PDA

View Full Version : ربيع



إرشيف
10-06-2008, 09:59 PM
حين لفحني ذلك الهواء ، أدركتُ أني وصلت.

كان ربيعاً ملوّناً. ترقد على حافتيه فراشات ذات ألوان صافية. كان ذلك المنظر أجمل ما رأته عيناي، لكأنه تعتيقٌ ضارب في القدم، بيد أنها لم تكن تمهلني الكثير لأمتّع ناظري بها، كان خفق أجنحتها على سرعته وصرامته أشبه بمقطوعةٍ تتمهّل في اندلاقها على مسامعي. أدركتني عبير قبل أن تمتد نشوتي إلى باطن الأرض فتخترق حواسي رائحة العشب النديّ والأتربة المختلطة بأحلام وآمال كثيرة تنتظر هبات السماء لتُسقى وتتحقق. أنا التي ضلّت طريق حلمها وأخذتها الريح بعيداً، كان يجب علي أن أتشبّث بشيء كلّما تذكّرت أن تلك الريح عاتية أكثر من اللازم. لم أجد ما أتشبّث به سوى ذلك الصوت، ولم يجد ذلك الصوت مكاناً أفضل يسكن إليه سواي. رمقتني عبير بنظرتها المستغربة تلك التي ألفتها كثيراً.

هزّت كتفي: "هيييه وصلنا ! أنتِ إلى أين وصلتِ ؟" .. ابتسمت وأجبت نافية: "لا مكان. عبير .. أتظنّين أن امرأة مثلي قادرة على أن تصل إلى مكانٍ تختاره؟" ضحكت، واستدارت لتكمل المشي .. كانت ضحكتها مستديرة أيضاً على نحوٍ جعلني أشعر بالتيه: "لا أظن! لايمكنكِ أن تتمّي خطوتين دون أن تتشبّثي بشيء يا ميسون، أنتِ متطايرة ، سريعة التلاشي .. كعطرٍ يخاف الأجواء الخاوية ويبحث عن شيءٍ يعلق به لأطول فترةٍ ممكنة، كمعطفٍ دافئ أو عنق سيّدة يدمن رذاذك".

تلوّنت مقلتاي بالحزن ، ناشدتها بصوتٍ خائف " أنتِ معي يا عبير أليس كذلك؟"

التفتت إليّ مجدداً، وتوقّفت .. كان جمودها في تلك الثواني قاتلاً بالنسبة لي، لكنها طمأنتني: "بالطبع! أنا معكِ دائماً يا ميسون، أنتِ عنيتِ لي الكثير ولا زلتِ، لكنّ أموراً كثيرة تطرأ وتستجد .. أنتِ تعرفين كيف أصبحت الحياة الآن! لو أنّكِ هنا لأدركتِ هذا جيّداً ".

دسّت يدها داخل جيب فستانها الأزرق، أخرجت منه صورتين وقالت " هذه لبنى .. لقد كبرت الآن وتستطيع تدبّر أمورها جيّدا، أتصدّقين أنها بدأت تحضّر فطورها بنفسها كلّ صباح؟ لم تعد تلك الفتاة المدلّلة بعد اليوم. جدّي يداعبها ويقول لها ستحضرين فطوركِ اليوم وتحضّرين غدائنا غداً. وهذا عمر. لا يزال أعسراً لكنّه يرسم لوحات رائعة، كنتُ أظنّ أن الأمور لا تسير بشكلٍ جيّد إلا إذا قمنا بها كما هو متعارف عليه دائماً! كأن نكتب باليمين ونرتدي جوارب في الشتاء ونشرب الشاي عند الرابعة تحديداًً. لكن .. يبدو أن هناك أشخاص يستطيعون أن يكملوا حياتهم على نحوٍ خاص بهم ورغم وجود ما ينقصهم .. هكذا تسير الحياة يا ميسون، ولن تسير إذا تشبّثنا طويلاً بما مضى".

أرهقتني عبير بسرد الذكريات، كان كل خيطٍ تناولني إياه أحيكه إلى مشهدٍ قديم محفور في الذاكرة، تفوح منه رغبة العودة. استدركت عبير "الأشياء الجميلة لا تتكرر". لم تتوقّف عبير عن الكلام، تتناوب الحروف من فمها بشكلٍ رتيبٍ وواقعي أكثر من اللازم، أنا لم أكن بحاجة إلى ذلك، كنت بحاجة إلى شيءٍ آخر .. حطّت على شعر عبير فراشة صفراء، استطعت تمييز تفاصيل فراشة لأول مرّة أخيراً. كانت مرقّطة بدوائر سوداء وأطراف حمراء، كانت بديعة جداً .. لكنها سرعان ما أكملت خفق أجنحتها بصرامةٍ مألوفة مع حركات رأس عبير المتكررة. سحب الهواء تلك الفراشة بعيداً، بعيداً جداً واقتنصني وجع ! آآآه هذا الوجع أعرفه جيّداً، جيّداً جداً .. تحسستُ راحة يدي فوجدتها دافئة. أمسكت كتفي عبير فجأة فتوقفت عن الكلام، احتضنتها بشوق وهمست لها "عبير أنا أحبكِ جداً، فقط أخبريني أني سأصل .. " همست لي " ستصلين يا ميسون، إن كان هنالك ماتريدين التشبّث به هذه المرّة، فلا بأس .. ستصلين".

ودّعتها وسرت في طريقٍ معاكس، كانت تصلني تمتمتها التي تتلاشى كلّما ابتعدت، لكّنها منذ أن بدأت بالبسملة استطعت بسهولة أن أتنبأ بما تتلو. كان هناك هواءاً لطيفاً يشاكس وجنتاي وخصلات شعري ... حين لفحني ذلك الهواء ، أدركتُ أني وصلت.

ماجد الصالح
11-06-2008, 05:12 PM
قصّة جميلة جداً عزيزي..

جميلة جداً.. لاحظت حس الروائي بداخلك و تماسكه..

ربما هذا يضر القصة القصيرة أكثر مما ينفعها..

أقصد أن استطرادك أحياناً ربما لم ينفع القصّة -برأيي- إضافة إلى زخم التصاوير المتلاحقة للمشهد الواحد.. في حين أني أعتقد بكفاية التصوير الواحد للفكرة.

جميل تدوير المشهد فين الاستهلال والخاتمة..

بكل حال هي قصّة جميلة.. كان يمكن أن تختار عنواناً يومئ أكثر عن المضمون.

إرشيف
11-06-2008, 07:59 PM
ميم دال

سرّني تعقيبك وملاحظاتك التي توقّفت عندها مطوّلاً ..
ففي البداية لم أكن متأكدة مما ترمي إليه لكنني بعد إعادة قراءة القصة وربط ملاحظاتك بها
ربّما قرّب بذلك الصورة. هل تعتقد أن زخم التصاوير جعلها أيضاً مبهمة أكثر من اللازم؟

شكراً لك ولحضورك

ماجد الصالح
23-06-2008, 06:04 PM
إرشيف

أشكرك..
ما قصدته أن زخم التصاوير لا يخدم فكرة النص أو القصة تحديداً..
و إنما برأيي الزيادة في التصاوير و جعل أكثر من صورة للمشهد الواحد يجنح بالقصة إلى التقليدية والابتعاد أكثر عن الحبكة وتسلسل الأحداث لكون التصوير هو توضيح و زيادة في القول وليس تحريك للحدث..

حبرها زِئْبق
26-06-2008, 06:47 PM
إرشيف

لك لغة شعرية رائعة حــدّ الإرهاق لي كقارئ حين أجدني على نقطة السطر الأخير مثخن
بجمال منبعث من هنا ..

ولا شك اللغة الشعرية قصاً لها روعتها وتفردها الذي يميز الكاتب ..
كما فيها حد شعرة رقيقة تفرق مابين رائحة الشعر وروح القص .. ألا وهي " التفاصيل " التي لا تحتملها قصيدة في حين تحتويها قصة ..ربما إحداث شيء من التوزان سيضفي على جمال " ربيع " جمال أكثر .. !!


شكرا لك ودوماً ارهقنا بمثل هذا الجمال ...

إرشيف
29-06-2008, 09:29 PM
ميم دال

شكراً لك اتضحت لي الصورة الآن

إرشيف
29-06-2008, 09:34 PM
حبرها زِئْبق
سرني حضورك .. وشكراً على رأيك
تحيتي وتقديري