PDA

View Full Version : الوحيد خلف الطاولة الثالثه.



فاطمه.ن.
20-11-2007, 06:41 PM
في كل مرة يحدث الأمر بالترتيب نفسه.




يضع النادل إبريق الشاى المعدنى وأربعة كؤوس شفافه فى صينية دائريه،على طاولتهم.




يبادره ناصر مبتسما ومتحمسا: أما زلت تريد الذهاب للقتال




يرد عليه النادل بنفس الحماس وابتسامه: إى والله إى والله..




فيضحك ناصر كمن ظفر بصيد ثمين..ومادة لقصيده.. ويُستفز أحمد،و مثل كل مرّه ،يسخط قائلا:أترك عنك هذا العبث..هؤلاء هم مادة الشهاده..وقود آلة الحريه الجبارة.(قد يغير كلمة أو كلمتين) وليس أمثالك ممن يحاربون بالقصيد!




وقبل أن يبدا ناصر في الهجوم المضاد،يسبقه-دائما- عبد الله: أذكروا الله يا جماعة..يأخذ نفسا من أرجيلته المعبأه بتبغ التفاح..ويتابع..ألا تملون هذا الحديث..فينبري له يوسف:هذا حديث افتتاحيتهم المفضل وإن لم يتكلما فيه لدخلنا صمت القبور.




كل خميس،يحدث الأمر بالترتيب نفسه..




.تتغير الكلمات أحيانا.لكنها تبدأ بالافتتاحية نفسها ..وتنتهى بأن يجمع ناصر أوراقه التى أغلبها شعر فى طور الخلق..ويغادرون فى ظلام العاشره.




يرقبهم الوحيد الذى لا صديق له..يرفع الجريده عاليا أمام وجهه..او الكتاب.وهو ينصت بقلبه لكل الكلمات التي تتبعثر فى الهواء الممزوج برائحة التفاح المعسّل..فتصل أذنيه بنكهة طازجة وحميمه..يتذوق الشعر..ويبتسم للتنظير..ويفرح للأخبار الصغيره..ويحزن لأشياء اكثر.




الوحيد..يجلس خلف الطاولة الثالثه من طاولتهم الخشبيه..ويَوَد لو ناداه احدهم ذات مره...وقال تفضل.




لم يكن يملك شجاعة التطفل على صحبة بدت محكمة...برباط طفولة بعيده..




الأربعه..فى سن متقاربه..ويتبادلون الكلام ببهجة تثير زوابع من الحيوية فى فضاءهم الصغير..بهجة أحيانا وأسى صغير..وربما جدية مفاجئة تعصف بالإنسجام المغلف لمدى الطاولة المربع...فترتفع أيد وتبتعد مقاعد..وتعود كؤوس بعصبية إلى الطاولة..وقد ينسكب بعض الشاي أو يلتف أفعوان النرجيلة على أصابع تلوّح وتشرح..




صاروا جزءً من متعته الاسبوعيه...وكأنه على موعد...الوحيد الذى يجلس على بعد طاولتين ..ويلقى بظهره بعيدا على الكرسى حتى تتمكن أذناه من التقاط..كل كلمة..فى طقس الإنصات المقدس..



صار يترقب آخر الاسبوع....حديثهم لا يمل...ومعبأون هم..بهموم كثيرة..جليلة ..وعاصفه..وتثير البهجه. أو تفاهات تبعث على الضحك.وحين يضحكون.تتفتح مسامات جلده كلها لإستقبال السعاده الفائضه..




الوحيد الذى يجلس على بعد طاولتين وينتظر يوم الخميس..بفارغ الصبر...يعرف أسماءهم..صار..وماذا يعملون..وهمومهم..وتناقضاتهم..وعلى ماذا يقتتلون..أو ما يجمعهم على كلمة واحده.




المستوحد. الذى لم يدعه أحد منهم ..صار مليئا بعالمهم...




صار بإمكانه ان ينصح أحمد كيف يظفر بحبيبته....ويناقش ناصر..فى اشعاره الشعبيه..ويلفت نظر عبدالله الى أشياء كثيره..من بينها انه يبالغ فى تحلية الشاى وهو يناقش و دون أن ينتبه،.بل أنه صار بامكانه حتى ان يقلد طريقة يوسف فى الكلام..وهو يلوح فى كل الاتجاهات..ليشرح شيئا صغيرا لا يستدعى اكثر من لا ..او نعم.



سكنته هواجسهم...حتى انه أمسى يرق فى التعامل مع فتحى...النادل الطويل الذى لا يصلح للخدمه على الطاولات..والذى هو نادلهم المفضل..ومادة افتتاحيتهم الاسبوعيه..




يستعجل الخميس..




لم يتغيبوا مرة واحده..منذ وطئت قدمه المقهى منذ ثلاث سنوات...




لا جو عاصف ولا مطر ..لا حر ولا رطوبه..وكانهم اقسموا على هذا اليوم..ليكون موعدا مقدسا لا ينتهكونه لأى سبب.وكانوا يغادرون.ومعا برفقة العاشره..كل مره.



كانت تعجبه آراءهم فى كل شىء..يقول ناصر لأحمد:لاتكن ملكا اكثر من الملك...سقطنا كلنا في الامتحان...وليس هناك دور ثان.يحتج احمد:تكلم عن نفسك..اليس غريبا ان تخرج من عباءة الطبقة العاملة..لتفتح وكالة لاستقدام العمال...بارخص الاسعار..اهكذا تحل ازمة البروليتاريا!يصرخ ناصر ضاربا الطاوله:على الاقل انا لا احمل رخصة اجنبيه للوجبات السريعه..فادخل الاغراب الى البلاد...يضحك احمد...:لا انت فقط تجلب العمال الاجانب...!



حين يهم ناصر بالرد والمستوحش قد مال بكرسيه الى اقصى درجة صوبهم.يتدخل عبدالله من جديد: اذكروا الله يا جماعه..نحن هنا لنفرج عن نفوسنا لا لنجلب الهم..وقبل ان يحاول احمد الرد يكون يوسف قد القى فى الفضاء جملته المعهوده..اتركهما....ينفسان قليلا عن آثامهما..ما زالا لم يتصالحا بعد مع الواقع ..


مرت أيام خميس..لا تعد.. عرف فيها من تزوج ومن انجب...من يحب ومن غررت به الايام..



ولا خميس واحد فوتوه..او فاته..


صاروا الحياة.



يقول المستوحش... .




لو انهم دعونى لطاولتهم يوما..او تجرأت فسحبت كرسيا وجلست..ربما كنت اقترحت مكانا آخر نلتقى فيه..بعد ان نصبح اصدقاء..




ربما اقنعتهم انهم الان كبروا وصاروا من الرجال المهمين..تليق بهم اعرق مقاهى الفنادق الفخمه...وان هذا المقهى الشعبى ونادله فتحى..لم يعد يرتقى لمستواهم الاجتماعى.. .وربما فتحت لهم قلبي..




وشرحت لهم سبب وحدتي..ولماذا أحببت مرحهم وحزنهم وهذا الالتحام الانساني الغريب..



ولربما استطعت أيضا ان اخبرهم الا يتواجدوا فى المقهى ذلك المساء، أو انتظرتهم ان يغادروا اولا.. ..



لكنهم تأخروا...على غير عادة الترتيب المحكم ..



كان لا بد لناصر فى تلك الليلة ان يقرأ عليهم آخر قصيدة كتبها.. وكانوا كعادتهم مستمعين جيدين للشعر،



لكن مؤقت التفجير كان قد وصل الى درجة بالكاد تسعفنى لكي اغادر، دون ان الفت انتباه احد.

ماجد راشد
20-11-2007, 07:16 PM
أسلوبك ممتع جداً فاطمة ,

استمتعت بالقراءة و اندهشت كثيراً من النهاية !


وهو ينصت بقلبه لكل الكلمات التي تتبعثر فى الهواء الممزوج برائحة التفاح المعسّل..فتصل أذنيه بنكهة طازجة وحميمه..يتذوق الشعر..ويبتسم للتنظير..ويفرح للأخبار الصغيره..ويحزن لأشياء اكثر.

فهل كان الوصف في المقطع أعلاه دقيقاً ؟! .. لو كان كذلك فمن الصعوبة استيعاب النهاية !

ربما أردتي لنا أن نتسائل : "لماذا ؟"

.
.
.
عمل يستحق الشكر

طحلب
20-11-2007, 10:28 PM
عمل يستحق الشكر

تموز
21-11-2007, 03:00 PM
لقد أحسنت الختام ؟؟نحن أمام خيارات عديدة هل قصدت الزمن ..ام العمر أم ...مهما يكن قصدك
فالنص حميمي ويدس فينا حزنا لطيفا ..
مروري الأول ..

ربيـ..ـع
22-11-2007, 05:27 PM
عرض جميل ..
وجو أجمل ...

لكن الخاتمه غير منطقية ..
فإن كانت لتقفيل القصة بأي نهاية فهذه عجيبه
وإن كانت لتناول موضوع التفجرات من قريب او بعيد فهذه أعجب.

.
.

وسلامتك

فاطمه.ن.
23-11-2007, 11:21 AM
الأخ ماجد الراشد
شكرا على استحسانك القصه..
بالنسبة للنهايه..ربما تكون صادمة بعض الشىء.لا..هي صادمة فعلا.لأنها غي متوقعه..لكن..أهناك شىء متوقع هذه الأيام..تبدا البدايات بوعود زاخرة بالامال.ثم لا تلبث النهايات ان تجرنا الى خديعة لم نحسب لها حساب..
ان كانت النهاية حركت فيك سؤالا واحد...وهو لماذا..فذلك رائع..لأن اثارة التساؤلات..واحدة من وظائف الكتابة الحقيقيه..فليس بأيدينا أحيانا أكثر من الاشارة الى العطب..
أشكرك على مرور دافيء، وتساؤل أكثر حرقه.

مررت بمدونتك..ووجدتها مختلفه..ومميزة الى ابعد حد..

فاطمه.ن.
23-11-2007, 11:22 AM
طحلب..
أشكرك بدوري على الثناء على العمل..واتمنى ان اكون عند حسن الظن فيما هو قادم من اعمال..تحياتي

فاطمه.ن.
23-11-2007, 11:25 AM
تموز..
بعض الشجن لا يضر..بل يحتفي برهافة الروح..
النهاية هنا تختلف..لأن القصة تختلف..ولأنني اريد ان اقول شيئا..في النهاية..لن يتاثر بما سبقه..من سرد لوقائع المقهى..لأنه منفصل عنه تماما.
اشكرك..مرور فارق.

بنان
23-11-2007, 11:25 AM
هناك شعرة رفيعة ربطت نهاية القصة ببدايتها.
المتفرجون هو من يدفعون الثمن عادةً.

هذا النص احببته.

فاطمه.ن.
23-11-2007, 11:35 AM
الأخ ربيع..
القصة لم تكن خاملة في مفصل ما..لتحتاج الى تفعيل..ولذلك سنستبعد هذه الفرضيه..
اما من ناحية تناول التفجيرات من قريب او بعيد..والتي تقول عنها انها اكثر عجبا..فتلك فرضية غير واردة ايضا...ربما لو كان لديك وقت..ومررت على القصه من جديد لاكتشفت ان الموضوع يتعلق بشخصية انسان مستوحد يتوق للألفه والصحبه،وان مسألة ضرورة تنفيذ عملية تفجير المقهى،شىء منفصل لن تؤثر فيه علاقة هذا الشخص بمن الفهم وحسدهم على صداقتهم،فتلك مسألة لا تدخل ضمن اعتبارات انجاز العمل المطلوب من شخص مثله..وان كان هذا العمل يدخل في نطاق قتل الحياة التى يتوق اليها...
ثم...هل يجب ان تاتى النهاية منطقية وحسب التوقع؟...أين اختلاف السرد والمخيلة؟

اشكر مرورك الذي اثار جملة تساولات..ومنحني فرصة الرد عليها..
تحياتي ربيع..وان رغبت في نقاش اوسع..مرحبا بك اخي العزيز.

مضاوى
09-12-2007, 09:47 AM
عزيزتى...قصتك جميله فى السرد والمعانى والتصوير

لدرجه أننى ظننت ولوهله أننى سادسهم فى القصه

القصه مكتلمه العناصر خصوص الحبكه التى أصغتيها جدا رائعه

يبقى فقط الخاتمه التى استوقفتنى قليلا .......هل كما يقال المعنى عند الكاتب

تتفتح مسامات جلده كلها لاستقبال السعاده الفائضه

اشكركٍ لانكٍ أحتويتينى بين احرفكٍ

ماجد الصالح
10-12-2007, 01:30 AM
السلام عليكم.

القصة جميلة.. احتملت العديد من الأفكار الطريفة المتناثرة في أرجاء فقراتها..

إجمالاً و برأيي.. كانت الفكرة الكليّة لاتستحق كل هذا الطول بالقصة والتفصيل الذي تضمّنه تكرار لبعض الأفكار..

ظهرت لديّ النهاية زائدة.. وإن جمعها بفكرة أخرى -ضمن النص- جامع.

لا يملك القارئ استبدال فكرة بفكرة ولا اقتراح نهاية أخرى.. إنما له الحق -كله- في أن يتصوّرها نهاية أخرى في خياله.

وقد فعلت -وأنا القارئ-.

بودلير
11-12-2007, 08:04 PM
عزيزتي نص جميل وحزين وموحش كل شيء فيه يذكرني بعدة اشياء وكل سطر منه تكتب رواية نص متماسك مع حبكة رائعة ووصف جميل لمقهى قد تكون الحياة ولكن النهاية واه والف اه من النهاية ياليتها كانت كالبداية وياليتك انت بالذات لم تنهيها كما انتهت رغم انها كانت رائعة جدا مع خالص التحايا

فاطمه.ن.
15-12-2007, 07:34 PM
هناك شعرة رفيعة ربطت نهاية القصة ببدايتها.
المتفرجون هو من يدفعون الثمن عادةً.

هذا النص احببته.

أشكرك بنان...أحسد نفسي أحيانا على أن نصوصي تجتذب قارئة في ذكاءك وفطنتك..
مرورك دائما خاص..تحياتي.

فاطمه.ن.
15-12-2007, 07:36 PM
عزيزتى...قصتك جميله فى السرد والمعانى والتصوير

لدرجه أننى ظننت ولوهله أننى سادسهم فى القصه

القصه مكتلمه العناصر خصوص الحبكه التى أصغتيها جدا رائعه

يبقى فقط الخاتمه التى استوقفتنى قليلا .......هل كما يقال المعنى عند الكاتب

تتفتح مسامات جلده كلها لاستقبال السعاده الفائضه

اشكركٍ لانكٍ أحتويتينى بين احرفكٍ

ألف شكر لهذه الحساسية لنبض الحروف..ومثلها ألف أخرى لأنك مررت من هنا..

سأترقبك دائما.

فاطمه.ن.
15-12-2007, 07:40 PM
السلام عليكم.

القصة جميلة.. احتملت العديد من الأفكار الطريفة المتناثرة في أرجاء فقراتها..

إجمالاً و برأيي.. كانت الفكرة الكليّة لاتستحق كل هذا الطول بالقصة والتفصيل الذي تضمّنه تكرار لبعض الأفكار..

ظهرت لديّ النهاية زائدة.. وإن جمعها بفكرة أخرى -ضمن النص- جامع.

لا يملك القارئ استبدال فكرة بفكرة ولا اقتراح نهاية أخرى.. إنما له الحق -كله- في أن يتصوّرها نهاية أخرى في خياله.

وقد فعلت -وأنا القارئ-.



نعم..ميم دال...أنت القارىء..
وتستطيع فتح آفاق جديدة للنص..بقراءة خاصه بك..
وكلما تعددت الآراء..اتسعت الآفاق..وكثرت احتمالات اعادة انتاج النص.
أحترم رأيك.
تحياتي

فاطمه.ن.
30-12-2007, 02:22 PM
أشكرك..على تشجيعك ورفقك بالنص.
واعتذر عن تأخر غير مقصود في الرد..
نتفق ونختلف على اى عمل أدبي، لكن قنوات الحوار ستظل مفتوحة لتثري وتمتع وتزيد مخزوننا المعرفي وترتتقي بذائقتنا.
نعم لربما كانت النهاية مربكة بعض الشىء، وصعبه.كمن يوقظك من حلم،أحيانا يحرك كتفك بلطف..وأحيانا يسكب ماء على وجهك..
اعتذر إن كان الماء أكثر من اللازم هنا.
تحياتي لك بودلير.