PDA

View Full Version : منتظرات لـ غودو



Athena
05-07-2008, 10:39 PM
كانت كلما وقفت أمام المرآة تحدث نفسها قائلة.. "كل ما فيني جميل وفاتن.. قوامي ممشوق وعيناي ساحرتين.. لا عيب بي سوى أنفي.. أشعر أنه يزداد حجماً وطولاً في كل مرة أرتكب فيها إثما"..
كانت أحد آثام سمر التي تشعر أنها سبب في ازدياد طول أنفها هو عندما تخرج أحياناً برفقة أمها لزيارة أخواتها المتزوجات فتصل كلمات شاب متسكع في زاوية ما من الشارع مسامعها فهو ما أن يرى طيف امرأة يمر أمامه حتى يرفع صوته مخاطباً صديقاً افتراضياً بقوله: "يقولون أن هناك كسوف للقمر اليوم أهذا صحيح؟".. فتبتسم سمر من وراء الستار الأسود السميك الذي تسدله على وجهها وتعض على شفتيها خوفاً من أن تنتبه أمها أيضاً لهذا المغازل الجريء وتخجل من نفسها إذ تشعر أن طول قامتها هو السبب في لفت نظر الشاب إليها..

كانت سمر طويلة القامة فعلاً.. يتجاوز طولها الطول المتوسط المعتاد للفتيات في سنها.. وقد كان هذا الطول هو المسؤول الأول، وإن كان غير المباشر، عن عدم إكمال تعليمها في المدرسة..
فهي تذكر يوم دخل أخوها البيت غاضباً بعد فترة خروج الفتيات من المدارس والتي عادة ما يقضيها واقفاً أمام إحدى مدارس البنات ليشعر وكأنه في مجمع للغزلان وما هو إلا أحد الفوارس خرج للصيد والقنص، ليخبر أمه أن طول ابنتها الذي لفت نظره اليوم وهي عائدة من المدرسة بين صديقاتها وقد بدت وكأنها المعلمة وليست طالبة، لم يعد مناسباً للخروج بمفردها من المنزل وأن جلوسها في البيت أفضل لتتعلم ما يفيدها من إدارة شؤون المنزل بدل أن تضيع الوقت في قياس مسافة طريق المدرسة كل يوم ذهاباً وإياباً.. ولهذا كان طولها يسبب لها شعوراً بالإحراج والذنب إذ يلفت لها الأنظار..

وهكذا عادت سمر للمنزل قبل أن تكمل الثانية عشرة من عمرها لتتعلم ما ينفعها لمستقبلها وبيتها.. ومنذ ذلك الوقت بدأت أيضاً تتعلم الوقوف أمام المرآة بعد أن تنهي أعمال المنزل وتساعد أمها في شؤونه لتلتفت بعدها لشؤونها الخاصة فتسرع إلى غرفتها لترتدي أجمل ملابسها وتصفف شعرها وتتعلم فنون صبغ وجهها بشتى الألوان فلن يخلو يومها الجديد هذا من اجتماع نسوة من أخوات متزوجات أو جارات أو بعض الخاطبات فعليها أن تكون مستعدة لذلك..

وبعد أن ينتهي نهارها بين هذه النشاطات تذهب إلى شباك مطبخها الذي يشرف على شباك جارتها التي تعودت أن تجتمع بها في هذه الساعة المتأخرة من الليل كل يوم..

كانت ريم صديقتها وجارتها منذ أيام المدرسة.. لكنها أكملت دراستها ليس لأن طولها مناسب للثوب المدرسي فحسب وإنما لأن أهلها يرون أن من حق الفتاة أن تكمل دراستها طالما أنها متفوقة وناجحة وراغبة في التعلم.. ولهذا كانت تحاول أن تبذل قصارى جهدها لكي تنجح وتستحق منهم هذه المنحة التي حرمت منها جارتها.. فباتت فكرة الفشل ترعبها وتذكرها دائماً بقول أمها بأنه لا يحق للفتاة أن تفشل، وإلا "فما الذي كانت تفعله خلال عام كامل؟ تقيس مسافة الطريق فقط؟"..

كان شكل ريم يشي بجمال باهت مهمل لم تصله كريمات العناية بالبشرة ولا مساحيق التجميل.. فكل ما فيها يوشك على الضمور.. عينين تحجبهما نظارة طبية وكتفين محنيين وقوام هزيل كان يمكن أن يعتبر رشاقة لو أنها تقصدت أن يكون على هذا الشكل.. فهي منذ بدأ الوقوف أمام المرآة يستهويها وجدت أمها تزجرها قائلة "لمن تتزينين؟ اهتمي بدروسك أفضل من قلة الأدب هذه"..

ومنذ ذلك اليوم باتت تخشى الوقوف أمام المرآة وحتى عندما تضطر لذلك تسترق النظر سريعاً خشية من أن يراها أحدهم وهي تتأمل انعكاس وجهها في المرآة.. وهكذا كبرت دون أن تحفظ ملامحها ودون أن تدري ما لون عينيها بالضبط.. ولم يخطر لها يوماً فيما إن كانتا جميلتين أم لا..

أنهت ريم دراستها وعادت للبيت فمجالها لن يوفر لها عملاً مناسباً لفتاة مثلها لا تملك أي مقومات أخرى سوى شهادتها..

مرت عشر سنوات منذ تركت سمر الكتب لتقرأ ملامح وجهها في المرآة ونسيت خلالها ريم ملامحها لتهتم بدروسها وكتبها.. والآن باتت الفتاتين تلتقيان كل يوم تقريباً بعد أن ينام الجميع لتتبادلا الأحاديث والسجائر التي تقوم سمر بسرقتها من جيب أخيها وتكون ريم قد حضرت فنجانين من القهوة يتناولانه بينما سمر تسرد عليها آخر أخبار اجتماعات النسوة في بيتها وآخر نكتة فاحشة سمعتها منهن كما تقص عليها ريم بعض ما قرأته في الكتب أو ما كان يمر معها في الجامعة أيام كانت طالبة..

غالباً ما كان الحديث يبدأ بزفرة طويلة يتبعها سؤال سمر المعتاد "متى يأتي؟"
فتضحك ريم قائلة لا تقلقي سيأتي.. لا بد وأنه لم ينته بعد من بناء المنزل الذي ستعيشان فيه.. فترد سمر قائلة "يالقصر يلدز هذا الذي استغرق بناؤه عشر سنوات.. لو أنه يأتي فقط فأعرف من أنتظر ثم يكمل بناء ما يشاء .. بدل أن أبقى منتظرة لشخص لا أعرفه"..
فكانت ريم ككل مرة أيضاً تعيد عليها نفس القصة التي قرأتها مرة عن شابين ينتظران شخصاً لا يعرفان من يكون ولا يعرفان إن كان سيأتي أم لا وبنفس الوقت لا يستطيعان التوقف عن انتظاره أو عمل شيء آخر خوفاً من مجيئه أثناء إنشغالهما ولا يعرفان عنه سوى أن اسمه غودو..
لذلك تعودت سمر أن تضيف اسم غودو على سؤالها اليومي ليكون "متى يأتي غودو؟"..
أما غودو ريم فلم يكن أقل غموضاً من مجيء غودو سمر.. بل تتمنى أحياناً لو كان وضعها ببساطة جارتها.. فغودو الجاهل يرى في شهادتها مانعاً لقدومه وغودو المتعلم لا يرى في الشهادة وحدها سبباً كافياً لمجيئه..

تنتهي أحاديثهما مع صراخ أم سمر القادم من غرفتها يطالبهما بإطفاء النور والنوم باكراً ففي الغد كثير من الأعمال والانتظار.. تلملمان الفناجين وبقايا السجائر والأحاديث والأمنيات بضحكات مكتومة.. تقفلان الشباك بحذر وتسرعان للنوم..

الخطّاف
05-07-2008, 11:25 PM
..
سبحان الله !
فعندما أحدّق أمام المرآة أحدث نفسي بعكس ما حدثت سمر نفسها .؟!
و مع ذلك لم أكلّ لحظة أو أملّ ؟
ثم إنهم / آلوا الصبر ؟! :)


جميلٌ سردك ..
و أشكرك .