PDA

View Full Version : التحدي..قراءة النصوص وتقييمها



wroood
03-08-2008, 02:43 PM
النصوص المشاركة
.
.



الكاميرا زينت/ مالك الحلبي
.
.
لماذا أنا هنا
سندٌ لكل الذكريات
"
"
بُعيدَ صياغتي من ثورة ِالشيوعيين تحت أيادي أناسٍ حُلِموا بتحقيق العدالة ورفع الظلم والمساواة !
صاغوني وصنعوني في سابع ِ دور تحت الأرض ،
أنا الآن رقيقة ُ امرأة روسية ،عمِلت سيدتي بالأبحاث خمسٌ وعشرون عاما ً تحت الأرض ، لا رأت نور الشمس ولا الشمس رأتها , حتى أنا كذلك .
عملٌ شاق بلا هوادة ، جُـرِّعنا ضبابا ً من الراديو ،
اجتماعات دورية لقراءة نصوص ماركس وتحليلها والإطراء عليها !
بيتي الخزانة ومائي الأفلام ، سعادتي اللمس ، بالرغم من عملي في العطل والحفلات فقط ، لكني لستُ راضية ،
غبارٌ لفْني ولف سيدتي ، ذات الوجه الأبيض حملَ خريطة الأشباح ، لم نرى نور الشمس إلا بعد التقاعد ،
ربما أتقاعدُ بأوجِ العمل كونه مجبراً علي .
بمجرد الضغط علي ولجِي بالبطاريات الرديئة ، أعملُ بلا هوادة .
أحياناً سيدتي تسمحُ لي بالتنفس كل ثلاث ليال ،
فور عتقي المؤقت من الخزانة أرمقُ جاري ( التلفاز) البدين كان يزن ست وستون كيلو غرام وأنا كذلك ، بالرغم أن ولادتي كانت بعده بـ عشرون عاما ً .
لكن ، يبقى العمر يُحكمُ بأول صياح ديك الثورة كالجنيـ ن .
سقط الجدار وحـُـل وثاق سيدتي ، سافرتُ معها إلى الشام ، عرضتني للبيع ، ومحت الذكريات ببساطة .
سيدي الآن بلغ الخمسين ، احتضني كالطفل بين رئتاه ، داعبني بسؤال الناس تصويرهم في الحديقة .
آنـّت غضاريفي بالتكلس ، لفني بالضماد الشفاف ، كبرتُ وتعبتْ ،
أردت التقاعد في خزانة أرستقراطي بمتحفه ،
لكن القدر أوصلني لسوق الشتات ، سوق الخردة ، سوق الشهادة ، ولا زلت أسندُ البراغي والمطارق والكفوف للحظتي هذه ...


**********

على زاوية موقد /قـ
.
.
الحلم الآن يتحقق ، انظر إلى معصمك ، إنّه الوقت الخطأ ،لا وقت يتدارك الحلم ؛ فيضيعُ في متاهات الماضي لذةً غير مدركةً إلا بالتصوّر .. أو بهجةٍ مسخها الزمان فاستحالت للذاكرةِ، كبسمة يلفها الألم والحسرة ، كبقايا أنوار مدينة دمرها الغزاة ، أو كتلاشي موقد أطفئ قبيل النوم بلحظات ..

هاهي البلدة التي تشبهُ الحلم .. تشارفني بعد تناهي سنواتِ التيه ، ومنعطفات الصدمات ، بعد أوجاعِ الغربة ،ومرارة الوطن الذي لم يعد إليّ عندما عدت إليه .
تلك الأماكن قد انخرطت في حفلةٍ تنكريّة صاخبة ، والأرض باتت تنظرُ إلي كسماء ، والمعالمُ التي أحفظها جيداً أصبحت تتجاهلني وتخفق عند أول اختبار أو سؤال عنّي .
أعشق التصوير منذ الصغر .. اقتيتُ هذه الآلة من مصور أفناها على الضوء ، وشاخت ولمّا يشيخُ الضّوء .. لم يبق لي فيها من تصرّف ، إلا كما أتصرّف بسلاحٍ قديم ، قد يخدم غرضي فيما إذا كنت قنّاصاً ماهراً ، لا تزيدني رداءةُ الأسلحة إلا شدة في الفتك.. لم أستطع لأكون ذلك .. ولكنّي أفكرُ أحياناً في تلك المناظر المكررة ، كيف أنظرُ إليها كشيء آخر .. وهي ذاتُ الجوهر .

انقطعت عن الهواجس و أنا على عتبة الباب ، و على طرف المنزل بدأ بالتعرّف إليّ: لم يتغيّر ، ربما هو المكان الأخير لذاكرة الأرض ..
فكرتُ في استبداله لها ، موقد الخالة ربيعة تغيّر كثيراً ، وتآكلت زواياه ، غير أنّ الرغبة في داخلي تلاشت حينما شعرتُ بالموقد يطبخ الذكريات في داخله .. الخالة ربيعة التي اعتادت على أن ترتدي ذلك المعطف الصوفي ليس لبردٍ وإنما لألم في المفاصل - هي الأخرى تشعرُ بتلك العلاقة الخاصّة ..
لقد أخبرتني أنها تشعرُ في غفوتها أن رؤاها و مناماتها تعدّ في ذلك الموقد مع الخبز .. ما فيمة المنامات إذن لكي تحدثني الخالة ربيعة بهذا الاهتمام عنها ؟
أكثر ما يقدمه لك منامٌ هو ملذاتٌ تزول .. الحياةُ منامٌ إذن ، والمنامُ حياة !
هنا وأمام ذات الموقد ، رأت الخالة ربيعة أنها تحمي دجاجاً يلتجئ إليها .. يالِ سخرية المنامات !
يومَ أتى تأويلهُ استحلنا إلى شيءٍ يشبهُ الدجاج ، والخالة ربيعة التي لم تكن ترتدي بزةً عسكرية ، ولم يكن لديها إلا بيتها .. هاهي تنادي أسراب الدجاج ، ليدخلوا بيتها ، ذلك يوم أن هاجم المسلحون المدينة ..
لا أدري ، كيف رفضتُ النداء الذي انبعث من المسجد ، ولجأت إلى بيت الخالة ربيعة .. أنا وبعض الشباب الخائفين ، وهي تدعونا بشجاعة للإلتجاء داخل بيتها .. الخالة ربيعة تثق في مناماتها .. وتثق أننا لسنا بأحسن من الدجاج !
سولت لي نفسي بالمغامرة ، وأن أفقد حياتي لأجل صورةٍ التقطها .. غير أنّي تراجعتُ لأن العالم لم يكن ليخسر شيئاً ، وأنا الذي كنت سأخسرُ العالم .

هدأت البلدة .. إعلاناً عن الموت . وصلت سيارات الحكومة ، لتنقذ ما تبقى .. وتطرد المسلحين .. ذهبتُ إلى المسجد ، وأنا نادمٌ أني لم ألبّ نداءه , أرفع كاميرتي .. لأرى جثثاً .. هنا لن تحكم الزوايا الصورة ، ولا المسافة .. هنا الموت هو الحاكم .
والصورة تفرضُ نفسها ،وكل الزوايا سيئة ..
انتبهتُ على صوت الخالة ربيعة : لقد بعتُ كل ما صنعتُ اليوم ، لا حاجة لي بموقدٍ جديد ..
ابتسمت للخالة ربيعة ..
وأنا لا حاجةَ لي بآلة جديدة ، فالصورة هي التي تحضرُ أولاً ..
أنا بحاجة لأحلامٍ كبيرة ، تليقُ بتلك البلدة التي لا تعرفُ الأحلام الفانية .



**********


......./الغضب
ما نتمنّاه ليس إلا حلما كتب له أن يحلّق بعيدا . الحلم ، فقاعة صابون تتجه فقط نحو الأعلى، قبل أن تقرر الانفجار أمام ناظرنا .
لا أحب أن يزاحمني بشري في وحدتي . عقلي يقول لي اذهب بعيدا ، وبطني تجرني جرا إلى بيت رجل شاءت الأقدار أن يكون أخ والدي . زوجته مّي زهور سيدة طيبة . حين كنت صغيرا كنت أعتقد أنها ستدخل الجنّة بلا حساب . الزعيري كان يقول لي أن أمه ستدخل بلا حساب لأنها طيبة . كنت أعود من المدرسة منهكا جائعا . وكانت تدس لي قطعة لحم بلا عظم في نصف خبزة تبللها من الداخل بالمرق . لازلت أذكر ابتسامتها وهي تثبت الحقيبة الثقيلة فوق كتفي النحيفين . حين كانت تتركها كنت أرجع بقدّي للخلف وكأني سأقع . فكانت تضحكها استماتتي في ادعاء القوة ببنيتي النحيفة .
كان عمّي يضربني كثيرا . يقول أن الضرب سيصلحني . وأنا كنت أعتقد أنه يصلح أبناءه بترهيبهم بمَا يحدث لي . أتسلق إلى السطح عبر أنبوب ضخم، أحملق في النجمات المتألقة . الزعيري قال لي أن النجوم هي رقائق ضخمة من البطاطس و الذرة . قلت له أن النجوم هي أحلام الناس المعدمين ، أنت ترى الرقائق وأنا أرى صورة أبي و ربما هناك من يرى أشياء أخرى . ما كنت أتساءل عنه دائما هو كيف أصل إلى أبي ورقائق الذرة . كان يغيظني تواجد حلمي فوقي كل ليلة دون أن أقدر على قطفه كما أفعل مع شجرة المزاح خلفَ المدرسة .
حين ماتت أم الزعيري فهمت أن الموت لا يحمل مهمة إصلاح العالم ، فقد كان هناك أشرار كثيرون سيهنأ العالم برحيلهم . بدت لي الجثة الممددة خالية من الحياة باردة ، وكأن روحها وزعت حزنا على قلوبنا . جمعونا نحن الصبية في غرفة لوحدنا . سحناتنا تؤثثها السذاجة وعدم الفهم والخوف العميق . صوت رخيم يرتل القرآن . مال الدّونج على أذني وسألني : ألن نأكل بعد اليوم الرغيف المعسّل ؟ ترقرقت دمعة في مقلتي وأنا أتذكر ، خروجنا من المدرسة نحو بيت الزعيري ، أمه تستقبلنا بابتسامة مطمئنة . هناك ما يكفي للجميع ، لا تتشاجروا . نلتف حولها وأفواهنا تسيل . كانت بارعة في صنع الرغيف . تقليه جيدا فوف الزيت المغلي ثم تغطِسه في العسل ، وتقدمه لنا ساخنا لاذعا .
عندما وقفت إلى جانب الزعيري يسلّم على المُعزين في ثبات وابتسامة هادئة ، كنت أعلم أن الصورة التي تلتقطها عيني عاجزة عن التعبير عن حقيقة الموقف . وضعت كفي على كفه . فضغط على يدي بقوة . ارتجافته تشي بأن هذا فوق ما يحتمَل . فكرت في مّي زهور . ربّما تموت هي أيضا بلا سبب . سأستقبل المُعزّين وسأدعي الثبات وداخلي يتقطّع . أرعبني الخاطر.
خَوَت الدار من الزوار ، وعمّت الفوضى كل شيء . انطلقنا أنا والزعيري خارجا . أصبح المكان خانقا إلى حد مؤلم .
هززت رأسي بعنف لأقذف عنّي ذكرياتي . تحجّر حلقي بغصّة لعينة . لم أعِ كيف وصلت إلى منزل عمّي . لم يتغير شيء سوى كمّية الأوساخ الملتصقة بالجدران . رفعت بصري إلى الأنبوب . تسلّقه الزعيري وأنا خلفه ، في البداية اعتقدت أنها ستمطر ، حين استلقينا على ظهرينا لاحظت البلل فوق خدّيه ، دون أن أرغب في ذلك شرعت في البكاء الصامت . حاولت أن أكون مرحا وأنا أنظر إلى النجوم : ما رأيك في القليل من الرقائق ؟ نظر إلي في صمت ثم قال : أنظر إلى الأعلى جيدا ، إنها أمّي ..
.
.

**********
......./رندا المكاوية
جل مايتمناه المرء هو وجود أمنية حقيقية تستطيع أن تتحقق في وقت يناسبه هو , لا ليناسب توقيتها السيء !
سكتبون في الروايات أن الاحلام دائما ماتكون بيضاء او شبيهة بالاجنحة التي لا تحملها الارواح ولا الاجساد صاحبة التشاكيل , نقية نضرة ودائما ماتتجه صوبك , لكنهم نسيوا ان يذكروا ان الاحلام رمادية لانها تبدأ رحلتها الاولى من الرأس والذي يحتفظ في داخله بأبشع هلام يمتلك ملايين الخلايا الرمادية !

كل المعادلات بسيطة وسهلة الحل وواضحة , ولكنهم دائما مايميزونها بالالغاز والاكاذيب والتي تجعل من المرء قادرا على أن يمارس الحياة ويسأل عن تاريخ غد , إذ أنه ملول يبحث في رحلته عن الغريب !

الاحلام المؤجلة نسخة منقحة من حضور المستحيل , شبيهة بامطار القحط التي تهطل على حدود قرية لاتزال على الارض تنظر باتجاه السماء , تعبت من كونها تئن كل ساعات النهار من الشمس , والتي احرق لهيبها وجه فتاة دللها الربيع قبيل غياب السحب في توقيت سيء اصابه الجمود .
جاعلة امطار القحط في حضورها مجرد حفلة عزاء تليق بموت النقاء واختفاء رائحة الحياة بغتة لا شأن للصدفة بها .

يحدث ذلك لان كل شيء كان معد من السابق , وكل شيء كان مرتب للاحتفال بجنازة ضحية , ولأن الحلم ببساطة " شخص رمادي " لا أمان له !
.
.
حددت طريقا واحدا لقدمي ليتجهان صوب منزل الخالة ربيعة , وفور وصولي اليها استقبلني وجهها المجعد المحمر ينبض دليلا على وجود الحياة , فقد كانت تصنع الخبز وهو قوت اجباري .. ليشتريه احدهم , وقد كانت تعمل على ذلك منذ مدة طويلة جعلت بينها وبين الموقد الذي سخرته لتشكيل الخبز علاقة حميمة تشبه علاقة الام بأحلام ابنائها ومعرفة المصير !

اليوم الذي اضع فيه راسي على وسادتي كل ليلة كنت اتساءل عن الحلم الذي سيراودني وعن مدى امكانية تحقيق السعادة منه عندما افق مترنحا , اتساءل عن الوقت الذي امضيته مع حلم حاول ان يجزل لي بعض العطايا المعنوية !

لا احب الرسم كثيرا , وهو يحبني بطبيعة الحال !
وهو ان دل , فان كل متناقض قادرا على ان يثمر في الحياة !
الرسم خطوطه والوانه الكثيرة واسلوبه المتعدد كان يميز لي القبيح من الطيب دائما برغم اني اكره ممارسته , وكنت ارى انه باستطاعتي معرفة الصورة الاخرى للطرف الاخر والتي قد لا ارها بعيني المجردة المسكينة التي اعتادت على رؤية السطح البسيط والتفاعل معه .. اذ ان الرسم قادرا على معرفة الاشياء التي تختبئ خلف الخطوط والسمات !
كان الرسم متفانيا في صدقه وعفويته , كان خلاقا وقادرا على هزم الضبابية التي تمارسها العيون ناحية الاشياء والاشخاص !
كانت اللوح تطغى عليها دائما الوان البحر , ولون السمرة التي تهديها لنا اشعة الشمس , وكنت متخلفا عن اللون الاخضر الذي كان له صلة ما بالخبز الذي تصنعه الخالة ربيعة !

لم احصل في النهاية الا على كومة من الجثث , وكنت اتساءل ان كان لهؤلاء الجثث علاقة باللون الاخضر والخبز والحياة !


"الطيبون يموتون سريعا "
هذا ماكانت تردده والدة صديقي موقنة ان الحياة ستبقى للاشرار فقط ..
سمعنا اطلاق صوت النار وعرفنا ان مجموعة من المسلحين هاجموا المدينة بغتة , لم يتغلب الناس على هلعهم , كان الجميع يحاول ان ينجى بنفسه .. نسيوا اسمائهم .. هوياتهم .. ظلت فقط الاعين تبحث .. تخترق المسافات وتمارس هيمنة صفارات الانذار , لم يحملون معهم سوى انفسهم ونظراتهم المحتارة في اختيار الطريق الصحيح للنجاة .
ووجدت الخالة ربيعة تشير للهاربين ناحية المنزل خاصتها , والبقية الباقية يهرولون ناحية قلعة احدهم في نهاية الحي .. كانت قلعة محكمة يملكها احد اشرار المدينة والذي تخلف عنها في لحظة اخيرة جعل البقية الباقية من سكان تلك القلعة يمارسون ماتمارسه الخالة ربيعة ..
فكرت في ان النجاة قد تكون من نصيبهم لكنني اصبحت الان قريب من الخالة ربيعة , والتي كانت تشير صامتة بان النجاة حتما ستكون من نصيب من يقترب منها , برغم ان الصورة التي التقطتها عيني لها كانت تقول بان النجاة حتما ستكون من نصيب اصحاب القلعة وان الخالة ربيعة تدفع بالجمع الذي التف حولها الى الحتف !
انها طيبة كثيرا , وانها ستموت على الارجح وسيموت معها الطيبون الذين اقتنعوا بالمضي ناحيتها والاختباء ببيتها المتواضع .
وكل ماكنت افكر فيه في تلك اللحظة هو اننا سنفقد انفسنا ولن اجد هاوي يرسمني وانا في هيئة جثة لها علاقة بالحياة , لها علاقة بخبز الخالة ربيعة واللون الاخضر !
.
.
بعد مضي الوقت , وبعد ان استنزفنا الخوف والرجاء هدأت الاصوات وسمعنا طرقا على الباب .. كان صاحبه مالك القلعة !
كان منزل الخالة ربيعة هو الوحيد الذي نجا من المذبحة , حتى القلعة العملاقة كانت قد تلوثت بالجثث .. !!
وعرفنا ان صاحب القلعة كان مختبئا في حوش الخالة ربيعة , صاحبة المنزل الوحيد الذي كان سينجوا من احتمى به في الرؤى التي كانت تمارسها الاحلام مع صاحب القلعة .. دجاج يحاول الاحتماء في الحظيرة وموقد يشعل في داخله النار في كمية هائلة من عشب اخضر لينير الطريق .

كانت خادمة القلعة دائما ماتشري الخبز من الخالة ربيعة , وكان هذا هو الخبز الوحيد الذي يحبه ويتناوله صاحب القلعة !

"تمت"



**********
ابتسامة...لا تلتقطها آلات التصوير/همس الحواس
تق تق تق
فتحت عيناي بتثاقل..لم أ شأ أبدا أن أغادر حلمي الجميل ...ألقيت نظرة من حولي...أدركت أن الصوت ات من خلف النافذة,اقتربت منها, فتحتها ...هه عرفتها انها حبات المطر...تساءلت ما الذي أحزن هاته السماء التي كانت مذ ساعات رائقة المزاج لتذرف عبرات باردة.. تلفح وجنتيا...فتكسبهما ذلك الاحمرار الذي لا أحبه...وها قد استودعني النعاس الان, وربما فنجان قهوة دون سكر سيكون أنيس مغري في تأمل الليلة الماطرة, التي لم يبق الكثير في عمرها...
لقهوتي المرة نكهة مميزة... طبيعية ،لا شيء يشوه أصالتها ,و تعاطفها الذي تمنحني اياه لأدرك أن المرارة ليست ورما خبيثا نما في رحم واقعي فقط فتمخض عنه مولود مشوه ...حلم لم تتسن له فرصة أن يصرخ صرخة ميلاد كاملة...كهذا الصباح الذي ألقى بذراعيه الطويلتين ليعلن عن انبعاث جديد...مشاوير صاخبة...ووجوه رمادية متدافعة تسابق الزمن...يومي الروتيني...أعيشه في احدى الزوايا القائمة من هاته الغرفة الصغيرة
ولا شيء قائم في حياتي...أو منفرج...كانفراج هذا اليوم الذي يذكرني بأنه الأخير قبل موعد تسليم الصور للجريدة من أجل ذكرى عيد الطفولة...
كيف يمكنني أن أختار زاوية غير قائمة...مناسبة لهكذا حدث ...عيد لم أعرف طعمه يوما...ولا كيف يكون احساس الطفل بطفولته...
حملت الة التصوير...وانطلقت أرسم خطى متثاقلة...أبحث عن اللامحسوس بداخلي...اللاملموس فلم أمتلك دمية باربي بجسمها المتناسق وشعرها الاشقر الطويل وحذائها ذو الكعب العالي...لم أعرف هكذا تفاصيل الا عبر واجهات محلات وقفت أمامها لساعات طويلة أفتش عن شيء يشبه ما أخاطته لي أمي في عيد مولدي الثامن ، فقد جمعت خيوط صوف حمراء..و قطع كتان بعدة الوان وفصلتها ...بطريقة ما و كالسحر...تشكلت منها دمية لم تكن رشيقة كتلك التي لطالما حلمت بها...ولم أرغب يوما في تمشيط شعرها الصوفي الخشن الملمس...هه كانت دمية بدون ملامح..اخر سحر قدمته لي أمي قبل رحيلها...ليس غريب أنني الأن لا أدرك ملامح طفل سعيد بعيده... ما زلت أرمي خطاي هنا وهناك أبحث عنه...ربما عني...
واذا بصوت يطرح سؤال بتعب من فضلك يا ابنتي هل توجد صيدلية بالقرب من هنا؟
ابتسمت للعجوز وأخبرتها أن تواصل السير حتى اخر الشارع على جهة اليمين توجد واحدة...
شكرتني بتعب وراحت تمد خطى بطيئة...بيني وبين نفسي أتحدث كل شيء في هاته المدينة لديه ما يدل عنه... صيدليات...محلات الثياب...محلات الخضار...محلات الالعاب...كلها صور معرفة...الا طفل سعيد بعيده لم أجد تعريفا له حتى الان...وقفت أتأمل هناك واحد ...لا أظن أنه تجاوز العاشرة...يجمع النفايات ويضعها داخل أكياس سوداء...ثم يحملها ويضعها من جديد داخل عربة ويجرها ويتوقف ليجمع نفايات مرمية في جهة أخرى ...وهكذا...انه طفل... هل هو سعيد بعيده...ثم لما يجب ان تكون الصورة في هكذا مناسبة سعيدة ومبتسمة؟
أسرعت اليه...فقد وجدت ضالتي...اقتربت منه... ابتسمت له ورفعت الة التصوير أبحث عن الزاوية ...لاحظ وجودي بقربه...وضع النفاية على الارض وابتسم...ضغطت على الزر...يا لغبائي...تذكرت أنني لم أضع فلما في الالة...واصل الطفل عمله بهدوء...وبقيت أنا أقلب الحروف في رأسي...انها ابتسامة لا تلتقطها آلات التصوير...
تمت

**********


عشان الصورة تطلع حلوة ../الخطاف
.

.
أمنياتنا ، ليست إلا قطْر مطر يهطل على حقل الحياة ، بذورها الجيدة تنبت في زمن ما ؛ في حالة ما .. لنحصد ثمرتها يانعة ..!
و التجربة الآنية زهرة لم تتفح بعد ، كانت فيما مضى حلماً ..! و أحلام الماضي سراب نقطفه ثمرة .. و قد يحيط بحلو الثمرة شوك مدبب !



طفولتنا هي كل حياتنا ، و تفاصيل صورها الصغيرة عصيّة المحو على أقوى ماسح ضوئي ..
بيتنا الصغير بنا الكبير بأحلامنا كان مسرحاً ، و ( كانوا ) : جدتي .. و ( كان ) نحن !!
احتلالها فناء بيتنا الشعبي أغلب اليوم و جلستها المميزة أكسبتها هيبة أبو الهول ..
حركاتها السريعة المتتابعة و المتناسقة و هي تحيك ملابس العرسان البيضاء جعلتنا ننعتها بالجنية !
لم نكن نفشي شعورنا باضطهادها و قسوتها إلا فيما بيننا و تحت فرشنا ..
نطوي صفحة يومنا الذي مضى نتندر بصورتها التي كانت تعكس لنا ظلام ماض قاسٍ !
هي في الحقيقة محاولة منا للتنفيس ، و لرش الماء البارد على ظهورنا بفعل الجريد الذي كانت تشويه بنا !


كانت محافظة على غير عادة بقية أفراد أسرتنا الأصغر منها .. فلقد عاشت في زمن كانت فيه قناعتها محقناً أصيلاً ورّثه لها جدي قبل مماته .. كانت حريصة على أن نصلي الصلاة جماعة في وقتها أكثر من حرصها على أن نذهب لإيراد الماء من البئر الوحيد في قريتنا ..
كنا صغاراً بحيث كنا مستيقنين أن شربة الماء كانت أهم و أثمن من الصلاة ! و كانت نظراتها القاسية كفيلة بمنعنا من إبداء شعورنا ذلك علانية ..
صوتها الرخيم الذي ينادي لحظة أذان كل صلاة : صلوا يا عييلي ! صلوا يمال البلا .. لم يكن يشعرنا أبداً بأهميتنا في نفسها البيضاء كبياض ماتحيكه من ملابس ؟!


رحلت أبو الهول ..
و مازالت صورتها القاسية في صدر مجلس رأسي توقضني عند رأس كل صلاة !!.



عندما يعلن عقرب الزمن حلول ساعة الحصاد ؛ تفتح الدنيا أحضانها لاحتواء ثمرة الحقيقة !
و ألذ أنواع الثمر ما كانت براعمه الصغيرة شائكة ..؟!.


**********


اشربه ساخناً ../ضياء القمر
.
.

لم تكن حياتي معقَّدة إلى الحدِّ الذي أعجزُ فيه عنِ اختصارِها في أسطرٍ حين يطلبون منِّي ذلِك ،
قبل أعوام اجتزتُ اختباراً لولوج أحد معاهد الصحافة ، طلبَ منِّي أحد أعضاء اللجنة أنْ أتكلَّم عن نفسي قليلاً ..
انْدهشتُ من هذا السؤال بحيثُ انتباني شعورٌ جميل قلَّما ينتابني بأنَّ ثمة من لا يزال مهتماً بأمْري و إنْ لم أكن أعرفه بعد ،
هذا قبْل أنْ تتلاشى سعادتي تِلْك و أنا أراها مرتسمة على أوجه الكثيرِ من المغفلِّين الذي خرجوا من الغرفة بعدي ..
أخبرتهم ..
أنِّي يدُ طفلٍ صغير امتدَّت مساءً على غفلةٍ من أمِّه إلى آنية حلوى ، و حينَ لمستهاا علقَت بعنقِها و أبَتْ أنْ تخرجَ من جديدْ !
حياتي بمجملِها يُمكن اختزالها في تحسّس الطِّفل ليده و مشيته المرتبكة الوجِلة ، كلَّما رآى آنية شبيهة !
تكلَّمْت كثيراً يومها - مازلت أتذكَّر - بحيثُ ظننتُ أنِّي سأقْبَل على الفور لولا أنْ حصل العكْس ..
لكنِّي سرعانَ ما لاحظتُ أنَّ أسنانَ الرَّجل الذي وجَّه إليّ السؤال تشبه لحدِّ كبير شارعَ حيِّنا الذي أعطب نصف سيَّاراتِ السَّكانْ ،
كانَ يجِب أنْ أفهم منذ البداية أنَّه ناقمٌ على الحلوى !

.
.
التِّلفازُ أمامي لا يكفُّ عن الثرثرة ، و أنا أشغِّله لا لكيْ أستمعَ إليه ، بَلْ لكيْ يُشغلني عن الإنصات لدقاتِ قلبي التِّي تشبه دبيب النَّمْل !
غرفةٌ صغيرة .. بشبّاكٍ واحد ..ترنُو على الرّصيفِ من الطابق السفلي ، تبْدُو بحجمِ و مستوى أحلامِي أوْ يزيد قليلاً !
لمْ أرى لونَ بلاط الأرض مُذ زمنٍ طويل .. و لا يبدو أنِّي مهتّم بذلك فعلاً ،
لذلك ، مازلت لحدِّ الساعة أجهل لِم بدى والدي ممتعضاً خلال زيارته الأولى لي هنا حينَ لم تسمح له كراكيبُ الأوراق و كومة الملابس المتسخة برؤية لون البلاط !
إنْ أنا مشيتُ في الطريق و أنا أتأمَّل لون الأرض التِّي أمشي عليها فإنِّي سأنتهي بحادثة ، هكذا أقُول دائماً .
والدي لا يكفّ عن التعقيبْ ، إنْ أنت مشيتَ في الطريقِ و أنْت تشخص ببصرك نحوَ الأعلى .. فإنَّك ستنتهي في حفرة !
و شخصٌ يدَّعي منذ عِقد أنَّه صديقي يخبرني :
- كان على الناس ألّا يولوا كلّ هذه الأهمّية لـ "موقع " خطواتهم بل لـ "وقعها " !


والدي رجلٌ منظَّم .. هكذا يقول ، لكنِّي للأسف لم أعايشه و هو في عمري لأرى إنْ كانَ كذلك أيضاً !
- فوضى بغرفتِك ، فوضى بحالتِك .. فوضى حتَّى بقلبِك !
كلَّما اختليتُ بنفسي تطرقُ كلماته تِلك ذاكرتي بإلحاح كصاحِب هذه الغرفة طليعةَ كلَّ شهر .
أحاول ألا أفقد اتزَّاني و أنا أتذكَّر أنَّ الفوضى أبداً لا يمكن أنْ تلحق الفراغ ،
و أنِّي هنا لستُ سوى فراغ شَكَّله والدِي !
.
.
.
أعودُ سريعاً إلى الملابس المتكوّمة على الأرض ،
ألتقطها واحدةً واحدةً موحياً لنفسي أنِّي كلَّما أنهيتُ طيَّ قميصٍ أكون قدْ تخلَّصْت من إحدى أوجاعي !
اليوم ، هو يوم السَّبْت .. و مِن المرتقَب أنْ يزورني والدي ليطمئن على لون البلاط !
لستُ أدْري لم تحضرُ صورته - والدي - على الدّوام في مخيِّلتي مثبَّتة على جدارٍ من طين ، مثبَّتة بصديقي الذي غدى فعلاً يشبه المسمار .
صديقي ، الذي قطع أشواطاً و هو يلهثُ خلف حلمٍ ، ليكتشف في الأخير أنَّه لم يكُن سوى وراءه !
أتذكَّره كيْف كان يُمسِك القلم مِن المُنْتصف ، يُنزِل نظَّارته إلى أنْ تصِل إلى مقدّمة أنفه ، يشخبط كلاماً بخطٍّ غير مفهوم ثمّ يرفع الورقة في وجهي بجموح أماني المراهقين قائلاً و هو يتطَّلع إلى ردَّة فعلي من خلف نظَّاراته التِّي تكاد تسقط :
- هـا ما رأيك ، لا تكذب كعادتك .. ألا يشبه خطِّي خطَّ طبيب ثانويتنا ؟!
أبتسم في وجهه قبل أنْ أستدرك بخبثٍ ممزوجٍ بمزح :
- تذكَّر جيداً يا عديمَ الشّهامة ، أنا صديقك .. و سأكشِف عندك بالمجَّان !
الآنْ ، صديقي ، يعيشُ بين الأبقار و البطّ في حضيرة تشبه المَدْرسة بصفته معلِّم " عربيّة "،
يقضي نِصْف يومِه ، يهذي كالمجنون أمام أطفالٍ لا يمنحونه غير أعينٍ جاحظة و عقولٍ في الروابي ، منشغلة بقطيعٍ من غنم ينتظرُ الرعي ، أوْ قطعة أرضٍ تستجدي الريّ !
و قبْل أنْ ينهي كلّ حصّة ، يعوِّذُ الصغارَ من الأحلامِ و يمضي نحوَ " حكيمِ " القرية ليدسّ في جيبه نصْف يومه المتبقي !
لم أفكِّر يوماً أنِّي سأعيشُ حلمَ غيري ، أنا الآنْ ، طالبٌ بكليّة الطِّبْ ، أجلس كلَّ صباحٍ على كرسيّ كان من المفترض أنْ يكونَ من نصيب صديقي !
أنا الذي لَمْ أكُن أريدُ أنْ أصبح يوماً كذلك ، وجدتُ نفسِي يوماً مساقاً إلى الكلية دُون أنْ أجري اختبار قبول بعدَ أنْ تكفَّل والدي بذلك !
أنا الآنْ ، أعيشُ حلم صديقي لكيْ أحقق حلم والدي ، الضابط المتقاعد المنظَّم و الدقيق ، الذي قررّ أنْ يحلم يوماً ما بأنْ يصبح ابنه الوحيد طبيباً ليضيفَ شهادته نيشاناً آخَر على صدرِه !
و بينَ حلمٍ سرقته و حلمٍ سرقني ، ما مِنْ أحد توقف ليسألني عمَّا إذا كنتُ أملك واحداً !
.
.
.
يلِج والدي الباب بمشيةٍ عكسرية متصنِّعة و هرِمة ،
يمرر سبّابته على أقرب طاولة ، ثم يرفعها إلى عينيه ، فلا يرى أثراً لغبارٍ فيستبشر ،
يشعرُ بالكثير من الارتياح و هو يتأمَّل ظلال وجهه على الأرضيّة اللامعة ،
و دُون أنْ يتكلّم يتأبَّط ذراعي كأيِّ شيءٍ يملكه ثمّ يتوجّه نحو المقهى .
يجلِس قبالتي ، يلفُّنا صمتٌ يشبهني ، يقطعه صوتُ " الولَّاعة " إيذاناً باحتراقٍ موشِك ..
ينفثُ والدي الكثير من الدّخان إلى أنْ يختفي وجهه خلف سيجارته تماماً ، يبدُو المشهد الآن أقرَب إلى الواقع !
أستغلّ هذه اللحظة لأفكِّر كيف أنَّ كلّ المدخنّين يودّون بعد عمرٍ طويل أنَّهم لو لم يدخِّنوا يوماً ،
وكيف أنّ آباءهم كلّهم زجروهم عنْ العيشِ داخل مدخنةٍ فما انزجروا !
و كيف أنّهم الآن يودُّون لو أنّ أبناءهم لا يدخِّنونَ يوماً !
الاحتراق ذنب من يا تُرى ؟!
ظهرَ وجه والدي قبْل أنْ يُستَكمل تشكيل علامة الاستفهام برحم السؤال ؛
و هو يشكر النادل على الشايْ . وضع كوبَ الشاي الساخن في يدي بحميمية غير معهودة قبل أن تأفل بلهجة حاسمة :
- انظُر ، الحياةُ ككوب الشاي الذي بين يديك ،
عليك أنْ تعرف كيف تعيشها ، و ألا تنتظر الوقت المناسب لذلك !
أرأيت أين تكمن لذة الشاي ، في شربه ساخناً طبعاً ..
إنْ أنت انتظرت إلى أنْ يبرد كليةً فإنّك ستشرب شاياً أيْ نعَم لكِنْ بعد أنْ يفقد لذّته ،
كذلك الحياة ، عليك أنْ ترتشفها بتأنٍّ ، بحيثُ لا هي تلسعكُ بسخونتِها و لا تلفعك ببرودتها !
اشربها ساخنة !
أرَدْتُ أنْ أحكي لأبي عَنْ كثيرٍ من أشياء تعرفني و لا يعرفها ،
أرَدْت أنْ أخبره أنّ مشكلتي الحقيقة ليْست مع الحياة بقدر كونها مع بعض الأحياءْ
لكنّي اكتفيتُ بأنْ أبتسم في وجهه و أنا أقول مؤشراً بعينيّ إلى كوبِه : برُد شايك يا أبي !

.


**********
الأحلام أول الفقد .. !!/heavemoon
لا شي يشبه ظلام الليل سوى أحلاماً , أقفلت عن التحقيق في عيون ساكِنها , حطت رحالها بعيداً عن عقولهم ,
و وطئت أرضاً لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس ...

و الأحلام لا تشبه الأماني ..!!

بيوت من الطين اللازب , و إمراءة تتوشح البياض , تلم ُ بكفيها المتجعدتين أكوماً من الخبز الدافئ , كان التنور
يفور بالأمنيات الساخنة لتتراكم بهلعٍ يوحي بالتحقق في أسوار ذلك البيت , بيت الخالة ربيعة

كل البيوت حوله تعِجُ بدخان الأحلام , التي قُلبت على مواقد جمرهـم ؛ لتتيه في أطراف السماء كأطيافٍ سكرى ,
تضرب سندان الورد بألوان الشفق المنسلخ من ثالثة النهار , و من دون ذلك عرض أجسادهم المنهكة من كثر
الآلام , فتخدرهم من فرط الاستنشاق ...

تسرح الخالة ربيعة كل صباح لبيع أقراص الخبز الذي تلتقطه أفواه الجائعين بنهمٍ لا يعرف الانتظار .. تتخلل تلك البيعة ابتسامةً من شفتيها الناعمتين للمشترين و المارة اشد وقوداً من إشراقة الشمس وطاقتها ..

كلما وقعت عيناي على منظرٍ , شد انتباهي هرعت إلى آلة التصوير لالتقاطه .. والاحتفاظ به في البوم الذكريات
كنت قادراً على تصوير كل المشاهد التي أرها .. و قادراً على جعلها معبرةً و ناطقةً بصوتٍ غير مسموع و إن كانت معراة من الوجد ..
لا أراني عاجزاً عن خلق الإحساس في الصورة أو التقاط أي مشهد مهما بلغت قسوته أو تدنت سخافته .. طالما تمكنت من صناعة الأبعاد بيني وبين ما أريد تجميده في زوايا عدستي .

تقول الخرافة أن من يلقي بحُلمه على وجهي قطعة نقود معدنية في ذلك النهر , الذي تتأرجح عباب مياههِ المناسبة على دوار الرياح سيجد حلمه قد اندلق بشيء من الحنين على جنباته من كثرة الابتلاع التي مارسها ذلك النهر ..

كانوا .. أهل تلك القرية .. على الرغم من الخوف الذي يحاصرهم .. و يسقي قرابين الموت في نحورهم , يصرون على الاستمرار في إحداث الضجيج .. خشية أن يتطاول الهلع على أسوار الطمائنينة .. فـتمتد يده الباطشة لانتزاع .. ترف البقاء منهم ..

كانت تردد بصوتٍ مترهل " قل ما يعبىء بكم ربي لولا دعائكم " .. و كأنها الوحيدة التي لا يفزعها .. فحيح الموت المتبعثِر في الإرجاء .. كلما مثلت لحظة الخشوع في عيناها .. أمام جموع المتبرعين بقطعهم المعدنية.

علمتُ أن الدعاء .. هو ممحاة القدر .. كلما زاد في تصويبه منا .. و سيصبغ سجل أيامنا ..ما إذا بعدت المسافة فيما بيننا بولع رهيب يعلقنا بخالقٍ .. لا يعبء لشيء من أمرنا إلا كلما زاد تمسكنا في الالتجاء به

و الأعجمين يمزقون وجه النهر ... ويقبلون بأقدامهم أحلام الضائعين المندسة في أحشائه , يبصقون من فوهات بنادقهم رصاصاً لا يعرف الخطاء .. ولم يعيش تحت أحكام الرحمة ..

منظر الهاربين .. أو الساقين الطين من رحيق دمائهم في آن معاً ... غرس غضباً في عيني .. يكظم حدود الإبداع في فن التصوير , مجمداً الكثير من الصور في بؤرة عيني .. لقد عجزت عن التحديق ..عجزت تماماً .. ولو لدقائقٍ معدودات .. لأفهم بعدها مدى امكانيتي ..

أريد أن أعطي نفسي فرصة للنجـاة , حتى ولو كانت عن سبيل الفقد , على أن لا أرى المزيد من الأشلاء المنسحقة أمامي , فمنظر الكارثة لا يجبلني على مزاولة العيش أكثر , و عسى أن يرحمني ربي ..

وقفت الخالة ربيعة بوجهٍ عكس وجوهنا .. وجهً يعكس تخوم الإيمان النفاذ منها , تلهو بخوفها ..و لم تدع له فرصة اللهو بها .. كانت تتراشق معهم .. بتراتيل صاعدة نحو السماء .. قادتني للاختباء في بيتها .. أنا و من كانوا حولي ممن هدهم أنين المعذبين .. و من يكترث لذلك الانين .. غيرك يا الله .. فلولا رحمة منك تنالنا .. بها ..

غادرونا الأعجميين بعد أن فرغوا من فعلتهم في تلك القرية , غير أبهين لأكوام الجنائز المتناثرة , تحت وطأة الإذلال , أو ما ستحملها أحشائها من رغبة الانتقام لهم في يوم من الأيام .

فأظل أبحث عن أمنية تلعق جروح الكرامة في وعاء الذات , و تبتلع احتباس الذكريات بحذر من جوفي المتخم بالحنين .. عسى أن امنح فرصة أخرى للعيش إلى جوار أمنية تبلل الدعوات بدمعٍ ندي يسكب في وعاء القرابين لـ الإله... بدلاً من الأحلام .. و أوجه القطع النقدية ..

و الأحلام خلقت من رحم المستحيلات , ترينا أشياء غير الموجودة وتسمعنا كل ما لم يتسنى لنا سماعه , لتهدم طوق العزلة فينا و تغلف كينونتنا بوحشة لا تعرف الشبيه , و عند اليقظة تكون أول الفقد .

wroood
03-08-2008, 03:03 PM
أحد الأعضاء بعث لي تقييماً للنصوص بتاريخ 27/7/2008..وهذا ما جاء فيه:.



التحدي :

ماهو نشاط التحدي في رصيف الساخر :
إن التحدي الذي ربما يعتده البعض في نشاط الرصيف هو انطباع سائد عن الأنشطة الماضية، حيث ينطلق المتنافسون في نفس المضمار القصصي للنص المطروح للتنافس. والمشكلة هنا أن هذا المضمار لا يمكن تحديده في اتجاه معين ولا أيضا قياس عناصره كميا ولكن كيفيا. وكون هذا المضمار مفتوح على جميع جوانبه يجب علينا الاعتماد والعودة إلى النص الأصلي لتأسيس القياس الممكن نسبيا إليه.

أشياء لا تلتقطها ألآت التصوير.

المتابع للكاتبة نوال يوسف يكتشف هنا أنها أحسنت اختيار العنوان كثيرا مقارنة بعناوين النصوص السابقة لها والتي كانت تقتل القصة قبل البدء بها وتصبح مكشوفة للقارئ باقتباس الانفراج النهائي لعقدة القصة ، لتصبح بذلك الحبكة والسرد وبقية العناصر مترادفات يمكن التنبؤ بها تدريجيا والوصول إلى النهاية أن لم يكن منذ قراءة العنوان سيكون من منتصفه أو قبل نهايته ، مما يقتل المفاجئة ويقتل القيمة الفنية للنص القصصي ويجعله باهنا .
والمميز أيضا في الكاتبة نوال يوسف. أنها تعتمد كثيرا على التفاصيل الدقيقة في قصصها مما يجعلها مكثفة مليئة بالصور مسترسلة في إقحام العديد من العناصر وخلطها بمحددات القصة الرئيسية ، وهذه التفاصيل جميلة فيما لو أخذت نوال في عين الاعتبار أن تجعل لها إيقاعا يتناسب مع حاجة الصورة الفنية الملتقطة من خلال التفاصيل ، فمثلا عندما نصف حالة تأمل لا يمكن لنا وصفها بتفاصيل دقيقة ومجزأة تظهر كإيقاع متسارع ينفي معه حالة التأمل التي من المشترط فيها أن تكون حالة سكون وهدوء واسترسال طويل قد يكفي وصفه جملة واحدة ولكنها منقطعة حتى بداية مشهد آخر أما وقوع طفل من على دراجته يمكن اختزال صورته في تفاصيل متسارعة جدا تتناسب مع الحدث.
ورغم ذلك يظل لكل كاتب أسلوبه الذي يميزه مهما اختلفت رؤى ومعايير النقد المتناولة له. وربما في كثير من الأحيان تكون تلك النقاط التي يعتبرها أحدهم عيوبا هي مميزات جمالية فيما لو نظرنا بشمولية التكامل والتوافق لبناء النص القصصي بعيدا عن اعتماد القالب التقليدي والذي يريد أن يسير كل الأدب على المسطرة.
ومن هنا اعتقد أنه يجب علينا اعتبار هذا النص مقياسا للتحدي بغض النظر عن حالته الفنية وجودته ليصبح مقياسه هو ( 10 )

مميزات هذا النص
الأبطال هنا في القصة متعددين أو الشخصيات الرئيسية يمكن لي تجاوز كونها شخصيات حقيقية واعتبارها مجازيا كما يلي:آلة التصوير – المصور – الأحلام.
الشخصيات الثانوية هنا وأيضا مجازيا: المسجد – الحوش – خالة ربيعة – الموقد.
الشخصية النامية هنا لا يمكن تحديدها بشكل واضح ، واجزم أن الكاتبة نوال أرادت أن تجعل الشخصية هي الأحداث أكثر من الأبطال أنفسهم ، فالنمو المكثف لجميع العناصر والشخصيات وبدايتها بشكل بطيء ثم سريع ثم بطيء يمنع القدرة على تحديد معالم شخصية نامية ذات إيقاع متسق ونمط سائد يشكل محورا في القصة .
الأحداث درامية تراجيدية _ لولا كثرة التفاصيل التي أحيتها حينا وقتلتها حينا _.

إن النص هنا من المستحيل مجاراته بطريقة تحدي لأن الكاتبة نوال عندما انطلقت به لم تضع في ذهنها معالم رئيسية وكانت تعتمد في كتابتها الإبداعية على ما يسمى بالعصف الذهني الذي ربما يهدأ في حين ويثور في حين آخر . مما يجعل العفوية والتلقائية هنا توازي مزاجية الكاتبة وحالتها النفسية التي كتبت فيها النص ويجعل من المستحيل الوقوف على نص محدد المعالم وواضح. كان يفضل لو أن الكاتبة بدأت بالنهاية وتخلت عن التقديم بالخاطرة أو الفلسفة التي كانت تبرر الحلم وتقحمه في القصة بطريقة تختلف عن دوره الذي شارك في الأحداث.

لذلك أجد أن التحدي هنا في هذا النشاط مختلف. لأن النص مختلف .
ويكون التنافس على الإبداع .
الصورة لم تكن هي الهدف ولا آلة التصوير ولا الحلم ولا أي من الأحداث. كانت البنية الدرامية للنص والقدرة على تكثيف العنصر الإنساني في مفارقة واحدة ومهمة جدا هي ( المسجد – الحوش ) حيث من المفترض أن المسجد ينقذ الناس لا يقتلهم .
هذه المفارقة هي المفصل الذي يدور حوله الإبداع والقدرة على توليد مفارقة لها نفس المفهوم الساخر السلبي الذي ينشأ من قراءة القصة .



وبالنظر إلى النصوص الأخرى.
نص قـ :
قرأت اعتراضه ومن حقه ذلك ، ولكن منافسته أيضا أتت في نفس ما يعترض عليه فيما لو اعتبرنا الأخذ بنفس الأحداث . فكان بالإمكان تغيير الأبطال أو وضع روائي خارجي أو التبديل بين النهاية والبداية ، التسريح في الحبكة والتغيير في مواضع انفراج العقدة . وما حدث أن قـ كان نصه مطابقا تماما لنص نوال فيما عدا القدرة اللغوية وزيادة الأفكار الرمزية واختزال التفاصيل التي هي مفتاح بناء نص نوال لتصبح عبارات قصيرة تعبر عن المضمون ولكن لا تصفه بشكل واضح.
حتى المقدمة عن الحلم جاءت في نفس المكان دون تبديل أو تحريك في النص. وهذا لا يعارض التنافس فيما لو ثبتنا كل عناصر القصة الأصلية. كان المجال الإبداعي الذي أحدثه قـ هو اللغة مع المحافظة على نفس النص. وربما يضاف إليه أن حرك الحبكة حول أمر مختلف وهو الموقد.
لذلك أعطيه على اللغة وبلاغتها وقدرته الهائلة على الاختزال مع المحافظة على المضمون (6 )

نص الغضب :
الغضب هنا أبحر في فلك آخر ولم ينافس نص الكاتبة نوال إلا في قدرته على إيقاع مفهوم الذكريات المؤلمة في ترادف لمعنى الموت والحياة مع إبقائه على نفس إيقاع نص الكاتبة نوال ولكن دون مفارقة واضحة وإنما هو نص يمكن اعتباره مشاركة أخرى لنفس الكاتبة عن الأحلام وتسلسل الذكريات . لذلك أخرجه من التحدي واعتبره نص يستحق الاحتفاء به وحيدا بعيدا عن كونه مرتبطا بهذا النشاط. ويضاف إلى نفس الكاتب القدير الغضب.

نص مالك الحلبي:
جميل مختلف قد أقول بصدق أن الكاتب نفسه هنا هو الأقدر على توضيح وجه التنافس الذي خاضه مع نص الكاتبة نوال يوسف، وفي جميع الأحوال نص مالك الحلبي هو نص يستحق الاحتفاء به مع ملاحظة التدقيق والتنسيق الصحيح ومحاولة تفسير بعض المصطلحات .

نص همس الحواس :
أصدقكم القول أن هذا النص رغم بساطته إلا المفارقة فيه أتت متفوقة على المفارقة التي وضعتها الكاتبة نوال يوسف. وكذلك النهاية القوية . وهنا كانت المفارقة موازية في نفس الإطار الساخر السلبي بين الابتسامة الناتجة عن الفرح وحالة الفقر والشقاء التي من المفترض بها أن لا تنتج ابتسامة. فهنا حياة في جسد من المفترض أن لا حياة فيه. بعكس المسجد الذي كان موت في مكان من المفترض أن لا يقتل فيه أحد. أعطي هذا النص درجة متفوقة ومرتفعة تصل إلى ( 8 ) مع الأخذ بالاعتبار أمر مهم وهو إعادة تنسيقه ومراجعة أخطائه اللغوية والإملائية وكذلك تصحيح علامات الترقيم.

نص رندا المكاوية :
رندا المكاوية من الكتاب الذي يفتقرون للمخيلة ويحتاجون إلى مشاهد واقعية كي يلتقطون منها سردهم ، والدليل على ذلك أنها لم تغير حتى في العديد من الجمل التي استخدمتها الكاتبة نوال يوسف ، وفيما عدا ذلك فنص رندا المكاوية كان عبارة عن محاولة لإعادة كتابة مسودة قصة نوال يوسف فيما لو اعتبرنا أن نوال كتبت قصتها على مسودة ومن ثم اختزلتها إلى المتصفح . النص فقير جدا إلى أي إبداع جديد وتدوير للجمل وتكرار للأفكار فقط لا غير. يخرج من المسابقة دون أي نتيجة.

نص ضياء القمر :
ببساطة ليس قصة ويوضع في الفصل الخامس
فلا يوجد عقدة أو انفراج أو شخصية رئيسية وأبطال كان خاطرة أو سرد ذاتي عن مشاهد مختلفة أجادت فيه الكاتبة العمل كآلة التصوير مع نفس طويل وقدرة لغوية هائلة. النص ناجح جدا ولكن ليس قصة لافتقاره لمقومات القصة التقليدية التي إن لم نكن نعتمدها بشكل كلي ولكننا لا نلغيها .

شكرا لكم

wroood
03-08-2008, 03:07 PM
وبانتظار فاطمة.ن..لتضع أيضاً قراءتها وتقييمها..


و المجال مفتوح للجميع للنقاش والمشاركة في قراءة النصوص وتقييمها...

ولي عودة ان شاء الله..

قـ
03-08-2008, 03:57 PM
شكراً يا ورود ،
وشكراً لذلك الرائع الذي تناول النصوص هنا بعبارات قصيرة ، وموجزة ، و فاتنة.

جهدٌ متعوب عليه ، ونظرة تتجاوز الأفق .


رضي الله عنكم .

[FN]
03-08-2008, 09:01 PM
تسجيل حضور g*

نـوال يوسف
03-08-2008, 09:27 PM
ممتنة للأخ على قراءته، حتماً سأستفيد منها
شكرا لك ورود، موفقة دائما
و بالتوفيق للاخوة هنا

فاطمه.ن.
04-08-2008, 08:22 PM
أجمل الود.. دائما.

في الحقيقة قرات النصوص كلها واعتقدت ان كل نص له جماله الخاص وزاويته التي ينظر منها.. وإن بدا تمسك بعض النصوص بالخطوط الرئيسية او العامه للنص الأصلي " اشياء لا تلتقطها آلات النصوير" والى حدا ما تقييدا للنص الجديد.

نوال يوسف بالذات قاصة مميزة الى ابعد حد،وجاء اختيار نصها نوع من التحدي المضاعف.

لكن قبل كل شيء وفي أي تحد لا يمكن مجاراة النص الأصلي تماما لأنه نص ولد في ظروف طبيعيه ،لم يخضع لضغوط الوقت والمواصفات ولا حتى سوء الفهم او مراجعة اي سلطة ذهابا وايابا ليحقق تميزه.
في حين ان نصوص التحدى كانت خاضعة لكل ما سبق وكل ما يحتاجه تخليق نص مواجه.
هذا لن ينفي صفة الابداع عن النصوص الجديده.خاصة فيما يتعلق بقفلاتها.

نص مالك الحلبي كان بسيطا ومباشرا،وأكثر تكثيفا وهذا يحسب له.

نص الغضب جاء منفصلا عن التحدي وليس له علاقة به، نص فاخر وحزين وقد يكون مكتوبا في فترة سابقه، فقد بدا مرتاحا وبعيدا عن اي ضغط.

.
.
.


شخصيا اعتقد ان عدم اعتبار نص "ضياء القمر" قصه،خاضع لمعايير أصبح فيها اخذ ورد.فالقصص الحديثة لا تشترط ان تكون هناك عقدة ما ينبغي ان تحل في نهاية القصة ولا ان يكون هناك تصاعد درامي ولا حتى التقسيمات المعروفة من مقدمه ووسط ونهايه، فتيارات السرد الحديثة لم تعد تحفل كثيرا بهذه الإشتراطات اذا كان السارد متمكنامن اللغة والاسلوب والقدرة الخاصة على التعبير وايصال الحاله...ربما اقرب الى كتابات جماعة تيار الوعي.
.
.
.في النهاية أظن ان التحدى كان تحفيزا على الكتابة أكثر منه تنافسا..وربما كانت هذه هي الفائدة الحقيقية،أن يجرب كل سارد أدواته ليقترب او يبتعد عن النص الأصلي فارضا بصمته الخاصة على نص جديد...أثاره نص أقدم.

تحياتي.

wroood
10-08-2008, 12:47 PM
يعطيكم العافية
سيتم فصل النصوص وادراجها في المشهد..
فاطمة.ن حضورك مميز..فكوني بالقرب دائما..شكراً لك

نص همس الحواس ونص مالك الحلبي كانا متميزين في هذا النشاط..
ونتمنى أن نرى لهم مزيدا من النصوص الجميلة..شكراً لكما
والخطاف..برأيي الشخصي..قدرته على التركيز على مشهد واحد وابرازه كان جيداً وأعجبني هذا الشيء.
نص heavemoon لغتة جميلة..لكنه لم يحدث أي تغيير في فكرة نص نوال الأصلي.

اما نص ضياء ..فيذهب الى الخامس

بالنسبة لنشاط التحدي اعتقد انه أظهر لنا أقلاما جديرة بالاهتمام.
شكراً لكم جميعاً..