PDA

View Full Version : مالك بن نبي - الفيلسوف الإنسان والمشروع الحضاري



إحسان بنت محمّد
30-06-2008, 09:49 PM
بسم الله الرَّحمن الرحيم

.
.

مالك بن نبي - الفيلسوف الإنسان والمشروع الحضاري

.
.



http://benali2007.maktoobblog.com/userFiles/b/e/benali2007/images/645image.gif



شهد عام 1905م ولادة ثلاث عبقريات:
ـ فأما الأولى فكانت في الفيزياء النووية دشنها (آينشتاين) في نظرية النسبية الخاصة.
ـ وأما الثانية فكانت في الفلسفة، فشهدت ولادة فيلسوف الوجودية (سارتر) الذي كتب حتى عمي، وكان من أغزر من كتب.
ـ والثالثة كانت في علم الاجتماع الذي جدد سيرة ابن خلدون، وجاءت من مهندس كهربائي، من خارج حقل علم الاجتماع كما هو دأب المبدعين، وكانت من جزائري هو المفكر (مالك بن نبي)، كما كان الحال مع ابن خلدون من تونس.
د. خالص جلبي


.
.


كانت أوَّل معرفتي بالفيلسوف المسلم / مالك بني نبي - رحمه الله - في مقالٍ له نشرته إحدى المواقع الثقافية نقلاً عن كتابه : " شروط النهضة " ، يتحدَّث فيه عن مفهوم " قابلية الدول للإستعمار " (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84% D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1)، هذا المفهوم الَّذي أصبح نظرية إجتماعيَّة مذهلة لو درسها المسلمون وأعطوها حقَّها ، لتغيَّرت آلية دراسة الواقع الإسلامي المعاصر بشكلٍ جذري ، لكنَّ العالم يكتب اسمي أينشتاين وسارتر على صفحات تاريخه ، وينسى مالك بن نبي .. فيلسوف العصر والمفكِّر الهادئ الَّذي تفوَّق على الفلاسفة بدمجه ثقافاتٍ غربيةٍ وشرقية تحت رغبةٍ صادقة في تغيير وضع العالم الإسلامي المضمحِّل ومن ثمَّ تغيير وجه الكرة الأرضيَّة الممتلئ بالتجاعيد والقبح والموت !.

أُعجِبتُ بابن نبيّ كثيرًا ، هذا الرجل .. غير ملتحي ولا يلبس قميصًا عربيًا ، بل إنَّ خطُّه العربي رديء ، وهناك الكثير من الكتب الَّتي كتبها بالفرنسية ثمَّ نُقلت إلى العربية فيما بعد .

هذا الرجل شارك في مسيرة الجزائر نحو التحرير من الإستعمار كشابٍ حرٍّ نزيهٍ وثائر ، وهو بارعٌ في الفيزياء وأوَّل مهندسٍ كهربائي في الجزائر ، كما أنَّه فيلسوف وعالم اجتماع ، وأيُّ فيلسوف ! .

ذهبتُ إلى مكتبة جرير لشراء كتبٍ لمالك ، فما وجدتُ إلاَّ كتابًا واحدًا " مجالس دمشق " ، ولأنَّ الكتاب كان على رفٍّ عالٍ بعيدٍ عن مستوى يدي ، إضافةً إلى أنَّ عنوانه لم يجذبني ، تركتُه على أمل أن أجد لمالكٍ كتبًا أخرى قرأتُ عنها مثل : " تأملات " و " شروط النهضة " .

طلبتُ من خالتي بعدها في دولةٍ أخرى أن تحضر لي ما استطاعت من كتبٍ لمالك بن نبي ، فأرسلت إليَّ - جزاها الله الجنَّة - 3 كتبٍ هي :

1- الظاهرة القرآنية .
2- ميلاد مجتمع .
3- تأملات .

وجميع هذه الكتب تقع تحت سلسلة " مشكلات الحضارة " الَّتي تقع تحته أيضًا هذه العناوين :

1- بين الرشاد والتيه .
2- دور المسلم ورسالته .
3- شروط النهضة .
4- الصراع الفكري في البلاد المستعمرة .
5- الفكرة الإفريقية الآسيوية .
6- فكرة كمنولث إسلامي .
7- في مهبِّ المعركة .
8- القضايا الكبرى .
9- مذكرات شاهد قرن .
10- المسلم في عالم الإقتصاد .
11- مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي .
12- مشكلة الثقافة .
13- من أجل التغيير .
14- وجهة العالم الإسلامي .

.
.

وقبل أن أعرج إلى الحديث عن الكتب الَّتي قرأتها له ، وقبل أن أستعرض بعض المقالات الَّتي كُتبت حول محور شخصه وفكره وفلسفته ، أحبُّ أن أستعرض معكم سيرةً بسيطةً عنه .

أتمنى من جميع محبِّي هذا المفكِّر العظيم أن يشاركوني إثراء هذا الموضوع بمعلوماتٍ أو حقائق أو حتى أقاصيص صغيرة ، سواء أكانت عن حياته أو في أفكاره ومقولاته .

إحسان بنت محمّد
30-06-2008, 11:16 PM
مالك بن نبي

.
.



ولد الأستـاذ مالك بن نبي في 05 ذي القعدة 1323 هـ الموافق لـ 01 جانفي 1905 بقسنطينة، مدينة العلم والعلماء. انتقلت أسرته إلى مدينة تبسة ثم لحق بها بعد فترة قضاها في قسنطينة عند أقاربه، وفي تبسة انتظم في حلقة لحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، و أتم تعليمه الابتدائي والإعدادي.

قرأتُ في ويكبيديا بأنَّه ولد في مدينة " تبسة " ، لا فرق إن كان قد وُلد في مدينة تبسة أم في القسنطينة ، فمالكٌ لم يُقدِّم فلسفته وأفكاره لمدينته وحدها ولا للجزائر وحدها ، لقد قدمها للعالم كله ، لكنَّه كان عالـَمًا " عاقًّا " وصغيرًا بما يكفي لأن يجهل أبسط أفكار عظمائه ! .

عاد مالك بن نبي إلى قسنطينة لمزاولة المدرسة التكميلية، ثم ثانوية التعليم الفرنسيي الإسلامي حيث نال شهادته سنة 1925. كان بن نبي يتمتع بفطنة وذكاء ورهافة حس، فكان يلاحظ و يحكم على ما يحدث في المجتمع الجزائري آنذاك، من جراء الوجود الاستعماري منذ قرابة القرن بما أحدثه من تمييز واغتصاب الأملاك وعدم المساواة … و بعد انتهائه من الدراسة، بحث عن عمل يناسبه، لكن إذا استثنينا مدة قصيرة اشتغل فيها عادلا، (أي مترجما) بالمحكمة الشرعية بمدينة آفلو، وبعدها إلى مدينة شلغوم العيد، باءت كل محاولاته بالفشل؛ لأن الإدارة الاستعمارية أوصدت كل الأبواب في وجهه .

في سنة 1930، غادر ابن نبي الجزائر متوجها إلى باريس (فرنسا)؛ لمواصلة دراسته، فحيل بينه وبين رغبته في دخول معهد الدراسات الشرقية، فتوجه إلى مدرسة اللاسلكي، التي تخرج فيها مهندسا كهربائيا سنة 1935، فكان بذلك أول مهندس جزائري في الكهرباء.

رأيتُ أثر دراستِه هذه في كتابه " الظاهرة القرآنية " ، حين يتحدَّث مالكٌ في الصفحات 73 - 78 عن " المذهب المادِّي " ، ويمتلأ هذا العنوان معرفةً فيزيائية ومادية عظيمة .

وبين 1948 و1955، نشر مقالات في صحيفتي “الجمهورية الجزائرية” و”الشاب المسلم”. كتب حوالي 300 مقال تحتوي على جانب من فكره ، فهم مالكٌ بأنَّ الإسلام لا ينبغي على الإطلاق أن يصبح وسيلة لتنويم الشعوب المسلمة؛ بأن نحدثها باستمرار على ماضيها المجيد، بل يجب أن يكون “قوة عاملة”، وحقيقة محركة تعيدها إلى الحياة، و تشدهم إلى مصير الإنسانية المشتركة.

اتَّجه منذ نشأته نحو تحليل الأحداث الَّتي كانت تحيط به . وقد أعطته ثقافته المنهجية الَّتي جمع فيها بين الثقافة الغربية والشرقية قدرة على إبراز مشكلة العالم المتخلِّف باعتبارها قضيَّة حضارة أوَّلاً وقبل كلِّ شيء .
فوضع كتبه جميعها تحت عنوان ( مشكلات الحضارة ) .

تزوج فرنسية واختار الإقامة في فرنسا وشرع يؤلف، في قضايا العالم الإسلامي كله، فكان سنة 1946 كتابه "الظاهرة القرآنية" ثم "شروط النهضة" 1948 الذي طرح فيه مفهوم القابلية للاستعمار و"وجهة العالم الإسلامي" 1954،أما كتابه " مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي" فيعتبر من أهم ماكتب بالعربية في القرن العشرين .‏

وعلى الرِّغم من أنَّ غالبية الَّذين تحدَّثوا عن مالكًا تحدَّثوا عنه كمفكِّرٍ وفيلسوف وأغفلوا الجانب الجهادي فيه ، حيث ذُكِر في " ويكبيديا " مثلاً بأنَّه غادر إلى مصر عند اشتعال الثورة الجزائرية في موطنه ، ولم تتحدَّث عنه كونه أحد الشباب الَّذين أيَّدوا ثورة الريف في الجزائر وتصدَّى مع ثلَّةٍ من الشباب للإستعمار الَّذي استخدم المساجد والأئمة للدعاية ضدَّ الثورة - كما ذكر ذلك في كتابه تأمُّلات - .
كما أنَّه طلب إرساله على الحدود الجزائرية للمشاركة في الكفاح، وكتابة مذكرات الثورة، غير أن طلبه لم يحظ بالقبول .

في عام 1956 انتقل إلى مصر ، وهناك حظي باحترام، فكتب "فكرة الإفريقية الآسيوية" 1956. وتشرع أعماله الجادة تتوالى، وبعد استقلال (الجزائر) عاد إلى الوطن، فعين مديراً للتعليم العالي الذي كان محصوراً في (جامعة الجزائر) المركزية، حتى استقال سنة‏ 1967 متفرغاً للكتابة، بادئاً هذه المرحلة بكتابة مذكراته، بعنوان عام"مذكرات شاهد القرن" ، كما قام بتنظيم العديد من الندوات الفكرية في أكثر من بلد إسلامي وهو صاحب فكرة الملتقيات الإسلامية الَّتي دامت أكثر من عشرين سنة .


وفي 04 شوال 1393 هـ الموافق لـ 31 أكتوبر 1973 توفي بالجزائر العاصمة فارس الفكر، وفقيه الحضارة، وأكبر مفكر مسلم في عصرنا، تاركا وراءه عملا، يجدر بإنسانية القرن الواحد والعشرين استغلاله من أجل إيجاد طريق جديدة تؤدي إلى تلاقي الحضارات ومنها تكوين “الحضارة الإنسانية” رحمه الله رحمة واسعة وجعل اسمه للخلود وروحه للخلد.


مات مالك بن نبي رحمه الله ، لكنَّ أفكاره ما زالت حيَّة تهيب بالأمَّة أن تتلقفها لتنهض من كبوتها المزمنة ، وتدخل من جديد في مضمار الحضارة .


المصادر :

موقع التوحيد - نقلاً عن موقع المفكر مالك بن نبي (http://www.binnabi.net/)
ويكبيديا - الموسوعة الحرَّة
متفرقات من كتب مالك بن نبي

- بتصرف -

إحسان بنت محمّد
01-07-2008, 01:46 AM
الظاهرة القرآنية

الإهداء :
إلى روح أمي ...
إلى أبي ...
الوالدين الَّذين قدَّما لي في المهد
أثمن الهدايا .... هدية الإيمان
..............مالك
http://www.neelwafurat.com/images/lb/abookstore/covers/normal/83/83280.gif


سأبدأ الحديث بأعظم كتابٍ قرأتُه في حياتي ، برائعة مالك بن نبي الخالدة " الظاهرة القرآنية " ، وأجزم بأنَّ الَّذين قرأوا هذا الكتاب سوف يوافقونني على أنَّه أحد أعظم مؤلفات الفكر الإسلامي المعاصر .

سأتحدَّث عنه كـ " قارئةٍ من عامَّة الشعب " قد لا تحسن التلفُّظ بألفاظٍ فكريةٍ عميقة ، أو كـ " فتاةٍ بسيطةٍ جدًّا " تكرر قراءة السطر أكثر من مرَّةٍ في محاولةٍ ممتعة والله لفهم أبعاد فلسفة مالك .

.
.

يقع الكتاب الَّذي ألَّفه مالكٌ بن نبي في فرنسا - وباللغة الفرنسية :) - في 328 ورقة ، وهو إحدى منشورات " دار فكر " الَّتي قامت بنشر أغلب مؤلَّفاتِ المفكِّر رحمه الله .

قام بتقديم الطبعة الفرنسية للكتاب الدكتور الشيخ محمَّد عبد الله دراز - رحمه الله - أستاذ في الأزهر الشريف ، وقام اللواء الغنِّي عن التعريف الأستاذ / محمود محمَّد شاكر إلى تقديم فصلٍ في إعجاز القرآن في 33 صفحة مشوقة تناول فيها - رحمه الله - الإعجاز في القرآن الكريم وفصَّل فيه كثيرًا ، لكنَّه خالف مالك بن نبيّ حين ارتكز الأخير على نظرية المستشرق " مرجليوث " الَّتي أصبحت فيما بعد قضية طه حسين في كتابه " في الشعر الجاهلي " وارتكز على أثرها في العقل الحديث ، وخرج منها إلى نتيجة وجوب التعديل بروية وحكمة في المنهج القديم للتفسير الَّذي يقوم - حسب رأي مالك - على الموازنة بين أسلوب القرآن الكريم وأسلوب الشعر الجاهلي .

مع العلم أنَّ مالكًا كان من أشدِّ معارضي فكرة " مرجليوث " ، لكنَّه كان يرغب باستحداث نهجٍ جديدٍ يوافق العقل الحديث في تفسير القرآن .
فنحن - كما يقول مالك : " منذ وقتٍ طويل لم نعد نملك في أذواقنا عبقرية اللغة العربية ، ليمكننا أن نستنبط من موازنةٍ أدبية نتيجةً عادلة حكيمة ، ومنذ وقتٍ طويل تكتفي عقائدنا في هذا الباب بالتقليد الَّذي لا يتفق وعقول المتعلقين بالموضوعية " .

وعلى الرغم من هذه المخالفة إلاَّ أنَّ الأستاذ محمود قد أبلغ الثناء على الكتاب في مقدمته حيث قال :

" هذا كتاب ( الظاهرة القرآنية )
وكفى ، فليس عدلاً أن أقدِّم كتابًا هو يُقدِّم نفسه إلى قارئه . وبحسب أخي الأستاذ مالك بن نبيّ وبحسب كتابه أن يُشار إليه ، وإنَّه لعسيرٌ أن أقدِّم كتابًا هو نهجٌ مستقل ، أحسبه لم يسبقه كتابٌ مثله من قبل . وهو منهجٌ متكامل يفسره تطبيق أصوله ، كما يفسِّره حرص قارئه على تأمُّل مناحيه . "

.
.

يقول مالكٌ :
" لم يُتح لهذا الكتاب أن يرى النور في صورته الكاملة ، فالواقع أنَّنا قد أعدنا تأليف أصوله الَّتي أُحرقت في ظروفٍ خاصَّة . وهو كما هو الآن ، لا يكفي في علاج فكرتنا الأولى عن المشكلة القرآنية ، فإنَّ الموضوع يتطلَّب عملاً شاقًا طويل الأنفاس ، ومراجع ذات أهميَّة قصوى "

يبدأ كتاب " الظاهرة القرآنية " بالحديث عن الظاهرة الدينية والمذهب الغيبي والمذهب المادي كمقدمةٍ عقلانية لما سيتمُّ عرضه بعد ذلك .

ثمَّ يبدأ بالحديث عن الحركة النبويَّة ومبدأ النبوَّة وادِّعاء النبوَّة والأنبياء ويتناول النبي " أرمياء " الَّذي ذُكر في كتب بني إسرائيل وقدَّم مالكٌ في فلسفةٍ عميقةٍ ومدهشة الظاهرة النفسية عند أرمياء .

ثمَّ يحدُّثنا بن نبي عن أصول الإسلام في دراسة نقدية لا تغفل - كما يقول - أهمية فحص الوثائق المدونة أو التاريخيَّة الَّتي يمكن أن تلقي ضوءًا على الظاهرة القرآنية .

ويقوده الحديث عن أصول إلى الإسلام إلى إفراد مساحةٍ كبيرة من كتابه للحديث عن نبي الإسلام محمَّدٍ صلى الله عليه وسلَّم فيتناول حياته ثمَّ يعرج إلى الحديث عن الوحي واقتناع النبي صلى الله عليه وسلَّم بنبوته .

وفي بقية صفحات الكتاب ، نجد عناوين لافتة ومهمَّة وجديرة بالتمحيص والقراءة بتعمَّق ، مثل الصورة الأدبية في القرآن والعلاقة بينه وبين الكتاب المقدَّس والقمية الإجتماعية لأفكار القرآن ، والعديد من القضايا المهمَّة الَّتي لا يسعنا في حديثٍ ضيِّقٍ أن نتحدَّث عنها كلها .


وكتاب " الظاهرة القرآنية " متميُّزٌ في طرحه الَّذي يخاطب العقل والقلب معًا في مزجٍ فريدٍ لا يقدره إلاَّ متمكِّنٌ فلسفي من الروح الإنسانية .

فأنا كـ " مسلمة " حين قرأتُ هذا الكتاب ، اكتشفتُ جهلاً عميقًا في ما أؤمن به في قراري وأعترف به كليًا في ذاتي ، نحن نؤمن لأنَّنا " تعوَّدنا " ذلك ! ، تعوَّدنا أن نصلِّي ونقرأ القرآن ونحفظ سيرة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلَّم ، مالكٌ يخاطب عقولنا بلغة قلوبنا ، يحدثنا كيف اقتنع صلى الله عليه وسلَّم بنبوته ، يشرح لنا المنهج الغيبي والمنهج المادِّي وظاهرة النبوة وأصول الإسلام بعقلٍ فريدٍ جمع بين دراسة الماديات والتعمُّق في دراسة الروح .

وأجزم بأنَّ الكتاب يخاطب في ثناياه أشدَّ الملحدين حُمقًا ، فهو لا يقدِّم العقيدة الإسلامية كمسلَّماتٍ يؤمن بها القلب تحت عمىً عقلي ، بل كـ حقائق يتشربها القلب تحت إشرافٍ عقلي ! .

قرأتُ " الظاهرة القرآنية " أكثر من مرَّة ، وفي كلِّ مرَّةٍ أعيد قراءته فيها أشعر بأنَّني أقرأ كتابًا مختلفًا ، في كلِّ سطرٍ وفي كلِّ كلمة يقدِّم لنا مالكٌ " حياةً " بمجملها وليس مجرَّد كلمات ! .

.
.

ربَّما يكون أكثر ما شدَّني في كتاب مالكٍ وأوَّل ما قرأته فيه هو مقارنة فريدة وذكية بين آيات سورة يوسف في القرآن الكريم ، وبين ذات القصَّة في التوراة ، محاولاً تبيين أوجه الشبه والإختلاف بين الكتاب السماوي الَّذي تعهد الله بحفظه ، وبين الكتاب السماوي الَّذي تنقلته أيدِ اليهود المحرِّفة .
لكنَّه لم يغفل أبدًا الجانب السماوي الباقي في هذه الكتب والخالد بين ثناياها .

وعلى الرغم من أنَّ مالكًا كان فيلسوفًا مؤمنًا بأنَّ العقول الراكدة مثل الماء الآسن ، إلاَّ أنَّه أفرد صفحاتٍ في كتابه تحت عنوان :" ما لا مجال للعقل فيه " وضع تحتها كمثال فواتح السور وقال :
" ... ولكنَّ أكثر المفسرين تعقلاً واعتدالاً هم أولئك الَّذين يقولون في حالٍ كهذه بكلِّ تواضع : (( الله أعلم )) . "
معترفًا - وهذا الإعتراف يندر أن يصدر عن فيلسوف - بمحدودية العقل البشري وضيق إدراكه .

.
.

أجزم بأنَّ كلَّ الَّذين تحدَّثوا عن هذا الكتاب لم يوفوه حقه ، ولم يرفعوه منزلته ، فالبحار مهما بلغت به الخبرة لن يستطيع أن يصف لك البحر الَّذي قطعه في سفره ، فكيف إذا كان بحَّارًا جاهلاً مثلي ، وكيف إذا كان البحر كتابًا خالدًا مثل " الظاهرة القرآنية " ؟!.

إنَّما أردتُ أن أعرِّف ولو بشكلٍ بسيطٍ عن أعظم الكتب الَّتي قرأتها ، لأعظم المفكرين الَّذين عرفتهم :
مالك بن نبي

إحسان بنت محمّد
01-07-2008, 02:16 AM
غدًا إن شاء الله أكمل حديثي ..

.
.

لأول مرة أقولها في الساخر فلا " تردوني " :
( أتمنى التفاعل ! ) .

أزهر
01-07-2008, 02:25 AM
^
متابع جيد كالكثير غيري ولكن لا تنتظري منا تفاعلا مع موضوع نقرأ عنه لأول مرة !
متفاعلون بالقراءة وهذا يكفي .

إحسان بنت محمّد
01-07-2008, 02:56 AM
تمَّ التعديل :)

.
.

أزهر /
شكر الله للقرَّاء سعيهم .
وجزا الله مالكٌ عنا وعن امَّتنا كل خير .

شن
01-07-2008, 03:52 AM
إحسان ..

في هذه الأيام أقرأ كتاباً للدكتور محمد العبده بعنوان : (مالك بن نبي) .
وهو ضمن سلسلة كتب .. تحت اسم:
علماء ومفكرون معاصرون لمحات من حياتهم، وتعريف بمؤلفاتهم

الحديث عن هذا الرجل لا ينتهي أبداً ، كدينٍ متلاحق
وهو ذو شجونٍ وتكشفاتٍ تظهر مع كل قراءة

كذلك فإن الدكتورة نورة بنت خالد السعد وهي أول سعودية وسعودي يتخصص في ( النظرية الإجتماعية ) في علم الإجتماع بحثت وكتبت في كر مالك بن نبي، وألفت كتابها: (التغير الاجتماعي في فكر مالك بن نبي) . وأراها أنها تلمّست خطواته وكتبت في مقالاتها في جريدة الرياض وفي غيرها، وكذلك في أطروحاتها وتدريسها في الجامعة كثيراً مما جاء به هذا المفكر العبقري ..

وهنا حوار معها حول مالك بن نبي:
http://islamtoday.net/albasheer/show_articles_content.cfm?id=72&catid=77&artid=2901

متابعين يا إحسان .. !

السناء
01-07-2008, 11:51 PM
عرّجي على علاقته بالأمير شكيب هذا أمر
الأمر الثاني شكرا على رابط الموقع

لاحظي أنني مهتمة جاد بكل ما ستكتبين هنا

جزيت الجنان

إحسان بنت محمّد
03-07-2008, 03:11 AM
كتبتُ عن كتاب " ميلاد مجتمع " مباشرةً إلى المتصفِّح .. فطار ما كتبته بما حمل ، وعدتُ أنا بخفي حنين ودعاءٍ بالخير لمن نصحني بالكتابة ارتجالاً :peace: .

.
.

ثمَّ إنِّي أرجو منكم صبرًا ، فظروف مشروع تخرجي قد أخَّرتني عن الكتابة :d(5:

إحسان بنت محمّد
04-07-2008, 01:55 AM
ميلاد مجتمع



( لا يُقاس غنى المجتمع بكميَّة ما يملك من أشياء ، بل بمقدار ما فيه من أفكار )
مالك بن نبي – ميلاد مجتمع





.

.

يقول مالك بن نبي – رحمه الله - :
[ هذه الدراسة جزءٌ من العمل الَّذي نقوم بنشره تحت العنوان العام : ميلاد مجتمع .
ولكن لها مناسبة إلى هذا العمل صفة خاصَّة ، حبَّذت لدينا نشرها منفصلة تحت عنوان فرعي هو : شبكة العلاقات الاجتماعيَّة ] .

ولا أعلم أين يجد القارئ الأجزاء الأخرى من هذا العمل ، ربَّما أنَّ مالكًا نشرها تحت عناوين أخرى في كتبٍ متفرِّقة ، أو أنَّ الحياة والموت – رحمه الله – قد حالا دون أن يتمَّ كتابتها ، لكنَّ المقصود الآن من " ميلاد مجتمع " هو كتابٌ واحدٌ فقط أضعه بين يديك الآن .

كتابٌ صغيرٌ يتكوَّن من 128 صفحة ، وهو على صغره إلاَّ أنَّه جدُّ عميقٍ ، يظهر فيه بجلاءٍ أسلوب مالكٍ المتسلسل ومذهبه الداعي إلى دراسة المشكلة بدءًا من الجذور وانتهاءًا بالأطراف الدقيقة مستشهدًا دائمًا بقوله تعالى : ( إنَّ الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم ) ، ولربّما سبق ابن نبيٍّ بقيَّة المفكِّرين الإسلاميين اهتمامه بدراسة المشكلة واجتثاثها ، بينما يقوم السواد الأعظم من مفكِّرينا بالاكتفاء بدراسة [ نتائج ] هذه المشكلة .

من يقرأ كتاب " ميلاد مجتمع " يحسب أنَّ كاتبه عالم اجتماع لا مهندسًا كهربائي درس في مدرسة اللاسلكي ، لكنَّ مالكًا تلميذ ابن خلدون والشيخ / عبد الحميد بن باديس ، كان يردِّد دومًا بأنَّ بناء الإنسان في وطنه أشدُّ أهميَّة من بناء الآلة .

ربَّما أمكنني القول بأنَّ المبدأ الَّذي كتب مالكٌ كتابه " ميلاد مجتمع " حوله هو أنَّ أي نهضة مجتمع تتم في نفس الظروف التي شهدت ميلاده، وعلى هذا فإنه إعادة بناء المجتمع المسلم الحديث لا بد أن تنطلق من الفكرة الدينية كأساس لأي تغيير اجتماعي (1) .

يبدأ مالكٌ كتابه بتوضيح " أوَّليَّات " دراسة مفهوم : ميلاد المجتمع ، وذلك بتفنيد مصطلحات اجتماعيَّة مطلوبٌ إدراكها للدارس والقارئ الهاوي على سواء ، مثل : المجتمع ، ومالكٌ يرفض قطعًا مناقشة هذا المصطلح بطريقةٍ أدبيَّة فهذا الأسلوب كما يقول رحمه الله : لا يعين على جلاء الموضوع ، بل يجعله أكثر صعوبة .

ثمَّ يسعى مالكٌ إلى تصنيف المجتمعات إلى صنفين : المجتمع البدائي والمجتمع التاريخي ، ويضرب لك مثلاً بمجتمعاتٍ قديمة وحديثة ، يُصنِّفها إلى أحد النَّوعين ، ويعرج بعد ذلك إلى الاستفاضة في الحديث عن خواصِّ المجتمع الإسلامي بوصفه مجتمعًا تاريخيًا مختلفًا حيث يتكون من طابقٍ واحد لا من طوابق اجتماعيَّة متعدَّدة كما في المجتمع الأوروبي في القرن التاسع عشر والمجتمع البرهمي .

يتنقل ابن نبي في كتابه بين عناوين مختلفة ومشوقة جدًّا ، أفكارًا رائعة وفلسفة مختلفة ، ويكفي بأنَّ أغلب هذه العناوين يندرج تحت " شبكة العلاقات الاجتماعيَّة " ، حيث يؤمن ابن نبي بأنَّ المجتمع يحمل في داخله صفات ذاتية تضمن استمراره ، وأنَّ العنصر الثابت هو المضمون الجوهري للكيان الاجتماعي ، وهو الَّذي يحدد في نهاية الأمر بشبكة العلاقات الإجتماعية .

يتبع بإذن الله

رملاوية
05-07-2008, 02:35 AM
استمتعتُ كثيرًا هنا
واستفدت
فشكرًا لكِ أختي إحسان على هذا العرض الرائع لسيرة مالك ابن نبي ولبعض كتبه
ومتشوقة للمزيد ... نحن في الانتظار

miss loly
05-07-2008, 04:30 PM
حقيقةً ما قرأته هُنا أدخل الأُنس لقلبي .
لأول مرة أسمع عن هذا الرجل الفيلسوف - رحمه الله - و الشكر لله ثم لكِ يا نقية.

بورك فيك .

ماجد راشد
05-07-2008, 07:07 PM
قرأت أحياناً عن مالك بن نبي ، لكن للأسف الشديد لم تتسنى الفرصة لأقرأ له

موضوع شيق و جميل .. و مشجع في ذات الوقت لنبدأ البحث عن كتبه و نقرؤهُ مباشرةً.

شكراً

غدير الحربي
06-07-2008, 05:42 AM
اهلا ً يا احسان ..

بمجرد أن لمحت اسم مالك بن نبي أتيت مهرولة ..

قصتي مع ملك بن نبي طويلة جدا ً , لكن سأوجزها في سطور ..

كنت ومازلت من هواة القراءة للمفكرين المسلمين وكان أحد الذين توقف بهم قطاري مالك بن نبي قبل سنتين ..

قرأت له كتب إلكترونية وكان الأمر متعبا ً وخاصة وكتبه عميقة ومترجمة عن أصل هو الفرنسية , وتستخدم مصطلحات تحتاج لمعاودة تفحص ومراجعة .

فقررت تأجيله لوقت آخر .

في هذه السنة حدثت وبالمصادفة أحاديث عن المفكر مالك مع فتاة بالجامعة تدرس علم اجتماع مع دكتورة نورة السعد , وقالت لي : هل تعرفين مالك بن نبي ؟ .
قت لها : نعم .
قالت : قرأت له .
قلت : أيضا ً نعم .
قالت : دكتورة نورة السعد أعطتني مؤلفين من كتبه ..

اصبت بانتشاء وطلبتهما منها , قالت : سأسأل الدكتورة أولا ً ..

قلت : لا بأس .

كنت متأكدة وأنا أعرف أنها تثق بي , وهي مولعة بمالك بن نبي وبنشر فكره أنها لن تبخل بكتبها علي .

فقالت الدكتورة لصديقتي : امنحيها الكتب ولكما جلسة نقاش معي كل اسبوع عن مالك , نتدارس أفكاره ..

طبعا ً أنا أهملت الأمر وتمتعت بالقراءة وحدي ودونت أفكاري وخواطري ..

مر ( ترم ) على هذا الحديث , وعندما كنت مستعدة ( الترم ) الآخر للجلوس مع الدكتورة نورة للمناقشة كانت قد تفرغت هي من الجامعة لمشاغل فكرية ومؤتمرات , وأشياء لا أدري عن شأنها فلم تعد تأتي للجامعة كثيرا ً ..

كانت الدكتورة متحمسة لمناقشتي , خاصة وصديقتي تخبرها بحسن ظن : بأني عميقة ومهتمة بهذا الشيء , لكن فُوت الفرصة على نفسي بسذاجة .


مالك بن نبي مفكر يستحق صفحات من التعليق .

ولولا مشاغل من الصعب تركها مهمشة , وأوامر تمنعني من الجلوس طويلا ً أمام الكمبيوتر , لشاركتك الكتابة عن هذا المفكر بملاحظاتي .

لكن ألا تؤيديني أن مالك وقع في اخطاء _ ككل بشري _ عالجها هو نفسه وكتب عنها نقدا ً؟ ..

وفي هذا لي مراجعات كثر .

سلمت يا احسان .

غدير الحربي
06-07-2008, 06:00 AM
نعم , من الأشياء التي جذبتني لمالك بن نبي في أسلوبه أنه متماسك , متماسك بطريقة متقنة وغريبة وكأنه مصبوب في قالب من صلب ! ومع ذلك فهو عميق ومبطن بالكثير من الأشياء وسريع وملخص , يصلك بالهدف مباشرة .

ورغم أن الكثير يشتكي من صعوبة أسلوبه فأنني وجدت أن أسلوب مالك بن نبي رحمه الله سلس بمجرد أن تتعوده, وتفهم المصلحات العامة التي يصدر عنها .

ولأنه مختصر جدا ً وعميق فكل سطر تمرره دون أن تفهمه أو تبالي به , تكون قد فوت على نفسك فكرة هامة أو تداعيات لا بد منها للقادم من أحاديث .

الكتابين التي قرأتهما لمالك كانت صغيرة ومتوسطة القطع ومتقاربة الصف ومجزأة بعناوين رئيسية متماسكة ومتسلسلة .

رغم أن مالك كان يكتب كمفكر محايد ويعالج الأفكار , بحيث يجب أن تشعر _ كما العادة في كتب الفلاسفة _ أنك تسرح مع الأفكار وحدها بدون الكاتب ؛ إلا أن مالك كانت له روح تستشعرها من بين السطور حتى وأنت تعالج وتقاتل الأفكار بعنف يشغلك عن كاتبها .

وكانت تلك الروح هادئة وسلسة وتشعر أنها تريد مصلحتك , ولا تسعى لقلوبتك غصبا ً في قالب معين .

وهو متزن ولا يبدو متعجلا ً , بل صبور يعالج قضية .

والأدهى والذي أذهلني أنه رغم أنه كان يقدم أفكار فخمة , فإنها قدمت بقالب صغير وبسيط وكأنه يمرر لك شيء لم يتعب في تحصيله وملاحظته لسنوات ! .

هكذا بكل بساطة يقدم لك الأفكار متسارعة ومختصرة وتتحدث عن نفسها دون حديث يقدمه هو عن طريقة نشأتها أو تفتقها ومعاناته معها .

أحببته , ومازلت لم أعرفه جيدا ً بعد .

إحسان بنت محمّد
06-07-2008, 04:48 PM
شن :
اطَّلعتُ على الرَّابطِ أخي ، وقرأتُ شيئًا منه وأعجبتني طريقة تفكير الدكتورة أسعدها الله وبارك فيها .
كلُّ التقدير لشخصك الكريم

سناء :
صغيرة أنا والله ، أصغر بكثير من أن أكتب عن مالك ..
كوني بالجوار :rose:

رملاوية :
سعيدةٌ جدًّا بحضورك واستفادتكِـ
شكرًا لكِ كثيرًا :)

miss loly :

حقيقةً ما قرأته هُنا أدخل الأُنس لقلبي .
تكفيني هذه !
سلمتِ

ماجد راشد :
أتمنى لكـ قراءةً ممتعة وأنصحك بأن تبتدأ بقراءة : شروط النَّهضة ، وهو كتابٌ حصلتُ عليه مؤخَّرًا ولم تترك الجامعة لي وقتًا لقراءتهِ مع الأسف الشديد ! .
أمنياتي :)

غدير الحربي :
:m:
أمَّا أنا فمعرفتي بمالك هي أوَّل معرفتي بالمفكِّرين الإسلاميين ، وربَّما أكون قد قرأتُ من قبل لسيِّد قطب ومحمَّد الغزالي واطَّلعتُ على شيئٍ من مقالات جودت سعيد وحاولتُ القراءة لمحمَّد سرور وغيره ، لكنِّ مالكًا هو الوحيد الَّذي أسرتني كتبه ويقدَّت أعصابي أفكاره ، فهو باختصار أكثر الَّذين درسوا مشاكل الأمَّةِ الإسلاميَّة لا نتائجها ، وبحثوا عن الأسباب قبل تعليق الأخطاء على المسبِّبين ، ولربَّما تظهر خصائص فكر مالكِ هذه في نظريَّاته وأفكاره مثل : فكرة الحضارة ، حيث يؤمن مالكٌ بأنَّ الحضارة نتاج ترابٍ ووقتٍ وإنسان ، وأنَّ الفكرة تلعب دور المحرِّك الأساسي لهذه العناصر الثلاث ، و تظهر أيضًا في نظريَّةِ " قابلية الدول للإستعمار " ، حيث يتجاوز دراسة مشكلة الإستعمار ونتائجها إلى مسببات الإستعمار ، فيوضِّح أنَّ مشكلة الدول الإسلاميَّة أنَّها دولٌ قابلة للإستعمار - حتَّى الَّتي لم تُستعمر قط ويمثل ذلك في اليمن الشمالي سبقًا - ، كما أنَّ إيمان مالكٍ المطلق بأنَّ الأديان هي قائدة الشعوب يمنح أفكاره روحًا هادئة جدًّا ، حتَّى أنِّي أشعر حين أقرأ له بأنَّ هذا المفكِّر ما فقد أعصابه قط !! ، ويعلِّمنا مالكٌ بأنَّ الدين هو محرِّك المجتمع الإسلامي الأول لذا فهو المحرِّك الوحيد للمتأخِّر ، الدين كان دائمًا مسيِّر الأمم حتَّى ولو كان دينًا باطلاً ، فحتَّى " اللادين " هو "دينٌ " حرَّك الثوّار الشيوعيين وصنع منهم أبطالاً ! .


لكن ألا تؤيديني أن مالك وقع في اخطاء _ ككل بشري _ عالجها هو نفسه وكتب عنها نقدا ً؟ ..
نعم أؤيِّدكِ ، والأستاذ محمود محمَّد شاكر يقول في مقدِّمة كتاب " الظاهرة القرآنيَّة " :
( ولكن أحسبني من أعرف النَّاس بخطر هذا الكتاب ، فإنَّ صاحبه قد كتبه لغايةٍ بيَّنها ، ولأسبابٍ فصَّلها . وقد صهرتني المحن دهرًا طويلاً ، فاصطليتُ بالأسباب الَّتي دعته إلى اتِّخاذ منهجه في تأليف هذا الكتاب ثمَّ أفضيتُ إلى الغاية الَّتي أرادها ، بعد أن سلكت إليها طرقًا موحشة مخوِّفة . وقد قرأتُ الكتاب وصاحبته ، فكنتُ كلَّما قرأتُ منه فصلاً وجدتُ نفسي كالساشر في دروبٍ قد طال عهدي بها ، وخُيِّل إليَّ أنَّ مالكًا لم يُؤلِّف هذا الكتاب إلاَّ بعد أن سقط في مثل الفتنِ الَّتي سقطتُ فيها من قبل ، ثمَّ أقال الله عثرتُه بالهداية فكان طريقه إلى المذهب الصحيح ، هو ما ضمَّنه كتابه من بعض دلائل إعجاز القرآن وأنَّه كتابٌ منزَّل )

:)

كلُّ التقدير لكِ ولقلمكِ وأدبكِ وفكركِ
وددتُ لو حتى شاركتني كتابة شيءٍ من آثار أفكار مالكٍ على نفسك
ولكن يبدو " تأتي المقالات في ما لا يشتهي الوقت " :ops2:

إحسان بنت محمّد
07-07-2008, 03:38 AM
ميلاد مجتمع 2



بإذن الله سأحاول وضع تلخيص بسيط لكتاب ميلاد مجتمع بحيث أدرج تحت كلَّ عنوان أهمَّ النقاط الَّتي ذكرها مالك ، وأتمنى أن يستفيد من هذه الصفحة القارئ المبتدئ بحيث تعطيه أفكار مبسَّطة ومختصرة ( لا تغني بالتأكيد عن قراءة الكتاب ) .


.
.

يقول مالك :



أوَّليَّات

* قد يؤدِّي تعقُّد المصطلحات إلى مناقشات أقرب إلى الطابع الأدبي منها إلى منطق العلم ، كتلك المناقشات الَّتي ثارت وتثور غالبًا حول مصطلحي حضارة ، ومدنية في البلاد العربيَّة . بيد أنَّ هذه المناقشات لا تعين على جلاء الموضوع بل تجعله أكثر صعوبة .


* المجتمع البدائي : لم يُعدَّل بطريقة محسَّة المعالم الَّتي تجدد شخصيته منذ كان .
مثل مستعمر النمل أو النحل والقبيلة الأفريقية في عصر ما قبل الإستعمار
..المجتمع التاريخي : وُلِد في ظروفٍ أوَّليَّة معيَّنة ، ولكنَّه عدَّل بعد ذلك صفاته الجذرية ابتداءًا من هذه الحالة الأوليَّة ، طبقًا لقانون تطوُّره .


* المجتمع التاريخي يمكن أن ينشئ بطريقتين :
1- إمَّا أن يتركَّب ابتداءًا من موادٍ جديدة ، أي مواد لم تتعرَّض لأي تغيير تاريخي سابق .
2- قد يتكون أيضًا من عناصر استُخدِمت في مجتمعٍ تاريخي سابق ، تحوَّلت عناصره المكوِّنة له إلى عناصر مهيَّأة للاستخدام في مجتمعٍ جديد .


* هناك نوعان من المجتمع التاريخي :
أ- المجتمع التاريخي الَّذي يُولد ، فيكون ميلاده إجابة عن اختيار مفروض تفرضه الظروف الطبيعيَّة الخاصَّة بالوسط الَّذي يُولد فيه .
النموذج الجغرافي : المجتمع الأمريكيّ .
ب- المجتمع الَّذي يرى النور تلبيةً لنداء فكرة .
المجتمع الفكري ( الإيديولوجي ) : المجتمع الإسلامي .


* ينبغي أن نميِّز المجتمعات الَّتي يقوم بناؤها على طوابق كثيرة ، عن المجتمعات ذات الحجر الواحد أو الطابق الواحد .


* المجتمع الإسلامي الَّذي يُعدُّ خاصَّة موضوع دراستنا ، هو من النموذج ذي الحجر الواحد .


* يضمُّ المجتمع ما هو أكثر من مجرَّد مجموعة من الأفراد الَّذين يؤلِّفون صورته ، يضمُّ عددًا من الثوابت الَّتي يُدين لها بدوامِه ، وبتحديد شخصيَّتِه في صورةٍ مستقلَّة تقريبًا عن أفراده .


* قد يحدث في بعض الظروف التاريخيَّة أن يفقد مجتمعٌ ما شخصيته ويُمحَى من التَّاريخ ، ومع ذلك فإنَّ عدد أفراده لا يتغيَّر في هذه الحالة ، بل يحتفظ كلُّ فردٍ بغريزةِ العيش في جماعة .

* المجتمع يحمل في داخله الصفات الذَّاتيَّة الَّتي تضمن استمراره ، وتحفظ شخصيَّته ودوره عبر التَّاريخ . وهذا العنصر الثابت هو المضمون الجوهري للكيان الاجتماعي ، إذ هوَ الَّذي يُحدِّد عمر المجتمع ، واستقراره عبر الزَّمن ، ويتيح له أن يواجه ظروف تاريخه جميعًا .




النَّوع والمجتمع


* مصطلح المجتمع في معناه البسيط يعني : تجمُّع أفراد ذوي عاداتٍ متَّحدة ، يعيشون في ظلِّ قوانين واحدة ولهم فيما بينهم مصالح مشتركة .


* تجمعات الأفراد الَّذين لا يُعدِّل الزمن من علاقاتهم الداخليَّة ، ولا تتغيَّر أشكال نشاطهم خلال المدَّة ، لا تُعدُّ من المجتمعات الخاصَّة الَّتي نقصدها بمصطلح " مجتمع " .



* أيًّا كان الأمر ( فالمجتمع ) هو الجماعة الإنسانيَّة ، الَّتي تتطوَّر ابتداءًا من نُّقطة يمكن أن نطلق عليها مصطلح ( ميلاد ) .


* تطور الجماعة يؤدِّي بها إمَّا إلى شكلٍ راقٍ من أشكال الحياة الاجتماعيَّة ، وإمَّا أن يسوقها على عكس ذلك إلى وضعٍ متخلِّف .


* إنَّ الطبيعة توجد النَّوع ، ولكنَّ التَّاريخ يصنع المجتمع ، وهدف الطبيعة هو مجرَّد المحافظة على البقاء ، بينما غاية التَّاريخ أن يسير بركب التقدُّم نحو شكلٍ من أشكال الحياة الراقية هو ما نطلق عليه اسم " مجتمع " .

إحسان بنت محمّد
08-07-2008, 03:34 PM
الآراء المختلفة في تفسير الحركة التاريخيَّة

* ترتبط فكرة ( المجتمع ) بوضعٍ متحرِّك ذي عناصر ثلاثة :
أ. حركة مستمرِّة .
ب. إنتاج دائم لأسبابها .
جـ.غايتها .


* إذا ما ذهبنا إلى أنَّ " الحركة هي الَّتي تؤدِّي إلى أسبابها " وجدنا أنفسنا أمام تعارضٍ ظاهر ، فإنَّ تخطيطنا الحركي يعطينا صورة عن المجتمع في حركته ، ولكنَّه لا يفسّر الشروط الأوليَّة لهذه الحركة .


* أي وسط ( إنساني ) ينطوي في الحقيقة على نصيبٍ من الخمود ، شأنه في ذلك شأن أي وسط من المادَّة ، ونحن ندلُّ على هذا الخمود في جانب الأفراد بصيغٍ مختلفة : فنتحدَّث أحيانًا عن الكسل ونقص الطاقة ، وعن نقص الإرادة ..... إلخ .


* كل وسطٍ إنساني مندمج في حركته ، منتج لأسباب هذه الحركة ، ينطوي على عامل أساسي يقهر الخمود الفطري .


* ( هيجل ) يرجع الأسباب الَّتي تحكم كلَّ حركةٍ تاريخيَّة ، أعني كلَّ تغيير اجتماعي إلى مبدأ التعارض الَّذي يتكوَّن من حركةٍ ونقيضها .
فحينما تنشأ الحركة طبقًا لهذه الأسباب المتعارضة ، فإنَّ غايتها تتمثَّل تتمثَّل أمامه في صورة اندماجٍ وتركيبٍ محتوم ! .
فالحالة الَّتي توجد فيها جماعة إنسانيَّة في لحظةٍ معيَّنة من تاريخها - هي في رأيه - قضيَّة .


* الفكرة الماركسيَّة ترى أنَّ الأسباب المتعارضة الَّتي تؤدِّي إلى حدوث التغييرات الإجتماعيَّة ذات طابعٍ إقتصادي : فميلاد المجتمع وشكل الحضارة الّذي يتَّخذه ناشئان عن التعارض الإقتصاديّ .


* انتشار الفكرة الشيوعيَّة محدود داخل هذه الحدود الإقتصاديَّة المطابقة لحدود جغرايا معيَّنة ، وأنَّ التفكير الماركسي لم يجد وراء هذه الحدود المزدوجة ظروف تأقلمه ، فهو بهذه الصورة لم يستطع أن يقدِّم لنا تفسيرًا معقولاً للمجالات الَّتي لم ينتشر فيها على الخريطة .


* ( جون ارنولد تونبي ) لقد اتَّبع هذا المؤرِّخ الانجليزي الكبير منهجًا ، ينطبق في جانبٍ منه على تخطيط هيجل ، وذلك حين شبَّه فكرة التعارض بعقبةٍ ذات طابع اقتصاديّ أو فنِّي عبَّر عنها بكلمة ( التحدِّي ) .


* في رأيه أنَّ التحدِّي يتوجَّه إلى ضمير الفرد أو الجماعة ، وتكون مواجهته له بالقدر الَّذي تكون عليه أهميَّة الاستفزاز وخطورته ، فهناك تناسبٌ بين طبيعة الاستفزاز وبين الموقف الَّذي يتَّخذه الضمير في مواجهته .


* فلو افترضنا أنَّ التحدِّي كان ضعيفًا ضعفًا لم يصل إلى مستوى معيَّن ، فإنَّ الإجابة ستكون هيَ أيضًا ضعيفة ، وبعبارةٍ أخرى ، لا ضرورة لهذه الإجابة ، وبذلك يفقد التحدِّي معناه بوصفه عاملاً في إحداث التغيير الاجتماعيّ .


* وهكذا يضع تونبي التغيير الاجتماعي بين حدَّين ، لا يتمُّ خارج نطاقهما ، وذلك في حالةٍ شبيهة بالتفريط تنشأ عن نقصٍ في التحدِّي ، أو شبيهةٍ بالإفراط تنشأ عن زيادته على قدرٍ معيَّن .


* والواقع أنَّ القرآن قد وضع الضمير المسلم بين حدَّين هما : الوعد والعيد ، ومعنى ذلك أنَّه قد وضعه في أنسب الظروف الَّتي يتسنَّى له فيها أن يجيب على تحدٍّ روحيٍّ في أساسه .


* القوة الروحية الَّتي تتطابق مع العمل المثمر الفعَّال تقع إذن بين حالتين من أحوال النَّفس ، لا يوجد وراءهما إلاَّ الخمول والرخاوة في جانب ، واليأس والعجز في جانبٍ آخر .
وإنَّ القرآن الكريم ليعرض لنا صورةً أخَّاذة لهذين الحدَّين اللذين يضمَّان العمل المثمر في قوله تعالى :
(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) .




التَّاريخ والعلاقات الاجتماعيَّة


* إنَّ صناعة التَّاريخ تتمُّ تبعًا لتأثير طوائف اجتماعيَّة ثلاث :
أ. تأثير ( عالم الأشخاص )
ب.تأثير ( عالم الأفكار )
جـ. تأثير ( عالم الأشياء )


* لكنَّ هذه العوالم الثلاثة لا تعمل متفرِّقة ، بل تتوافق في عالمٍ مشترك تأتي صورته طبقًا لنماذج إيديولوجيَّة من ( عالم الأفكار ) ، يتمُّ تنفيذها بوسائل من ( عالم الأشياء ) ، من أجل غايةٍ يحدِّدا ( عالم الأشخاص ) .


* وكما أنَّ وحدة هذا العمل التاريخي ضرورة ، فإنَّ توافق هذه الوحدة مع الغاية منها - وهي الَّتي تتجسَّم في صورة ( حضارة ) - يُعدُّ ضروريًّا أيضًا . وهذا الشرط يستلزم كنتيجةٍ منطقيَّة وجود ( عالم ) رابع ، هوَ مجموع العلاقات الاجتماعيَّة الضروريَّة أو ما نطلق عليه ( شبكة العلاقات الاجتماعيَّة ) .


* المجتمع ليس مجرَّد كميَّة من الأفراد، وإنَّما هو اشتراك هؤلاء الأفراد في اتِّجاهٍ واحد ، من أجل القيام بوظيفةٍ معيَّنة ذات غاية .

رملاوية
10-07-2008, 01:16 AM
أختي إحسان
متابعة لما يُكتب هـنـا ..
فتابعي ..في انتظار المزيد

فارس الجزائري
11-07-2008, 07:56 PM
سلام
أولا مشكورة على الموضوع وأظن تم تناول هذه الشخصية ومؤلفاتها من قبل ....
ثانيا: تكلمت عن الظاهرة القرآنية، وأود تكرير ملاحظة هامة: الأصل كتب باللغة الفرنسية ولا أظن صاحب الترجمةالعربية وفى الكتاب حقه وهو مشكور على كل حال، أنا شخصيا تفاعلت مع الأصل الفرنسي ولم أستسغ الترجمة..
بخلاف ما حدث مثلا مع كتاب لموريس بوكاي: القرآن الإنجيل التوراة والعلم، فقد اطلعت على ترجمة لبنانية جيدة له، وهو كتاب يتقاطع مع كتاب مالك بن نبي رحمه الله في بعض الأفكار...
* هنالك فكرة فريدة من نوعها لمالك: القابلية للاستعمار التي يمكن أن نوظفها في أيامنا تحت مصطلح: القابلية للاستلاب، بمصطلح شعبوي: القابلية للمركوبية..

http://alsakher.com/vb2/showthread.php?t=118148
شكرا مرة أخرى..

غدير الحربي
11-07-2008, 09:37 PM
تعرفين أنني أتابعك هنا احسان ..

تابعي يا طيبة .

زنجبيل
12-07-2008, 04:38 AM
شكيب ارسلان .. مالك بن نبي .. جودت سعيد .. مفكرون كتبوا في مفهوم الامه واسباب النهوض و السقوط ..

اعتقد انهم مثلوا الرعيل الاول من اطباء الامم .. حيث يصفوا اعراض عامه لمرض المجتمع .. لغتهم صعبه .. افكارهم وكتبهم محدودة الانتشار بين اوساط المهتمين او الدارسين في الجامعات .. وبقية المجتمع لا يعرف اسمائهم فضلا عن انجازاتهم ..

الجيل الحالي يشمل عددا من المفكرين الذين حولوا النظريات التجريدية التي كتب عنها الرعيل الأول الى خطوات عملية يمكن تنفيذها .. على رأسهم المفكر الرائع جاسم سلطان (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=107984) الذي صدر له قبل ايام الجزء الخامس من مشروع النهضة (سلسة ادوات القادة) والذي اسماه (الفكر الاستراتيجي و الخروج من المأزق الراهن ) حيث تميز بفكر غزير ولغة سهله وافكار مدهشة كبقية كتبه.. صحيح انه لا يزال موجه لفئة لا تتجاوز ٢٪ من المجتمع - وهم القادة من الذكور والاناث الذي ياخذون على كواهلهم عزه الامه ونهضتها - كما يذكر في موقعه الشخصي ( هنا (http://4nahda.com/) ) الا انه يفتح أفاق القارئ العادي ويمده بادوات للتحليل و التفكير التي تجعله يفهم ما يدور حوله بسهوله ويدرك ماهية دوره في نهضة الامه ..

احسان بنت محمد .. شكراً لهِمتك .. و دعواتي لك بالتوفيق في مشروعك ..

جموح الشوق
12-07-2008, 07:13 AM
سيدتي ..

هذا الفيلسوف هو اول شخص وضعته في قائمتي لهذا الصيف وبدات بقرائة كتاب مشكلة الافكار في العالم الاسلامي لاكن لا اعرف هل لاحظتي نوع من التشتت في الافكار اعتقد ان سببها هو ان الكتاب تم تاليفه با اللغه الفرنسيه ونقل للعربيه

شكراً لك وانا متابعه لك واتمنى اجد له نسخ ورقيه

الصـمـصـام
12-07-2008, 11:39 PM
مالك بن نبي والوضع الراهن

رغداء زيدان

أتابع منذ مدة كتابات الأستاذ محمد شاويش, وهو مفكر عربي مميز, وأهم ما يميز مقالاته التي ينشرها في جريدة القدس العربي, وفي مجلات ومواقع عربية أخرى, أنها تبحث في حالة الانحطاط التي تعيشها بلادنا العربية, وتحاول بيان أسباب هذا الانحطاط, وكيفية التخلص منه, وطريقة النهضة التي يحلم بها كل غيور على هذه الأمة.
وقد وجدت أنه بنى مشروعه النهضوي على مجموعة من الأسس التي توصل إليها من خلال دراسته واهتمامه بالحالة الاجتماعية لبلادنا العربية, وكان منطلقه هو هذا المجتمع, الذي درسه وعرف أمراضه ووصفها بشكل مميز ولافت. ولم يكتفِ بذلك بل حاول أن يقدم الحلول العملية وفق وجهة نظره, والتي وجد أنها العلاج الشافي لهذه الأمراض.

اهتم الأستاذ محمد بأفكار وأعمال مجموعة من المفكرين, لا أعتقد أن أحداً جمعهم ضمن إطار واحد كما فعل هو, وكان الرابط بينهم هو كتاباتهم التي وصفها بـ (التأصيلية).
وفي كتابه (نحو ثقافة تأصيلية) الصادر عن دار نينوى في دمشق, قدم نماذج من هذه الكتابات والأعمال, أظهر من خلالها ملامح الفكر التأصيلي العربي, فهو أراد كما قال في كتابه المذكور "أن يطرح الأفكار الأهم والأعم التي تشكل لبّ الفكر التأصيلي العربي المعاصر". وقد تابع عمله هذا في مقالات أخرى كثيرة.

وفي مقاله (في تشابكات النزعة التأصيلية) الذي نُشر في موقع بانياس الإلكتروني, عرض بشكل سريع ومختصر لبعض الدراسات التي قام بها مفكرون مختلفو الثقافة والانتماء الأيديولوجي والفكري والجغرافي, وقال: " إن كل هذه الدراسات قدمت أدلة مقنعة عن جدارة الهويات الثقافية غير الغربية بالبقاء، بل بالتحديد عن جدارة ثقافتنا الإسلامية بالبقاء، لكن السؤال هو ليس فقط عن جدارة الهوية بالبقاء بل هو عن قدرتها على البقاء. فقد بادت ثقافات كانت لا تقل جدارة إن لم تزد في البقاء عن ثقافة المبيدين، مثلاً ثقافة شعوب أمريكا الأصليين، ولا شيء يضمن أن ثقافتنا الجديرة بالبقاء هي أيضاً لا تباد رغم جدارتها!
من هنا واعتباراً من الهزة الكبرى عام 2001م اختلف اتجاه كتاباتي فلم أعد أبحث في موضوع جدارة الهوية بالبقاء، بل صرت أبحث في طرق تغيير الوضع الحضاري الضعيف الذي يؤهلنا للانهيار. والمفتاح لهذا التغيير وجدته في السلوك: انطلاقاً من فرضية مفيدة تقول: المجتمع النهضوي هو مجتمع سلوك أفراده نهضوي, والمجتمع المنحط حضارياً هو مجتمع سلوك أفراده منحط حضارياً. صار مدار بحثي هو عن طرق تغيير السلوك الحضاري".

ومن الطبيعي أن يحظى مفكر كمالك بن نبي درس مشكلات النهضة باهتمام محمد شاويش, الباحث في هذه النهضة وشروطها وطرقها. ولكنه درسه بطريقة مختلفة عما تعودنا قراءته عند من تناولوا فكر مالك وكتبه. لأنه رفض التعامل مع مالك على أساس أنه كاتب إسلامي, أو باحث إجتماعي, أو فيلسوف عربي وكفى, بل درس أفكاره ليظهر ما فيها من أمور نهضوية عملية جديرة باهتمامنا, وتفيدنا في وقتنا الراهن, رغم ما يعتري أسلوب مالك وكتاباته من وعورة وسوء تعبير.
وحتى نعرف طريقة محمد شاويش في تناوله لفكر مالك سأتحدث عن كتابه الصادر مؤخراً عن دار الفكر في دمشق تحت عنوان:(مالك بن نبي والوضع الراهن).

مالك بن نبي والوضع الراهن

اختار محمد شاويش عنواناً لافتاً لكتابه الذي قدم فيه مقالات اهتم فيها ببيان "مغزى أفكار مالك بن نبي بالنسبة إلى مشكلاتنا الحالية......, وحاول أن يعرض "الوضع الراهن" لأفكار مالك بن نبي في الساحة الثقافية الأيديولوجية العربية" فجعل عنوان كتابه (مالك بن نبي والوضع الراهن).
وقد أكد الكاتب أنه لا يسعى لتقديم دراسة "محايدة" لنتاج مالك بن نبي، أو دراسة "أكاديمية" تتعامل مع مالك بن نبي تعاملها مع باحث عادي من باحثي علم الاجتماع، أو كفيلسوف حضارة، ولكنه أراد أن يقدم البعد العملي الراهن لمالك بن نبي، ليس فقط "للقارئ العربي" ، بل للفاعل النهضوي العربي الذي يعلق عليه الآمال في أن يشرع في نهضة اجتماعية من الأسفل تتجاوز كل العثرات التي أوقعتنا بها النزعة الفوقية للسياسة العربية الموالية والمعارضة بآن واحد.(انظر المقدمة)

وعلى هذا الأساس, لم يقم محمد شاويش بدراسة أفكار مالك بن نبي بطريقة انبهارية منفصلة عن الواقع, بحيث تفقدنا الفائدة المرجوة من هذه الأفكار القيمة, كما تعودنا عند معظم من قاموا بدراسة أفكار مالك بن نبي, ولكنه بحث عن المغزى المستفاد منها, وانتقد بعض هذه الأفكار وعلى رأسها مفهوم مالك الأشهر (القابلية للاستعمار), فبدأ كتابه بمقال عن (النقد المنطقي لمفهوم "القابلية للاستعمار").
وقد اتسم نقده لهذا المفهوم بالتحليل والعمق, فبعد أن شرح استعمال مالك بن نبي لهذا المفهوم, قدّم نقده عبر مناقشة منطقية, حتى توصل إلى "وضع التخوم بين الحق والباطل في استعمال المفهوم (قابلية الاستعمار)".

وكتحية لروح مالك المخلصة, وكمساهمة متواضعة, كما يقول الكاتب, في إعادة بعث الاهتمام بهذا المفكر الكبير, قدّم الكاتب عرضاً مهماً لشروط النهضة كما وصفها مالك بن نبي في كتبه التي جعلها أبحاثاً في مشكلات الحضارة, وسلّط الضوء على نقاط مهمة منها وخصوصاً عندما تحدث عن المجتمع الفعال والمجتمع غير الفعال.

موقع مالك بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر:

لعل أهم مقال في كتاب (مالك بن نبي والوضع الراهن) برأيي, ذلك المقال الذي بيّن فيه الكاتب (موقع مالك بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر). ذلك أن الكاتب, بعد أن تحدث عن دور الاستعمار في نشوء الفكر الإسلامي الحديث, عرض لتياري الفكر اللذين ظهرا للتعامل مع الواقع الإسلامي بعد الاستعمار, وهما: "تيار الإصلاح", و"تيار الحركة الحديثة", وأوضح نظرة مالك بن نبي لكليهما, وكيف أنه تحدث عن تيار "المؤاخاة" الذي يمثله, وفق رأي مالك, حركة حسن البنا.
والمهم برأيي في هذا المقال أن الكاتب بيّن أن مالك بن نبي يشكل بفكره مدرسة خاصة من مدارس الاتجاه الفكري الإسلامي المعاصر. فطريقته " في طرح مشكلة المسلمين كمشكلة حضارة ودعوته المجتمع الإسلامي للنهوض بعمله الخاص الدؤوب ودون انتظار نيل الحقوق من طرف خارجي هي طريقة قيمة جداً نحتاج إليها هذه الأيام حين نرى أن من الإسلاميين من يمحور كل نشاطه حول هدف مطالبة السلطة بحقوق أو قوانين ويترك مهمة الإصلاح الاجتماعي مؤجلة بانتظار تطبيق الشريعة الإسلامية! إن مالك بن نبي في رأيي يعلمنا أن تطبيق الشريعة هو واجبنا وعلينا أن نشرع به فوراً في أوسع أبوابه وهو باب بناء المجتمع المتين، لا في أضيق أبوابه وهو باب الجدل العقيم والتركيز على الفرعيات والبحث عن نقاط الاختلاف وليس عن نقاط الالتقاء بين المسلمين!" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 72).

أعتقد أن الكلام السابق هو الأمر الأساسي والمهم الذي يجب أن نستخلصه من كتابات مالك بن نبي. لأننا مازلنا حتى الأن في مجتمعاتنا خاضعين لفكرة أفقدتنا الفاعلية المطلوبة, وعطلت ما بين أيدينا من إمكانيات نهضوية وهي فكرة التغيير من الأعلى, من السلطة, فالسعي وراء السلطة على اعتبار أن تغييرها سيؤدي حتماً للتغيير النهضوي المطلوب, جعلنا نهمل فكرة الإصلاح الإجتماعي, ونتقاعس عن أداء واجباتنا تجاه أوطاننا ومجتمعاتنا, هذا فضلاً عن سيادة تلك النزعة المدمرة في بلداننا وقد أسماها الأستاذ محمد شاويش نزعة (فرط التسيس) حيث أعاقت العمل الإجتماعي, وأنتجت مصائب كثيرة زادت من انحطاطنا ومواتنا الحضاري.

ياسين الحافظ ومالك بن نبي:

بعد أن يقدم الكاتب عرضاً مفصلاً لمصطلح الأفكار عند مالك بن نبي, يتنقل للحديث عن شخصيتين مختلفتين جداً, بل ربما متناقضتين, ولكن الكاتب وجد في أفكارهما تشابهاً جديراً بالدراسة والتأمل, هما مالك بن نبي الذي يُصنّف على أنه كاتب إسلامي, وياسين الحافظ اليساري الماركسي!
وقد يستغرب القارئ أن يكون هناك تشابه في أفكار الرجلين, ولكن الكاتب يلخص وجه التشابه بينهما بقوله : " ما يضع ياسين الحافظ ومالك بن نبي في طرف واحد في الفكر السياسي الحضاري العربي المعاصر هو أنهما خلافاً لبقية المفكرين تبنوا توجيهاً وحيداً لمواطنيهما يمكن له أن يخرجهم من حالة الأفول الحضاري التي يعيشونها، ألا وهو التركيز على التغيير الداخلي، وعدم الاكتفاء بإلقاء اللوم على الطرف الخارجي وجعل المعركة معه هي وحدها الكفيلة بحل أزمة الوضع الدوني لمجتمعنا في العالم" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 103, 104).

قام محمد شاويش بتقديم دراسة مقارنة أظهرت " أن مقارنة الفكرين ودراسة التقاطعات بينهما قمينة أن تعلمنا أشياء كثيرة عن السمات المميزة للفكر العربي المعاصر التي تتجاوز الانقسامات الظاهرية بين يمين ويسار وتدين وعلمانية إلخ.. والسمات المشتركة للاتجاهات الفكرية العربية ناتجة من سبب موضوعي هو أنها تتعامل مع مشاكل واحدة، وسبب ذاتي هو أن أصحاب هذه الاتجاهات هم في النهاية رغم تناقضاتهم الظاهرية أبناء ثقافة واحدة تمارس تأثيرها عليهم وعلى أنماط تفكيرهم بطرق شعورية ولا شعورية" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 104).
وأعتقد أن دراسة كهذه تكمن أهميتها بأنها تنبهنا إلى وجوب الاستفادة من الأفكار المتنوعة التي يقدمها المفكرون الباحثون في النهضة بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية. فالقارئ العربي عموماً, تعوّد أن يقرأ الأفكار من خلال انتماءات أصحابها وتصنيفاتهم, فهناك من أهمل دراسة مالك كونه كان يعتبره مفكراً إسلامياً رجعياً (وقد سمعت محاضراً يصف كيف وقع ضحية هذا الأمر, رغم أنه مفكر تأصيلي كما يصفه محمد شاويش, وهو غريغوار مرشو فقال: كنت لما أشاهد كتب مالك أتحسس منها ولا أريد قراءتها خشية التعصب الديني, فأنا كنت أعرف أنه رجل يحسب على رجال الدين. وعلى هذا ظل فترة من الزمن يبتعد عن قراءة مالك لأنه صنّفه تحت بند التعصب الديني, إلى أن أكتشف أن مالك هو أول رجل عربي حديث يفكر, ووجد أن هناك توافقاً فطرياً بينه وبين مالك!.
وأعتقد أن ما حصل مع مفكر كغريغوار, وهو لمن لا يعرفه, مفكر أصيل وكتاباته جديرة بالقراءة والتأمل, يقع فيه معظمنا أيضاً, سواء كنا نميل للاتجاه الإسلامي, أو الاتجاهات الأخرى).

وكما أُهمل مالك لأنه صُنّف, كذلك أهمل ياسين الحافظ. بل إن الرجلين لم يُقرأا, حتى من قبل أنصارهما, قراءة مفيدة وصحيحة!.
وهنا تكمن أهمية هذه الدراسة المقارنة التي قدمها محمد شاويش, والتي بيّن فيها طريقة الرجلين في بحثهما في حالة الانحطاط العربي, وكيف أنه على الرغم من اختلاف طريقة كل منهما في البحث إلا أنهما وصلا إلى نتيجة مشتركة تدعو "إلى تغيير الذات، في مواجهة الاتجاه الآخر الأكثر تأثيراً بكثير الذي يمكن توصيفه بأنه اتجاه التركيز على الصراع مع الخارج وعد الخارج المسؤول الأول (وأحياناً يعد المسؤول الأول والأخير!) عن المشاكل التي يعاني منها المجتمع العربي – الإسلامي ( وهذا الخارج هو الاستعمار والأنظمة التابعة له ). " (مالك بن نبي والوضع الراهن , ص103).

خاتمة:

إن هذا الكتاب, رغم صغر حجمه (134 صفحة!) يعتبر في رأيي, من الدراسات القليلة أو ربما الوحيدة, التي تعاملت مع فكر مالك بن نبي تعاملاً عملياً, ونبّهت إلى أفكاره وعلاقتها بوضعنا الراهن. والكاتب يتناول أفكار مالك على هذا الأساس في مقالاته دائماً.
وأعتقد أن هذه الطريقة هي المطلوبة في وضعنا الراهن, فالتخبط الذي نعيش فيه, والمشاكل التي تعصف بنا, جعلتنا نفقد التمييز بين الصح والخطأ, وأوقعتنا في مشاكل كثيرة, يرى كثيرون أن الخروج منها بات أقرب للمستحيل!
وفي الختام أرى أنه من المفيد الإشارة إلى مقال صغير كتبه محمد شاويش, و نُشر في مواقع إلكترونية عديدة منها موقع الشهاب, بعنوان (لو كان مالك في غزة!) تناول فيه الأحداث المؤلمة التي جرت في غزة, أقتبس للقارئ الكريم منه عبارة مهمة أحب أن تكون خاتمة لمقالي هذا حيث قال : " لو كان مالك بن نبي في غزة لنصح الفلسطينيين بسياسة تستحق اسمها لا بسياسة زائفة يسميها اسماً احتقارياً "بوليتيكا" وهو يصفها هكذا: "هذه السياسة الخرقاء ما زالت تخفي العناصر الحقيقية للمشكلة عن ابن المجتمع: فهو يتكلم حيث يلزمه أن يعمل، وهو يلعن الاستعمار حيث يجب عليه أن يلعن القابلية للاستعمار"!.

عمر بك
13-07-2008, 04:54 PM
متابعون بصمت !

شكراً إحسان , شكراً الصمصام .

يوسف الجميعة
13-07-2008, 11:09 PM
أعمال مالك بن نبي للتحميل :

مشكلة الثقافة (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=965)
بين الرشاد والتيه (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=956)
تأملات (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=957)
شروط النهضه (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=958)
الظاهره القرآنيه (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=959)
الفكرة الأفريقيه الآسيوية (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=960)
وجهة العالم الإسلامي (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=966)
في مهب المعركه (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=961)
القضايا الكبرى (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=962)
المسلم في عالم الاقتصاد (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=963)
مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي (http://www.waqfeya.com/open.php?cat=26&book=964)


من المتابعين, شكراً إحسان

الخطّاف
13-07-2008, 11:26 PM
..
قرأت عنه و لم أقرأ له !
و قرائتي عنه جعلتني آخذ عنه صورة غير جيدة !!
لكن قراءته هنا يبدو أنها قد غيّرت صورته في نظري قليلاً ..
يلزمني أن أقرأ له أكثر .


شكراً جزيلاً أخت إحسان بنت محمد على عرضك الجميل ..
و الشكر موصول للأخ يوسف الجميعة على ثري إضافته .

الصـمـصـام
14-07-2008, 01:17 AM
جزيت خيرا أخي عمر بك

والشكر موصول للفاضلة إحسان صاحبة الجهد الأكبر في هذا الموضوع


تحيتي للجميع

الصـمـصـام
14-07-2008, 01:24 AM
كنت أود وضع هذا المقال في صيد الشبكة ، ولكن وجدت أن هذه الصفحة أولى به ـ مع أن المقال يستحق الإفراد ـ وأتمنى أن أكون قد وضعته في مكانه المناسب .


مالك بن نبي وشروط النهضة

محمد شاويش




• تمهيد:


في تشخيص مشكلة المجتمع المسلم في العصر الحديث تناول المفكرون المسلمون أبعاداً مختلفة، وأفرد بعضهم لبعد معين الدور كله في المشكلة كمن جعل المشكلة في العقيدة أو في السياسة إلى آخره ..

مالك بن نبي رحمه الله نظر إلى المشكلة على أنها مشكلة حضارة، غير أننا نرى أنه يضمن هذه الرؤية أبعاداً متعددة بتعدد أبعاد الحضارة نفسها، ومن هنا اختار عنواناً عاماً لكل كتبه هو: "مشكلات الحضارة".(1)

وكان لا بد له لكي يشخص "مشكلات الحضارة" عموماً والمشكلة التي تهمه بصورة خاصة وهي مشكلة الحضارة الإسلامية من أن يحلل العناصر المكونة للحضارة، وكيف تتركب وما الذي يقود الحضارة في درب النهوض أو درب الانحطاط.

وفي أبحاثه التي تمحورت حول هذا الموضوع تحول بن نبي إلى فيلسوف حضارة وعالم اجتماع وعالم تربية مرموق، وهو في كل هذا يشغل مكاناً مرموقاً في الفكر الإسلامي المعاصر يستحقه بجدارة. وفي اعتقادي أننا الآن بحاجة إلى قراءة أفكار هذا المفكر الهادئ والتعلم منه، لا أعني بالضرورة أن نقره على كل تفاصيل تحليلاته ولكن يجب أن نستخلص ما هو قيم حقاً في فكر بن نبي وهو طريقته في رؤية مشكلة الحضارة الإسلامية وتحليلها والجوانب التي يلفت انتباهنا إلى ضرورة التركيز عليها.

هذا المقال أريده تحية لروحه المخلصة ومساهمة متواضعة في إعادة بعث الاهتمام بهذا المفكر الكبير.

وسأقسم المقال إلى قسمين أتحدث في القسم الأول عن مفاهيمه النظرية المتعلقة بالحضارة والنهضة وشروطها، وأتحدث في القسم الثاني عن موقع بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر.

• القسم الأول: نقاط أساسية في نظرية الحضارة وشروط النهضة عند بن نبي

• الدورة الحضارية:

يرى بن نبي أن كل حضارة تبدأ ببزوغ فكرة دينية تقوم بتركيب عناصر الحضارة، وتنظم الطاقة الحيوية للأفراد وتثير فيهم الحركة والنشاط بحيث يتحرر الفرد في هذه المرحلة الأولى الصاعدة من هيمنة الغريزة ويخضع لهيمنة الروح،وفي هذه المرحلة تصل "شبكة العلاقات الاجتماعية" إلى قمة كثافتها (فيصبح المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً) هذا هو وضع النهوض، وهو في الحضارة الإسلامية يكافئ المرحلة النبوية ومرحلة الخلافة الراشدة. ويؤرخ بن نبي نهاية هذه المرحلة في الحضارة الإسلامية بمعركة صفين.

والمرحلة الثانية تنعطف فيها الحضارة بسبب المشكلات المادية الناتجة عن توسع المجتمع الوليد منعطفاً تكف فيه الروح عن السيطرة المطلقة على الغرائز، ويبدأ عهد العقل، ويعادل هذا المنعطف في الحضارة الإسلامية المرحلة الأموية والمرحلة العباسية، وبحسب تعبيره "هو منعطف للعقل". غير أن هذا العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز، وحينئذ تشرع الغرائز في التحرر من قيودها بالتدريج على الصورة التي عرفناها عن عهد بني أمية، إذ أخذت الروح تفقد نفوذها، كما كف المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد. وطبيعي ألا تنطلق الغرائز دفعة واحدة وإنما تحرر بقدر ما يضعف سلطان الروح" ("ميلاد مجتمع.." –ص103)

وفي هذه المرحلة تنقص الفاعلية الاجتماعية للفكرة الدينية، وإن كانت الحضارة نفسها تبلغ أوجها فتزدهر العلوم والفنون فيها، ولكن مرضاً اجتماعياً يكون قد بدأ وإن تكن آثاره المحسوسة لم تظهر بعد. إن الطبيعة تستعيد سيطرتها على المجتمع والفرد شيئاً فشيئاً.

ثم تدخل الحضارة طورها الثالث، وهو طور الانحطاط والانحلال، ولا يعود للفكرة الدينية فيه من وظيفة اجتماعية، وتعود الأشياء كما كانت في مجتمع منحل، وتتفكك شبكة العلاقات الاجتماعية بانحلال المجتمع إلى ذرات لا روابط بينها وتنتهي بهذا دورة الحضارة.

ويميز بن نبي بين وضعين متناقضين للإنسان: "وضع ما قبل الحضارة" ،و "وضع ما بعد الحضارة" ،فالوضع الأول هو وضع الإنسان الفطري أو الطبيعي وهو مستعد للدخول في دورة الحضارة كما هي الحال مع العرب قبيل ظهور الإسلام، أما الحالة الثانية فهي حالة الإنسان الذي تفسخ حضارياً وهي حالة إنسان ما عاد قابلاً لإنجاز عمل محضّر إلا إذا تغير هو نفسه من جذوره الأساسية. ويمثل بن نبي للحالين بجزيء الماء قبل وصوله إلى الخزان الذي ينتج الكهرباء وبعد خروجه من الخزان، ففي الحالة الأولى يكون الجزيء مشحوناً بطاقة كامنة سيبذلها منتجاً عملاً، وأما في الحالة الثانية فإن الجزيء يكون قد فقد طاقته المذكورة ولم يعد في إمكانه أن يستعيد طاقته هذه إلا بواسطة عملية جوهرية تتمثل في عملية التبخر التي ترجع به إلى حالة بخارية وفي التيارات الجوية الملائمة التي ترجعه إلى أصله، حيث يتم تحوله من جديد إلى جزيء مائي واقع "قبل" خزان معين. ("شروط النهضة" –ص71)

"إنسان ما بعد الحضارة" هو الإنسان المسلم منذ انهارت دولة الموحدين، وهو يسميه "إنسان ما بعد الموحدين"، ومرحلة التفسخ الحضاري هذه ما زال المسلمون يعيشونها، وإن كانت الحضارة الإسلامية في العصر الحديث شهدت محاولات لاستئناف نهضة جديدة في أماكن متعددة من العالم الإسلامي.

فكرة الدورة الحضارية هذه نجد نظائر لها في الفكر العالمي، وأهم ممثليها عندنا ابن خلدون وإن كان اهتم بالدولة أكثر من اهتمامه بالحضارة وهي أعم من الدولة.

وفي اعتقادي أن فكرة الدورة الحضارية هذه هي في غاية العمومية والتجريد شأن أفكار فلسفة الحضارة والتاريخ عموماً، ولا يمكن البرهان القاطع على صحتها أو خطئها، ومن هنا فهي ليست فكرة علمية بحصر المعنى، ولكن هذه الفكرة قادت بن نبي إلى تحليلات عميقة وخصبة لشروط النهضة الحضارية، وهي متفرقة في كتبه وكرس لها كتاباً خاصاً هو "شروط النهضة". وفي الحقيقة البحث في شروط النهضة هو الهم الأساسي لبن نبي، وهو الذي قاده إلى تأملات متشعبة في بناء المجتمع وعلاقاته ودور العامل الخارجي (الاستعمار) والداخلي (القابلية للاستعمار) في وضعه الراهن.




يتبع ...

الصـمـصـام
14-07-2008, 01:25 AM
• العناصر الثلاثة للحضارة ودور الدين:

يقول بن نبي إن العالم الإسلامي يعمل على جمع أكوام من منتجات الحضارة أكثر من عمله على بناء حضارة، وهذه العملية لا تؤدي به إلى إنجاز البناء الحضاري المطلوب في زمن قصير كما فعلت اليابان التي انتقلت بين عامي 1868 و1905 من العصور الوسطى إلى الحضارة الحديثة من هنا فبن نبي لا يريد لبناء الحضارة الجديدة المنشودة أن يخضع للصدفة أو للتطور الطويل بل يريد البناء الواعي المخطط قصير الأمد انطلاقاً من العناصر الأساسية للحضارة كما يراها: "فالعالم الإسلامي يريد أن يجتاز نفس المرحلة بمعنى أنه يريد إنجاز مهمة "تركيب" الحضارة في زمن معين، ولذا يجب عليه أن يقتبس من الكيماوي طريقته، فهو يحلل أولاً المنتجات التي يريد أن يجري عليها بعد ذلك عملية التركيب. فإذا سلكنا هنا هذا المسلك قررنا أن كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية:

ناتج حضاري= إنسان + تراب +وقت

ففي المصباح مثلاً يوجد الإنسان خلف العملية العلمية والصناعية، التي يعتبر المصباح ثمرتها، والتراب في عناصره من موصل وعازل، وهو يتدخل بعنصره الأول في نشأة الإنسان العضوية، والوقت "مناط" يبرز في جميع العمليات البيولوجية والتكنولوجية، وهو ينتج المصباح بمساعدة العنصرين الأولين: الإنسان والتراب" ("شروط.." –ص45)

فإن كانت الحضارة ناتجاً لاجتماع هذه العناصر الثلاثة فلماذا لا يوجد هذا الناتج تلقائياً بمجرد توفر هذه العناصر؟

جواب بن نبي يمثل له بالتركيب الكيميائي: "الماء في الحقيقة نتاج للهيدروجين والأوكسجين وبرغم هذا فهما لا يكونانه تلقائياً، فقد قالوا إن تركيب الماء يخضع لقانون معين يقتضي تدخل "مركب" (بتشديد الكاف وكسرها.م) ما، بدونه لا تتم عملية تكون الماء. وبالمثل لنا الحق في أن نقول: إن هناك ما يطلق عليه "مركب الحضارة" أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، (...) هو الفكرة الدينية التي رافقت دائماً تركيب الحضارة خلال التاريخ".("شروط.." –ص46)

دور الدين إذاً في الحضارة هو دور العامل المركب لعناصرها، واختفاء هذا الدور يعني تحلل هذه العناصر إلى وضع غير مركب أي تحلل الحضارة.

وبن نبي يرى أن هذه الفرضية تنطبق على جميع الحضارات، فالحضارة الغربية في رأيه بنتها الفكرة المسيحية التي دفعت البداوة الجرمانية بعد ستة قرون من الإسلام إلى تكوين هذا الكيان الذي أسسه شارلمان، ذلك أن المسيحية على رأيه حين ظهرت في الشرق لم تأت إلى أرض بكر بل جاءت إلى وسط خليط تعمل فيه ثقافات متنوعة، وليس كذلك كان الأمر في أوروبة حين بعث فيها شارلمان الروح المسيحية. وهذا التحليل يتفق فيه بن نبي مع المفكر الألماني كيسرلنج والمؤرخ هنري بيرين في كتاب له قارن فيه بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية عنوانه "محمد وشارلمان". وحتى الحضارة التي قادتها الأحزاب الشيوعية الملحدة لا يستثنيها بن نبي من هذه القاعدة قائلاً إنها من جهة نتاج لأزمة في المسيحية وإنها من جهة أخرى لم تقم حقيقة في مستواها الإنساني على الأفكار الماركسية الملحدة بل قامت على تفاني أفراد توجههم فكرة عن التضحية في سبيل المصلحة العامة: "تعتبر الشيوعية النظرية قبل كل شيء "فكرة" ماركس، ولكن هناك شيوعية واقعية، هي في جوهرها نشاط المؤمنين المدفوعين بنفس القوى الداخلية التي دفعت غيرهم من المؤمنين في مختلف العصور، أولئك الذين شهدوا مولد الحضارات. فالظاهرة متماثلة في جوهرها النفسي ومحددة هنا وهناك بنفس سلوك الفرد حيال مشاكل المجتمع الناتج"("شروط.." –ص54)

ويضرب بن نبي المثل برفع العامل الروسي استخانوف لإنتاجه اليومي إلى الضعف مقارناً إياه بالعمل المضاعف الذي بذله الصحابة في بناء مسجد المدينة أو في حفر الخندق "ففي كلتا الحالتين نجد أن الإيمان هو الذي مهد الطريق للحضارة" ("شروط.. –ص55)

ولا شك عندي أن بن نبي رحمه الله لا يجهل الفارق بين العقيدة الشيوعية الملحدة التي من مسلماتها عدم وجود يوم آخر وبين الإسلام الذي يرتجي فيه المسلم الأجر الحقيقي في الآخرة ولكنه يرى فيما يبدو لي أن هؤلاء الروس الذين كانوا متحمسين في البداية للشيوعية حولوا إليها كل طاقتهم الدينية المكبوتة التي حالت خيبة أملهم في الكنيسة دون إبقائها في إطار ديني صريح بشكله المألوف. وهذا الحماس الذي ينتاب أهل المبادئ فيدفعهم للتضحية بأنفسهم في سبيل مثلهم العليا لا أجد حقاً له تفسيراً إلا أنه من أصل ديني حتى لو ظهر بصيغ بعيدة عن الدين.

الدين في رأي بن نبي إذاً هو العامل الذي تقوم الحضارة به وتتحلل بصورة مضطردة كلما ضعفت فاعليته: "تطور الإنسانية هو ما يحدث من نمو في مشاعرها الدينية المسجلة في واقع الأحداث الاجتماعية، تلك التي تطبع حياة الإنسان وعمله على وجه البسيطة" ("ميلاد.." –ص56)

• شبكة العلاقات الاجتماعية:

يقول بن نبي إن أول عمل يؤديه المجتمع عند ولادته هو بناء شبكة العلاقات الاجتماعية، ويضرب لذلك مثلاً بميلاد المجتمع الإسلامي في المدينة حيث آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.

وعلى العكس من ذلك عند أفول المجتمع تتمزق شبكة علاقاته الاجتماعية، كما كانت حالة المجتمع الإسلامي المتفسخ الذي غزاه الاستعمار.

وبن نبي يذكر الحديث الشريف المشهور: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم..." وفيه يصف النبي عليه الصلاة والسلام كثرة المسلمين آنذاك بأنها "غثاء كغثاء السيل" فيقول "لقد كان هذا الحديث ضرباً من التنبؤ والاستحضار: استحضار صورة العالم الإسلامي بعد أن تتمزق شبكة علاقاته الاجتماعية، أي عندما لا يعود مجتمعاً بل مجرد تجمعات لا هدف لها كغثاء السيل" ("ميلاد.." –ص26)

وفي رأي بن نبي أن المجتمع يتكون من ثلاثة مركبات هي"أشخاص" و "أفكار" و "أشياء".

وأول عمل للمجتمع هو تحويل الكائن الذي صفته أنه "فرد" في "نوع" أي صفته شبه البيولوجية إلى "شخص" Person أي إلى كائن اجتماعي، والثقافة هي المحيط الذي يصوغ كيان الفرد ويقدم له الروابط الاجتماعية. لنتذكر هذه الملاحظة ولو أننا، مع بن نبي!، سنستعمل كلمة "فرد" أحياناً في التحليل اللاحق بمعناها المعتاد الذي يعني الواحد في المجموعة البشرية أكان "شخصاً" أم "فرداً" بالمعنى السابق.

وإذا كان المجتمع يتألف من "أشخاص" و "أفكار" و "أشياء" فإن غنى المجتمع يقاس مبدئياً بما فيه من أفكار لا من أشياء، ويضرب بن نبي على ذلك مثلاً ألمانيا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية حيث خسرت "أشياءها" بالكامل ولكنها استعادتها بسهولة بسبب غناها بالأفكار!

ولكن الأفكار لوحدها لا تكون فعالة عند تفكك شبكة العلاقات الاجتماعية، ويضرب بن نبي لذلك مثلاً الإسبان الذين هزموا مسلمي الأندلس، فهم كانوا أفقر بالأفكار من المسلمين بكثير ولكن شبكة علاقاتهم الاجتماعية كانت أقوى و أفضل.

وفي اعتقادي أن هذه الملاحظة هي واحدة من ملاحظات ثاقبة كثيرة جداً لبن نبي وبالفعل ليتأمل القارئ في هزيمة الحضارة الإسلامية العريقة ممثلة بالدولة العباسية في ذروة انحطاطها أمام شعوب لا ثقافة عندها تقارن بثقافة الإسلام هي المغول، ثم انتصار المسلمين عليهم بفضل النظام الاجتماعي الفتي الذي مثلته دولة المماليك، ودوماً بتأثير هذا "المركب" الحضاري الإلهي الذي هو الإسلام الذي رأينا في فقرة سابقة أنه عند بن نبي العامل الذي يتحدد صعود الحضارة الإسلامية أو هبوطها بدرجة فاعليته.

والمجتمع كما يرى بن نبي يتراوح في كثافة شبكة علاقاته الاجتماعية بين حدين: الحد الأول يكون فيه المجتمع في ذروة نموه ويكون كل فرد عنده مرتبطاً بمجموع أعضاء المجتمع، وأما الحد الثاني فهو حالة المجتمع المتفسخ الذي تحول إلى أفراد لا رابط بينهم.

والمجتمع في حالة انحطاطه هو مجتمع مريض تضخمت ذوات أفراده ليصبح وجود العامل الجماعي المشترك صعباً أو مستحيلاً، ويقول بن نبي في تعبير لاذع يذكرنا بالفعل بحالنا هذه الأيام إن ما يميز هذه المرحلة هو أن الأفراد في المجتمع المتفسخ وبسبب تضخم ذواتهم وانحلال الروح الجماعية يدور النقاش بينهم فيحاول كل منهم في النقاش لا أن يصل إلى حلول للمشاكل ولكن أن يجد أدلة وبراهين (أي على ما يريده هو!).

وتورم الذات هذا تعبير عن أن شبكة العلاقات ما عادت صحيحة ويتساءل بن نبي ماذا كان يمكن أن يحدث في المجتمع الإسلامي المريض الذي شهدناه لاحقاً ما حدث في المجتمع الإسلامي الصحيح حين عزل الخليفة خالد بن الوليد! لقد كان فعل الخليفة دون عقدة،وتقبله خالد دون عقدة أيضاً لأن علاقتهما كانت علاقة سوية منزهة، ولو حدثت هذه الحادثة في المجتمع الإسلامي بعد قرنين أو ثلاثة لتزلزل هذا المجتمع!

ويسهر "القانون الخلقي" على شبكة العلاقات الاجتماعية، والإخلال بهذا القانون يمزق هذه الشبكة، والدين هو الذي يخلق العلاقة الاجتماعية ويؤلف بين القلوب، و كلما ضعف الدين زاد الفراغ الاجتماعي الذي لا علاقة فيه بين الناس، وعلى العكس المجتمع المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ولا فراغ اجتماعياً فيه.

ويستطيع القارئ لكتابات بن نبي أن يرى تحليلات شيقة للسياسة الاستعمارية المدروسة لتحطيم العلاقات الاجتماعية للمجتمع المغزو. ومبدؤه "فرق تسد" يمارسه بدقة ومهارة وبأساليب خفية لا يلقي إليها الضحايا بالاً، ولا يحتاج القارئ هنا إلى أن نذكره بالمهارة الخارقة التي تمكن فيها خلفاء الاستعمار المباشر من تفريقنا ليس كدول فقط بل حتى كوحدات أصغر بكثير من الدول، وقد استعان هؤلاء بالعيوب الاجتماعية التي قضى مالك بن نبي حياته يحللها، عيوب المجتمع المتفسخ، "مجتمع ما بعد الحضارة"، "مجتمع ما بعد الموحدين". )



يتبع ...

الصـمـصـام
14-07-2008, 01:30 AM
• القابلية للاستعمار والاستعمار، الحقوق والواجبات:

مفهوم "القابلية للاستعمار" هو من أشهر مفاهيم مالك بن نبي رحمه الله، وباستقراء استعماله لهذا المفهوم في مؤلفات عديدة تبين لي أنه يستعمله على الأغلب كصفة للمجتمع تعادل صفة "مجتمع ما بعد الحضارة" أو في حالة المسلمين ما يسميه "مجتمع ما بعد الموحدين"، أي الوضع المنهار للحضارة في نهاية دورة حضارية وقبل بدء دورة حضارية جديدة، إنه وضع المجتمع الإسلامي الآن.

غير أنه في كتابه "شروط النهضة" استعمله في توصيف حالة خاصة هي حالة الجزائر التي كان الاستعمار حين دخلها يعرف "القيمة الطبيعية" الكامنة في أفراد شعبها، ولذلك بدأت الإدارة الاستعمارية في تنفيذ خطة منهجية للتقليل من هذه القيمة خصوصاً بعد هزيمة فرنسا المخزية أمام بروسيا عام 1870. "منذ ذلك الحين بدأ الحط من قيمة الأهالي ينفذ بطرق فنية، كأنه معامل جبري وضع أمام قيمة كل فرد، بقصد التنقيص من قيمته الإيجابية. ولقد رأينا هذا "المعامل" يؤثر في حياة الفرد في جميع أطوارها" ويعدد بن نبي أمثلة : فالطفل يحرم مما يقوي جسده وينمي فكره فلا مدرسة ولا توجيه، وإن كان يتيماً فالأمر أدهى وأمر، وحتى لو تمكن من الدخول إلى المدرسة فسوف توضع العراقيل في وجهه لكي لا يكملها بنجاح ،ثم هو بعد ذلك لا يستطيع أن يجد عملاً مناسباً. وفي عهد الرجولة تنسج حوله شبكة دقيقة مسمومة تجعل الشراء والبيع والسفر والكلام والكتابة والتليفون لا تنال إلا بشق الأنفس. إنه ما عاد يمكن له أن يقوم بأعماله إلا بالقدر الذي يريده الاستعمار.("شروط.." ص147)

هذا إذاً "معامل استعماري" يؤثر في الفرد ويبخس من قيمته الإنسانية والاجتماعية. ولكن بالمقابل ثمة معامل آخر يؤثر في الفرد وهو داخلي هذه المرة وليس مفروضاً من الخارج شأن المعامل الأول يجعل من الفرد يقبل الوضع الاستعماري ويسير في الحدود التي رسمها له الاستعمار، بل يقبل حتى الاسم الذي أعطاه الاستعمار له. يقول بن نبي ساخراً: "إذا لم نكن شاهدنا خصياناً يلقبون أنفسهم بالخصي فقد شاهدنا مراراً مثقفين جزائريين يطلقون على أنفسهم الأهلي"("شروط.." ص153)(2)

هذه القابلية للاستعمار تعني جملة الخواص الاجتماعية التي تسهل سيطرة الغزاة واستمرار الوضع المنحل للحضارة. وبن نبي يستعمل هذه الصفة عموماً كما قلنا في وصف الحضارة في طورها المنحل ولا يقتصر على وصف المجتمع الذي تعرض بالفعل للاستعمار. ومن أمثلته الدائمة أن هناك مجتمعات تتعرض بالفعل للاحتلال العسكري، ولكنها "غير قابلة للاستعمار" ،كحال المجتمع الألماني بعد احتلال الحلفاء، وهناك مجتمعات لم يدخلها الاستعمار ولكنها قابلة للاستعمار ويحظى بهذه "المزية" إخواننا في اليمن الذين هم بخلاف المجتمعات الإسلامية الأخرى لم يتعرضوا للاحتلال الاستعماري ولكن المجتمع اليمني مثله مثل بقية هذه المجتمعات قابل للاستعمار!

كنت في مقال سابق (انظر مجلة "المجتمع" العدد 1470-مقال "النقد المنطقي لمفهوم القابلية للاستعمار") نقدت استعمال هذا المفهوم كصفة جوهرية للحضارات غير الغربية التي تعرضت للاستعمار الغربي، حيث أن هذا المفهوم لا يقدم لنا صفة جوهرية لهذه الحضارات ولا يفرق بينها وهي في غاية الاختلاف فلا يظهر خصائص كل منها المميزة ولا يرى فيها إلا علاقتها مع الحضارة الغربية.

ومن دوافع نقد هذا المفهوم إساءة استعماله عند من يهدفون من الاستشهاد به إلى الدفاع الضمني عن الاستعمار وتبرير تعاونهم معه وهو طبعاً عكس ما كان يريد مالك بن نبي رحمه الله.

وعلى أنني لا أزال على هذا الرأي، إلا أنني أريد هنا أن أذكر الوجه الإيجابي الهام جداً لهذا المفهوم ألا وهو دعوة المجتمعات المستعمرة (بفتح الميم) وخصوصاً المجتمع المسلم للتركيز على عيوب التركيبة الاجتماعية التي تجعل المجتمع ضعيفاً لا يصمد أمام أي تحد خارجي.

ومن هنا يضيق بن نبي ذرعاً بذلك الفكر السياسي الذي يجعل من الاستعمار المشجب الذي تعلق عليه كل مشاكل المجتمع، والذي يرى أن حل هذه المشاكل السحري يتلخص في التخلص من الاستعمار.

ولا شك أن هذه الفكرة أثبتت مصداقيتها بعد أن تم التخلص من الاستعمار المباشر في غالبية أقطار العالم الإسلامي، إذ استمر التخلف الاقتصادي والانحلال الاجتماعي وتفاقمت التبعية للغرب في كل شيء حتى في الغذاء.

يقول بن نبي: " لقد انتهى المجتمع الإسلامي منذ عدة قرون إلى آخر أطوار حضارته. وهو اليوم في مرحلة ما قبل التحضر من جديد. ولقد بذل جهوداً كبيرة خلال ما يقرب من قرن لكي تدب فيه الحركة من جديد، ولكن إقلاعه يبدو ثقيلاً وبطيئاً إذا ما قورن ببعض المجتمعات المعاصرة مثل اليابان أو الصين الشعبية التي كانت متأخرة عنه بكثير.

ويرى المفسرون أن هناك نوعين من المعوقات. فالمدافعون عن الاستعمار يرجعون إلى الإسلام سبب تأخير الإقلاع، وأما حاملوا لواء النظرية القومية فيعزونه إلى الاستعمار، وفي كلتا النظريتين خطأ جسيم (...) فالفريق الأول عندما يحمل الإسلام مسؤولية كل هذه الأوضاع يتجاهل حقيقة صارخة وهي أن الاستعمار مسؤول عن النصيب الأكبر من الفوضى التي تسود العالم الإسلامي اليوم. أما الفريق الثاني فعندما يلقي اللوم كله على الاستعمار يحاول أن يخفي سياسة التملق التي يتبعها مع شعوبه كونها لا تخفف من مضاء المشكلة وحدتها بل على العكس تزيد الطينة بلة مما يشبه عملية تخدير لهذه الشعوب تلفتها عن مسؤوليتها في ورطتها الحالية"("مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي –ص97-98)

هنا نكون وصلنا إلى واحد من أهم آراء مالك بن نبي في اعتقادي، وإلى الوصية الأهم من وصاياه التي على المجتمع الإسلامي أن يسير عليها ألا وهي تركيز الجهود على القيام بالواجب وعدم الاكتفاء بانتظار الحصول على حقوقنا من طرف خارجي. هذه النقطة يكررها بن نبي في كافة مؤلفاته تقريباً: إن الطريق الوحيد للحصول على الحقوق هو القيام بالواجبات. إن قابليتنا للاستعمار عائدة إلى كوننا متقاعسين عن أداء واجباتنا، إننا نرفع شعارات كبيرة ولكننا نكسل عن تنفيذ الخطوات الصغيرة التي لو نفذناها لبنينا المجتمع المثالي القوي القادر على الدفاع عن حقوقه!

ومن الأمثلة التي يضربها بن نبي مثال اليهود الذين كانوا يعيشون في الجزائر أيام استلام حكومة موالية للنازية في فرنسا بعد الاحتلال الألماني لها عام 1940 فقد منعتهم الحكومة من الانتساب إلى المدارس وصدرت قوانين اقتصادية ضدهم ولكن المدارس التي أغلقت قامت بدلاً منها مدارس تطوعية في البيوت أساتذتها المهندس والطبيب والمحامي، وتجارتهم أنقذوها بفضل تضامنهم الداخلي. ويذكر بن نبي بمرارة في مضمار المقارنة مع المسلمين كيف امتنع المتعلمون المسلمون عن أن يفعلوا شيئاً مماثلاً لمكافحة داء الأمية الرهيب في المجتمع الجزائري. هذا هو التغيير الداخلي الذي هو شرط لتحقيق التغيير الخارجي، وبن نبي يستشهد مثالاً بقوله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

ويقول بن نبي إن الاستعمار لا يمانع في تمحور سياستنا حول مبدأ مطالبته بإعطائنا حقوقنا، دون أن نفعل نحن شيئاً لتغيير وضعنا الاجتماعي وقيامنا بالنهضة المطلوبة، وبن نبي يؤكد على هذه النقطة دوماً حتى حين يتكلم عن العلاقة بين تجمعات البلدان النامية والبلدان المتقدمة. ففي مقاله عن "مؤتمر 77" الذي نشره في جريدة "الثورة الأفريقية" – 9 نوفمبر 1967 ينتقد هذه الدول النامية التي لم تحدد التزامات صارمة لكل عضو من أعضائها بل اكتفت بمطالبة الغرب بدفع نصيب للتنمية يقول: "لقد كنا في الحقيقة ننتظر بنوداً تحدد التزامات كل عضو في الوحدة أو الجهة الاقتصادية المزمع تشييدها، لكننا لم نجد في الوثيقة سوى كراسة المقترحات التي ستقدم بنيودلهي إلى المخاطب الحاضر غير المرئي. وفي الحقيقة نجد الكراسة هذه تطالب بالكثير، من العالم المصنع، إن لم نقل إنها تطالب بكل شيء، فتطالب مثلاً 1ب% من مدخوله العام لتنمية البلدان النامية ومن الناحية الأخلاقية لعل هذا جائز، ولكن المخاطب لا ينصت لهذا المنطق ولا يتكلم هذه اللغة. وهكذا انزلقت المداولات في الحديث عن حقوق العالم الثالث عوضاً عن أن تذكره "بواجباته" نحو نفسه" ("بين الرشاد والتيه"- مقال "مؤتمر 77"- ص130.)

النهضة عند بن نبي هي مسألة داخلية أساساً وأولاً ، ومن هنا هو يقدم مبدأ الواجبات على مبدأ الحقوق، وهو باستمرار يرجع إلى ذكر ما جرى في الجزائر حين بدأت عام 1925 نهضة كبرى بقيادة العلماء الإصلاحيين كان يؤمل لها أن تغير المجتمع الجزائري.

نشأت المدارس وسرى في المجتمع روح جديد، وامتدت النقاشات المثمرة لا العقيمة في تجمعات الشعب الجزائري، وبدأت الأمة مسيرة الانبعاث الفكري والانبعاث الروحي، وتغيرت عوائد وأشياء، وحتى المدمنون للخمور هجروا الحانات وعمروا المساجد حتى احتج باعة الخمور لدى الحكومة 1927! ونشأت الحلقات الدراسية الليلية التي كان روادها رواداً سابقين لحلقات الدراويش. والذي جرى كان تبديد هذه النهضة من تحت بأوهام السياسة الفوقية، فقد شغلت الحكومة الزعماء بالانتخابات والمطالب وهكذا ضلت النهضة طريقها "ميممة وجهها شطر السراب السياسي، حيث تتوارى من ورائها بوارق النهضة والتقدم. لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية بما فيها من قيم الجمال والأخلاق وما فيها أيضاً من نقائص تعتري كل شعب نائم.

وبدلاً من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة إلى الحياة فإنها أصبحت منذ سنة 1936 سوقاً للانتخابات وصارت كل منضدة في المقاهي منبراً تلقى منه الخطب الانتخابية فلكم شربنا في تلك الأيام الشاي وكم سمعنا من الأسطوانات، وكم رددنا عبارة "إننا نطالب بحقوقنا" تلك الحقوق الخلابة المغرية التي يستسهلها الناس فلا يعمدون إلى الطريق الأصعب: طريق الواجبات" ("شروط.." –ص34-35)

هذه التجربة أراها في غاية الأهمية وفيها عبرة قلما يتم الانتباه إليها إذا أردنا أن ندرس تاريخ الفكر السياسي العربي في نصف القرن الأخير. لقد عانى هذا الفكر مما أسميه "فرط التسيس" فقد أغفلنا بعد النهضة الاجتماعي وركزنا على البعد السياسي المتمحور حول فكرة استلام السلطة لكل من يريد أن يطبق وصفته السحرية التي تتيح لمجتمعنا الخروج من مرضه الحضاري المزمن. وبهذه العقلية تم تأجيل أي عمل نهضوي اجتماعي "صغير" بانتظار العمل السياسي "الكبير"، وفي الحقيقة إن النهضة مؤلفة من "أعمال صغيرة" هي مجموعة من الواجبات الملقاة على عاتق كل فرد. ولكن لكي يقوم هذا الفرد بواجباته يجب عليه أن يحس بالمسؤولية، ولكن الحقيقة أن فكرنا السياسي علمه أمرين: أولاً تأجيل كل عمل بانتظار "العيد" الموعود المتمثل في التحرر من الاستعمار، أو الوحدة ،أو قيام الدولة الاشتراكية، أو قيام الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية، وثانياُ تعليق كل مأساة من مآسينا على مشجب عدم تنفيذ وصفة من الوصفات الجاهزة التي قامت عليها الأيديولوجيا السياسية العربية المعاصرة. فمشاكلنا كلها ناتجة عن: الاستعمار، أو التجزئة السياسية، أو النظام الطبقي، أو عدم تطبيق الشريعة الإسلامية.

والاحتجاج على عدم تطبيق الشريعة الإسلامية تم بنفس الطريقة السياسية التي يصفها بن نبي بأنها التمحور حول الحقوق لا حول الواجبات. إذ لم يطرح الفرد العربي على نفسه فكرة السير بمقتضى ما تريده منه الشريعة من بناء اجتماعي متين لا تمزق "شبكة علاقاته الاجتماعية" عيوب العشائرية والإقليمية والمحسوبية الشخصية، ومن سعي جاد في سبيل المصلحة العامة، وقدرة على تجاوز الأنانية الشخصية، وتقديم الكفاءات، ووضعها في المكان المناسب، والعمل النشيط المثمر، وعدم تضييع الوقت. وكل هذه البنود النهضوية كان يمكن القيام بها حتى لو كانت السلطة السياسية لا تطبق الشريعة الإسلامية!

ومن هنا فإن مجتمعنا بحاجة إلى ثورة نهضوية سلمية داخلية تأتي من أسفل لا من أعلى، وهي بلا شك إن قامت ستجبر البناء الفوقي على أن يتماثل معها. وهذا معنى الحديث الشريف "كما تكونوا يولى عليكم"! ومعنى الآية "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"!

لا ننتظر التغيير إذاً كمنجز لقوة خارجة عنا: شخص أو دولة أو وصفة جاهزة وحيدة تحل المشاكل في طرفة عين. وكما قال بن نبي رحمه الله "لا شك في أن عقائدنا السياسية تدين لتلك القيم الفاسدة للحضارة، تلك العقائد التي تمثلت عندنا اليوم في أسطورة: "الشيء الوحيد" و "الرجل الوحيد" الذي ينقذنا (...) فالتاجر الذي تنجح تجارته يجزم بلا تردد بأن النجاة في الاقتصاد، وآخرون يرون الشيء الوحيد في البيان وتزويق الكلام، وهكذا ننتقل من وهم لنتخبط في وهم، ولا ندري كم من السنين سوف نقضيها لندرك عجز "الأشياء الوحيدة" عن حل المشكلة التي هي مشكلة الحضارة أولاً و قبل كل شيء" ("شروط.." ص158)

• المجتمع الفعال والمجتمع غير الفعال: الفعالية- المعادلة الاجتماعية للفرد- المنطق العملي- توجيه الثقافة والعمل- توجيه رأس المال

قضى بن نبي حياته وهو يبحث في سؤال الفعالية الاجتماعية، سؤال النهضة، أو سؤال إزالة القابلية للاستعمار.

وفي هذا البحث حاول تحليل قضايا مرتبطة مباشرة بهذا السؤال.



يتبع ...

الصـمـصـام
14-07-2008, 01:33 AM
أريد في هذه الفقرة الكلام قليلاً عن أربع منها: "الفعالية" و "المعادلتان البيولوجية والاجتماعية للفرد" و "المنطق العملي" و "التوجيه".

الفعالية:

يقول بن نبي: "إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ. ذلك ما تشير إليه النظرة في تاريخ الإنسانية منذ أن بدأ التاريخ. فنرى المجتمع حيناً يزخر بوجود النشاط وتزدهر فيه الحضارة وأحياناً نراه ساكناً لا يتحرك يسوده الكساد وتغمره الظلمات (...) على أنني حينما أرى في حركة التاريخ حركة الإنسان وفي ركوده ركوده فإن ذلك يضعني أمام مشكلة تتصنف تحت عنوان الفعالية. فعالية الإنسان في التاريخ"("تأملات" –مقال "الفاعلية" –ص125).

ونظرتنا إلى التاريخ ليس لها نتائج نظرية فقط بل لها نتائج عملية أيضاً تتصل بسلوكنا، فهي تحدد مواقفنا أمام الأحداث. فإن نظرنا إلى التاريخ كسلسلة أحداث لا رابط بينها نتج عن هذا الاعتقاد بأن ما يجري في التاريخ مقدور لا يد للإنسان فيه ولا يستطيع تغييره، أما إن نظرنا إليه بصفته مجموعة من الأحداث المترابطة منطقياً فإن هذا يجعلنا ندرك الأسباب ونرى فيها منبهات لإرادتنا وموجهات لنشاطنا ونرى أن ما يجري في التاريخ متأثر بسلوكنا وبموقفنا وإرادتنا في تغيير الأشياء وفقاً للوظيفة الاجتماعية التي حددها لنا القرآن في قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" فشرط الفعالية هو أن ينظر الإنسان لنفسه كصانع للتاريخ ومحرك له.

والفعالية مرتبطة بالإرادة، فالطفل الذي يقود الجمل هو فاعل لأنه يملك الإرادة (بينما ينقاد الجمل لأنه يفتقد لهذه الإرادة!) وعلاقة الطفل بالجمل مثل علاقة دولة صغيرة استعمارية كإنجلترة بمجتمع ضخم تستعمره كالهند، ويستطيع القارئ طبعاً أن يرى فائدة هذا التحليل في أوضاعنا الراهنة!.

والفرد في مجتمع معين تمر عليه حالات يكون فيها فاعلاً وحالات أخرى لا يكون فيها كذلك وبرأي بن نبي أن الفاعلية تستثار في الأفراد حين يسود المجتمع القلق والشعور بالخطر وتظهر الفكرة التي تحدد له طريق الخلاص.

المعادلة البيولوجية والمعادلة الاجتماعية للفرد:

ثمة تجربة تاريخية لا ينفك بن نبي يذكرها في كتبه وهي تجربة أندونيسيا أواخر الأربعينات حين كلفت اختصاصياً ألمانياً هو الدكتور شاخت بوضع مخطط للنهوض باقتصاد أندونيسيا. وكان هذا الاختصاصي نفسه قد وضع مخططاً قاد الاقتصاد الألماني بين عامي 1933 و1936 إلى نهوض عاصف.

في أندونيسيا وضعت إمكانيات اقتصادية تحت تصرف الدكتور شاخت هي أفضل من الإمكانيات الألمانية، ولكن المخطط عينه الذي نجح نجاحاً باهراً في ألمانيا أخفق في أندونيسيا إخفاقاً ذريعاً فما السبب؟

يقول بن نبي: "لا شك أن شاخت وضع مخططه على الشروط التي يقدمها الشعب الألماني مباشرة وبطريقة آلية أثناء مرحلة التطبيق، ثم لا شك في أنه طبق هذه الشروط آلياً في التجربة الأندونيسية، أي أنه وضع مخططه على معادلته الشخصية كفرد من المجتمع الألماني، بينما ستجري التجربة الأندونيسية بطبيعة الحال على أساس معادلة الفرد الأندونيسي بحيث تعثرت التجربة الأندونيسية على خطأ مخططها شاخت في تقدير المعطيات البشرية في المجال الاقتصادي"("المسلم في عالم الاقتصاد.." ص94). يقول بن نبي إن هناك لكل إنسان معادلتين معادلة بيولوجية يتساوى فيها البشر ولا اختلاف فيها بين المجتمعات، ومعادلة اجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر وفي المجتمع نفسه تختلف من عصر إلى آخر اختلاف درجة النمو أو التخلف.

أما المعادلة البيولوجية فهي منحة الله لجميع الناس، وأما المعادلة الاجتماعية فهي نتاج المجتمع وهي القاسم المشترك الذي يطبع سلوكهم ويحدد درجة فعاليتهم أمام المشكلات بما يميزهم عن أفراد مجتمع آخر أو عن جيل آخر من مجتمعهم إن كان الفاصل الزمني كافياً بين جيلين.

كيف تتكون المعادلة الاجتماعية؟

إنها إما أن تتكون بطريقة تلقائية مع الأيام، وإما أن تتكون بعمل إرادي "تريد ما تفعل وتفعل ما تريد لمواجهة ظروف وضرورات قاسية"، ويضرب مثلاً للحالة الثانية اليابان والصين الحديثتين. والمجتمع الإسلامي بدوره يجب عليه أن يختار: إما أن يسير في طريق طويل تاركاً للأيام صياغة معادلته الاجتماعية عبر التجارب والمحن، وإما أن يطرح المشكلة بصورة منهجية كما فعلت اليابان والصين. وهو يفضل الطريقة الثانية لأن هذا المجتمع كما يقول "يواجه حالة طوارئ تفرض عليه أن يتخذ قرارات صارمة بالمجال الاقتصادي، كما تتخذ قيادة عسكرية قراراتها لمواجهة ظروف استثنائية"("المسلم في عالم.." ص99) . المنطق العملي:

يقول بن نبي: "إننا نرى في حياتنا اليومية جانباً كبيراً من اللافاعلية في أعمالنا إذ يذهب جزء كبير منها في العبث، والمحاولات الهازلة. وإذا ما أردنا حصراً لهذه القضية فإننا نرى سببها الأصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، بين فكرة وتحقيقها فسياستنا تجهل وسائلها وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا"("شروط.." –ص96). نحن نشكو برأي مالك بن نبي من افتقادنا إلى "المنطق العملي" في حياتنا وهو استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة.

إن المسلم لا يحسن الاستفادة من الوقت، ولا مما لديه من العلم، ولا مما لديه من المال، وهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً بل هو قد يبغض الأفكار المنطقية التي يمكن أن تتحول إلى عمل ونشاط!

فكرة التوجيه:

لتحقيق الفعالية النهضوية المنشودة يطرح بن نبي فكرة "التوجيه".

إذ الحضارة عنده كما رأينا مكونة من ثلاثة عناصر هي "الإنسان" و "التراب" و "الوقت".

و "الإنسان" هو الرجل والمرأة، وهو يفرد للمرأة فصلاً خاصاً يطرح فيه مشكلتها من منظوره الدائم: "نحن نرى لزاماً علينا أن يكون تناولنا للموضوع بعيداً عن تلك الأناشيد الشعرية التي تدعو إلى تحرير المرأة فالمشكلة لا تتحدد في الجنس اللطيف فحسب أو في بنات المدن أو بنات الأسر الراقية بل هي فوق ذلك تتعلق بتقدم المجتمع وتحديد مستقبله وحضارته"("شروط.." –ص116).

ومالك بن نبي في هذا التحديد لحل مشكلة المرأة بأنه مرتبط بمشكلة الحضارة لا يتجاهل الشريعة بل يعد الالتزام بها أمراً بديهياً فهو لم تكن تطرح عنده مسألة الخيار بين الشريعة واللاشريعة أصلاً-وسأتكلم في الفقرة الأخيرة من هذا المقال إن شاء الله في طبيعة نظرة بن نبي إلى الشريعة.

ويعود إلى مشكلة الفرد وتوجيهه فيقول إنه يؤثر في المجتمع بثلاثة مؤثرات: بفكره وعمله وماله ومن هنا يجب أن نبحث في توجيه الثقافة وتوجيه العمل وتوجيه رأس المال.

التوجيه عنده "قوة في الأساس وتوافق في السير ووحدة في الهدف، فكم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكتلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها حين زحمتها قوى أخرى صادرة عن نفس المصدر متجهة إلى نفس الهدف! فالتوجيه هو إدارة ملايين السواعد العاملة والعقول المفكرة في أحسن الظروف الزمنية والإنتاجية المناسبة لكل واحد من هذه الملايين "وفي هذا تكمن أساساً فكرة توجيه الإنسان الذي تحركه دفعة دينية، وبلغة الاجتماع: الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى "الجماعة" ومعنى "الكفاح".("شروط.." –ص78)

توجيه الثقافة:

النهضة عند بن نبي تصفية للعادات والتقاليد والإطار الخلقي والاجتماعي من رواسب الماضي الضارة وبناء لفكر جديد هو الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل. وقد اشتغل على الهدف الأول الإصلاحيون أمثال محمد عبده وعبد الحميد بن باديس، وأما المنهج الجديد للتفكير فعناصره الجوهرية عنده أربعة: الدستور الخلقي والذوق الجمالي والمنطق العملي والفن التطبيقي أو "الصناعة" بمعنى الكلمة القديم لا الحديث.

والثقافة ليست هي العلم، ويوضح ذلك بمثال يقول إن الطبيب الإنكليزي والراعي الإنكليزي على اختلافهما في الوظيفة والظروف الاجتماعية هما ينتميان إلى ثقافة واحدة. ولكن فردين لهما نفس الوظيفة والعمل وينتميان إلى مجتمعين مختلفين ليس لهما نفس الثقافة إذ يختلف سلوكهما واختلاف السلوك ناتج عن الثقافة لا عن العلم.

ويعرف بن نبي الثقافة بناء على ذلك بأنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته وهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته، هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة ويحدد قطبيها العقلي والروحاني. وتوجيه الثقافة يعني توجيه الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية وهذه الصلات يبعثها الدين أصلاً وقوة التماسك الضرورية لمجتمعنا موجودة في الإسلام ولكن أي إسلام! الإسلام المتحرك في عقولنا وسلوكنا والمنبعث في صورة إسلام اجتماعي.

ويعني التوجيه الثقافي في بعد ثان التوجيه الجمالي، إذ الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة.

وفي رأيه هذا وجاهة ،على أن الأمثلة التي يضربها ليست جميعها موفقة برأيي، فلا شك أن مجتمعنا يفتقد إلى الذوق الجمالي المرتبط بعمق برؤيتنا للعلاقة بين المصلحة العامة والخاصة، فمما نلاحظه أننا نهتم بنظافة بيوتنا وليس نظافة شوارعنا، ولكن بن نبي يذهب إلى القول أن فرض القبعة بدلاً من الطربوش على يد كمال أتاتورك كان عملاً نهضوياً لتغيير الأنفس عن طريق تغيير الملابس! ويرى القارئ من هذا المثال البائس كيف أن إغفال فكرة الاستلاب الحضاري يمكن أن يضلل حتى الأذكياء المخلصين من أمثال بن نبي إذ أن أتاتورك كان يضع علامة مساواة بين الإسلام والتخلف وبين الغرب بكل مكوناته الجوهري منها والعرضي، المضموني منها والشكلي، وبين التقدم. وهذه الفكرة بالذات يرفضها بن نبي رفضاً باتاً وينطلق في أفكاره من قاعدة نقيضة تقول إن الإسلام كان هو الشرارة التي شكلت الحضارة، وهذه الحضارة انحطت ليس بسبب فعالية الإسلام بل بسبب توقف فعاليته كما رأينا في فقرة سابقة عن نظرية بن نبي في الدورة الحضارية. وإحسان الظن بأتاتورك كان أمراً مميزاً للعصر الليبرالي العربي الذي كتبت فيه المخطوطة الأصلية من كتاب شروط النهضة، والكتاب نشرت طبعته الفرنسية عام 1947 ،(وهذا المصطلح"العصر اللبرالي" الذي يصف الفكر العربي المتأثر بالاحتكاك مع الغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من ابتكار ألبرت حوراني صاحب الكتاب الشهير "الفكر العربي في العصر الليبرالي" وقد صدر عن دار النهار مترجماً باسم "الفكر العربي في عصر النهضة"! وفي رأيي أن هذا التغيير في العنوان تشويه إذ يخلع على الفكر الموصوف صفة إيجابية لم يردها المؤلف ،بل على العكس لقد أعطى حوراني هذا الفكر حين وصفه بالليبرالي صفة المحدودية الذهنية والعقائدية ولم يعطه أي تقويم إيجابي من نوع ذلك الذي يعطيه وصف "عصر النهضة")

. ويعني التوجيه الثقافي ثالثاً التوجيه التقني أو ما يسميه "الصناعة"، وهو تكوين المتخصصين المطلوبين في كل نواحي النشاط الاجتماعي المختلفة من اقتصاد وغيره وإعطاء هؤلاء أماكنهم وفقاً للحاجة.

و العنصر الرابع من برنامج التوجيه التربوي للثقافة عنده هو المنطق العملي الذي تكلمنا عنه منذ قليل.

توجيه العمل :

لا بد للنهضة من أن ينتقل المجتمع من حالة العطالة والعبث إلى حالة العمل الموجه، إنه سير الجهود الاجتماعية في اتجاه واحد. وهو في البداية عمل تطوعي له هدف تربوي لا كسبي كما يرى بن نبي "فإعطاء ثلاثة حروف من الأبجدية عمل، وتقبل هذه الحروف عمل، وإزالة أذى عن الطريق عمل، وإسداء نصح عن النظافة أو الجمال دون أن يغضب الناصح حين لا يصغى لنصحه عمل، وغرس شجرة هنا عمل واستغلال أوقات فراغنا في مساعدة الآخرين عمل وهكذا .. فنحن نعمل ما دمنا نعطي أو نأخذ بصورة تؤثر في التاريخ، فتوجيه العمل هو تأليف كل هذه الجهود لتغيير وضع الإنسان وخلق بيئته الجديدة" ("شروط.." –ص108).

ويرى بن نبي أنه يجب أن يكون التوجيه المنهجي للعمل شرطاً عاماً أولاً، ثم وسيلة خاصة لكسب الحياة بعد ذلك لأن هذا التوجيه حين يتحد مع توجيه الثقافة وتوجيه رأس المال يفتح مجالات جديدة للعمل.

توجيه رأس المال:

"رأس المال" هو مفهوم يختلف عن مفهوم "الثروة" وإن كنا –كما يقول بن نبي – معتادين على الخلط بينهما: "الثروة" شيء شخصي يستعمل للوجاهة الاجتماعية أو لإرواء الحاجات الخاصة للمالك أما "رأس المال" فهو شيء غير شخصي منفصل عن صاحبه، إنه المال المتحرك الذي يخلق حركة ونشاطاً ويوظف الأيدي والعقول.وتحويل "الثروة" إلى "رأس مال" هو عمل نهضوي يجب أن تقوم به كما يرى بن نبي هيئة مخططة تهدف إلى تحويل كل قطعة نقدية إلى كيان متحرك يخلق معه العمل والنشاط، وتحويل أموال الأمة البسيطة بالتوجيه من أموال كاسدة إلى رأس مال متحرك ينشط الفكر والعمل والحياة في البلاد. و"تكوين رأس المال ممكن، حتى في وطن فقير إذا ما اتحدت فيه الجهود وتوجهت نحو الصالح العام" ("شروط.." –ص113).

• مفهوم مالك بن نبي للسياسة:

يقول بن نبي: "ما السياسة في جوهرها إلا مشروع لتنظيم التغيرات المتتابعة في ظروف الإنسان وأوضاع حياته، هذه العلاقة التي تحدد وضع الفرد باعتباره غاية كل سياسة، تعتبر الفرد أيضاً عاملاً لتحقيق تلك الغاية" ("وجهة.."- ص 87) ومن هذا الفهم للسياسة يعد بن نبي الفرد وسيلة السياسة وغايتها ومن هنا تتوجه السياسة إلى الفرد بمعنيين: تتوجه إليه بصفته هو الفاعل الذي يحقق التغييرات المطلوبة وبصفته هو الموضوع المطلوب تغييره وعلى سبيل المثال في النضال ضد الاستعمار تريد السياسة من الفرد أن يغير من وضعه كمستعمر (بفتح الميم) ومن وضعه كقابل للاستعمار وينعي بن نبي على سياسات العالم الإسلامي أنها اتجهت في كفاحها للاستعمار تطالبه بتغيير وضع المستعمرات دون أن تتجه إلى الفرد المستعمر لتطالبه هو بتغيير وضعه الحضاري لكي لا يعود قابلاً للاستعمار إذ من الزيغ عن الطريق الأقوم كما يقول أن يطلب الأسير مفتاح سجنه من سجانه.

يطالب بن نبي السياسة الإسلامية أن تكون بمثابة "علم اجتماع تطبيقي" لا مجرد نشاط فوضوي فليس المطلوب جمع تلفيق من العناصر بل منهج يقوم على التحليل ليوجد العناصر التي ستركب الحضارة.

إن الفرد القابل للاستعمار حين ينهض فإن عليه أن يستعمل ما تحت يديه من وسائل مهما كانت محدودة ليغير بيئته وهذه الوسائل تزداد كمالاً كلما غير نفسه أكثر ووعى حقيقة إنسانيته "وما تقتضيه من مسؤوليات".

هذه السياسة المطلوبة تقوم على مبدأين يصوغهما بن نبي بصياغته اللغوية السيئة (المعتادة!):

1-أن نتبع سياسة تتفق ووسائلنا.

2-أن نوجد بأنفسنا وسائل سياستنا! ("وجهة.."- ص90)

وشرح ذلك أن هذه السياسة تسير على مرحلتين:

المرحلة الأولى تستند إلى الوسائل الموجودة في المجتمع والعناصر الثلاثة الأولية للحضارة وهي الإنسان والتراب والوقت وعدم الاعتماد على الوسائل الأخرى العرضية التي قد توجد وقد لا توجد ويقول بن نبي إن هذه المرحلة يجب أن تنتهي بتصفية القابلية للاستعمار.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تحسين مالدينا من وسائل لنغيير البيئة بالتدريج ونتيجة هذه المرحلة يجب أن تكون تصفية الاستعمار نفسه.

والمهم في هذه السياسة هو المضمون لا الشكل، فلا فرق أي شكل سياسي من أشكال النظم يكون هو السائد أكان جمهورياً أم ملكياً أم استبدادياً مطلقاً! والمضمون الإيجابي هو وحده المقياس الذي يتيح لنا أن نعرف إذا كانت السياسة المتبعة علم اجتماع مطبقاً أم ضرباً من الأوهام والخزعبلات. ("وجهة.." –ص 91).

أما السياسة الارتجالية، المتخبطة المخاتلة التي يتبعها الزعماء فيسميها بن نبي باسم احتقاري "البوليتيكا" ويقول عنها: "هذه السياسة الخرقاء ما زالت تخفي العناصر الحقيقية للمشكلة عن ضمير المسلم: فهو يتكلم حيث يلزمه أن يعمل، وهو يلعن الاستعمار حيث يجب عليه أن يلعن القابلية للاستعمار، وهو مع هذا لا يبذل أقل الجهد في سبيل تغيير وضعه تغييراً عملياً. أما أكثر القادة جداً فهم في انتظار الملابسات أعني: يتوقعون سنوح فرصة، فإذا بك تراهم من حين لآخر يرفعون عقائرهم بالاحتجاج معلقين أملهم على بعض الأساطير المسماة بالأمم المتحدة أو بالضمير العالمي" ("وجهة.."- ص 92).

غني عن البيان أن هذا الوصف للسياسة العربية الذي كتب منذ نصف قرن أو يزيد لم يزل صحيحاً إلى الآن مع الأسف وكأنه كتب الآن عن سياستنا الراهنة!

باختصار يرى بن نبي أن السياسة يجب أن تكون مستندة من جهة إلى دراسة دقيقة للواقع بعيدة عن الارتجال ومن جهة أخرى يجب أن تستند إلى ما يقدمه هذا الواقع من إمكانيات لتغيير مزدوج للذات والموضوع وفي علاقة جدلية وطيدة بينهما ويضرب بن نبي مثلاً للتخبط في السياسة العربية السياسة التي قادت إلى نكبة عام 1948 وكانت عندما كتب هذا التحليل جديدة. ويمكن للقارئ أن يرى أنه لم يتغير شيء تقريباً لذلك توالت نكباتنا مع الأسف.

ويحق لنا أن نتذكر مع كل نكبة جديدة ما قاله بن نبي "لقد كان هيناً على كل إنسان أن يتوقع انتصار الصهيونيين فيما عدا ضحايا "البوليتيكا" إذ هي دائماً تكرر أخطاءها، لأنها ليست علماً أو تجربة، وإنما هي جهل وهذر وشذوذ" ("وجهة.."- ص 95)

إحسان بنت محمّد
15-07-2008, 03:45 AM
أصل العلاقات الاجتماعيَّة


* شبكة العلاقات الضرورية لأداء العمل الاجتماعيّ المشترك ليست نتيجة أولية تستحدثها العوالم الَّتي يتكوّن منها مجتمع معيَّن ، بل هيَ نتيجة الظروف والشروط الَّتي تحدث الحركة التاريخيَّة نفسها .


* شبكة العلاقات هي العمل التاريخيّ الأول هي العمل الَّذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده ، ومن أجل ذلك كان أوَّل عملٍ قام به المجتمع الإسلامي هو الميثاق الَّذي يربط بين المهاجرين والأنصار .


* الشخص في ذاته ليس مجرَّد فرد يكوِّن النَّوع ، وإنَّما هو الكائن المعقَّد الَّذي ينتج الحضارة . وهذا الكائن هو في ذاته نتاج الحضارة ، إذ هو يدين لها بكلِّ ما يملك من أفكارٍ وأشياء .


* ناتج حضارة = إنسان + تراب + وقت .


* إنَّ أصل شبكة العلاقات الاجتماعيَّة - الَّذي يتيح لمجتمعٍ معيَّن أن يؤدِّي عمله المشترك في التَّاريخ - إنَّما يكمن في تخلُّقِ تركيبه العضوي التاريخيّ .



طبيعة العلاقات


* لو أنَّنا وجدنا في مكانٍ معيَّن وفي زمنٍ معيَّن ، نشاطًا متآلفًا من النَّاس والأفكار والأشياء دلَّنا ذلك على أنَّ الحضارة قد بدأت في هذا المجال ، وأنَّ تركيبها قد تمَّ فعلاً في ( عالم الأشخاص ) .


* إنَّ العمل الأوَّل في طريق التغيير الاجتماعيّ هو العمل الَّذي يغيِّر الفرد من كونه فردًا individu إلى أن يصبح شخصًا personne وذلك بتغيير صفاه البدائيَّة الَّذتي تربطه بالنَّوع إلى نزعاتٍ اجتماعيَّة تربطه بالمجتمع .


* الاجتماع الَّذي يتمثَّل فيه أوَّل عملٍ يؤدِّيه مجتمع إبان ميلاده يترجم ترجمة صادقة وقويَّة عن شبكة علاقاته .
وأصدق ما يدلُّ على ذلك في المجتمع الإسلاميّ اجتماع المسلمين في المسجد ، في صلاة الجمعة مثلاً ، فهذا الاجتماع يحمل في مضمونه أكبر المعاني الَّتي تذكِّر بميلاده : فهو رمزه وتذكاره .


* هذه القيمة الرمزيَّة والتذكاريَّة لاجتماع الأشخاص موجودة في جميع المجتمعات ذات النموذج العقائدي ، وهي متمثِّلة في المجتمع المسيحي في اجتماعات الأحد ، الَّتي تذكِّر بعهد المغارات الرومانيَّة الأولى ، كما أنَّها موجودة في المجتمع السوفييتي ، حيث يتذكَّر النَّاس بمشيتهم العسكريَّة ، وأناشيدهم الوطنيَّة ، كلَّ عامٍ في الميدان الأحمر ، الاجتماعات العمالية الأولى .


* إنَّ الثقافة هي المحيط الَّذي يصوغ كيان الفرد ، كما أنَّها مجموعة من القواعد الأخلاقيَّة والجماليَّة ... إلخ .


* نستطيع أن نقرر عامَّة أنَّ كل ما يكون صلة من أي نوع في نطاق العوالم الثلاثة : عوالم الأشخاص والأفكار والأشياء ، أو بينها ، هو في الحقيقة علاقة مشروطة بوجود ثقافة .


* أنا أرى مثلاً تأثير عامل اقتصادي قوي كالبترول ، على تطوُّر بعض البلاد العربيَّة ، منذ ربع قرن ، وأراني مضطرًا في ضوء هذه التجربة وغيرها إلى رفض الفكرة الماركسيَّة : فإنَّ البترول لم يعجز عن رفع المستوى الاجتماعي في هذه البلاد فحسب ، بل لقد هبط بهذا المستوى ، بما في ذلك القيم الأخلاقيَّة . حتَّى أنَّه في بلدٍ يعتد على البترول كالعربيَّة السعوديَّة ، دوى فيه منذ حوالي ثلاثين عامًا نفير الفكرة الوهابيَّة ، وهي الَّتي كان جيلنا ينظر إليها على أنَّها خميرة البعث العربي والنهضة الإسلاميَّة ، في مثل هذا البلد لم يكن للبترول - من وجهة نظر التَّاريح - سوى نتيجة واحدة هي : أنَّه أحرق الفكرة الوهابيَّة .



* في الحياة الاجتماعيَّة : فإنَّ التغييرات الَّتي تتمُّ فيها لا يصحُّ أن تُعزى ابتداءًا إلى ( المادَّة الاجتماعيَّة ) أعني : الاقتصاد وكلَّ ما يتَّصلُّ بالعمل الحسيّ ، وإنَّما تُعزى إلى ( العلاقات ) الَّتي تحوِّل الشروط السَّابقة للظاهرة الاقتصاديَّة ذاتها ، حين توحد عناصرها قي خلق حياةٍ إنسانيَّة منظَّمة ، من أجل الاضطلاع ببعض الوظائف الاجتماعيَّة ، في نطاق ( العمل المشترك ) الَّذي يصنع التاريخ .




الثروة الاجتماعيَّة


* لا يُقاس المجتمع بكميَّة ما يملك من ( أشياء ) ، بل بمقدار ما فيه من أفكار .


* ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة ، كأن يحدث فيضان أو تقع حرب ، فتمحو منه ( عالم الأشياء ) محوًا كاملاً ، أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة عليه ، فإذا ما حدث في الوقت ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على ( عالم الأفكار ) كان الخراب ماحقًا . أمَّا إذا استطاع أن ينقذ ( أفكاره ) فإنَّه يكون قد أنقذ كلَّ شيء ، إذ أنَّه يستطيع أن يعيد بناء ( عالم الأشياء ) .


* لقد مرَّت ألمانيا بتلك الظروف ذاتها ، كما تعرَّضت روسيا لبعضها ، إبان الحرب العالميَّة الأخيرة . ولقد رأت الدولتان - وخاصَّة ألمانيا - الحرب تدمِّر ( عالم الأشياء ) يهما . حتَّى أتت على كلِّ شيءٍ تقريبًا . ولكنَّهما سرعان ما أعادتا بماء كلَّ شيء ، بفضل رصيدهما من الأفكار .


* فاعليَّة ( الأفكار ) تخضع إذن لشبكة العلاقات ، أي أنَّنا لا يمكن أن نتصوَّر عملاً متجانسًا من الأشخاص والأفكار والأشياء دون هذه العلاقات الضروريَّة . وكلَّما كانت شبكة العلاقات أوثق ، كان العمل فعَّالاً مؤثِّرًا .


* إذا كانت ثروة مجتمعٍ معيَّن يتوقَّف تقديرها على كميَّة أفكاره من ناحية ، فإنَّها مرتبطة بأهميَّة شبكة علاقاته من ناحية أخرى .


* بديهي أنَّ الدولة الَّتي تحقِّق التقدُّم الإنساني في أعظم أشكالة هي الَّتي تحقِّق شبكة العلاقات الاجتماعيَّة على أقرب ما تكون من الَّتي نسجها الإسلام في العصر المدني .




يتبع إن شاء الله

مصاقب
17-07-2008, 02:31 AM
احْسَنَ اللهُ إليْكِ
بَعَدَ الإحْتِفَاظِ بِنُسْخَةٍ مِنْهُ ؛ مُتابِعُون بِعَوْنِ اللهِ يا إحْسَان
جَزَاكِ الله ألْفَ خَيْرٍ وَبَرَكَة

تَقَبَلي مُرُوري
صَلاح الصقعبي

أبو سفيان
17-07-2008, 03:27 AM
إحسان بنت محمد

بارك الله فيك .. وجهد وعرض مميز ..
ولو أن كل واحد كتب لنا عن تجربته وكيف فهم مالك بن نبي لخرجنا بشيء جميل ورائع ربما يكون أروع من نقل ما قاله الآخرون عن مالك ..!!

يبدو لي والعلم لله أن مالك بن نبي قد وجد في وقت مبكر وكانت رؤيته أعمق بكثير من التفكير السائد آنذاك في الأوساط العلمية .. ولو أنه كان في أيامنا هذه مثلا لكان له صدى أكبر وأعمق ..

وإشكالية الترجمة التي أشار لها البعض لها دور كبير في فهم مالك بن نبي ولذلك أجد تبيانا واضحا في لغة كل كتاب عن الآخر ..!
وأظن ما يسمى بندوة مالك بن نبي تولت ترجمة كل نتاجه والعناية به ..

بقي لي أن أقول أن مالك بن نبي يختلف عن غيره من المفكرين المسلمين في علاقته بالتراث حيث كانت أضعف من غيره وهذا ماجعل كثير يأخذون عليه مآخذ تتعلق بجوانب شرعية ليس هذا مكان طرحها .. وإن كنت أختلف في كثير منها معهم ..

شيء أخير .. حول كتابه الظاهرة القرآنية حيث يظن كثيرون أنه كتاب في نظرية الإعجاز القرآني والأمر ليس كذلك ولذلك يدرجه البعض ضمن المؤلفات التي كتبت في إعجاز القرآن .. بل هو كتاب آخر قائم على إثبات النبوة وإثبات علاقة الرسول بالقرآن وعلاقة القرآن بالبشر ... في محاولة لدراسة ما أحاط بالظاهرة القرآنية من ملابسات تاريخية ووقائع واقعية .. وهو منهج يعد جديد على الفكر الإسلامي .. وفي تصوري أنه كان من المفترض أن ينال عليه جائزة تكريمية

لي مقال منشور من فترة عن مالك بن نبي .. إن وجدته سأضعه لكم هنا ..
والخير والسبق والفضل .. لهذه الإحسان .. أحسن الله إليها ..!!


عبدالله،

أبو سفيان
17-07-2008, 03:36 AM
ها قد وجدنا المقال بحمد الله ..
ربما أضاف إليكم شيئا يسيرا ..


إشكالية التخلف ورجوع القهقرى الذي تعيشه الأمة منذ عصر النهضة الأوربية، ومسافة الهوة التي تتسع بين عالم غربي يسعى لإنتاجية أكبر، وسيطرة أقوى ، وعالم ثالث تتدني فيه مستويات المعيشة والدخل الفردي، وتتراجع قيم الإنتاجية، وترفع القيم الاستهلاكية، بشكل ملفت للنظر.
هذه الإشكالية والتي تكرست في الحقبة المعاصرة ، دعت كثيرا من مفكري العالم الإسلامي لمناقشة أسبابها ونتائجها ومحاولة الخروج من عنق الزجاجة.
ويعتبر المفكر الإسلامي مالك بن نبي أحد أبرز الذين أقلقتهم هذه الإشكالية ، وسعى دائبا في بحوثه المترجمة والمنشورة لمعالجة مشكلة النهضة والحضارة.

يتميز مالك بن نبي بنظرته الشمولية للمشكلة، ولذلك يرى مالك بن نبي أن الإشكالية إشكالية حضارة بعيدا عن الإشكاليات الجزئية التي تكوّن المشكلة الكبرى، ففي شروط النهضة يقول بن نبي : " فرأي رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني أن المشكلة سياسية ، بينما يرى رجل دين كالشيخ محمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ ... على حين أن كل هذا التشخيص لا يتناول في الحقيقة المرض بل يتحدث عن أعراضه "
ولاعجب حين يصرح بن نبي " أننا منذ عقود من الزمن لانعالج المرض وإنما نعالج الأعراض ".
هذا يجعلنا نؤكد على إن مفكرنا ابن نبي يعاني من جزئية الطرح لمشكلة النهضة والتخلف وأسبابها لدى النخبة المفكرة في العالم الإسلامي، وأنه يبحث بحثا عميقا عن رؤية أكثر شمولية وأكثر دقة، بحيث تحتوي الأعراض التي أشار إليها الكثيرون من النخب المثقفة في العالم الإسلامي.
ولذلك يقترح ابن نبي من خلال قراءته الفكرية الواعية للتاريخ الحضارة كمشكلة حقيقية وجوهرية يكمن وراءها أعراض التخلف وأسبابه.
ففي كتابه " مشكلة الأفكار " يقول :" إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية ".
ولأن الحضارة مصطلح كغيره من المصطلحات يخضع لرؤية وتحليل لايمكن الإجماع عليها بشكل نهائي ، فإن ابن نبي له نظرته حول الحضارة باعتبارها مشكلة العالم الثالث التي يحاول معالجتها ، وتحليلها تحليلا جزئيا وإجرائيا.
ومما يميز نظرته للحضارة أنها ذات أبعاد وأطياف مختلفة ولا يمكن اختزالها في البعد المادي الذي تعج به الأسواق العالمية . ويمكن متابعة أطياف الحضارة في بعديها المادي والمعنوي وما يربط هذين البعدين من روابط نسيجية تشكل هيكل ولب الحضارة.
فالجوهر الحضاري عند مالك بن نبي في دراسته التحليلية للحضارة يعود إلى معادلة يحق لي تسميتها بمعادلة الحضارة، وهذه هي صيغتها :

الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت
الإنسان المتكامل بجوانبه وأبعاده النفسية والجسدية والجمالية والفكرية...
والتراب بإمكاناته المادية الطبيعية كمورد أساسي لأنتجة الحضارة .
والزمن الذي يدور فيه الفعل الإنساني والتفاعل بين التراب والإنسان .

هذا النموذج التحليلي للحضارة في عناصرها الأولية ، والذي جاء على صيغة معادلة رياضية ربما كان لتخصص ابن نبي رحمه الله دور في فرضها عليه، يمر بتفاعلات دقيقة يكون ما يسمى بالحضارة، ووفق قوانين وسنن تاريخية معينة يمكن استقراءها من خلال التجربة الحضارية لكل أمة من الأمم.
وعناصر المعادلة الحضارية أعلاه لايمكن لها في حالة انعزالها عن بعض تكوين حضارة فالإنسان بدون الزمن والمادة الطبيعية لايمكن له إبراز شيء يثبت حضارته ووجوده كعقل منتج.
ومهمة الإنسان هنا مهمة فاعلة في تحريك هذا الكمون بمواد المعادلة ، وتحويلها إلى حركة ديناميكية منتظمة متفاعلة مع بعضها .
والإنسان باعتباره عنصرا أوليا من عناصر الحضارة ، ليس له هذه الحركية إلا من خلال دوافع معينة تجعله صاحب فعالية عالية قادرة على الإنتاج ، لذلك فمالك بن نبي يولي الفعالية دورا كبيرا في بحوثه ويحاول معالجتها والبحث عن دوافعها باعتبارها القادرة على تفعيل الإنسان ليقوم بتفجير سكونه وسكون العناصر الأخرى ، لذلك فهو يركز على أن الفعالية تتعلق بمنهجية الفكر وليست مسألة وسائل ، وعلى هذا الاعتبار فمالك بن نبي يرى أن الفكرة التي يمكن أن تكوّن الفعالية والشرارة الموقدة للعمل هي الدين أو ما يسميه الفكرة الدينية.
وتسمية مالك لهذا الدافع القوي بالفكرة الدينية، لايقصد بها حتما أن الدين بشكل عام فكرة ، بقدر ما يقصد أن يتحول الدين إلى محرك للأفكار وروح تسري في العمل.
لذلك يقول بن نبي :" يبدو الدين ظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان وحضارته؛ كما تحكم الجاذبية المادة ، وتتحكم في تطورها ، والدين على هذا يبدو وكأنه مطبوع في النظام الكوني ، قانونا خاصا بالفكر الذي يطوف في مدارات مختلفة ، من الإسلام الموحد إلى أحط الوثنيات البدائية ".
ولأن مالك بن نبي كما ذكرنا سلفا يعتمد اعتماد شديد على القراءة الواعية للتاريخ، باحثا عن قوانينه وسننه فإنه يجد " الفكرة الدينية " تقف خلف المنجزات والإنتاج البشري.
وهو ينتقد بصراحة النظريات التي كانت تنحي الدين في تفسيرها للتاريخ وحركيته المستمرة.
وله قراءة جيدة وتفسيرية لعمل الفكرة الدينية في تحريك الفعالية ، ودفع البشرية للعمل والإنتاج وقراءة في الحضارة الغربية وكيفية عمل الفكرة الدينية في تفجير الفعالية في النفس الإنسانية.
ولأنني أجد أن غياب الفعالية عن المسلم المعاصر في حركته الاجتماعية هي من أهم أسباب ما نعانيه اليوم من تخلف شديد على مستويات مختلفة .
الفعالية التي تلعب الدور الأكبر في عملية إحساس الإنسان بقيمته ككائن مكرم قادر على الإنتاج والعمل ، ويحمل هما كبيرا تجاه نفسه وأمته.
والفعالية كما يرى ابن نبي تخضع لعامل نفسي يسميه " التوتر " ، ويشير بدران مسعود إلى هذه النقطة في تفكير مالك بن نبي حين يقول : " الفعالية نتاج حالة خاصة من التوتر ، توتر في الضمير ، أي توتر أخلاقي واقتصادي وعلمي ونفسي. وهي حالة نفسيه اجتماعية دل التاريخ على أنها تنشأ في ظروف معينة ".

ولذلك فمالك بن نبي قام بدراسة الفكرة الدينية على المستوى الواقعي ، في حدودها الدنيا وليس على مستوى الشعارات والمأمول . بل على محك الواقع والممارسة ، حين تحول الفكرة الدينية إلى روح تسري في المجتمع وأخلاقياته ونسيج علاقاته، وقيمه وسلوكياته في مستوياتها الكثيرة والمعقدة.
ولعل غياب هذا العنصر الهام الذي يشير بأصابع الاتهام إلى الذين يحاولون عزل الدين عن حركة المجتمع والواقع الممارس في الحياة اليومية بكل تفصيلاتها.
لذلك يقول بن نبي : " ينبغي العودة إلى روح الإسلام نفسها " وذلك من أجل صياغة الحياة بها واقعيا لنرى أثرها جليا وفعاليتها أمام العين المجردة.

ولعل البحوث التي ظلت فترة من الزمن تبرهن فلسفيا وجدليا على صحة الإسلام وصلاحيته زمانا ومكانا نأت كثيرا عن المنطق الواقعي والذي كان يطلب منها أن تعالج الواقع وكيفية الإثبات على سطحه المقروء لكل العيون الناظرة.

ممتع فكر هذا الرجل ومقنع ، وكتاباته فيها الكثير عن أسباب المشكلة وتحديد لأعراضها بمناهج وأدوات تحليلية قادرة على التوصيف والكشف والتحديد.

ولعل الحديث يكون له بقية في القريب بأمر الله ، إلا أن يحاط بقلمي .

عبدالله السفياني