان أثر الصابون من يد نجوى على طين الضفة الأملس جعل منه مزلقا ناعما، فزلقت عليه قدم بدر الدين وانحدر جسمه وراء قدمه حتى غمره الماء. فلم يبال وهو في بحران نشوته بما أصابه بل استسلم فيما يشبه الغبطة إلى الماء الذي ضمه. وانحدر، انحدر عميقا، فقد كانت في محل ما انزلق من النهر دوامة عاتية لا يظهر على سطحه منها اثر والقوة كل القوة فيها في أعماقه. وظل بدر الدين في انحداره لا ترى نجوى منه شيئاً، وخيل إليه وهو في انحداره ذاك أن صوتا قد اخترق اليه الأعماق يصيح به:
- بدر الدين، يا بدر الدين!..
ولهذا الصوت وحده حرك بدر الدين يديه كمن ينتفض من حلم، ولكن تلك الانتفاضة ثلاشت في الأعماق، ولم يبد منها على السطح سوى فقاعة، فقاعة ضئيلة، سرعان ما انفجرت، وبعد الانفجار تلاشت واستمر النهر في جريانه وكأن الساعات التي انطلقت حينذاك لم تتلاش بعد اصداؤها من جنبات ذلك الوادي الهادئ حيث نوّر الزهر وهب النسيم وضحك الربيع.
أما على الضفة فقد كانت نجوى، نجوى المسكينة، دافنة وجهها في كفيها، تبلل خصلة شعرها المتناثرة بدموعها الحرىـ وهي تردد لنفسها ولماء النهر الجاري:
- مسكين، مسكين أنت يا بدر الدين..



من مجموعته القصصية
ساعة الملازم

Ophelia
06-04-2008, 11:04 PM
دراسة نص (هارب من الموت) لـ عبد السلام العجيلي



1- الموضوع: تتلخص فكرة القصة في محاولة البطل الانتحار هرباً من معاناته وظروف حياته القاسية بين الفقر واضطهاد صاحبة الفندق الذي يقطنه فيخطط جيداً لتنفيذ عملية الانتحار ولكنها تفشل، وفي اللحظة التي يكتشف فيها شيئاً يستحق أن يعيش لأجله وتعيد له تلك التجربة حبه للحياة ورغبته في الاستمرار تنزلق قدمه ويموت غرقاً ..


أعتقد أن القصة تجمع بين نوعين من المواضيع، الموضوع الاجتماعي والموضوع الفكري

اجتماعي لأن قراره بالانتحار كان نتيجة لمجموعة ظروف اجتماعية قاسية دفعته لذلك

وفكري لأن القصة تتحدث عن مصير الإنسان وقدره وسعادته


وطبعاً القصة مستمدة من الواقع ولا سيما بإرفاق هذه الملاحظة مع القصة ( منذ مدة جرت في منزل صاحب مجلة الأديب سهرة أدبية ضمت النائب السوري الدكتور عبد السلام العجيلي والشاعر الكبير الأستاذ عمر أبو ريشة والأستاذ ألبير أديب والأستاذ رياض طه. وقد رويت خلال تلك السهرة بعض النوادر الواقعية فأوحت إلى الأستاذ طه بفكرة. وما أن أفضى بها إلى الدكتور العجيلي حتى اتفق الكاتبان القصصيان على أن يضع كل منهما الفكرة في قصة يصوغها بأسلوبه الخاص. ويسر "بيروت المساء" أن تقدم هذا اللون الطريف من الأدب في هذا العدد. قصة "هارب من الحياة" للأستاذ رياض طه، وقصة "هارب من الموت" للدكتور عبد السلام العجيلي) "قصة ذات وجهين - بيروت المساء العدد 107" 14 آذار سنة 1949



2- فكرة القصة: يمكن استخلاص عدة أفكار من القصة أو ربما هي فكرة واحد بصياغات مختلفة:

- الحياة كحذاء الطنبوري كلما حاولت الهرب منها عادت إليك بمزيد من المتاعب

- لم يصبر على الحياة عندما كانت عابسة في وجهه، فلم تستقبله وهي باسمة

- حاول أن يسخر من الحياة بمغادرتها، فسخرت منه عندما قرر أن يحياها



3- العمل القصصي:

الحدث : من النوع التقليدي والحبكة: محكمة

حيث تبدأ القصة بتخطيط البطل للانتحار ثم يتجه لمكان التنفيذ ويتصاعد الحدث عندما تفشل خطته ويكتشف أنه على الأرض ما يستحق الحياة ويقرر عدم التخلي عنها والمحاربة من أجلها ثم تنتهي القصة بموته ..



4- البيئة

- المكان: جرت القصة في مكانين متناقضين تماما وربما كانا عبارة عن رمز لتواجد الإنسان في الجنة وعلى الأرض

حيث تبدأ القصة في بنسيون الست فلومينا المتسلطة حيث القهر والاضطهاد ومظاهر البؤس ( وهذه تمثل حياة الإنسان على الأرض)

ثم ينتقل الحدث للمكان الذي سينتحر فيه البطل وكان عبارة عن بستان بجانبه نهر ( ويمثل الجنة التي طرد منها الإنسان ولم ينعم بها طويلاً)



5- الشخصيات

الشخصية الرئيسية:الأستاذ بدر الدين

الشخصيات الثانوية: نجوى - الست فلومينا


بدر الدين: شخصية ثابتة إلى حد ما ، بمعنى أن القصة بدأت في نهاية حياته لتصور لنا كيف دفعته تلك الحياة ليأخذ قراره بالانتحار ولكن التغيير الذي يطرأ عليها هو في علاقتها بالعالم ورؤيتها الجديدة للحياة..


من هو بدر الدين؟

من الجملة الأولى للقصة نتعرف إليه: (( بدأ الأستاذ بدر الدين يومه بداية سعيدة. فقد ألقى عند نهوضه من النوم نظرة على المرآة ثم بصق عليها ))

هو رجل مستاء من الحياة ، غير راض عن ذاته، يبدأ يوماً جديداً يقرر أنه سيكون سعيد لنكتشف بعد قليل أن مصدر السعادة هو قراره بالتخلص من حياته والانتقام من تلك الصورة التي طالعته بالمرآة صباحاً فبصق عليها، فيبدو أن قراره بالانتحار كان للهروب من ذاته والانتقام منها لا من الحياة نفسها، وبالتالي فمشكلته هي مع نفسه أولاً وليس مع العالم من حوله..


لكن ذلك لا ينفي أيضاً معاناته مع الخارج وعدم قدرته على تحمل المزيد، حيث نجد عد ة إشارات لفقره المدقع:

((مما خالطها من بقايا التبغ الرخيص ))

((قميصه البالي ))

((لم يزل رغم صيام الفاقة ))


فضلاً عن اضطهاد الست فلومينا له، صاحبة الفندق : ((فجرّ ذلك شجاراً بينه وبين الست فلومينا صاحبة البنسيون الذي يسكنه. فهي تزعم أنه رجل قذر لوّث مرآتها ببصقة صفراء ))


لم يعد قادراً على الاستمرار في ترقيع حياته البالية.. فقرر أخيراً بدل الترقيع الذي طالما أجبرته الحاجة على ممارسته مع قميصه البالي أن يفعل العكس ويمزق القميص كله متحدياً تلك الحاجة :

((فوضع اصبعه في أحد الخروق التي كانت تزين قميصه البالي فوسعه حتى أتى على آخر القميص، ثم لبس القميص كذلك كأنه يتحدى به الحاجة التي كانت تضطره إلى ستر هذه الخروق بألف وسيلة ووسيلة. ))


قرر أن يسخر من حاجته ومن حياته ولن يكون بعد الآن بحاجة لترقيع أي شيء في حياته..


خلال القصة نلحظ صفات أخرى في البطل.. فيبدو أنه لم يكن فيما مضى في هذه الحالة من العوز والفقر وإنما على العكس مر بحالة من السيادة والقوة والسلطة، الأمر الذي يبرر لنا أسباب استيائه المضاعف من هذه الحياة الحالية، فمن جرب النعمة سابقاً سيكون تأثير الفاقة عليه أشد وأكبر ممن اعتاد عليها ونلحظ ذلك في عبارة: ((ومسدساً محشواً بالرصاص هو كل ما بقي لديه من آثار زعامته البائدة. ))

أي أنه كان عزيز قوم وذل !!


إضافة إلى ذلك فقد كان من النوع الذي يدفعه تأنيب الضمير إلى ممارسة عقاب الذات، فربما كان قراره بالانتحار ناتجاً عن اعتقاده بأنه لم يعد يستحق شيئاً أكثر من الموت ودخول النار:

((وكانت فضيلة الأستاذ بدر الدين الوحيدة الباقية له من مجموعة فضائله السابقة أنه رجل مؤمن فكان واثقاً أن ما اقترفه في حياته من ذنوب سيجعل مصيره النار. ))

هناك الكثير ممن يمارسون محاسبة الذات وعقابها وحتى إن لم ينتحروا ولكن يعاقبون أنفسهم وهم أحياء..


أما الصفة الأخرى الواضحة في شخصيته أن كان إنساناً مثقفاً (يظهر ذلك من خلال بيت الشعر الذي يردده أثناء تناول الغداء) ومفكراً..

هو يفكر في الحياة أكثر من ممارستها، فعدم الرضا عن الذات يدفع الشخص دائماً للتفكير بجدوى حياته ومحاسبة نفسه:

((وقال لنفسه – نفسه الميتة – ما لي وللتفكير، ماذا أفادني التفكير في الأولى؟))

((هكذا قال بدر الدين لنفسه – نفسه التي عادت حية – وهو يفكر في الحياة التي عاد إليها وإلى التفكير فيها...))


فيبدو أن انتحاره كان هرباً من التفكير بالحياة لأنه أصلاً ميت ولن يحتاج للانتحار ليموت أكثر مما هو ميت ويعلم أن مصيره النار في الحالتين ولكن كل ما أراده هو محاولة الهرب من عذاب التفكير..


وما حدث في النهاية أنه عندما قرر أن يعيش الحياة فقط ويتمتع بجمالها ابتعدت عنه.. (وربما أراد الكاتب أن يقول أن حياة بدون تفكير لن تكون حياة أيضاً)


وكذلك نلاحظ سمات السخرية وخفة الظل في شخصيته وحتى ميتته كانت آخر نكتة سخرت الحياة بها منه فنجد أنفسنا نردد ، مبتسمين لا باكين، مسكين يا بدر الدين!


حيث تفر الحياة منه في اللحظة التي شعر بها برضا عن ذاته: (( ، ولأول مرة بعد عدد من السنين لا يذكره، رضي عن نفسه واغتبط بها.))


وفي اللحظة التي قرر أن يعامل الحياة فيها بجدية ويتمسك فيها بكل طاقته تعامله هي بكل سخرية ودعابة: (( . ونذر في نفسه، نذراً صحيحاً هذه المرة لا دعابة، ان يتمسك بحبال الحياة التي انتشى بجمالها اليوم، فلا يتركها أو يتنازل عنها لمخلوق لا مختارا ولا مضطرا، ومن يضطره إلى ترك الحياة؟ انه يشعر الآن بعد أن دفئ وشبع وأسكرته نظرات نجوى وما تظهره من عاطفتها وما تخفيه، انه يشعر أن بمقدوره مصارعة ملائكة الموت ومغالبة قوى الكون.))


وفي هذا المقطع تحديداً يمكننا أن نصل لسبب خروجه من الجنة التي عاشها للحظات قليلة.. فبعد نار الست فلومينا وحياة البؤس والمعاناة التي كان يعيشها انتقل فجأة لعالم آخر كان أشبه بجنة يحيط به الأناس الطيبون والأطفال الأبرياء يلعبون وغادة حسناء تهتم وتعتني به.. كل هذا جعله يشعر بالزهو والغرور ويتحدى أي قوة يمكن أن تسلبه هذه السعادة.. وهنا نجد أنه ارتكب نفس خطأ الدكتور فوستوس عندما أتخمه غرور العلم والقوة، وأوديسيوس عندما وقف أمام البحر متبجحاً بجبروته.. وبهذا كان مصيره الخروج من الجنة..



الست فلومينا: (( وكان في قرارة نفسه راضيا بهذا المصير لأمرين: أولهما أنه ذاق من البرد في سنوات عديدة ما جعله يرى في جهنم نعيماً، والثاني أنه كان يعتقد أن الست فلومينا امرأة صالحة سيكون مصيرها إلى الجنة، ولا يريد أن يجتمع بالست فلومينا مرة أخرى ولو في الجنة...))

الست فلومينا هي نموذج لشخصيات كثيرة موجودة بيننا تجعلنا نفضل أن نكون في النار إن كانت الجنة ستضطرنا للاجتماع بهم ثانية!!



طريقة رسم الشخصيات كانت تمثيلية ترك لها الكاتب حرية التصرف والسلوك والتعبير عن نفسها والحوار مع ذاتها ومع الآخرين ليقدم لنا صورة أوضح عنها..



6- الأسلوب: ( السرد والوصف والحوار)


طبعاً أسلوب الكاتب كان بسيطاً واضحاً وبعيداً عن التأنق اللفظي استخدم في السرد الطريقة المباشرة متحدثاً بضمير الغائب لوصف البطل وما جرى معه.


كان وصفه دقيقاً ومهماً في أحداث القصة فمن وصف حالة الفقر التي يعانيها البطل لوصف عملية التحضير لانتحاره والوسائل التي استخدمها لينجز المهمة الفاشلة، والمكان الذي توجه إليه، وكان الوصف هاماً لنشعر بالنقلة التي حدثت للبطل من غرفة الست فلومينا (الأرض) إلى البستان حيث الماء والهواء والخضرة والوجه الحسن (الجنة)..


والحوار تم توظيفه لفهم الشخصية والتقرب منها أكثر، فلولا حواره مع نجوى لما شعرنا بروح السخرية والدعابة التي يملكها وكذلك حواره مع ذاته سواء ببيت من الشعر أو التفكير في الجنة والنار والحياة والموت كلها كشفت لنا عن شخصيته كمثقف ومفكر..




*


****



طبعا هذه محاولة لتحليل النص وقد أكون شطحت بعض الشيء وحملته ما لا يحتمل ولكن يشفع لي أن باب التأويل في أي نص أدبي مفتوح لكثير من الاحتمالات إضافة إلى أن الكاتب عبد السلام العجيلي، عليه رحمة الله، متوفي أصلاً ولن أحتاج لنظرية موت الكاتب لأسقط على نصه ما أريد من قراءات وتأويلات..


سيكون الخيار التالي قصة من المشهد..

بنان
07-04-2008, 04:17 PM
شكراً اوفيليا
سأختار قصة (طائر المئذنة) لعبد الله السعد
وهذا الرابط http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=123613

Ophelia
08-04-2008, 12:30 AM
شكراً اوفيليا
سأختار قصة (طائر المئذنة) لعبد الله السعد
وهذا الرابط http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=123613

شكرا لك يا بنان
وبانتظار تحليلك للقصة

سأضع قصة أخرى قبل اختياري من قصص المشهد
حيث أني لم أجد الاختيار من المشهد سهلاً على الإطلاق ..

Ophelia
08-04-2008, 02:00 PM
يومياتي مع برلنت

قصة: نهاد سيريس


22/7/1995

استيقظت على صوت برلنت العالي. كانت تقف على نافذة الدرج بجانب نافذة غرفتي وهي تثرثر مع جارتها التي تسكن في البناية المقابلة. هي تتعمد التكلم بصوت عال لكي أسمعها. طلبت منها عدة مرات ان تكف عن ازعاجي، ولكنها كانت تبتسم وتتمايل وهي ترنو الي بطريقة غريبة وتعتذر. برلنت تحبني وهي الآن تتحدث مع جارتها عن نساء سوف يأتين مساء لرؤيتها. تقول ان العريس يعمل في الامارات وسوف تسافر الى هناك اذا ما حصل النصيب. انها تكذب الملعونة، فقد حدثت ام حسن عن كثير من العرسان، وفي كل مرة كنت أحمد الله انها ستتزوج أخيرا وتريحني من ثرثراتها. ام حسن لا تفهم ان برلنت تتحرش بي. حاولت العودة للنوم، فلم تكن الساعة قد بلغت العاشرة بعد ولكن دون فائدة. نهضت أخيرا بعد ان علمت من برلنت ان في الامارات خادمات آسيويات رخيصات.

عندما كنت أخرج من شقتي، تفرست بي برلنت. صبّحت عليها فردت علي وقد التصق كتفاها بالجدار بينما دفعت جسدها الى الامام. كانت المسكينة عاشقة. كانت تبحث في وجهي عن أي أثر لأخبار خطابها الجدد. شاهدت ام حسن على شباك غرفتها فاندفعت مسرعة الى الداخل كي تبعد شعرها المنفلت عن عيني ثم عادت لتسترق النظر. قالت لي برلنت انها تعتذر فقد نسيت مرة أخرى ان تتكلم بصوت خافت وسألتني ان كانت قد أزعجتني. قلت لها لا، ثم هممت بالنزول ولكنها استوقفتني مرة أخرى. احتارت وقد احمر وجهها بما يمكن ان تقوله لي، فلم أكن أشجعها على الاطلاق بوجهي الجاف، ثم قالت: " ما في شي" فتركتها ونزلت بينما ظلت واقفة تنظر الي كيف أنزل برشاقة وقد نسيت ام حسن.

كالعادة، ذهبت أولا الى البريد فلم أجد في الصندوق سوى احدى المجلات الملتزمة التي اعتادت احدى المنظمات ارسالها الي دون طلب فتصفحتها ثم تركتها على رف بائع الطوابع، ثم دلفت الى صالون تلميع الاحذية وعندما خرجت ذهبت الى المقهى.

25/7/1995

كنت عائدآ من الخارج حين صعدت الدرج دون اية ضجة كي لا أتفاجأ ببرلنت. أخرجت مفتاح الشقة بكل حرص وانا أنظر جهة باب شقتها المقابل لبيتي. ابتسمتُ لأنني استطعت الهرب منها، وربما لأن هذه اللعبة تجلب لي شيئا من التسلية. ولكنني لم ابتسم طويلا فقد انشق باب شقتها بهدوء في نفس اللحظة التي كنت أدفع فيها باب شقتي ثم خرجت وكأنها تتلصص، ففي هذا الوقت من بعد الظهر يكون أبوها قد عاد من عمله وتناول غداءه واستسلم لساعة قيلولة. كانت برلنت متجملة ويبدو انها قد انتظرت طويلا عودتي قابعةً خلف الباب. نادتني " استاذ!!" فاضطررت لاجابتها ولكن دون ان أغير سحنتي (فانا ابدو وكأنني مستاء رغم انني لست كذلك) والواضح ان برلنت لم تكن قد اعتادت على طبيعة سحنتي فاضطرت إلى أخذ الحذر. ولكن أي حذر هذا..؟ كانت المسكينة تثير الضحك بسبب طريقتها الخرقاء في العشق.. وتبدو الآن وكأنها قررت القيام بمغامرة.

قالت انها تريد استشارتي في أمر هام بالنسبة اليها خصوصا وانني مثقف ومتعلم وعندي خبرة في الحياة. هززت رأسي لتتابع دون ان ابتسم لكلماتها، فانا أعرف انها تجاملني وكل ما كانت تريده هو دقائق لتتكلم معي. قالت: " خطبني مدرس بيشتغل في الامارات" قلت لها نعم، فسألتني وهي تسدد الي نظرة ذات معنى: " أوافق والا لأ..؟" حاولت ان أهرب بناظري من عينيها، فقد كانت تلاحق تعابيري بطريقة مكشوفة. انها وبكل وضوح تريد ان تدفعني الى التقدم لخطبتها وكل هذه القصة عن مدرس الامارات تبدو لي مختلقة. انها بكل بساطة عاشقة ومسكينة..

أنهيت الأمر بعدة كلمات، فعليها ان تعرف انني لا أفكر بالزواج من امرأة بسيطة وشعبية مثلها. سايرتها في لعبتها وقلت لها انها لن تندم اذا ما تزوجت المدرس الذي يعمل في الامارات وانني أتمنى لها التوفيق فهي بسعر اختي فاطمة التي عرفتها حين جاءت لزيارتي مع زوجها محمد في العام الماضي.

ابتسمت لها برقة بعد ان تأكدت انني قد انهيت أوهامها بطريقة ناعمة كنت أحسب انها لن تؤذي مشاعرها. أطرقت برلنت صامتة. كنت أنوي الانسحاب ودخول شقتي إلا ان ارتجاف زاوية فمها أوقفني. ظللت واقفا أراقبها باحثا في ذهني عن كلمات أشجعها بها لارتياد مغامرة السفر الى الامارات رغم اقتناعي بعدم وجود مثل هذا المشروع أصلا فشاهدت دمعتين تنسلان من عينيها. رفعت الي عينيها الحمراوين والرطبتين ثم رسمت بشفتيها كلمة " طيب" واستدارت ثم دفعت الباب وغابت خلفه. سمعت تكة الباب وهو يغلق بنعومة.

16/8/1995

انشغلت في الايام الماضية بكتابة والقاء محاضرة عن المستشرقة الانكليزية الليدي " آن بلنت "التي زارت المنطقة عام 1878 وكتبت كتابا عن قبائل بدو الفرات تحضيرا لاحتلال جيوش بلادها للمنطقة. كنت استغرق في موضوعي طوال الليل وأظل نائما حتى الثانية عشرة. كنت في بعض الأحيان أترك عملي لأن صورة برلنت وهي تبكي تكون قد هاجمتني فأشعر بالحزن عليها فهي انسانة بسيطة ولكنها طيبة وليس ذنبها انها عشقت شخصا مشغولاً بأمور الثقافة. ثم لاحظت انها لم تعد تزعجني صباحا ولم تعد تقف على نافذة بيت الدرج القريبة من نافذة غرفة نومي لتتحدث بصوت عال مع جارتها ام حسن. وإذا أردت ان أسجل السبب حسب رأيي فإنني أعتقد انني استطعت أخيرا اقناعها بعدم جدوى دعوتي الى خطبتها، أي انها فقدت الأمل بي فتوقفت عن اختلاق مواضيع الخاطبات.

وبسبب انشغالي بالليدي " آن بلنت "لم ألاحظ تلك السيارة الامريكية فضية اللون ذات اللوحة الاماراتية التي أصبحت تزور الحارة وتقف على الرصيف بشكل عرضاني، كما انني لم أميز ذلك الرجل الاربعيني الذي راح يزور بنايتنا ويصعد الى نفس الطابق الذي تقع فيه شقة برلنت وشقتي. وفي هذه الليلة بالذات سمعت وأنا أكتب هذه الاسطر أصوات زغاريد آتية من مكان قريب، وبسبب من إنني كنت قد أشرعت النافذة وجلست الى طاولة الكتابة فقد حسبت بان الزغاريد تأتيني من بناية ام حسن أو من البناية الملاصقة لبنايتنا، فتركت القلم (هنا بالذات تركت القلم وعدت الى كتابة الاسطر التالية فيما بعد) ليس بسبب انزعاجي من الزغاريد بل لأن برلنت خطرت في بالي فتصورتها حاضرة في العرس وهي حزينة لأن احدى الجارات تتزوج بينما هي ستظل قاعدة في البيت بعد ان جربت حظها معي وفشلت لأنني أخشى الارتباط بانسانة غير متعلمة.

هناك شيء نسيت كتابته في مذكرات اليوم الأول وهو ان وجه برلنت جميل ولديها أنف دقيق وعينان بنيتان واسعتان كما ان جسمها ممتلئ بعض الشيء، وقد أعجبت بها في بداية سكني في هذه الشقة ولكن بساطتها وشعبيتها جعلتاني لا أفكر بها أكثر من ذلك، فمن المستحيل على واحد مثلي، يرتاد الاوساط الثقافية ويكتب ويلقي المحاضرات عن المستشرقين الاوروبيين الارتباط بواحدة مثل برلنت.

قرع الجرس فنهضت لأفتح الباب وأنا أحسب ان احدى زميلاتي المثقفات قد جاءت لزيارتي فقد كنت أواعد أكثر من واحدة واعتدن المجيء إلي حين تسنح لهن الفرص. لم تكن ولا واحدة منهن بالباب بل كانت الجارة ام حسن وقد أتت وقد صبغت وجهها بالاحمر والازرق لتطلب بعض الكراسي لأن " عقبيل عندك يا استاذ، اليوم عرس جارتك برلنت".. تساءلت: "عرس؟" فقالت: "نعم، عرس برلنت الله يهنيها" ثم أخبرتني ان العريس مدرس يعمل في الامارات.

19/8/1995

أمضيت الأيام الثلاثة الماضية في البيت. حاولت بشتى الوسائل ان أراها ولكن دون نتيجة، لذا فقد حاولت أن أكتب وصفا لمشاعري بعد ان ظهر غبائي الفظيع. كتبت وأكتب انني أشعر وكأنني خسرت رهانا أو فرصة غنية أو ما شابه. لا أستطيع ان أصف مقدار شعوري بالخسارة، رغم استغرابي هذا الشعور. كنت انتقل من النافذة فأنظر الى الشارع حيث تقف السيارة على الرصيف بشكل عرضاني، ثم الى باب الشقة فانظر في العين السحرية علها تظهر لدقيقة. كنت أريد مشاهدتها، أو بالأصح كنت أود رؤيتها وهي تراني أراها وهي عروس. كنت أريدها ان تعرف انني مندهش.

استلقيت في الفراش ورحت أفكر. إنها إذن لم تكن تحبني وكل أحاديثها عن الخاطبات مع ام حسن كانت صحيحة. هل كنت أتوهم ؟ لقد سألتني رأيي بخصوص زواجها من المدرس. هل كانت تسعى الى نصيحة أم أنها كانت تحبني فعلا وتعطيني آخر فرصة؟ طيب.. كنت أسعى للخلاص منها، فلماذا أشعر بفقدانها الآن؟ ولماذا بكيتْ عندما شجعتها على الزواج من المدرس؟ أسئلة كثيرة أرقتني كثيرا قبل ان أغفو، وعندما استيقظت كانت قد سافرت مع زوجها المدرس الى الامارات..



***


قصة لذيذة
سأعود لقراءتها

Ophelia
08-04-2008, 09:44 PM
دراسة نص (يومياتي مع برلنت) لـ نهاد سيريس


1- الموضوع: إنسان متعلم ومثقف تسكن في الشقة المقابلة لشقته فتاة، رغم جمالها، جاهلة وشعبية تحب هذا الأستاذ المثقف جارها وتحاول لفت انتباهه باستعراض أخبار خطابها على مسمع منه..

والموضوع هنا من الموضوعات النفسية: التي تدور حول النفس الإنسانية لكل من المرأة والرجل بتناول إحدى مظاهر علاقتهما وهما يمارسان لعبتهما الأبدية .. لعبة القط والفأر..


2- الفكرة: فكرة القصة تقول:"لا نشعر بقيمة الأشياء إلا عندما تغادرنا"


3- العمل القصصي: (الحدث والحبكة)

الحدث من النوع التقليدي المرتب ترتيباً زمنيا متسلسلا من البداية إلى النهاية والحبكة محكمة حيث تبدأ بتعريفنا بالشخصيات وعلاقتها ببعضها ومحاولات برلنت لفت انتباه الاستاذ وتصل للذروة عندما تطلب رأيه بالخطيب الجديد المتقدم لها وعندما يؤكد لها أنه لا يرى فيها سوى أختاً تفقد الأمل بحبه لها..وتنسحب هي، كما الأحداث، بهدوء لينتهي كل شيء بزواجها وصدمته بالخبر وتغير مشاعره..


4- البيئة: المكان: معظم أحداث القصة تقع في المساحة الفاصلة بين بابي شقتين متواجهتين في أحد الأبنية..

هذه المساحة الصغيرة كانت تربط بين عالمين مختلفين، عالم الأستاذ المثقف المعقد وعالم الفتاة الجاهلة البسيط..


5- الشخصيات:

الشخصية الرئيسية :الأستاذ وهي شخصية ثابتة ولكن التغير الذي يطرأ هو على علاقته بجارته ومشاعره تجاهها

الشخصيات الثانوية: برلنت وأم حسن


الأستاذ: وهو ينادى خلال القصة بالأستاذ فقط دون تحديد اسمه.. هو كما يخبرنا بنفسه عن ذاته.. إنسان مثقف متعلم منشغل بأمور الثقافة يكتب عن شخصيات ومستشرقين أوربيين ويلقي محاضرات ويرتاد الأوساط الثقافية ولديه زميلات مثقفات..

يقطن في شقة اعتاد أن يستيقظ فيها على صوت جارته برلنت وهي تقص على جارتها في البناء المقابل أخبار آخر المتقدمين لخطبتها ، ورغم انزعاجه من ثرثرتها اليومية ومصارحتها بهذا الانزعاج ومعاملته الجافة لها إلا أنه يجد فيها لعبة مسلية فهو يعتقد أن قصص الخاطبين ما هي إلا أكاذيب تختلقها محاولة منها للتحرش به..


ولكن حتى لو كانت برلنت هي الراعي الكاذب الذي كان ينادي كل يوم على قومه بقدوم الذئب إلى أن توقفوا عن تصديقه في النهاية، حتى لو كانت كاذبة بشأن الخاطبين فيبدو أن الذئب في هذه القصة بدل أن يأكلها هي، عقاباً على كذبها ،أكل الأستاذ عقاباً على عدم مبالاته بها..


وهذا ما حدث له فعلاً عندما اكتشف أنها ستتزوج ذلك الرجل الأربعيني وتسافر معه للامارات ولن يكون هناك بعد الآن تلك المضايقات الممتعة التي تملأه زهواً بنفسه.. الذئب الذي أكل الأستاذ هو الندم على ما أضاعه وعلى إدراكه المتأخر أن الحب الذي يحتاجه وينتظره كان على بعد خطوتين من بابه ولم يهتم لوجوده إلا بعد ضياعه..


برلنت:فتاة بسيطة غير متعلمة وشعبية كما يصفها الأستاذ ولكنها طيبة وعاشقة تحاول لفت انتباه من تحب بأي وسيلة.. فمن الحديث عن خطابها بصوت مرتفع إلى محاولة استبقائه للتحدث معه في أي شيء حتى وإن كان "مافي شي"، إلى انتظار عودته طويلاً وراء الباب إلى حركات الغنج التي بدل أن تثير إعجابه تثير ضحكه وشفقته كشخص يعرف نوعيات كثيرة من النساء، ربما كن أكثر تعقيدا ومواربة في التعبير عن غاياتهن..


برلنت هي امرأة لا أكثر ولا أقل ولم تكن المشكلة في كونها جاهلة أحبت مثقفاً ، فحتى المثقفة هي امرأة أيضاً ولديها نفس الطباع التي تدفعها للف والدوران حول ما تريد ومن تحب دون التصريح المباشر بذلك ولكن الفرق أن أساليب المثقفة ستكون أكثر غموضاً واعوجاجاً وتعقيداً مما كانت تفعله برلنت الساذجة..


وربما تعمد الكاتب أن يكون هناك تشابه بين اسم آن بلنت (المستشرقة التي أشغلت وقته بالكتابة عنها)وبرلنت جارته التي لم يعرها قليلاً من اهتمامه .. لكي يقول أن الإنسان قد يضيع الكثير من الفرص الحقيقية في حياته وهو يجري وراء أوهام وأشياء غير حقيقية.. وأن النساء جميعهم نساء سواء كانت الليدي آن بلنت أو برلنت!!

وربما أيضاً أراد أن يقول أن برلنت الجاهلة الشعبية أفضل من كثير من نساء مثقفات متعلمات غيرها.. فبرلنت على الأقل لم تعش في الوهم طويلاً ولم تخدع نفسها كثيراً وما أن تأكدت أن من تحاول لفت انتباهه لا يأبه بها انسحبت بكل هدوء لتتابع حياتها التي حتى وإن كانت لم تخترها بإرادتها ولكنها تبقى حقيقية وواضحة المعالم..


6- الأسلوب: ( السرد والوصف والحوار)


استخدم في القصة طريقة السرد الذاتي حيث يتحدث فيها الكاتب بضمير المتكلم ، فيسرد لنا البطل بنفسه يومياته مع جارته برلنت..


الوصف: وظفه بشكل جيد وبتوقيت يخدم غرض القصة.. فخلال سرده في بداية القصة لتصرفات جارته ومحاولاته للتحرش به لم يصف لنا هذه الجارة إلا في النهاية عندما شعر أنه على وشك أن يفقدها وكأنه يتذكر أنه أمام امرأة جميلة فيصف لنا شكلها الذي كان سيعجبه لولا أنه لامرأة جاهلة وشعبية..


الحوار: حيث تتفق الكلمات البسيطة والعامية التي ترد على لسان برلنت مع شخصيتها وبساطتها وسذاجتها وخبثها الأنثوي المحبب : ((" خطبني مدرس بيشتغل في الامارات" قلت لها نعم، فسألتني وهي تسدد الي نظرة ذات معنى: " أوافق والا لأ..؟")) مقارنة مع الكلمات المقتضبة للأستاذ المثقف المتظاهر باللامبالاة والمستمع ضمنيا بهذه اللعبة..

Ophelia
12-04-2008, 12:26 AM
بما اننا هنا نحاول دراسة عناصر القصة ونطبقها على قصص المشهد فرأيت أن نحضر نماذج مختلفة من القصص المنشورة هنا
فأحيانا يكون هناك قصص لا تتوفر فيها جميع العناصر فهل هناك مايبرر لأي قصة فقدان أي عنصر؟؟ بمعنى هل ستكون قصة ان فقدت أحد هذه العناصر الستة؟
فمثلاً هذا النص الباذخ في لغته الشعرية هل هو قصة؟
http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=121517
لم أستطع الوصول إلى عناصره بداية بالفكرة وانتهاء بالحدث والحبكة والعقدة
من الفقيد ومن صاحب الصورة الشائب ومن البطل ومن القاتل ومن المقتول وأين تم كل هذا في غرفته أم غرفتي أم من غرفة من بالضبط؟
يعني مافهمت شي البتة.. فهل من متطوع لافهامي مايحدث فيها وأين عناصرها؟
هل موضوع القصة فلسفي أونفسي؟
وفرضا كان كذلك.. هل يبرر للقصة إن كانت تتحدث عن الفلسفة أم علم النفس أن تفقد بقية عناصرها كقصة؟
نجيب محفوظ كتب القصة النفسية وحلل نفسية الانسان لكن ضمن اطار القصة وعناصر وأحداثها وتسلسلها وبقيت قصة بالنهاية
الرجل الصرصار بطولها وعرضها كانت تتحدث عن النفس البشرية وبنفس الوقت كانت رواية وأحداث وحكاية
أترك هذه القصة لحكمكم
وأتمنى ممن يجد فيها قصة أن يحلل لنا عناصرها

عمر بك
12-04-2008, 01:43 AM
مشاركة بسيطة , أرجو أن أكون بها موفقاً .

ـــــــــــــــــــــــــــ
السهرة المشؤومة



عبدالله الناصر

لبَّت ليلى الدعوة التي قدمتها إليها الوجيهة لبنى.. وكانت ليلى فتاة عاقلة متزنة تحترم زوجها وتحترم أفكاره.. بل تؤمن بأفكاره الحضارية العملية.. وحينما عرضت عليه فكرة الاستجابة للدعوة التي تلقتها من السيدة أثناء تقابلهما في الجمعية الخيرية حيث كانت ليلى عضواً فاعلاً بها، تكتب وتحرر وتسجل وتقوم بأعمال مكتبية مضنية لوجه الله.. وكانت تشعر هي وزوجها بالغبطة لهذا العمل الإنساني الفاضل. لم يرتح زوجها لهذه الدعوة وحاول صرفها عنها.. ولكنه رأى في وجهها شيئاً من الانكسار إذ قالت له إن عدم استجابتها قد تفسر تفسيراً آخر ثم انني أريد أن أتعرّف كيف يعيش هؤلاء.. إن ذلك بالنسبة لي شيء جديد بل ثقافة جديدة.
أخذت زينتها البسيطة وذهبت إلى منزل السيدة الوجيهة ورغماً عن تواضع ملابسها فللحق كانت نجمة السهرة، لأنها بجمالها، وأناقتها البسيطة، وذكائها، وركازة شخصيتها، أضفت على السهرة لوناً أو جواً من الرصانة والجمال، بل والحيوية لم يعهد في هذه البيوت من قبل.. فقد كانت النساء ورغم اختلافهن عنها، ورغم ملابسهن الثمينة الفاخرة، وحليهن الخيالية رغم ذلك فقد كانت أكثرهن جاذبية، وأكثرهن حظاً في استمالة الأعين والقلوب إليها.

بل لقد أضفت على الاجتماع شيئاً آخر لم يكن معهوداً في مثله، وهو الأحاديث الاجتماعية والثقافية الذكية المتنوعة حول التربية وحقوق المرأة، والاهتمام بالوعي الاجتماعي وتنميته بين الأوساط الاجتماعية واعتراضها بل وانتقادها لبعض المظاهر الخداعة التي لا تنم عن معرفة أو ثقافة أو وعي بالحياة.. واستطاعت بجاذبيتها الجسدية وحضورها، ولطفها في الحديث مع أدبها الجم، وتواضعها المؤثر أن تستقطب أعداداً كبيرة من الحضور.. مع ما تتمتع به أيضاً من خفة روح جذابة.

وقد رأت السيدة صاحبة الدعوة ذلك فاغتاظت غيظاً شديداً وصل حد الحنق والكراهية.. والنساء يغرن من كل شيء فكيف بها وبتفوقها تمتلك جمالاً وعلماً وثقافة ورزانة.

فكرت السيدة بعد أن ركبها الشيطان كيف لها أن تؤذيها وتحط من قيمتها أمام الحفل..؟ لكنها رغم ما تملكه من وسائل خبيثة وأساليب رديئة للإيذاء والضرر لم تتمكن من عمل شيء.

ولم تسعفها وسائل المكر والكيد أمام طغيان جمال ليلى المسيطر وشخصيتها الأخاذة.

وظلت السيدة تحوم وتدور حولها كالأفعى السامة ولكن الوقت كان يمر سريعاً.. والمسألة تحتاج إلى تؤدة وتفكير، وهدوء أعصاب. وكظمت غيظها وراحت تقترب منها وتداعبها أمام الجميع وتظهر لها مدى غبطتها وسعادتها أن كانت بين المدعوات.

واقتربت الحفلة من نهايتها.. وبدأ البعض بالمغادرة ورفضت السيدة مغادرة ليلى وطلبت إليها أن تقف إلى جانبها لتوديع الضيوف.. وراحت تودع الضيوف معها، والسيدة تعرّف أمام ليلى المودعات واحدة واحدة فهذه زوجة الوزير فلان.. وهذه زوجة التاجر فلان.. وهذه زوجة الطبيب فلان.. وهذه زوجة الضابط فلان.. الخ. كل ذلك إمعاناً منها في إظهار أهمية نوعية المدعوات.. وعندما لم يبق أحد طلبت الإذن بالانصراف فأقسمت السيدة عليها أن تظل معها ولو قليلاً..

أخذتها من يدها وراحت تطوف بها أرجاء القصر وغرفه وصالاته وصوالينه الضخمة وأثاثه الفاخر. كان القصر تحفة من تحف الزمان.. جميع أثاثه مستورد من إيران، ومن الصين وايطاليا وباريس، وجنيف.. الخ.. والحق أنها لن تلام حين بدأ يأخذها الانبهار. أوقفتها أمام لوحة وقالت: هذه من لوحات الفنان الروسي فلافينكس قيمتها خمسة ملايين ريال.

أرتها قطعة أثرية لغزال بري من البرونز عمره ألف وخمسمائة سنة وقالت أنها اشترته من مزاد أوروبي بمليون جنيه استرليني وان صاحب المحل يطلب فيها الآن مليونين.

ولقد صعقت وكادت تعمى عندما أخذتها إلى غرفة النوم.. وهنا يعجز الذهن عن وصف ما في الغرفة، ومهما أوتي المرء من قدرة خيالية واسعة على الوصف فإنه سوف يعجز.

بعد ذلك أخذتها إلى غرفة الملابس وهي في شبه غيبوبة. فتحت خزانة طولها عشرون متراً وأضاءت الخزانة وراحت تمر بها على الفساتين هذا اشتريته من فرنسا بخمسين ألف يورو وهذا من هارودز بلندن بعشرة آلاف جنيه فقط.. انظري..!!

وهذا جاءني هدية من زوجة الوزير.. وهذا هدية من زوجة مدير البنك الذي أتعامل معه.. و.. و.. الخ.

ثم أخذتها إلى غرفة أخرى لها طابع خاص وفرش خاص ونوافذ خاصة وإضاءة خاصة وقالت هذه غرفة المجوهرات، عقود الماس وخواتم وساعات ومجوهرات.

دوخ رأسها وعينيها البريق اللامع الأخاذ..

بعد ذلك دخلت في حالة ذهول.. ثم راحت تتضاءل وتتلاشى أمام نفسها.. وداخلها شيء من الخجل فلم تعد تطيق رؤية نفسها في ملابسها الساذجة ولا تريد أن تنظر إلى ما في يديها من أساور مخجلة.

***
قذفت بنفسها في سيارة زوجها كمن فقد الوعي، لم تتحدث ولم تقل شيئاً.. راح زوجها يسألها عن السهرة ولكنها كانت تتنفس تنفساً مريضاً ومحموماً وحينما ألح عليها في استغراب طلبت منه برجاء أن يلتزم الصمت.

وراحت في الطريق تستعرض حياتها: بيت ضئيل بالتقسيط لا تساوي قيمته حبة ماس واحدة من عقد السيدة، ووظيفة لا تكاد تسد متطلبات حياتهم.

سيارة ضئيلة وبالتقسيط أيضاً.. ووقفت السيارة أمام البيت الذي لم يعد بيتاً وإنما رأته قفصاً محشوراً بين بيوت كالجحور.. وحينما صعدت إلى غرفة نومها عبر سلم الدرج الضيق كادت تختنق.

لم تخلع ملابسها وإنما ارتمت على سريرها وانخرطت في البكاء.

عمر بك
12-04-2008, 01:51 AM
تطبيق على قصة (السهرة المشؤومة) لـ عبدالله الناصر .

1- الموضوع : نفسي , واجتماعي .
نفسي ؛ لأنه يتناول النفس البشرية وما يعتريها من حسد وغيرة وطمع .
اجتماعي ؛ لأنه يتناول موضوع الفروق الاجتماعية .

2- الفكرة : يمكن التعبير عنها بعبارات كثيرة , أشهرها :
القناعة كنزٌ لا يفنى .
مد رجليك على قد لحافك (كما علق عليها أحدهم) .

3- العمل القصصي :
الحدث : تقليدي .
الحبكة : محكمة .
تبدأ القصة بالموافقة على الدعوة وتبدأ الأحداث في التصاعد إلى أن تنتهي بالارتماء على السرير , وتصل الأحداث لذروتها حين تبدأ الوجيهة باستعراض ممتلكاتها أمام البطلة ليلى .

4- البيئة :
المكان : تدور الأحداث في بيت الوجيهة صاحبة الدعوة .
الزمان : لا يوجد أي ذكر للزمان في القصة , ولكن نستطيع معرفته من طبيعة الأحداث , ومن حداثة المكان .

5- الشخصيات :
الشخصية الرئيسة : ليلى .
الشخصيات الثانوية : أهمها , الوجيهة لبنى , الزوج .
ليلى : سيدة متزوجة , ذات ثقافة عالية , وتشارك في خدمة المجتمع , نعرف كل هذا من الفقرة الأولى من القصة .
تريد الاطلاع على طبقات اجتماعية جديدة , "ثم إنني أريد أن أتعرّف كيف يعيش هؤلاء.. إن ذلك بالنسبة لي شيء جديد بل ثقافة جديدة" .
صفاتها : ذكية , جميلة , أنيقة رغم بساطة الملبس , "كانت نجمة السهرة، لأنها بجمالها، وأناقتها البسيطة، وذكائها، و ركازة شخصيتها، أضفت على السهرة لوناً أو جواً من الرصانة والجمال" .
كما هي محاورة جيدة , وتجيد قيادة دفة الحديث , "بل لقد أضفت على الاجتماع شيئاً آخر لم يكن معهوداً في مثله، وهو الأحاديث الاجتماعية والثقافية الذكية المتنوعة حول التربية وحقوق المرأة، والاهتمام بالوعي الاجتماعي وتنميته بين الأوساط الاجتماعية واعتراضها بل وانتقادها لبعض المظاهر الخداعة التي لا تنم عن معرفة أو ثقافة أو وعي بالحياة ".
ورغم ذلك كل هذه المثالية , تقع في حبائل الداعية , فتنقم على وضعها البسيط .
حقاً , المرأة هي المرأة ,!
لبنى : وجيهة , تستبد بها الغريزة النسائية الأولى , الغيرة , فتقضي الحفلة في التفكير في الانتقام من ليلى التي سرقت منها الأضواء في قصرها , ولتذّكرها بمن تكون .
6- الأسلوب اللغوي :
السرد : كان بطريقة الإخبار , أو التحدث بضمير الغائب , بسيط وسلس .
الوصف : اقتصد فيه ببراعة , وحين احتاج له أدرجه في سطر واحد , ولا تنقصه الدقة والوضوح . "لم تخلع ملابسها وإنما ارتمت على سريرها وانخرطت في البكاء."

لا يوجد حوار في القصة . وأعتقد أن التقليل من الحوار يخدم القصة كثيراً .


ــــــــــــــــ
أرجو أن يكون التطبيق موفقاً , شكراً أوفيليا .

ورق شام
20-05-2008, 03:19 PM
شكراً لك اوفيليا

بنان
20-05-2008, 10:37 PM
أكثر من شهر وانت تدرسين القصة يا بنان اي لو كانت مجلد كان أنهيتيه----->استنهاض للذات:rolleyes:

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن على كل حال.

حبرها زِئْبق
21-05-2008, 01:41 AM
قصة ( السائق )
لـ هناء حجازي


كان في الخارج صوتاً يعرفه جيدا .. يحفظه .. بل ويكرهه .. السيدة تطلبه مرة أخرى , وأخرى ..
متى سقط جسده على السرير؟ .. بعد آخر مشوار ؟ .. آخر الليل ؟ , في ساعات الفجر الأولى , أم بعد بزوغ النور ؟ ... لايدري .. يدري فقط أنه يكره هذا العمل .. يكره التعب الذي يسكن جسده .. يكره جسده , ويكره السيدة , يكرهها .


عاد من مشواره .. قفل الباب .. بكى وهو يتمنى أن لا يفتحه مرة أخرى .. تمنى بقلبه , بدموعه , تمنى أن يموت كي لا يفتحه مرة أخرى .. يستيقظ على صوت الجرس , مرة , اثنتان , ثلاث ... يعرف أنها ضجرت وهي تنتظر , يعرف أنه سيتعرض لصوتها الحاد , وربما لقليل من الشتائم فالسيدة مؤدبة لكنها تحتد بسرعة , تحتد فترسل صوتاً غاضباً يخترق أذنه ويظل يتردد صداه في أحلامه ليقوم مفزوعاً من كابوس صوت السيدة وهو يخنقه .


ومرة أخرى صوتها .. أو الجرس .. الجرس أو صوتها .. او .. أو أن يغادر .. يغادر ؟ .. حين طرح همومه على رفاقه ضحك بعضهم , وبعضهم أرسل أنّة عميقة , وكلهم نضحت وجوههم تعباً وضجراً ..
قال له أحدهم أن نهايته الترحيل أو العودة إلى الكفيل وإلى أن يصل إليها سيظل قلقاً , خائفاً , أما إذا رضيت عنه الدنيا التي لا ترضى غالباً عن أمثاله فسوف يجد عملاً عند أناس آخرين , وقد لا تكون السيدة عندهم مهذبة كسيدته الحالية .


استيقظ على صوت الجرس .. قوياً , غاضباً .. زاد عناده .. ظل الجرس يرن , ظل هو يستمع إليه ترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة , لن يرد .. كان قرارا ملحاً , وربما غبياً , لكنه أحس أنه لو رد فسوف تخرج روحه مع صوته .. كان الجرس عصبياً .. وهو أيضاً .. ظل يتقلب على السرير , يسد أذنيه , صدره ثقيل , نظراته زائغة , حلقه جاف , لكنه .. لا يستطيع ..., لا يستطيع أن يرد ..
توقف الجرس أخيراً .. ارتفع نشيجه , حاداً , عالياً , بكى .. بكى .. دخل إلى الحمام ..غسل جسده بماء بارد , خرج .. رد على السيدة , اعتذر بالحمام , حك عينيه الحمراوين , وركب السيارة .



دعاه أحد الرفاق إلى البيت الذي يسكنه , وعده بسهرة جيدة وبعض المسليات , أشياء تسكن روحه قليلاً وتجعله أقدر على احتمال حالة التقشف التي يعيشون .. لكن .. السيدة , ماذا لو رفضت ؟ أو حتاجت إليه في مشوار مفاجئ أو غير مفاجئ , سهرة مثلاً تعني أن يقضي يراقب النجوم والشارع الخالي من خلال زجاج السيارة , يغضب السيدة ؟ أم يلبي الدعوة ؟ .. يحتاج هذه السهرة , يحتاجها الليلة ..
الآن حسم قضيته , تأكد أن لا أحد بالخارج .. ذهب .


في الصباح سمع موالاً طويلاً , طويلاً جدا هذه المرة , استغرق الطريق من البيت إلى العمل , ابتسم , سهرة البارحة كانت ممتعة , يستطيع بعدها أن يتحمل صراخ السيدة مدة أطول , أن ينتظرها طوال الليل , أن يجلس في الشمس ساعات طويلة دون أن تشق صدره زفرات الضجر والتعب , يستطيع أن يلبي الدعوة في المرة القادمة دون تردد .

حبرها زِئْبق
21-05-2008, 01:48 AM
التحليل :


تطالعنا القصة بعنوان مختزل من كلمة واحدة (السائق) .. العنوان في مستواه الدلالي الأول يوحي لنا بشخصية تقوم بوظيفة (سائق) .. وفي الدلالة الثانية نجد الكلمة مأخوذة من الجذر الثلاثي
( س و ق ) فيقال : " ساق الماشية , يسوقها , سوقاً , وسياقاً , وهو سائق "
" والسيِّقة : ما استاقه العدو بالقوة " ( الصحاح 4\ 247)

كما جاء ذكر ( السائق ) في القرآن الكريم : " جاءت كل نفس معها سائق وشهيد "
أي : ملك يسوقها إلى المحشر سوقاً , فكل إنسان يأتي في ذلك اليوم مع ملك يسوقه ويقوده , رغماً عنه
فهو مرهون به لا يستطيع الخلاص منه .

وبذلك نجد أن العنوان في دلالته الثانية يوحي لنا بالإجبار والإرغام على الانقياد لشيء ما مع عدم الرضا . وهذا هو حال ( السيدة ) في القصة , فهي مرهونة بهذا السائق لا تستطيع الخلاص منه
أو الاستغناء عنه , حتى وإن بدت متقبلة للأمر إلا أنها تشعر في داخلها بشيء من الإجبار والإرغام
على الانقياد خلفه .

الكاتبة في القصة تعبر عن واقع اجتماعي , تعيشه المرأة في مجتمعها , مجتمع تسارعت فيه عملية النمو
وانتقل من طور إلى طور بإيقاع شديد فانفتحت المجالات الواسعة للمرأة حتى تشارك وتساهم في هذا النمو وبالتالي أصبح أمامها الف سبب وسبب يدعوها للخروج ووجدت نفسها مضطرة لاستقدام ذلك الغريب حتى يكون ( سائقاً ) لها في ظل غياب الرجل وتنصله من مسؤولياته

القصة في مجملها يتقاسمها رجل وامرأة .. امرأة تظهر في شخصية ( السيدة ) ورجل حاضر في الأحداث في شخصية ( السائق ) وآخر غائب هو ذلك الزوج أو الأب أو الأخ ... وهي شخصيات واقعية إلا أنها تظهر مبهمة بلا أسماء .. وكأن الكاتبة تريد أن تجعل منها نماذج عامة .. فالمرأة التي لا نعرفها في القصة إلا من خلال ( السيدة ) هي نموذج للمرأة ذات السيادة المطلقة لكنها بالرغم من سيادتها
ووجاهتها إلا أنها بحاجة إلى من يسوقها ولولا هذا السائق لتعطلت بعض أسباب سيادتها في مجتمع لا يسمح للمرأة أن تخرج بنفسها وتقود السيارة وكأن في ذلك شيء من التهكم ربما رمت إليه الكاتبة
أما ( السائق ) فهو نموذج لذلك الوافد الغريب الذي يأتي ليحتل دور الرجل في نهوضه بالمسؤوليات
وقد قدمت الكاتبة معاناة هذا الوافد وهو يرضخ تحت استبداد ( السيادة ) فكان ذلك هو الحدث الرئيسي
في القصة وقد عبرت عن هذا الحدث بطريقة تتلاءم مع الخصوصية التي تتميز بها لغة القصة القصيرة
فصوت الجرس الذي تبدأ به القصة كان محرضاً للحركة النفسية الداخلية للشخصية .. نفسية قلقة ..
مضطربة .. تشعر بالملل والضيق والكره الشديد وتعاني من التوتر والصراع الداخلي .. كل ذلك تعكسه الصياغة اللغوية المعتمدة على التوالي السريع للأفعال المتكئة على الجمل القصيرة .. حتى أن الجملة أحيانا تختزل في كلمة واحدة .. وقد قدمتها الكاتبة في طريقة وصفية لأن المقطع الوصفي يكشف لنا عن الغليان الداخلي في أعماق الشخصية عبر جملة من الأوصاف المتلاحقة والكلمات المكررة .. فالسارد في القصة يظهر لنا ( برؤية من الخلف ) فهو يعرف أكثر من معرفة الشخصية ذاتها .. يقدم تفاصيل دقيقة لما يختلج في نفس الشخصية من هموم وذلك حين ينغلق على نفسه ويغرق في تأملات وأفكار وهواجس لذلك لجأت الكاتبة إلى السرد بطريقة البوح بانفعالات الشخصية عبر ( حديث النفس ) أو ( الحوار الداخلي )
مما أظهر التركيز على العالم الداخلي للشخصية دون إهمال للعالم الخارجي فأولئك الأصدقاء يظهرون .. يشاركونه نفس المأساة .

النص جاء مضطرباً عندما زواجت الكاتبة بين السرد المجرد والوصف مما يعكس لنا اضطراباً بين التغير والثبات وهذا يتناسب مع ما تعانيه الشخصية من اضطرابات ولا شك أن الاعتماد على المقاطع الوصفية القصيرة والأحداث المتلاحقة جاء متناسب مع زمن القصة القصيرة لاسيما أن العلاقة الزمنية في النص التي تربط السيدة بسائقها هي علاقة يوم كامل حيث تبدأ الأحداث في صباح اليوم الاول وتستمر إلى صباح اليوم التالي حيث لحظة ( التنوير \ حل العقدة )

المكان في النص برز بملامح واضحة لمجتمع يتسم بشيء من الخصوصية فهذه الأحداث إنما وجدت تحت تأثير وضغط من الظروف الاجتماعية الخاصة في بيئة الكاتبة .. فخصوصية الأحداث إنما هي نتاج الخصوصية الاجتماعية لهذه البيئة .. بالتالي نهض ( المكان) بدور المنتج والمولد للحدث .

وبالرغم من أن أحداث القصة تدور حول السيدة و سائقها إلا أننا لا نجد السيدة تصطدم بالسائق في حوار واضح صريح وربما اختفاء لغة الحوار له هدفه الخاص الذي يتماشى مع مغزى القصة البعيد لأن الطرف الثاني الذي تريد السيدة أن يمتد إليه صوتها ليس السائق الحاضر في الحدث بل ذلك الرجل الغائب الذي عطّل وظيفته وهمّش دوره حين أناب عنه من يقوم بهذا الدور .. فنقمة السيدة ليست على السائق بل على الرجل الهارب من مسؤولياته لذا جاءت لغة السرد قائمة على جمل مفككة لا يربط بينها حروف عطف أو صلة .. وهي بذلك تنسجم مع المعاني التي يرمي إليها السرد :
ـ انقطاع الصلات الخاصة بين السيدة والرجل
ـ انقطاع الصلات الإنسانية بين السيدة والسائق .






كانت مجرد محاولة لقراءة النص من الداخل والانفتاح به إلى الخارج
aishah

عجاج..
21-06-2008, 11:12 AM
ينفع نقرا المختارات القصصية بدون الدراسة والتحليل :biggrin5: