PDA

View Full Version : أديب المنفى, والجمهورية .. فيكتور هيجو



يوسف الجميعة
22-06-2008, 09:31 AM
رجل في عرض البحر!
وأي بأس في ذلك!
إن السفينة لا تقف,
وإن الريح لتهب,
ولهذه السفينة القاتمة طريق مقدر عليها أن تسير فيها,
إنها تمضي لسبيلها!

ويختفي الرجل, ثم يعاود الظهور, و يغوص في الماء, ثم يرتفع ثانية إلى السطح. إنه يستغيث و ينشر يديه, فلا يسمعونه. إن السفينة المترنحة تحت العاصفة لتجند طاقاتها كلها في سبيل الخلاص. و يختفي الرجل الغريق عن أعين الملاحين و المسافرين, إن رأسه البائس لا يعدو أن يكون نقطة في خضم الأمواج الواسعة العريضة.

إنه يطلق نداءات يائسة وسط الأعماق. أي شبح هو ذاك الشراع المتواري! إنه ينظر إليه, إنه ينظر إليه في سُعر. ولكنه ينئ, لكنه يغدو قاتماً, لكنه يتقلص. لقد كان هناك منذ لحظة, كان واحداً من الملاحين, لقد ذرع ظهر المركب مع سائر القوم جيئة و ذهاباً. كان له حظه من الهواء وأشعة الشمس, كان كائناً حياً. والآن, ما الذي أصابه؟ لقد زلت به القدم, لقد سقط, انتهى كل شيء!

إنه في الأعماق الراعبة وليس تحت قدميه غير الفرار والإنهيار. إن الأمواج وقد مزقتها الرياح وبددتها لتطبق عليه إطباقاً كريهاً, وإن تقلبات اللجة لتحمله على متنها. إن فلذ الماء لتجيش في رأسه, وإن سفلة الأمواج لتبصق في وجهه, وإن الفجوات المختلطة لتبتلعه نصف ابتلاع. كلما غاص في الماء يلمح هُوى مفعمة بالظلام, وتتشبث به نباتات مخيفة مجهولة فتوثق قدميه, وتشده نحوها. إنه يحس بأنه قد أصبح لجة وبأنه غدا جزءاً من الزبد. إن الأمواج لتتقاذفه, وإنه ليذوق طعم المرارة, وإن الأوقيانوس النهم لتائق إلى التهامه. إن العظم ليعبث بنزعه الأخير, ويبدو أن هذا كله لا يعدو أن يكون حقداً سائلاً.

إنه يحاول الدفاع عن نفسه,
إنه يحاول أن يتماسك,
إنه يناضل,
إنه يسبح,
إنه - وهو تلك القوة المسكينة الموشكة على النفاذ - يصارع الطاقة التي لا تنفذ.
ومع ذلك فهو يكافح !

أين السفينة الآن. بعيداً هناك.
إنها لا تكاد تُرى في ظلمات الأفق الشاحبة.

و تهب الرياح هبات شديدة, وتغمره الأمواج. إنه يرفع عينيه, ولكنه لا يرى غير زرقة السحب الضاربة إلى السواد. إنه ليشكل في نزعه الأخير جزءاً من جنون البحر الهائل. إن هذا الخبل لينكل به حتى الموت. وإنه ليسمع أصواتاً غريبة على الأذن الإنسانية, أصواتاً تبدو وكأنها لا تقبل من الأرض, ولكن من عالم مخيف قائم وراءها.

إن في السحب طيوراً, كما أن ثمة ملائكة فوق الأحزان الإنسانية,
ولكن أي شيء تستطيع أن تفعله من أجله؟
إنها تطير,
وتغني,
وتطفو,
فيما هو يحشرج.
إنه يستشعر أن هاتين اللانهايتين قد دفنتاه في آن معاً :
الأوقيانوس, والسماء. الأولى قبر, والثانية كفن.

ويهبط الليل. لقد سلخ ساعات وهو يسبح, لقد أوشكت قوته على النفاذ. لقد انمحت تلك السفينة, ذلك الشيء النائي حيث كان يوجد ناس. إنه وحيد في ظلمة اللجة الفظيعة. إنه يغوص, إنه يتصلب, إنه يناضل, إنه يحس تحته بغيلان اللامنظور الغامضة, إنه يصيح!

لم يبق ثمة ناس, ولكن أين الله؟
ويصيح. النجدة .. النجدة, ويصيح على غير انقطاع.
ليس ثمة في الأفق. ليس ثمة شيء في السماء.
إنه يتضرع إلى المدى,
إلى الموج,
إلى الأشنة,
إلى الصخر,
ولكن هذه كلها صماء!
ويبتهل إلى العاصفة. ولكن العاصفة الرابطة الجأش لا تذعن لغير اللانهاية.

إن من حوله الظلمة, والضباب, والوحدة, والجلبة الضارية غير الواعية, وتغضن المياه الهائجة غير المتناهي. إن في باطنه الذعر والإعياء. أما تحته فكان السقوط. لم يكن ثمة نقطة ارتكاز. إنه يفكر في مغامرة جسده الميت المظلمة وسط الدُجنة غير المحدودة. إن البرد اللاذع ليشله. وإن يديه لتتشنجان وتنطبقان, ولكن على العدم. رياح, غيوم, زوابع, عواصف, ونجوم لا غناء فيها! ما العمل؟ إنه يستسلم لليأس. إنه وقد هده الإعياء يلتمس الموت. إنه لا يقاوم بعد الآن. لقد ألقى السلاح, لقد اطّرح القتال, وها هو ذا يغوص إلى أعماق اللجة الفاجعة إلى الأبد!

إيه يا سير المجتمع الإنساني الحاقد !
إن تحطيم الرجال والنفوس ليطبع سبيلك!
إيه أيها الأوقيانوس حيث يسقط كل ما يدعهُ القانون يسقط!
أنت انعدام النجدة المشؤوم!
إيه أيها الموت الأدبي!
يا فكر البؤساء الحزين.

البحر هو الليل الإجتماعي المتحجر الفؤاد الذي يلقي ضحاياه في عبابه. البحر هو الشقاء الذي لا حد له. إن النفس التي تتلاعب بها أمواج ذلك البحر قد تصبح جثة, فمن ذا الذي يعيدها إلى الحياة؟

ألا يهرع أحد لنجدة النفس البشرية في تلك الظلمة؟ أيكون مقدراً لها إلى الأبد أن تنتظر العقل, والمحرر, والراكب الهائل لأفراس ذوات جناحين وأفراس مجنحة نصفها حصان ونصفها عُقاب, والمقاتل المصبغ بلون الفجر الذي يهبط من السماء بجناحين, وفارس المستقبل المشع؟ أيكون مقدراً لها أن تستنجد دائماً ولكن على غير طائل برمح المثل الأعلى المتلألئ؟ أيكون مقضياً عليها أن تسمع الشر يتقدم على نحو فظيع من خلال أعماق الهاوية, من غير ضياء, من غير أمل, مستسلمة إلى هذا المجاز المروع, مرتعدةً, شعثاء الشعر, ملوية الأيدي, مشدودة الوثاق إلى صخرة الليل إلى الأبد, بيضاء عارية في الظلام؟

فيكتور هيجو / البؤساء

يوسف الجميعة
22-06-2008, 09:38 AM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Victor_Hugo1.jpg

" إلى الشاعر..
إلى الفيلسوف ..
إلى المدافع الكبير عن قضية الشعوب..
يحيا فيكتور هيجو! "

كان الناس يحيونه بهذه العبارة عندما يمر في الشارع, وهذا ما لم يحظ به إلا الرؤساء والزعماء الكبار من أمثال نابليون أو شارل ديغول. هكذا أصبح فيكتور هيغو في أواخر حياته الضمير الحيّ لفرنسا.

ولد فيكتور هيجو في بيزانسون, شرقي فرنسا في 27 من شباط 1802م من أب كان ضابطاً في جيش الإمبراطورية ثم غدا جنرالاً. وانتقل هيجو الفتى مع أبيه إلى إيطاليا و جزيرة ألبا ثم إلى أسبانيا حيث قضى عاماً واحداً مع أخيه أوجين في كلية النبلاء بمدريد. في عام 1812م رجع إلى باريس, المكان الذي ولدت فيه روحه كما يقول, حيث تلقى العلم على أمه و على كاهن عجوز, ثم التحق بالمدرسة البوليتكنيك, ولكن الهموم الأدبية شغلته في سن مبكرة, فأشترك في مسابقة نظمتها الأكاديمية الفرنسية وهو بعد في الخامسة عشر من العمر, ففاز بجائزة شعرية لقصيدته " حسنات الدراسة ". في أواخر 1819م أسس مع أخويه مجلة المحافظ الأدبي, فلم تعش غير سنة فقط, و في سنة 1822 أجرى عليه لويس الثامن عشر راتباً بعد نشر ديوانه الأول الموسوم بـ " نشائد ".

ابتداء من عام 1827م الذي صدرت فيه مسرحيته التاريخية " كرومويل " بمقدمتها الشهيرة التي شن فيها حرب لا هوادة فيها على المفاهيم المسرحية الكلاسيكية اُعتبر هيجو زعيم الحركة الرومانتيكية. وتعد هذه الفترة التي أمتدت حتى عام 1834م أخصب عهوده بالإنتاج الأدبي, إذ وضع فيها مقطوعات الشرقيات و مسرحية هيرناني و قصة نوتردام دو باري, حتى إذا كان عام 1841م انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية بعد أن أخفق في ذلك أربع مرات متعاقبات. طوال العشر سنوات التي انصرف فيها هيجو إلى النضال السياسي مجنداً نفسه في خدمة الأفكار الديمقراطية و الجمهورية, وبعد ثورة 1848م انتخب عضواً في الجمعية التأسيسية ثم في الجمعية التشريعية. في تلك الفترة شرع في كتابة رائعته الخالدة البؤساء. حتى إذا تم انقلاب كانون الأول سنة 1851م, واطاح نابليون الثالث بالجمهورية ليعلن في العام التالي قيام الإمبراطورية الثانية. وقف هيجو في صفوف المعارضة, وخرج إلى الشارع طالباً من الشعب أن يثور ضد من سمّاه بالطاغية. فنفي إلى بروكسل, ومنها إلى جيرزي وأخيراً إلى غورنيسي وهما جزيرتان من الجزائر الإنجليزية القائمة على الشاطئ النورمندي. أكسب النفي عبقريته الشعرية رحابة وقوة جديدتين فمهر الأدب في هذه الفترة بأروع آثارة, منها التأملات, و القسم الأول من أسطورة العصور, و البؤساء. في 1870م رجع إلى باريس فشهد أهوال الحرب وذل الهزيمة, ثم انتخب عضواً في الجمعية الوطنية, فعضواً في مجلس الشيوخ. في 1882م احتفلت الأمة الفرنسية احتفالاً كبيرا بمناسبة بلوغ هيجو الثمانين من عمره.

يجمع النقاد أو يكادون على أن فيكتور هيجو أعظم شاعر غنائي فرنسي, وواحد من عظماء شعراء العالم في مختلف العصور, ورأس موهبة هيجو قوة خارقة على الخيال الموضوعي, وبراعة عجيبة في التصوير تردفها قدرة فردية على السمو بالكلمة حتى لتصبح نغماً. قد لا تكون حساسيته الشعرية مثل العمق الذي يميز الحساسية الشعرية عند لامارتين, لكنها تتمتع برحابة أو بسعة أعظم بكثير. إنها نابضة بالحياة مشبوبة بخاصة حين توجه نحو الاطفال و المستضعفين من الناس.

لئن لم يتسم تفكير هيجو بأصالة الخلق وعميق الابتداع فليس من ريب في أنه أمد إنتاجه الشعري بغذاء من الأفكار غنيّ. إنه لم يجر القلم قط على قرطاس إلا ليمجد أفكاراً عظيمة أو ليدافع عن أفكار عظيمة. وما الشاعر عنده إلا المنارة التي يتعين عليها أن ترشد الجماهير و تهديهم سواء السبيل, والصوت المقدس الذي يحمل إنجيلهم. من هنا أثار عدداً كبيراً من المشكلات الأخلاقية و الإجتماعية التي ينظر إليها الفلاسفة : الخير والشر, والإنسان والله, و الله والخلق, والحكمة والعلم, و الجهل والشر, و الرذيلة والبؤس, و السعادة والتقدم, معبراً عن ذلك كله في صورة قوية ساطعه.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/Victor_Hugo3.JPG

كان هيجو شاعراً غنائياً في المحل الأول, ولكن غنائيته دون غنائية لامارتين عفوية وصميمية, وإن تكن أكثر منها تنوعاً. والحق, أن هيجو وصف نفسه فقال إنه " نفس من البلور " و " صدى مرنان " يعني أنه قد عكس ورجع وكثر وأفرغ في نظام أوركستري جميع الأغراض الغنائية. لقد غنى, قبل كل شيء جميع انطباعات عصره, فكان روح القرن التاسع عشر الشعرية تحيا في قصائده من جديد. و غنى جميع العواطف الإنسانية, مثل الحب, والحب الأبوي, والآمال, و الأحزان, و الأسرة, و الوطن. ثم أضاف إلى هذا كله الألم الفلسفي و التطور الديني و لغز الموت والمجهول, وتوق الإنسان إلى الجمال و الخير, والتماسه للعداله, وإيمانه بمستقبل قوامه الحرية و التقدم و على الجملة فقد كانت أشبه بموسوعة غنائية للعصر الذي عاش فيه.

أشهر آثار الغنائية, نشائد, و نشائد جديدة, و الشرقيات, و أوراق الخريف, والأصوات الداخلية, و الأشعة و الظلال, و التأملات. كان كذلك شاعراً ملحمياً أعطى الأدب العالمي لوحات تاريخية خالدة هي أشبه ما تكون بملحمة في الإنسانية تمثل لنا العصور الغابرة, و الحقبة المعاصرة, وحروب القرن التاسع عشر الكبرى. هذا التراث الضخم تنتظمه كله فكرة التقدم, و تصعيد البشرية البطيء نحو النور عبر الصراع المخوف بين الشر و الخير, وما هذه الملحمة غير أسطورة العصور, وقد نشرت في ثلاث أجزاء متعاقبة. يقول في بدايتها : التي قدمها بقوله:

وحينما أكتب وأنا أفكر في شرفتي
أرى الأمواج تولد وتموت... ثم تولد لتموت
وأرى الطيور البيض تسبح في الهواء.
والسفن تنشر أشرعتها للريح
كأنها عن بعد... وجوه كبيرة تتنزه على البحر

أسطورة العصور ملحمة شعرية مطوّلة تسرد سير الأبطال, وقد بعث فيها ما اندثر من عصور الإنسانية الأولى معتمداً على الروايات التاريخية, فهو يطوف بالقارئ في هذا العالم الساحر. فيصف في القصيدة الأولى الأرض في العصور الأولى مبتسمة سعيدة تُخرج من أحشائها ما أودعه الله للبشر فيها من أزهار وثمار. ثم ينتقل بعد ذلك من قصة آدم وحواء إلى المسيح عليه السلام واصفاً المرأة الأولى وجمال بشرتها ورشاقتها وصوت الضمير الذي أنّب قابيل. ثم يتناول خرافات الإغريق وقصص رولان وشارلمان. ويصف بشعره أيام لذريق وفيليب الثاني. ويفرد القصيدة الرابعة عن دين الإسلام, فيثني على تعاليم الدين الإسلامي وعلى رسول محمد عليه السلام, ويتحدث أيضاً بثناء عاطر على عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. صوّر هيجو أيضاً في أسطورة العصور السلطان العثماني مراد, وكذلك محمداً الثاني وكثيرا من سلاطين المماليك, وخاصة الظاهر بيبرس. أما القصيدة العشرون, فيتحدث فيها عن عصر النهضة وأعلامها وأمرائها. وهناك قصيدة مطوّلة عن الثورة الفرنسية وأخرى عن نابليون بونابرت.


اقتحم هيجو ميدان التأليف المسرحي بدراما كرومويل التي عدت مقدمتها الشهيرة بمثابة البيان للمدرسة المسرحية الناشئة التي نادت بضرورة الأخذ بشكل مسرحي أكثر حرية. كتبها فيكتور هيجو عندما بلغ الخامسة والعشرين من عمره، وكرومويل سياسي إنكليزي، قاد ثورة 1649 التي قتل فيها ملك الإنكليز شارل الأول، وأصبحت أمور الدولة بيد كرومويل، حتى أعلن نفسه ملكاً على بريطانيا، ووافق البرلمان على ذلك وكان سيتوج في كنيسة وستمنستر، إلا أنّه اكتشف مؤامرة تدبر ضده، فتراجع عن اعتلاء العرش مدعياً محافظته على قوانين الجمهورية، وكان كرومويل ذا أخلاق غريبة متناقضة وطبيعة متقلبة، فهو أحياناً جبان وأحياناً شجاع، ويجمع بين الدناءة والشهامة والرحمة واللين، ولذا فهو يصلح لأن يكون بطلاً للمسرحية بالإضافة لكونه شخصية تاريخية هامة في تاريخ بريطانيا في منتصف القرن السابع عشر.‏

وكتب مسرحية إيرناني, إذ تجري الأحداث في إسبانيا في مطلع القرن السادس عشر إذ وقع أحد أمراء ألمانيا بحب امرأة جميلة إسبانية اسمها الدونة سوله، وكان يحبها دوق آخر من إسبانيا، إلا أنّها هي كانت تجاملهما معاً، أمّا قلبها فكان يهوى أحد قطاع الطرق، وهو شاب اسمه "إيرناني"، وكان الثلاثة يترددون إليها. وفي إحدى المرات كاد الأمير الألماني أن يقتل غريمه "إيرناني"، وعاشت هذه المرأة، مرة في بيت الدوق الإسباني الذي انتحر في نهاية المسرحية، وكذلك ينتحر "إيرناني" بعد أن يتزوج الدونة سوله.‏ وتشرب الدونة سوله السم، الذي كان قد شربه حبيبها "إيرناني"، ويصبح الأمير الألماني ملكاً، ولكن الأحداث ليست تاريخية تماماً، فأكثرها من خيال المؤلف.‏

لكن هيجو لم يوفق على العموم في هذا الميدان, فشخوصه غنائيون أكثر مما ينبغي, وبسبب من أنهم غنائيون لم يكن في ميسورهم أن يكونوا مسرحيين. وأياً ما كان, فأشهر مسرحيات هيجو : كرومويل, وإيرناني, و الملك يلهو, و كريس بورجيا و ماري تيودور.


أعطى هيجو روايات عديدة منها أحدب نوتردام, والرجل الذي يضحك, و ثلاثة و تسعون. أما أعظم رواياته جميعاً و أبقاها على الدهر, فهي البؤساء. قد شرع في كتاباتها قبل عام 1850م ولم ينجزها إلا في عام 1862م. وضع هيجو روايته تحت التعاليم الإنسانية و الإشتراكية التي نادى بها المفكر الفرنسي كابيه, و المفكر برودون. فدافع فيها عن قضية جميع أولئك الذين يحتقرهم المجتمع, والذي ينبغي أن تعزى جرائمهم إلى فساد ذلك المجتمع نفسه.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/Victor_Hugo2.jpg

في 18 مايو 1885 أصيب هيجو بالتهاب رئوي. ولما زادت وطأة المرض, شعر بدنو الأجل, فودّع أصدقاءه قائلاً آخر بيت من الشعر: ها هنا يقتتل الليل والنهار. ولما أخذ يعالج سكرات الموت, قال له صديقه بول موريس: أنت لن تموت يا سيد فيكتور. قال هيجو: كلا ..ها هو الموت فمرحبا به, الوداع .

عندما مات عن عمر يتجاوز الثالثة والثمانين عاماً توقفت الحركة في فرنسا كلها، وعندما فتحوا وصيته وجدوا فيها مكتوباً الكلمات البسيطة التالية:-
1.أعطي خمسين ألف فرنكاً إلى الفقراء.
2.أتمنى أن أنقل إلى المقبرة في تابوت الفقراء.
3.أرفض تأبين كل الكنائس ورجال الدين، وأطلب صلاة من كل الناس.
4.أومن بالله.
فيكتور هيجو

يوسف الجميعة
22-06-2008, 09:46 AM
* هذه قراءة لبعض أعمال هيجو التي أنهيتها هذا الشهر :
- البؤساء - الترجمة الكاملة -
- أحدب نوتردام
- رجل نبيل
- اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام
- مقالات ورسائل من المنفى
من يريد المشاركة لا يحتاج الأمر لإستئذان, وسأسعد بذلك.

أعمال فيكتور هيجو للتحميل :
البؤساء
الجزء الأول (http://www.alsakher.com/books/bouasaa1.zip)
الجزء الثاني (http://www.alsakher.com/books/bouasaa2.zip)
الجزء الثالث (http://www.alsakher.com/books/bouasaa3.zip)
الجزء الرابع (http://www.alsakher.com/books/bouasaa4.zip)
الجزء الخامس (http://www.alsakher.com/books/bouasaa5.zip)
الجزء السادس (http://www.alsakher.com/books/bouasaa6.zip)
رواية البؤساء - مختصرة (http://www.4shared.com/file/36744814/cb271563/___online.html?dirPwdVerified=87e0a05)
مقدمه كرومويل..بيان الرومانتيكيه (http://www.4shared.com/file/52159602/1ab293f9/___.html)

سأعود.

الفياض
22-06-2008, 09:57 AM
.
.
.
فيكتور هيجو ، ليرحم الله جثمانك العظيم ، كحياتك ، ولو أرادوا نشوزا
أ.يوسف ، جهدا موفقا ، وجليلاً ، كأنتَ ، ومن خططتَ عنه ، وإنّا هاهنا جاثمون !

ســما✿
22-06-2008, 01:31 PM
أ. يوسف الجميعة

تم التحميل

شكرا لجهدك..

FAHAD_T
22-06-2008, 04:03 PM
شكرا لما خطته أناملك .. أخي يوسف

إني لعودتك من المنتظرين ..
فلا تطل الغيبة .

يوسف الجميعة
22-06-2008, 06:56 PM
.


" ملحمة البؤساء "


http://abuwabdallh900.googlepages.com/book1.JPG

" لقد أنهيت البؤساء وتنفست الصعداء! ..
دانتي وصف الجحيم الأخروي ..
وأنا وصفت الجحيم الأرضي! "

بهذه العبارات المختصرة, عبر هيجو عن فرحته بعد أن انتهى من كتابة روايته الشهيرة في المنفى. ملحمة البؤساء .. بعد أن انتهيت قبل أيام من قراءة البؤساء بترجمتها الكاملة غير المختصرة تساءلت في نفسي, أي قلب كبير, واسع الأمل, عظيم الجلد, بعيد الطموح, ناشط الهمّة, جادّاً لا يعرف الهزل, متحمّساً لا يعرف الكسل, قادر على أن يكتب هذه الملحمة المليئة بالبؤس, بالإيمان, بالصراعات النفسية, بالحياة, والتاريخ.

البؤساء .. رواية الأديب الفرنسي الكبير فيكتور هيجو. لست بحاجة لكتابة تقديم عن هذا العمل الشهير المعروف في العالم العربي و العالم أجمع. قبل سنوات في بداية قراءة الأعمال الروائية الأجنبية كانت رواية البؤساء أول رواية أجنبية أتم قراءتها بترجمة دار البحار التي تختصر الكلاسيكيات العالمية بنسخ مختصرة جداً. حتى وهي مختصرة فقد أُعجبت بالرواية و بشخصياتها الشهيرة, لا سيما شخصية جان فالجان.

لنرجع قليلاً إلى الوراء, إلى وقت صدور الرواية, لنعرف حق المعرفة حجم التناقض الهائل بين الجمهور والنقاد في تلك الفترة. ما إن ظهرت الرواية في السوق حتى تلقَّفها الناس من كل حدب وصوب, ولم يشهد كتاب آخر في القرن التاسع عشر نجاحاً في المكتبات مثلما شهدت رواية البؤساء. ولكن إذا كان الجمهور العام قد استقبلها بكل ترحاب فإن موقف النقاد والروائيين كان مختلفاً.

أحد النقاد الفرنسيين المشهوريين في ذلك الوقت, سانت بين, علَّق على صدور الرواية قائلاً: " لقد اكتسحت هذه الرواية السوق, لا ريب في أن ذوق الجمهور مريض, إن نجاح هذه الرواية لا يكاد يصدق, وهناك نجاحات وبائية تتم عن طريق العدوى بدون شك"

أما الأخوان "غونكور" فقد دوَّنا في مذكراتهما: " يا لها من خيبة كبرى بالنسبة لنا هذه الرواية, نقول ذلك ونحن نضع جانباً النزعة الأخلاقية أو الوعظية التي تشتمل عليها, ففي رأينا أنه لا علاقة بين الفن والأخلاق, ووجهة النظر الإنسانية الموجودة في رواية فيكتور هيجو لا تهمنا"

المؤرخ الشهير ميشليه, أشهر من كتب عن الثورة الفرنسية عبر عن رأيه بشكل متطرف, فبعد أن اطلع على الرواية قال: أُصبت بمصيبتين كبيرتين هذا العام: وفاة ابني وظهور رواية فيكتور هيجو.

أما شارل بودلير فقد أشاد بها وكتب عنها مقالة كاملة في الصحافة. وكان مما جاء فيها: "إنها رواية مبنيّة على هيئة قصيدة، إنها ملحمة حقيقية. وكل شخصية من شخصياتها لا تشكل استثناء إلا ضمن مقياس أنها تعبر عن فكرة عامة, إنها كتاب في الإحسان والشفقة على الناس الضعفاء. إنها نداء خارج من الأعماق من أجل ألا ينسى المجتمع عاطفة التضامن والإخاء.." ولكن الغريب هو أن بودلير راح يهجو الرواية في رسالة شخصية كتبها إلى أمه وقال فيها: "أعتقد أنكِ تلقيت الرواية. إنها تافهة بكل معنى الكلمة. ولكني مدحتها في الصحافة وأثبت بأني قادر على الكذب.. وقد كتب لي فيكتور هيغو رسالة سخيفة لكي يشكرني على مقالتي. وهذا دليل على أن الإنسان بإمكانه أن يكون غبياً أحياناً"

أما الناقد المحافظ باربي دورفيلي فقد أدان الرواية وكل توجهات فيكتور هيجو لأنه يريد قلب المجتمع القديم وكل القيم التي انبني عليها. وكان مما قاله: "عندما سنتعب من النقد والتجريح والتشكيك بقيمنا وديننا وأصالتنا فإننا سنعود حتما إلى السلطة الحقيقية للملوك, أي السلطة الدينية الإلهية المعصومة, وسوف نتخلى عن المادية الحيوانية ونعود إلى المذهب الكاثوليكي. إن فيكتور هيجو كتب أخطر كتاب في هذا العصر والأكثر ضرراً. فهو يضرب على وتر العواطف الجريحة لكي يهدم قواعد المجتمع ومؤسساته الواحدة بعد الأخرى, وكل ذلك يتم عن طريق استغلال دموع الفقراء, فالكاتب إذ أعطى الحق للمجرم ضد الشرطي، وإذ قدم صورة جميلة عن اللص أثبت أنه شخص غير مسؤول. لماذا يقطع المؤلف أحداث الرواية وينخرط في تعليقات شخصية ومواعظ أخلاقية لا نهاية لها؟ وبعدئذ عندما يعود إلى الحكاية لا نجده يربط اللاحق بالسابق. وهذه طريقة رديئة في الكتابة الروائية, انها رواية مفككة.."


أما لامارتين، الصديق المقرب، فقد خيَّب آمال فيكتور هيجو. فقد استقبل الرواية ببرود، بل وبعدائية لأنها تهاجم المجتمع وتؤلِّب عليه الفقراء! ورد عليه هيجو وعلى غيره من النقاد الذين هاجموا الرواية قائلاً بأن المجتمع الذي يقبل بوجود مثل هذا الفقر المدقع في أحضانه ينبغي أن يُهاجَم ويُنْتقَد. ثم هاجم رجال الدين وسادة المجتمع الذين يعتبرون شيئاً طبيعياً وجود كل هذا الفقر والبؤس. وقال بأني أحلم بمجتمع آخر يكون فيه كل فرد مالكاً لبيته. وقد تقول لي: ولكن الهدف بعيد. وأجيبك نعم، ولكن هذا لا ينبغي أن يمنعنا من السير نحوه.. وأنا أقول لك ما يلي: نعم إني أكره العبودية والفقر والجهل والمرض. وأريد تخليص المجتمع من كل ذلك. أريد إضاءة الليل، وأحقد على الحقد. ولهذا السبب كتبت "البؤساء". فهذه الرواية لا هدف لها إلا تأسيس التضامن والإخاء كقاعدة عامة وكذلك تأسيس التقدم البشري كذروة عليا نحلم بالوصول إليها يوماً ما


الرواية كما هو معلوم متوفرة في المكتبات المحلية بعدة إصدارات, لكن الترجمة الشهيرة هي من إصدار المترجم منير البعلبكي, وعدد صفحات الكتاب 500 صفحة من القطع الصغير فقط. في معرض الكتاب الماضي تفاجئت بوجود ترجمة مختلفة للبؤساء, ترجمة لم أكن علم علم بها على الإطلاق. هذه الترجمة هي كذلك من ترجمة منير البعلبكي ولكن لم تكن مختصرة, بل كانت ترجمة كاملة لهذا العمل الأدبي الرائع. عدد صفحات الكتاب الكامل أكثر من 1600 صفحة في جزئين من إصدار دار العلم للملايين.


في الترجمة المختصرة تم تقديم قصة جان فالجان و الجانب الإنساني فيها فقط بكل احترافية و مهارة, لذلك أعجب فيها الجمهور القارئ, إذ كان التركيز منصب على إبراز العواطف الإنسانية الجياشة في قصة كوزيت و جان فالجان. أما الترجمة الكاملة فكانت مختلفة بشكل كبير, إذ لا تشكل الترجمة المختصرة ولا عشرة بالمائة من عمل البؤساء الكبير التي كُتبت كرواية, وأراد مؤلفها الكبير فيكتور هيجو تقديم أفكاره السياسية و الفلسفية و الأخلاقية و الإنسانية و الدينية و الإجتماعية. ما دامت مشكلات العصر الثلاث كما يصفها هيجو, الحط من قدر الرجل بالفقر, وتحطيم كرامة المرأة بالجوع, وتقزيم الطفولة بالجهل, لم تحل بعد, ومادام الإختناق الإجتماعي مستمراً, ومادام على ظهر هذه الأرض بؤس وجهل, فإن كتباً مثل هذا الكتاب لا يمكن أن تكون غير ذات غناء.

البؤساء هي في المحل الأول رواية إجتماعية قصد بها هيجو إلى التنبيه على المظالم التي يرزح تحتها المعذبون في الأرض باسم النظام حينا, وباسم العدالة, والاخلاق, و الشعب دائماً. وروراية تاريخية أرادها صاحبها معرضاً لأفكاره الديمقراطية ونزعاته التحررية, فزينها على حساب الفن القصصي أحيانأً بلوحات جسد فيها تاريخ فرنسا في حقبة من أخطر الحقب لا في حياة ذلك البلد فحسب, بل في حياة أوروبا كلها. وهي إلى هذا و ذاك قاروة عطر, و وعاء فلسفة, و ملحمة نظال, إنها بكلمة نشيد الحرية, وإنجيل العدالة الإجتماعية, وسيمفونية التقدم البشري, عبر العرق و الدم و الدمع, نحو الغاية التي عمل من أجلها المصلحون في جميع العصور : تحقيق إنسانية الإنسان وإقامة المجتمع الأمثل, ولعل أروع صفحاتها تلك التي صور فيها شخصية الأسقف ميرييل, وآلام فانتين, وفرار جان فالجان, و معركة واترلو, وثورة عام 1832م, بل لعل أروع ما فيها قلب هيجو الكبير النابض من وراء كل كلمة من كلماتها, وكل فكرة من فكراتها, وشاعريتها العارمة الخيرة التي تتخطى الحدود, ولا تعرف هدفاً غير المحبة و العدل, والخير العام!


في البؤساء - العمل الكامل - كتب فيكتور عن شخصيات الرواية المتعدد الأطراف بأروع ما يكون الوصف الفني. تميزت بؤساء هيجو بتصوير فني مبهر للشخصيات. من بداية الرواية نبدأ بالتعرف إلى شخصية يصورها هيجو مثالاً لرجل الدين الطيب, للأسقف الطيب, الأسقف المثالي المطلق الجمال. كان يجهد في سبيل الرحمة. كان الشقاء الشامل هو منجمه الأصيل, أحبوا بعضكم بعضاً, اعتبر ذلك هو عنوان الكمال, كانت هذه الكلمات تؤلف عقيدته بأكملها. هذا الأسقف هو مونسينيور بيينفيو, أو مسيو ميرييل الذي يحول كل الأموال الناتجه من عمله كراعي لدير مسيحي إلى أعمال الخير, الذي يجبر مدير المستشفى أن يهبه هذا المستشفى الصغير الذي لا يتسع لأحد من المرضى و البؤساء ويجبره على إقامة المرضى في قصر الأسقف الكبير, الذي يتجول في أنحاء منطقته للوعظ والإرشاد و الصدقة. هذه الشخصية هي التي حولت أو كانت النقطة الأساسية في استرداد جان فالجان بطل الرواية إيمانه بالله و بالخير والعدالة الإلهية بعد أن كفر بكل شيء في سجنه. كانت لمسيو ميرنييل أقوال يصدح بها مواعظه مع الكبار, والأثرياء و الفقراء.

" إن للإنسان جسداً هو عبء عليه وأداة إغواء له في آن معاً. يجب على الإنسان أن يراقب ذلك الجسد كما يقول, ويكبح جماحه و يكبته, ولا يطيعه إلا في أقصى حالات الضنك والشدة. إن كون المرء قديساً هو الشذوذ, وإن كونه مستقيماً هو القاعدة. " كان يذهب ليقابل الثوري و الملكي و البرجوازي في أعالي الجبال و يقول لهم, همِ على وجهك, وتردد واأثم, ولكن كن مستقيماً. إن اقتراف أقل قدر ممكن من الآثام هو القانون البشري. أما الحياة من غير اثم فحلم ملك من الملائكة. وكل ما هو أرضي عرضة للإثم .

في أحد فصول القسم الأول من الكتاب, والخاص بمسيو ميرييل, دار الحديث حول شحص محكوم بالإعدام. مسيو ميرييل قام بعملية وعظ هذا الرجل مجبراً بسبب مرض واعظ السجن, هذه الحادثة أراد لها مؤلفها فيكتور هيجو أن يجعلها منارة ضد حكم الإعدام بشكل عام, وبالمقصلة بشكل خاص, تلك الآلة التي كانت تجز الرؤوس في عهد الإرهاب الثوري الفرنسي أو عهد روبيسبير بشكل أصح, وحزت رؤوس شخصيات معروفة وغير معروفة من لويس السادس عشر وماري انطوانيت إلى البقية الباقية من رافضي عهد ما يسمى بعهد الإرهاب. كان هيجو يدعو بصراحة إلى ترك هذا الحكم لله, النفس هي من صنع الله ولا يحق لأحد أن يأمر بإخراجها من الجسد إلا بأمر الله. هذا الموقف أحدث صدمة عنيفة للأسقف نظراً لرفضه الصريح لحكم الإعدام. حديث فيكتور هيجو عن المقصلة في هذا الفصل بارعاً و جميلاً جداً, إذ لا داعي لذكر عدد القتلى الذين قتلوا بدون وجه حق في تلك العهود الغابرة, يكفي أن تسمعه يقول عن تلك المقصلة :

" قد لا نبالي بعقوبة الموت كثيراً أو قليلاً, وقد لا نعلن رأينا قائلين نعم أو لا, مادمنا لا نشهد مقصلة ما بأعيننا. ولكن ما إن نرى إلى واحدة حتى تعصف بنا صدمة هي من العنف يحبث تحملنا على أن نقرر ونتخذ موقفاً إما مع تلك العقوبة أو ضدها. إن المقصلة هي تخثر القانون, وهي تدعي المنتقمة. إنها غير حيادية, ولا تسمح لك بأن تظل حيادياً. وكل امرئ يراها يُزلزل بارتجافات ليس أعجب منها ولا أشد غموضاً. إن جميع القضايا الإجتماعية لتطرح علامات استفهامها حول تلك الفأس. المشنقة خيال, المشنقة ليست مجرد هيكل منجور, المشنقة ليست ماكينة, المشنقة ليست آلة ميكانيكية جامدة لا حياة فيها, مصنوعة من خشب, ومن حديد ومن حبال. إنها تبدو كائناً من نوع ما, ذا أصل مظلم لا نعرف عنه شيئاً, وفي ميسور المرء أن يقول أن هذا الهيكل المنجور يرى, إن هذه الماكينة تسمع, إن هذه الماكينة تفهم, إن لهذا الخشب, ولهذا الحديد, ولهذه الحبال إرادة, وفي الهواجس المروعة التي يقذفها مشهدها بالنفس الإنسانية إلى خضمها. تبدو المشنقة فظيعة وممتزجة بصنيعها المريب. المشنقة شريكة الجلاد في الإثم. إنها تفترس, إنها تأكل اللحم, إنها تشرب الدم, المشنقة غول من ضرب ما, يصنعه القاضي والنجار. إنها شبح يبدو وكأنه يحيا بضرب من الحياة راعب, مستمد من كل الموت الذي سببته "

هذا الأسقف والصفات الي يتحلى بها كان يريد بها هيجو أن تكون مثالاً رائعاً لرجل الدين في تلك الفترة من تاريخ فرنسا. يجب أن يكون رجل الدين في تصور هيجو الأخلاقي مع الفقراء وضد السلطات التي تفرض قوانين تقوض حياتهم. لمعرفة حجم الصراع الذي أشتد بين هيجو ورجال الدين يجب أن أذكر هذه الحادثة. في الذكرى المئوية الأولى لموت فولتير اندلعت الصراعات من جديد بين الجمهوريين والملكيين، وبين العلمانيين ورجال الدين. وقف فيكتور هيجو وألقى خطاباً مهماً صالح فيه بين فولتير والإنجيل, وكانت فرنسا كلها تحبس أنفاسها وتنتظر ماذا سيقوله, قال : "إن الكلام الإنجيلي يكمله الكلام الفلسفي. ولا تعارض بين العلم والدين. فروح الحلم ابتدأت أولاً ثم جاءت بعدها روح التسامح. لنقل هذا الكلام بكل إجلال واحترام: المسيح بكى، وفولتير ابتسم. ومن هذه الدمعة الإلهية وتلك الابتسامة البشرية صُنِعت حلاوة الحضارة الحديثة, ولكن بالإضافة إلى فولتير هناك الفلاسفة الآخرون. وهؤلاء الكتّاب الكبار لم يموتوا لأنهم خلَّفوا لنا روحهم: أي الثورة الفرنسية".

هكذا عبر فيكتور هيجو عن إيمانه بالتقدم، تقدم البشرية نحو الأمام. ولكن مطران أورليان الذي هو أحد كبار رجالات الدين في فرنسا ويدعى " دوبانلوب " راح يحتج على رثاء فولتير بهذا الشكل التمجيدي الزائد عن الحد. وقد أرسل إلى فيكتور هيجو رسالة يحتج فيها على ذلك. فرد عليه الشاعر قائلاً بأنه يرفض أن يتلقى دروساً من الكنيسة التي قدمت الصلوات للديكتاتور نابليون الثالث! ففي ظل هذا الرجل انهار القانون، والشرف، والوطن. وقد دام ذلك تسعة عشر عاماً. وفي أثناء ذلك كنت أنت في قصر الكنيسة. وكنتُ أنا في المنفى خارج الوطن. وبالتالي فإني أعرفكم يا رجال الدين جيداً.

هذا الخطاب في الذكرى المئوية لوفاة فولتير يذكرني بالخطاب الذي ألقاه دستويفسكي في حفل بوشكين, والذي خلد حياته الأدبية وصالح فيه بين شطري روسيا, تيار القوميين السلافيين الذين يركزون على الأصالة الروسية، وتيار المستغربين الذين يريدون اللحاق بالغرب بأي شكل.

يوسف الجميعة
22-06-2008, 07:08 PM
الفياض
أسعد بوجود قارئ مثلك هنا. لك كل التحايا.
و ليرحم الله جثمانه العظيم.


سما
العفو , و هلا بك.


FAHAD_T
شكراً عزيزي. وإن شاء الله ما فيه تأخير.

يوسف الجميعة
23-06-2008, 03:06 AM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/JeanValjean.jpg

الشخصية الأولى في الرواية, وقد تكون أشهر شخصية في تاريخ الآداب العالمية. جان فالجان, الذي يظهر بسرعة في الترجمة المختصرة. لم يقدمه هيجو بصورة مبسطة, بل كتب حكايته بالكامل, من السرقة لإطعام أبناء أخته إلى السجن و الإلحاد و الخروج من السجن وإيقاظ الإيمان في قلبه بعد أن انهار. جان فالجان, هذه الشخصية الشهيرة جداً لا يعرفها أي قارئ إلا و يعرف أنه بطل البؤساء. ولكن كيف هي حالة جان و هو في السجن؟ ما هي ردة الفعل التي أصابت جان فالجان بعد إدانته بتهمة السرقة, وهو لم يسرق إلا ليطعم الفقراء من أفراد عائلته؟ هل يثق بالعدالة و مسمى العدالة بعد هذا؟ وهل كان هذا العمل كما يقول هيجو أخلاقي بالدرجة الأولى؟

هذه الأسئلة الكبيرة يفجرها فيكتور هيجو في وجه القارئ عن طريق تحليل نفسي وأخلاقي عميق لشخصية جان فالجان, , وهو يتعرض لأقسى أنواع التعذيب البدني و النفسي في السجن. لقد ألحد جان فالجان بعد أن تيقن بأن لاوجود لعدالة سماوية تقف معه في مصيبته لأكثر من تسعة عشر سنة في السجن. أين الله من كل هذا كما يقول؟ لماذا يتعذب الفقراء وهو لم يسرقوا إلا لحاجة. التحليل النفسي العميق في البؤساء و خاصة لشخصية جان فالجان - وقت الإلحاد - إمتاز باللغة الشعرية التي برزت بشكل واضح و كبير في العمل الكامل من البؤساء. بعض الفصول كانت نثر غنائي يبتعد فيها المؤلف عن أبطاله و ينثر ما في نفسه من غناء و أوجاع. بعد أن يقدم هيجو جان فالجان وهو ملحد يذكر كيف تحول هذا الشخص الذي كفر بكل شيء, بالله و بالعدالة و بالقانون, كيف يتحول هذا الشخص الذي سرق الأسقف الطيب بعد أن استضافه في الدير, كيف يتحول هذا الجان الذي أدان المجتمع بكل ما فيه إلى مؤمن بالله و بالعداله.

أي مصير كان لعائلته التي سرق من أجلها؟
" إنها القصة نفسها دائماً. لقد مضت هذه الكائنات البشرية الحية, هذه المخلوقات التعيسة, وقد تركت بلا سند, مضت إلى حيثما قادتها المصادفة. لعل كلاً منهم اتخذ طريقاً مختلفة, وغرق شيئاً بعد شيء في ذلك الضباب القارس الذي يغمر المصائر المتوحدة, تلك الظلمة النكدة التي يختفي فيها كثير من الرؤوس الشقية خلال سير الجنس البشري المعتم. لقد نزحوا عن تلك الديار, لقد نسيتهم كنيسة القرية التي كانت قريتهم, نسيهم معلم الحقل الذي كان حقلهم, حتى جان فالجان نفسه نسيهم بعد سنوات من مقامه في سجن الأشغال المؤبدة. "


من هو جان فالجان؟
كان قد دخل السجن لأنه كسر زجاج نافذه وسرق رغيف خبز. إنه القميص الأحمر, كرة الحديد المشدوة إلى القدم, لوح الخشب الذي نام عليه, هو الحر والبرد والشغل, وجماعة السجناء المحكومين بالأشغال الشاقة والضرب بالعصي, السلسلة المزدوجة من أجل لا شيء, الحبس في حجرة مظلمة عقاباً على كلمة, السلسلة حتى في حالات المرض. هو موطن بلاء وعذاب. دخل السجن وهو ينتحب ويرتعد, وغادره وقد قسا فؤاده وامتنع عن الألم. لقد دخله بأساً وغادره كالح الوجه. سلخ نفسه لمدة تسعة عشر سنة وهو وحيد في هذا العالم. لم يكن أباً أو عاشقاً أو زوجاً أو صديقاً. في السجن كان عفيفاً, جاهلاً, كان فؤاد هذا الرجل مليئ بالخير. أخته وأطفال أخته لم يخلفوا في نفسه غير ذكرى غامضة وبعيدة ما لبثت آخر الأمر أن تلاشت.

إن أسباب بؤس جان فالجان ليست ذاتية, بل من المجتمع الذي لم يقف معه في محنة الفقر, ولا حتى مع خروجه من السجن, تم سلخ جلده لأكثر من تسعة عشر سنة في السجن, ولم يرحب به أحد بعد خروجه, حتى السجن الذي ذهب إليه لكي يستريح هناك رفضوا وجوده. وقف الكل في وجهه, حتى وجار الكلب الذي نام فيه طرده من مكانه. " مضيت إلى الحقول كي أنام تحت النجوم فلم يكن ثمة نجوم, وحسبت أن المطر سيهطل, ولم يكن ثمة رب رحيم يحول دون انهماره " هكذا كان يقول بعد أن خرج من السجن هائماً يبحث عن مكان يستريح فيه. إن المدن كما يقول هيجو في البؤساء تنتج رجالاً شرسيين, لأنها تنجب رجالاً فاسدين, أما الجبل والبحر والغابة فتنتج رجالاً وحشيين. إنها تقوي في أبنائها الجانب الضاري, ولكن من غير أن تفسد في كثير من الأحيان الجانب الإنساني. لذلك لم يفقد جان فالجان إنسانيته حتى وهو في أقصى لحظات بؤسه. كان من أبناء الريف البسطاء, لم يكن ذا طبيعة شريرة. كان لا يزال حسن الطوية حين دخل السجن, وفي أثناء مقامه هناك دان المجتمع البشري واستشعر أنه أمسى شريراً. ودان العداله واستشعر أنه أمسى ملحداً. أتستطيع الطبيعة البشرية كما يقول هيجو أن تنقلب هكذا رأساً على عقب؟ أيكون في ميسور الإنسان الذي خلقه الله خيراً أن يحيله أخوه الإنسان شريراً؟ هل تستطيع النفس أن تتغير دفعة واحدة لتجاري قدرها؟ أيكون في وسع القلب أن يتشوه ويصاب بالقباحات والعاهات التي لا برء منها؟ ألم يكن في نفس جان فالجان شرارة ابتدائية أو عنصر إلهي لا يتطرق إليه الفساد في العالم؟ شرارة يستطيع الخير أن يطورها ويؤجهها ويضرمها ويسعرها؟ ويمكنها من أن تشع إشعاعاً يبهر الأبصار, ويعجز الشر أبد الدهر عن إطفائها بالكلية؟

كانت أولى شرارات الخير هي النظره من جان فالجان وهو يسرق الأسقف, " ضمير قلق مضطرب على وشك ارتكاب عمل شرير يتأمل رقاد رجل صالح " .. التحول الأول النفسي والأخلاقي في شخصية جان فالجان بعد خروجه من السجن بعد أن صرخ الأسقف في وجهه قائلاً " يا أخي ! أنت لم تعد ملكاً للشر, ولكن ملكاً للخير. وإني إنما أشتري نفسك, أنا أنتزعها من الأفكار السوداء, ومن روح الهلاك وأقدمها إلى الله ", أما الشرارة الثانية التي كانت كافيه لإشعال نفس جان فالجان وأحدثت هذا التحول الدراماتيكي الخطير في نفسه فهي المبلغ القليل الذي أخذه من طفل بائس صغير وهو لا يلعم - أي جان - أنه سرق طفل.

" أنا رجل بائس! "
حين غادر جان فالجان منزل الأسقف كان في حالة نفسية لم يعرفها قط. كان عاجزاً أن يفهم أيما شيء يجري في ذاته. " لقد وعدتني بأن تصبح رجلاً صالحاً. إني إنما أشتري نفسك. أنا أنتزعها انتزاعاً من روح الفساد وأقدمها إلى الله " .. كلمات الأسقف هذه عاودته على نحو موصول. في وجه هذا الحلم السماوي أحس إحساساً غامضاً بأن مغفرة هذا الكاهن هي أعظم غارة وأفظع هجوم شُنا عليه عُمره كله, وبأن قسوة قلبه تكون كاملة إذا ما قاوم هذه السماحة, وبأنه إذا ما استسلم فعندئذ يتعين عليه أن يتخلى عن ذلك الحقد الذي ملأت روحه به أفعال الآخرين طوال هذه السنوات كلها. في هذا الجو النفسي التقى جرفيه الصغير وسرق ماله. لم يكن قادراً على تفسير هذه الواقعة. فيما هو ذاهل مشتت الذهن مثل رجل يحاول أن يولي فراراً, حاول أن يبحث عن الفتى الصغير ليعيد إليه ماله. حتى إذا وجد أن ذلك غير مجدِ ومستحيل, وفي اللحظة التي قال فيها " أنا رجل بائس " رأى نفسه على حقيقتها. أن قد انتهى إلى أن يصبح شديد الانفصال عن نفسه بحيث يخيل إليه وكأنه لم يكن إلا شبحاً, وأن جان فالجان المحكوم عليه بالأشغال الشاقة كان أمامه بلحمه ودمه, وقميصه على ظهره وجرابه المليء بالأمتعة المسروقة فوق كتفيه.

لقد رأى نفسه وجها لوجه. وفي الوقت نفسه رأى على مسافة مبهمة ضرباً من النور حسبه بادئ الأمر مشعلاً, حتى إذا حدق في انتباه أشد إلى ذلك النور الذي أشرق على ضميره أدرك أن له شكلاً بشرياً. وأن هذا المشعل كان الأسقف. ووازن ضميره بين هذين الرجلين الذي أقيما أمامه على هذا النحو : الأسقف و جان فالجان. كان أيما شيء دون الأول خليقاً به أن يخفق في إذابة الآخر. وبأحد تلك الآثار الفريدة رأى الأسقف يزداد تألقاً في عينيه. وانكمش جان واختفى, وفي لحظة من الحظات لم يبق منه شيء. لقد اختفى, وبقي الأسقف. هذه الغارات الإنجيلية من الأسقف لجان فالجان هي من أجبرت أحد أبطال العمل - ماريوس - أن يقول لجان في نهاية الرواية إنه يتحلى بالشجاعات كلها, وبالفضائل كلها, والبطولات كلها, والقداسات كلها, إن هذا الرجل ملاك. هذه الغارات التي غيرت من شخصية جان فالجان هي التي أجبرت الشاعر الفرنسي رامبو أن يكتب في أحد نصوصه " كنت في صغري بالغ الإعجاب بالمحكوم عليه بالأشغال الشاقة العنيد الذي ينغلق عليه السجن أبداً. كنت أزور النزل والحجرات التي ربما كان قدسها بمروه. كنت أرى بفكره هو السماء الزرقاء والعمل المزهر في الريف, وفي المدن كنت أشم قدره. كان أقوى من قديس وأكثر نباهة من مسافر, وهو , هو وحده, الشاهد على مجده وعلى حصافته! "

من هنا تبدا الرواية ومسيرة جان فالجان. كان الأسقف هو الرؤية البيضاء الأولى. أما الثانية فكانت كوزيت, كان الأسقف قد أطلع في أفقه فجر الفضيلة, ثم جاءت كوزيت فأطلعت في أفقه ذاك فجر الحب.


أثناء قراءة البؤساء صادفتني رؤية أردت تسجيلها على عجل. في بعض فصول الرواية, خاصة تلك التي يعصف فيها الألم النفسي محل الحوارات الثنائية, مارس هيجو الرؤية الفجائعية. الرؤية الفجائعية باختصار تظهر الإختلاف الحاد بين الذات المتحدَّثِ عنها, والذوات الأخر المحكومة بشروط الوجود اليومي. من تجلياتها غياب المسافة الفاصلة بين الكاتب والمكتوب، واندماج الراوي والشخصية المروي عنها، وغياب الفواصل والحدود بين الحقيقي والخيالي، وبين العجائبي والواقعي، وبين المخزون الثقافي والأدب. يتحول الفعل المحكي عنه كفعل إبداعي إلى الألم كتوجع ودوار ثم يتحول إلى موت, احتضار، حالة بين الوجود والعدم. هذه الذات الحميمة تؤثر على السرد فيصبح أكثر تدفقاً وانجرافاً تماما كالسيل الجارف يحمل في طريقه كل ما يصادفه. كما أنها تؤثر على الوصف، فيكون مسرودٌ متدفق، نقل للحركة في سيرورتها وجريانها. وصفٌ متداخلٌ لا يركز على شيء إلاَّ لفترة بسيطة ثم ينجرف جهة الاستبطان. يصف الظاهر والباطن في حركيتهما دون حصر أو حياد. الراوي في هذا الوصف أشد انفعالاً، ومندمج كليا في اللحظة المشهدية.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/Dosto-victor.jpg


لتسمحوا لي هذا الخروج البسيط عن النص نوعاً ما. أنا معروف عند أصدقائي بأني من عشاق الروائي الروسي فيدور دستويفسكي ومن المتعصبين له, إلى درجة أعتبره هو إمام الرواية الكلاسيكية, وأعظم روائي على الإطلاق. كنت مؤمناً بأن روايات دستويفسكي لا يمكن أن تنافسها أي رواية لأي روائي حتى ولو كانت بؤساء هيجو. كان رأيي آنذاك مبني على قراءة الرواية المختصرة لبؤساء هيجو, ولكن بعد قراءة البؤساء - الترجمة الكاملة - علي أن أعترف أني أجد روح دستويفسكي في البؤساء بكثرة, في الصراعات النفسية لدى الأبطال وفي لحظات الإنهيار الأخلاقي والبدني, وفي لحظات التطهير من الجريمة والآلام. الروائي الذي يحفر في داخل نفس الإنسان, في عقله وروحه هو الروائي الذي أقدره وأحترمه حتى لو كان غير معروف. لن أقارن بين أعمال هيجو ودستويفسكي, ولكن سأذكر بعض الحالات المتشابهه في أعمالهما , خصوصاً الصراعات النفسية والأخلاقية.



- في رواية الجريمة والعقاب لدستويفسكي, وخلال الفصول الستة الأولى لا ينفك دستويفسكي بطرح عدد من البواعث الآيديولوجية للجريمة. وبعد الجريمة مباشرة نبدأ بقراءة صراع راسكولينكوف الداخلي ضد نفسه, ونظريته و وعيه, وصراعه الخارجي ضد السلطة ممثلة بخصمه العتيد - بورفير -, وحواراته العنيفه مع شخوص قريبة من البطل. هذا الأسلوب في السرد الروائي يمثل الرؤية الفجائعية. وهو أقرب للهذيان منه إلى التعبير المنضبط, إذ يكون البطل خارج وعيه, ويتحدث بطلاقة مثيرة يفضح فيه نفسه ويعريها بالتمام. هذا المشهد من الجريمة والعقاب كان حاضراً في بؤساء هيجو بكثرة عبر حوارات جد ماريوس, والأهم جان فالجان. عندما ألقي القبض على شخص يُعتقد أنه جان فالجان, سيق هذا الرجل ليحاكم في المحكمة. كان الحكم والادلة تدينه بالتمام رغم أنه لم يكن جان فالجان بأي حال من الأحوال. عندما عرف جان فالجان بهذا الأمر - وكان يتستر على نفسه تحت اسم مسيو مادلين - بدأت أولى الصراعات النفسية في البؤساء. هل يضحي مسيو مادلين أو جان فالجان بمنصبه - العمده - وإغداقه الأموال بشراهه على الفقراء والمحتاجين ؟ أم يكشف عن نفسه ويضحي بنفسه من أجل إنقاذ نفس بشرية ليس لها أي ذنب إلا أنها تشبه جان فالجان؟ عليه أن يختار إحدى خطتين أحلاهما مرّ, إما الفضيلة الظاهرية والخباثة الباطنية, وإما الطهارة الباطنية والعار الخارجي! .. راسكولينكوف في الجريمة والعقاب كان عليه أن يختار مثل رفيقه جان فالجان, إما السعادة الرخيصة، أو العذاب السامي؟ من هنا بدأ جان فالجان صراعه النفسي المرير. بعد الشرارة التي أضاء بها الأسقف نفس جان فالجان كان غايته أن ينقذ روحه لا جسده, أن يصبح خيراً وصالحاً ومستقيماً. أن يغلق باب الماضي للأبد. ولكن هذا الباب لم يغلق بأي حال من الأحوال. لقد فتح من جديد بعد أن عاد لصاً من جديد. لقد سرق من آخر وجوده وحياته وأمنه, لقد قتل معنوياً رجلاً بأساً, أنزل به ذلك الموت الحي المروع, ذلك الدفن في الحياة الذي يدعى سجن المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة.



-مشهد آخر أذكره على عجاله من الجريمة والعقاب كذلك. عندما ارتكب بطل الجريمة والعقاب راسكولينكوف الجريمة, وبعد حالات الصراع النفسي المرير التي ذاق ويلاتها, صرخت في وجهه إحدى شخصيات الرواية, سونيا بوجهه قائلة " اذهب فوراً, في هذه اللحظة نفسها, اذهب إلى مفرق طرق, فاسجد على الأرض, واتجه إلى جهات العالم الأربع جهة بعد جهة, ثم ارفع صوتك عالياً قوياً أما جميع الناس, وقل : لقد قتلت , عندئذ سيرد إليك الإله الحياة " .. تأثير سونيا الأخلاقي كان ذا تأثير عميق في مسار رواية الجريمة والعقاب إذ اعترف راسكولينكوف بالجريمة وذاق ويلات العقاب أو التطهير من الآثام. في بؤساء هيجو كان الأمر متطابقاً وأكثر من رائع كذلك. كان الأسقف هو صاحب التأثير الأخلاقي في نفس البطل جان فالجان. إذ صرخ في وجهه كذلك قائلاً : " يا أخي ! أنت لم تعد ملكاً للشر, ولكن ملكاً للخير. وإني إنما أشتري نفسك, أنا أنتزعها من الأفكار السوداء, ومن روح الهلاك وأقدمها إلى الله ". أما طريقة التطهير فكانت أروع من خلال بكاء جان فالجان المرير. كان يهذي مثل صاحبه راسكولينكوف, لكنه هذيان أروع, هذيان قاد صاحبه إلى الإيمان بعد أن كان ملحداً لا يعترف لا بعدالة الإنسان, ولا بالعدالة الإلهية.

- التشبيه الثالث والأخير, هو تأثير الأطفال في شخصيات دستويفسكي وهيجو الروائية. في قصة حلمُ رجل مضحك لدستويفسكي استوقفت طفلة فقيرة بطل القصة المضحك لكي ينقذ أهلها من الموت, البطل كان خارج وعيه ويعاني من صراعات نفسيه مريرة. لم يهتم بطل القصة للطفلة, ولكن لاحقاً تبين له أن هذه الطفلة هي من أنقذته من الإنتحار الذي كان سيقدم عليه. هذه الطفلة أعادت له الحياة بعد أن كان لا يفكر إلا بالموت, كانت ذا تأثير عميق غير مسار القصة بالتمام. " سأمضي وأمضي وأمضي حتى أجدها " كما يقول الرجل المضحك. في رواية البؤساء نلحظ هذا التحول الدرامي في شخصية جان فالجان. بعد أن يسرق جان فالجان من الطفل الصغير ماله وهو لا يدري انتابه القلق والألم النفسي جراء هذا الفعل الوحشي, سرقة, ومنِ من؟ من طفل! هذا الطفل الذي سرقه جان فالجان هو من جعل فالجان يبكي ويصرخ بندم حقيقي ومرعب بقوله : أنا رجل بائس. بحث عن هذا الطفل لكي يعيد إليه ماله المسروق. كان جان فالجان يعاني صراعاً جراء الغارات التي شنها الأسقف عليه, ولكنها لم تحدث أي تأثير. هذا الطفل الذي صادف جان فالجان في طريقه هو من فجر هذه الغارات لتظهر على السطح.

و...
23-06-2008, 03:46 AM
.

أهلاُ يوسف/ كل مره أخطط فيها للقراءه أجدني أنسف بخططي جانباً
رائع ومميز كعادتك:rose:

.

Ophelia
24-06-2008, 05:25 AM
" لقد أنهيت البؤساء وتنفست الصعداء! ..
دانتي وصف الجحيم الأخروي ..
وأنا وصفت الجحيم الأرضي! "
فعلاً معه حق
لأول مرة أسرع قدر استطاعتي بقراءة رواية وعادتي أن أبطئ فيها لأستمتع أكثر وأعيش أجوائها يومياً
أما هذه البؤساء فكنت أريد التخلص منها ومن جوها المرهق والمرعب والمؤلم وبنفس الوقت لا يمكنني تركها
سامحك الله يا يوسف
لم يكن بنيتي قراءة البؤساء الآن ولكن موضوعك الجميل أجبرني على ذلك
عادة لا أتحمس كثيراً لقراءة شيء سبق وشاهدته كمسلسل أو فيلم
والبؤساء شاهدتها كمسلسل كرتوني وكفيلم ولكن بقيت البؤساء تعني بالنسبة لي كوزيت ولعبتها التي اشتراها لها جان فالجان أما باقي الأحداث والتفاصيل لا أذكرها ولم أكن أفهمها أو أهتم بها
لكن ما قرأته هنا كان مختلفاً تماماً..

لا تشعر أنك تحقد على أي شخصية أو تقف مع أي شخصية ضد الأخرى، إلا في بعض الأحيان حين تتمنى أن لا يتمكن جافير من جان فالجان، ولكن بشكل عام كل الشخصيات بائسة وكلها معذبة وكلها تعاني من بؤس وألم ما.. حتى جافير نفسه الذي يفترض أنه الشخصية الشريرة تشعر أنه معذب أكثر من سواه.. فليس المجتمع فقط ضده وإنما نفسه أيضاً فهو يعاني من نفسه ومن المجتمع لذلك معاناته مضاعفة..

رائعة المقارنة التي أقمتها بين البؤساء والجريمة والعقاب
وعلى فكرة هل قرأت رواية تشارلز ديكنز آمال كبيرة؟
فيها أيضاً شخصية تشبه جان فالجان حيث تبدأ الرواية بهروبه من السجن وتعرفه على صبي صغير يساعده للمجرم ثم يرد له المعروف عندما يكبر ويغير كل حياته

المضحك بالأمر أن الكتاب الذي قرأت منه الرواية بحد ذاته كان يعبر عن البؤس بكافة أشكاله
http://upthings.googlepages.com/mesiry3.JPG
http://upthings.googlepages.com/mesiry2.jpg
http://upthings.googlepages.com/mesiry1.JPG

أما المزعج بالأمر فهو مسألة الترجمة فمثلا المقطع الأول الذي أضفته من الرواية لم أقرأ منه أي شيء في النسخة التي لدي
وهي من ترجمة اميل خليل بيدس عن دار القلم ببيروت ولا تتجاوز الـ 150 صفحة بينما تقول أنها تصل لل 500 صفحة في ترجمتها الكاملة!
وطبعا منير البعلكي من أكثر المترجمين مصداقية لكن أعتقد أن يترجم عن الانكليزية فقط فهل ترجمها عن الانكليزية أم عن الأصل بالفرنسية؟

ولكن رغم ذلك فما وجدته فيها هو رواية فلسفية لم أتوقع أن تكون بهذا الجمال أبداً
وهذه بعض المقاطع التي استوقفتني:

ذرنا نرأف بالطريد، ذرنا نشفق على الطريد الذي هو منا ونحن منه، بل الذي هو نحن بالذات! فمن أنا الذي أخاطبك؟ من أنت الذي تنصت إلي؟ ومن أين جئنا؟ وهل نحن على يقين من أنا لم نرتكب وزراً قبل ان نكون؟..
انظر بتمعن إلى الحياة، إنها وجدت بكيفية تجعلنا جميعاً نشعر بالعقاب. هل أنت رجل محظوظ؟ أنت حزين، أنت متحسر! غداً يثير المال بلبالك، وفي اليوم الذي يليه مصيبة صديق، ثم الطقس، ثم شيء خسرت، ثم متعة أنبك عليها ضميرك، ثم مسألة وطنية.. هذه باستثناء عناء القلب ومشاق الفؤاد..
فهل هناك رجل سعيد؟.وكيف نقسم الانسان؟ هل نقسمه إلى فئتين - المنير والمظلم؟ هل نقسم الدنيا إلى قسمين النور والظلام؟
فإن توخينا انقاص عدد الذين يعيشون في الظلام ومضاعفة عدد الذين يعيشون في النور، يخلق بنا أن لا نكف عن طلب العلم والعرفان فإن علمت انساناً للقراءة، أشعلت قبساً، وكل كلمة يكتبها هي شرارة يقدحها.
ولكن النور لا يعني لمسرة، فثمة آلام تتخلل الاشعاع.. واللهب عدو الجناح.. واعجوبة العبقرية هي الاحتراق والتحليق رغم النور والنيران.


وليس يعنيه من أمر تيناردي ما جبل من الدناءة، ليس يعنيه من أمره إلا أن له يداً بيضاء عليه، لما أداه لأبيه.. وليكن قاتلاً ليكن لصاً، إنما واجبه هو تحقيق رغبة أبيه التي أعرب عنها في وصيته!

هنا أعجبني موقف ماريوس جداً عندما قرر في النهاية مساعدة تيناردي رغم معرفته بحقيقته وبشاعته.. ورغم أني حقدت على ماريوس وقهرني جداً عندما تصرف بغرور ولؤم مع جان فالجان، إلا أنه أعجبني في هذا الموقف..
فكثيراً ما يشعر الواحد منا أنه مسؤول عن أخلاق البشر وتربيتهم وعقابهم على أخطائهم وسيئاتهم وقد نمتنع عن معاملة هؤلاء الأشرار معاملة جيدة بحجة أنهم لا يستحقون
بينما ماريوس هنا يؤمن بضرورة رد الجميل حتى ولو كان لشخص ندل ولا يستحق أي جميل .. ويؤمن أنه عندما يفعل خير يفعله لنفسه قبل أن يفعله للآخر
يعني تقريبا هيجو ركز على فكرة مقابلة السيئة بالحسنة من بداية الرواية إلى نهايتها
بالبداية القس يعفو عن جان فالجان ويخلصه من تهمة السرقة ويعطيه الشمعدانات اضافة لما سرق
ثم جان فالجان يعفو عن فاجير ويطلق سراحه وكذلك عن ذلك الشاب الذي أراد سرقة محفظته الخ


لا شيء أن يموت الانسان ولكنه من المخيف أن لا يعيش!


سأقرأ معك أيضاً أحدب نوتردام
شكراً جزيلاً يا يوسف

يوسف الجميعة
24-06-2008, 10:22 AM
و...
الأروع وجودك هنا, تسملين.


Ophelia
أهلاً أوفيليا
يعطيك العافية على مشاركتك الثرية.
بالنسبة للترجمة
منير البعلبكي رحمه الله أصدر طبعتين من رواية البؤساء :
الطبعة الأولى مختصرة - 500 صفحة - من إصدار المركز الثقافي العربي. هذه الترجمة هي الشهيرة في الوطن العربي. ومع ذلك هي لا تشكل نسبة 10 بالمائة من الترجمة الكاملة.

الطبعة الثانية والأهم, وهي التي أتحدث عنها هنا, هي الترجمة الكاملة لرواية البؤساء - 1600 صفحة - عبارة عن كتابين من القطع الكبير. هذه الترجمة صدرت عام 1955م وتوقفت طباعتها. دار العلم للملايين أصدرت في مطلع هذا العام طبعة جديدة من هذه الترجمة المتميزة جداً. أعتقد أن الترجمة كانت من الفرنسية مباشرة. من يقرأ الحواشي بالذات سيعرف أن المترجم لا يمكن أن يكتب مثل هذه المراجع والتراجم لعلماء وشخصيات تاريخية وحوداث من فرنسا وخارجها إلا وهو يعرف الفرنسية ويجيدها بالتمام. مع الآسف الترجمة التي لديك لا يوجد فيها حتى ما هو موجود بالترجمة المختصرة. أنا قرأت البؤساء من سنوات طويلة, بنسخة دار البحار, وقرأت الترجمة المختصرة - 500 صفحة - وأكتشفت شيء جديد. ثم قرأت الترجمة الكاملة ومن هنا أصبت بالصدمة. من لم يقرأ الترجمة الكاملة للبؤساء فهو لم يقرأ البؤساء كما كتبها فيكتور هيجو.

أذكر أني كنت حاقداً على شخصية جافير, ولكن بعد قراءة الترجمة الكاملة اكتشفت أن جافير لا يقل بؤساً عن جان فالجان إن لم ينافسه في البؤس. في الترجمة الكاملة يقدم فيكتور هيجو كل شخصياته بتصوير فني عالي, ويظهر الصراعات النفسية المفقودة في الترجمة المختصرة. هيجو في الترجمة الكاملة يتوقف ويخرج عن القصة بالتمام, إلى درجة أنه يعلن عن وجوده في الرواية. في أكثر من 7 مقاطع في الرواية يقول أنا فيكتور هيجو ويتكلم عن نفسه أو عائلته أو عمه الذي شارك في الحروب الفرنسية, ويخاطب القارئ مباشرة وكأنه يتحدث معه وجهاً لوجه.

رواية آمال كبيرة حتى الآن لم أتقاطع معها, ولم أقرأ لديكنز حتى الآن مع الآسف
ما سمعته عن ديكنز من الأصدقاء يجبرني على قراءة ديكنز قريباً
أسعد بمشاركتك والله
شكراً كثير لكِ

يوسف الجميعة
24-06-2008, 07:00 PM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/javert.jpg

شخصيات الرواية لم تنتهي حتى الآن كما هو معروف. هناك شخصيات تستحق أن يسلط الضوء عنها أكثر, ومنها شخصية المفتش جافير, وهو عندي لا يقل بؤساً عن جان فالجان رغم الصورة المطبوعة عنه بأنه ديكتاتوري يصدر أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان. هذا الرجل العنيد ولد في سجن, وكانت أمه عرافه وأبيه من المحكوم عليه بالأشغال الشاقة. حين ترعرع لاحظ أنه غارق خارج نطاق المجتمع. لقد لاحظ أن المجتمع يوصد أبوابه في وجهه مثلما اوصدت الأبواب في وجه جان فالجان بعد خروجه من السجن. هذا الرجل كان مزاجاً من عاطفتين هما في ذاتهما بسيطتان, ولكنه كاد يجلعهما شريرتين بتطرفه في تنفيذ المهام, احترام السلطة وكره التمرد. لا أحتاج لتفصيل أكثر لشخصية المفتش جافير إذ هو شخصية روائية معروفة جداً لدى الجمهور, ولكن لماذا قلت أن هذا الرجل لا يقل بؤساً عن جان فالجان؟

منذ أن بلغ المفتش جافير منصبه كمفتش عام كان قد وقف حياته وأعماله وحتى دينه كله على الشرطة. كان له رئيس هو مسيو جيسيكيه, ولم يكن يعرف, أو بمعنى أصح نادراً ما يفكر بذلك الرئيس الآخر كما يصفه هيجو, وهو الله.

بعد أن حرر جان فالجان المفتش جافير من قبضة الثوار, وأطلق جافير سراح جان فالجان بعد أن ألقي القبض عليه تفجر بؤس جافير المكتوم في أول الرواية, ولم ينتهي كما في الزمن الروائي إلا بعد عشرين سنة من مطاردته لجان فالجان! كان يعتمل في أعماق وجوده شيء جديد, ثورة فيها ما يدعو إلى فحص الضمير والتفكير. هذا الرجل القاسي القلب وجد نفسه يلاقي آلاماً رهيبة, كان من أسباب ألمه النفسي أنه كان مكرهاً على التفكير, استشعر أن شيئاً رهيباُ كان ينفذ إلى روحه, الإعجاب بمحكوم عليه بالأشغال الشاقة. كان ألمه العظيم ناشئاً عن فقدانه اليقين, أن يجد نفسه فجأة بين جريمتين, جريمة إطلاق سراح رجل, وجريمة إلقاء القبض عليه. نشأ في نفسه نظام كامل مؤلف من حقائق غير معلومة, وعلم جديد بالكلية. لقد لمح في الظلام كما يقول هيجو الإشراق الرهيب لشمس أخلاقية مجهولة. كان قد اضطر أمام محكمته الباطنية الخاصة بسمو هذا الرجل البائس. وكان هذا أكثر ما أبغضه وقاسى منه. شرير محسن محكوم عليه بالأشغال الشاقة يملأ قلبه بالحنان, يقابل الشر بالخير, ويرد على البغض بالعفو, هذا الرجل اضطر جافير أن يعترف أخيراً بوجود هذا الكائن الجبار. يقول هيجو في وصف الحالة النفسي لجافير " إن ماكان يجري في ذات جافير كان تخلخل ضمير مستقيم, وإقصاء نفس عن طريقها, وسحق صلاح أُطلِق على نحو لا يقاوم في خط مستقيم وانكساره عند الله. الله, النفسي دائماً بالنسبة للإنسان, المستعصي, وهو الضمير الحق على الضمير الباطل, المحرم على الشرارة أن تنطفئ, الآمر الشعشع بأن يذكر الشمس, الموصي النفس بأن تعترف بالمطلق الحقيقي حين تواجه المطلق الوهمي, الله هو الإنسانية خالدة, والقلب البشري باقياً, هذه الظاهرة هل فهمها جافير؟ هل نفذ إليها قلب جافير؟ هل كون جافير فكرة عنها؟ لا من غير ريب. ولكن تحت ضغط هذا الممتنع استشعر جافير أن جمجمته تكاد تنفجر! "


الشخصيات السابقة كانت تمثل جيل الرجال الذين حط من قدرهم بالفقر. أما النساء وتحطيم كرامتهم بالجوع فكانت المرآة الآخرى لبؤساء هيجو وما يمثلونه من حالة يرثي فيها الأموات على الأحياء. ومن أفضل الشخصيات التي تمثل البؤس في هذه الملحمة هي شخصية فانتين. فانتين، وهي بالأصل لقيطة، أغراها شاب غني وتركها، وأنجبت طفلة اسمها كوزيت، واضطرت لبيع جسدها، لكنّها كانت تسعى للتخلص من هذه المهنة القذرة، وتركت فانتين ابنتها كوزيت عند أسرة تملك فندقاً صغيراً، واسم هذه الأسرة تيناردييه مقابل مبلغ من المال. كانت أسرة تيناردييه تعامل كوزيت معاملة سيئة، وتبتز فانتين، عملت فانتين في معمل في بلدة مونتروي، كان يملكه الأب مادلين، الذي عرف بقوة جسدّية خارقة، واستغرب مفتش الشرطة جافير قوته، وذكرته قوة الأب مادلين بقوة شخص هرب من السجن وهو جان فالجان، أمّا فانتين فلقد طردت من المصنع بعد أن عرفت إدارة المصنع سر حياتها السابقة، أيّ أنّها كانت تبيع جسدها، وتم طردها دون علم الأب مادلين، وعندما التقى بها، وعد بتقديم المساعدة لها لكي تصبح امرأة فاضلة، وطلب إعادة كوزيت إليها، إلا أنّ أسرة تيناردييه، ماطلت في التخلي عن كوزيت، لأنها وجدت فيها مصدراً للرزق.‏

قصة فانتين كما يصفها هيجو في الرواية هي قصة المجتمع يشتري أمة رقيقة, من الشقاء والجوع والبرد والتخلي, والحرمان. صفقة موجعة, نفس بشرية مقابل كسرة خبز. إلى أين تمضي هذه الفتاة؟ لم كانت كذلك؟ إن ذلك الذي يعرف يرى الظلام كله, إنه واحد أحد. إن اسمه الله!

إن بؤس فانتين لم يكن لأسباب ذاتية أو مالية حتى كما طرحها هيجو وأراد لها أن تظهر بهذا النظر البشع المقزز للنفس. هذه المرأة لم تكن قادرة على أن تحتمل نظرات ابنتها الحزينة, فمن أجلها أثِمت, وهذا هو السبب الذي من أجله يغفر الله لها كما تقول قبل وفاتها. بهذه الطريقة يصبح البشر ملائكة, إنها ليست خطيئتهم على الإطلاق كما يقول هيجو. إنهم لا يعرفون كيف يبدأون على نحو آخر. إن هذا الجحيم الذي خرجت منه فانتين بعد أن تعرفت على مسيو مادلين أو بمعنى أصح جان فالجان, هو الخطوة الأولى نحو الجنة.

" ما الشيء الرخيص اليوم؟
كل شيء غالٍ. ليس من شيء رخيص غير آلام الناس.
إن آلام الناس مجانية! فانتين اقتربت من القداسة من خلال الألم العظيم "

" هناك مشهد واحد أعظم من البحر , ذلك هو مشهد السماء. وهناك مشهد واحد أعظم من السماء, ذلك هو باطن النفس البشرية. إن نظم قصيدة الضمير الإنساني, ولو كان ضمير رجل فرد, بل ولو كان ضمير أسفل الناس واحطهم, يقتضي إذابة جميع الملاحم في ملحمة عليا ونهائية. الضمير هو هيولي الروح, والشهوات, هو بوتقة الأحلام, هو مغارة الأفكار التي نستحي بها. إنه وكر المغالطات, وساحة الحرب التي تصطرع فيها الأهواء. اخترِق في بعض الساعات حجاب الوجه الأزرق المسود الذي يحمله كائن بشري مستغرق في التفكير, وانظر إلى ما وراءه. انظر إلى تلك النفس, إلى تلك الظلمة. إن هناك تحت الصمت الخارجي صراعاً بين العمالقة كالذي نجده عند هوميروس, ومعرك بين التنانين والأفاعي, وحشوداً من الأشباح كالتي نقع عليها عند ميلتون, ومتاهات مخيفة كالتي نلقاها عند دانتي. أي شيء مظلم تلك اللانهاية التي يحملها كل امرى في ذات نفسه, والتي يقيس بها في يأس رغبات دماغة, وأفعال حياته "




http://abuwabdallh900.googlepages.com/Gavroche.jpg

لو أردنا أن نخصص كل فقرات القراءة لشخصيات البؤساء, لما استطعنا أن نوفي هذه الشخصيات حقها الكامل. شخصياً, فضلت الكتابة عن شخصيتين هما أبطال العمل ككل, ولو كانت هناك شخصيات تستحق الكتابة عنها لن تكون غير غافروش الصغير, وطريقة استشهاده الغنائية. غافروش, الثائر الصغير, أو شهيد الحرية كما يسمى في الرواية, . هل من الممكن أن تجتمع الثورة والغناء في وقت واحد؟ وفي شخصية طفل صغير اتجه إلى الشارع ليبحث عن ذاته, عن نفسه, عن الثورة, يصرخ في الشوارع, وفي ضاحية سان انطوان, بين جموع حركة أصدقاء الأمة : لتحيا الجمهورية. هذا الطفل كيف استطاع هيجو تصوير حياته, وغناءه في الشوارع, واسشهاده في ثورة 1832م. وأنت تقرأ تحركاته في الميدان لن تجد نفسك إلا خلف المتاريس الباريسية بجانب غافروش. وأنت تشاهده يقود الكبار في الشوارع في مشهد الثورة لا تستطيع إلا أن تردد معه وهو يغني :

هل تذكرين حياتنا العذبة,
حين كنا كلانا صغيرين جداً,
وحين لم تعتلج في فؤادنا غير رغبة واحدة,
هي أن نرتدي ثياباً أنيقة وأن يحب أحدنا الآخر!

لا يبلغ مجموع عمرينا أربعين عاماً,
وحين كان كل شيء ,في بيتنا المتواضع الصغير
ربيعاً بالنسبة إلينا, حتى الشقاء نفسه

يا لها من أياماً حلوة
لقد تأملك القوم كلهم, كنت محامياً من غير دعوى
يوم اصطحبتك إلى متنزه برادو,
فكنتِ جميلة إلى درجة جعلت الزهور
توقع في نفسي أنها تتململ.

لقد سمعتها تقول : ما أجملها!
ما أطيب عبقها ! ما أروع تموج شعرها !
إنها تخفي تحت ردائها القصير جناحاً

وهِمت على وجهي معك, ضاغطاً على ذراعك
واعتقدوا عابروا السبيل أن الحب المسحور
قد زوّج في شخصينا السعيدين
شهر نيسان العذب إلى شهر نوار الجميل

نحن نحيا مختبئين, راضيين,
ملتهمين بالحب, تلك الثمرة المحرمة الطيبة,
ولم يكن فمي ليقول شيئاً
إلا أجابه فؤادك في الحال

كانت السوربون هي البقعة الشعرية الرعائية
حيث كنت أعبدك من المساء حتى الصباح.
هكذا تستعمل النفس العاشقة
تذكرة التاندر في البدان اللاتينية

إيه يا ساحة موبير! إيه يا ساحة دوفين
يوم سحبتً في الكوخ البارد الربيعي
ذراعك فوق ساقك الناعمة,
لقد رأيت نجماً في أقصى العلية

لقد قرأت أفلاطون كثيراً ولم يبق في ذهني شيئاً منه
كما لم يبق شيء من مالبرانش ولا منييه
لقد أريتني اللطف السماوي
بزهرة قدمتها أنتِ لي

من ذا الذي يستطيع أن ينسى
أوراق الفجر والقبة الزرقاء والأوشحة والأزهار
حيث الحب يغمغم بلغة سوقية فاتنة!

تلك المصائب الكبرى التي كانت تضحكنا!
فروة يديك المحترقة, وفروة جيدك الطويلة الضائعة!
وتلك الصورة الأثيرة من شكسبير الإلهي
التي بعناها ذات مساء, لتناول العشاء!

أول مرة أخذت فيها,
قبلة من شفتيك الملتهبتين
حين تشعث شعرك وشاع الدم في وجهك
ظللت أصفراً شاحباً وآمنت بالله!

هل تذكرين سعادتنا التي لا تحصى
وجميع تلك المناديل التي استحالت إلى خرق!
أوه ! كم زفرة من قلبينا المفعمين بالظل
قد انطلقت في السماوات العميقة!



كلّ صفحة من الرواية تستوقف منك النظر والسمع والحواس جميعاً، فالكاتب يؤرخ لك مرةً، ويقص عليك مرةً، ويصف ثالثة. ولذلك أتوقف عن الحديث عن الشخصيات الآن وأخصص المتبقي من القراءة لأراء هيجو السياسية والفلسفية.

هناك ملاحظة يجب أن تذكر, فيكتور هيجو لم يتم كتابة البؤساء بشكلها النهائي إلا بعد 12 سنة من بداية الكتابة. أي أنه اضطر كتابة الرواية على مدى 12 سنة كاملة. تقع أحداث الرواية في أكثر من مكان، ولكن الأحداث تجري كلّها في فرنسا، بعد الثورة، ومن حيث التسلسل الزمني للأحداث، تجري الأحداث عام 1815، ففي هذا التاريخ يهرب جان فالجان من السجن، ويعود فيكتور هيجو إلى الوراء، أيّ إلى عام 1796 وهو العام الذي زج به بجان فالجان بالسجن . بعض السنوات التي كتب فيها هيجو الرواية كان خارج مدينته باريس, التي هي مسقط روحه قبل رأسه. باريس تشكل علامة من علامات الرواية الكبرى, رغم أن باريس هيجو القديمة تختلف عن التي زارها بعد عودته إليها. باريس التي يحتفظ فيها بخشوع في ذاكرته.هو يكتب في الرواية عن باريس القديمة الماثلة أمام عينيه لا صورة جديدة مضطر للسير وراءها. الإنسان كما يصفه هيو يتعلق بصورة الوطن كما يتعلق بوجه أمه. هي ذي باريس, هو ذا الإنسان.

" باريس تستيقظ وتفرك عينيها وتقول " أأنا بلهاء " ؟ وتنفجر ضاحكة في وجه الجنس البشري. أي أعجوبة هي هذه المدينة. إن لباريس مزاجاً مرحاً مطلق السلطان. إن ابتهاجها لمن الصاعقة, وإن ضحكتها تحمل صولجاناً. وقد تنطلق أعاصيرها من تقطيب وجه. إن ضحكها هو فوهة بركان يصيب رشاشه الأرض كلها. إن لها يوم 14 تموز الذي يحرر الكرة الأرضية, وهي تحمل جميع الأمم على أن تقسم يمين ملعب التنس. إن كتبها, ومسرحها, وفنها, وعلمها, وأدبها, وفلسفتها هي الأصول التي ينهل منها العلم البشري. إن عندها باسكال, ورينية, وكورني, وديكارت, وجان جاك, وفولتير لكل لحظة, وموليير لكل عصر. إنها تجعل الفم الكوني يتكلم بلغتها, وتنتهي تلك اللغة إلى أن تصبح كلمة الله . تلك هي باريس. إن أدخنة سطوحها هي أفكار الكون. ركام من الوحل والجارة, ولكنها فوق ذلك كائن أخلاقي. إنها أكثر من عظيمة, وغير متناهية, لماذا؟ لأنها تتجرأ! "


فيكتور هيجو في الرواية يقدم التاريخ الفرنسي في أروع تجلياته. من هذه التجليات, الثورة الفرنسية, ونابليون, ومعركة واترلو. عن الثورة الفرنسية, في أكثر من موضع في الرواية لا تكون الثورة ورجالاتها وتاريخها إلا حاضراً و بقوة. إن للثورة الفرنسية كما يعبر هيجو أسبابها. إن المستقبل سوف يغفر لها غضبها, أما نتيجتها فهي العالم الأفضل, ومن ضرباتها الأشد فضاعة تنبثق ملاطفة للجنس البشري. ولكن ما يرفضه هيجو في فرنسا الثورية هو الإحترام لتاريخية فرنسا. ينبغي على فرنسا الثورية أن لا تتبرأ من فرنسا الماضي. لماذا لا نحب فرنسا وتاريخها كله بدون انتقاص كما يقول. " الثورة الفرنسية هي المثل الأعلى مسلحاً بالسيف لا أكثر, وبتلك الحركة نفسها أوصدت باب الشر وفتحت باب الخير. نستطيع أن نقول أنها خلقت الإنسان من جديد بأن منحته نفساً ثانية, منحنه حقوقه, فبفضل الثورة تغيرت الأحوال الإجتماعية. إن الأمراض الإقطاعية لم تعد في دمنا, لم يبق شيء من القرون الوسطى في دستورنا. إننا ما عدنا نعيش في العصر الذي كانت التحالفات الداخلية تشن الغارات فيه, العصر الذي كان الناس يسمعون فيه تحت أقدامهم, العصر الذي تشققت فيه الأرض, وانفتحت فيه أبواب الكهوف, إن المعنى الثوري معنى أخلاقي, ذلك بأن الإحساس بالحق يولد الإحساس بالواجب, وقانون كل شيء هو الحرية التي تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين "


بعيداً عن فرنسا الثورة. تتحدث رواية "البؤساء" عن شخصية نابليون بونابرت. وتوجد في الرواية شخصيات تؤيده، وأخرى تدينه، وهي بذلك تشبه رواية "الجريمة والعقاب" ، إذ يشبّه بطلها راسكولينكوف نفسه بنابليون بونابرت، ويرى أنّ الفرق الأساسي بينهما أنّه أكثر وجداناً من نابليون بونابرت، ويرمي راسكولينكوف بنقوده المسروقة من عند العجوز المرابية، ومجوهراته تحت صخرة في حديقة مهجورة، ويرمي جان فالجان نقوده في صندوق ويضع الصندوق في حديقة مهجورة. من أفضل الفصول التي كتبها فيكتور هيجو عن نابليون هو فصل حرب واترلو!

يوسف الجميعة
25-06-2008, 06:59 PM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Waterloo1.jpg

في القراءات الأدبية الشهيرة لرواية البؤساء غالباً ما يذكر في هذا العمل حديث هيجو عن نابليون و أفول نجمه في فرنسا. واللوحات القصصية التي تحكي تاريخ فرنسا في حقبة من أخطر الحقب لا في حياة هذا البلد - فرنسا - .. بل في حياة أوروبا كلها. أن تقرأ التاريخ من روائي لهو أجمل من أن تقرأ لمؤرخ أسلوبه الأدبي جاف ولا يحرك في النفس أي حركة تجعله يبحث عن متى , و كيف حدث هذا, وماهي النتيجة في تلك الحقية التاريخية من القرن الماضي. رواية البؤساء رغم أنها معروفة على مستوى العالم بأنها تحكي حكاية البؤساء من جان فالجان إلى كوزيت ومسيو مريشيل و تينادريية إلا أنها كذلك كانت تحكي حكاية فرنسا الإمبراطورية, فرنسا نابليون بونابرت, و فرنسا الثورة الفرنسية الكبرى. أولى هذا النقاط التاريخية التي تحدث عنها هوجو في روايته البؤساء , معركة واترلو, إحدى أكبر المعارك الأرضية التي خاضها البريطانيون ضد جيش نابليون في تاريخهم الحديث.


" .. هوغومون, كانت تلك هي البقعة المشؤومة, وبدء المقاومة. أول عائق لقيه في واترلو حطاب أوروبا العظيم , نابليون بونابرت, أول عقدة تعترض سبيل الفأس. ذلك هو الفناء الذي كان احتلاله حُلم نابليون, ولو قد وفق إلى الإستيلاء على تلك الزاوية من الأرض لكان من الجائز أن تهبه الدنيا كلها. إن عاصفة الصراع لا تزال في هذا الفناء, وإن الهول لا يزال مشهوداً هناك. إن الدمار الناشيء عن القتال لمتحجر في تلك البقعة. هذا يحيا, وهذا يموت, لكان ذلك كان بالأمس. إن الجدارن لتتساقط, وإن الثلم لتصيح, إن الحفر جراحات, وإن الشجر وقد انجنت وارتعشت تبدو و كأنها تبذل جهدها لكي تفر.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/BattleofWaterloo4.jpg

هذا البستان سريع الإستجابة, شأن غيره من البساتين. إن له براعمه الذهبية وأقاحية الصغيرة. إن العشب هناك عال, وخيل المحراث ترعى. إن هياكل الأشجار الميتة العظيمة لتكثر في هذا البستان, وإن الغربان لتطير على الأغصان, و وراء هذا البستان ملأى بالبنفسج. الحريق, المجزرة, المذبحة, جدول يتكون من دم إنجليزي, ومن دم ألماني, ومن دم فرنسي, امتزجت في غضب عارم, بئر مليئة بالجثث, إصابة الحرس الإنجليزي بالتشوه الجسماني, هلاك عشرين فوجاً من أصل أربعين فوجاً من قوات راي الفرنسية, ثلاثة آلاف رجل قتلوا بحد السيف, في طلل هوغومون هذا وحده, وأثخنوا بالجراح, و ذبحوا, وصرعوا برصاص البنادق, و أحرقوا النيران .. وكل ذلك يستيطع ريفي أن يقول اليوم لأحد السياح : سيدي أعطني ثلاث فرنكات إذا أحببت و أشرح لك مسألة واترلو!


لو أن المطر لم يهطل ليل 71 حزيران 1815م لكان مستقبل أوروبا قد تغير. إن بضع قطرات من الماء جنحت بنابليون إلى السقوط. فلكي تكون واترلو خاتمو أوسترليتز لم تكن العناية الإلهية في حاجة إلى غير قليل من المطر, فإذا بسحابة تجتاز السماء في غير أوانها تكفي لإنهيار عالم. لو كانت الأرض جافة و تمكنت المدفعية من التحرك لكان في إمكان القتال أن يبدأ في السادسة صباحاً. ولكانت المعركة كُسبت و اختتمت في الساعة الثانية.

إلى أي مدى تقع مسؤولية الإنهزام في هذه المعركة على عاتق نابليون؟
هل كان انحطاط نابليون المادي الواضح مصحوباً آنذاك بانحطاط ذهني ما ؟
هل استطاعت العشرون سنة التي قظاها في ميدان القتال أن تبلي النصل كما أبلت الغمد وتوهن الروح كما أوهنت الجسد ؟



http://abuwabdallh900.googlepages.com/BattleofWaterloo2.jpg

كان نابليون ضابط مدفعية, وهو لم ينس ذلك قط. كان يعامل استراتيجية القائد العدو معاملته لقلعة على مدينة, فهو يهاجمها بالمدافع. إن تحطيم القوات المتجمعة في مربعات و سحق الكتائب و قطع الخطوط و تفتيت الحشود و بعثرتها, كل ذلك كان نابليون يتوسل إلى تحقيقه بأن يضرب و يضرب و يضرب من غير انقطاع. وكان يعهد في هذا الواجب إلى قذيفة الدفع. طريقة رهيبة استطاعت و قد أردفت بالعبقرية أن تجعل من جبار ملاكمة الحرب هذا, الكالح الوجه رجلاً لا سبيل إلى قهره طوال خمسة عشر سنة. لقد تعود أن يحدق إلى الحرب تحديقاً. إنه ما كان يجري جميع التفاصيل الموجعة رقماً رقماً. فلم تكن الأرقام لتهمه إلا إذا أعطت هذا الحاصل : النصر! على رغم من أن طلائع المعركة كانت سيئة فلم يزعجه ذلك, و كيف يزعجه وهو الذي اعتقد أنه سيد النهاية ومالكها. كان يعرف كيف ينتظر معتبراً نفسه في عصمة الطوارئ, معاملاً القدر كما يعامل الند للند. لقد بدأ وكانه يقول لهذا القدر : أنت لن تجرؤ



http://abuwabdallh900.googlepages.com/BattleofWaterloo3.jpg

أما ولينغتون, القائد الأنجليزي فكان حكيما متبصراً. وقد درس هذا السهل في السنة المنصرمة بوصفه موقعاً يمكن أن تدور فيه رحى معركة عظيمة, وعلى هذه الأرض ومن أجل هذه المبارزة كان ولينغتون في الجانب الأفضل وكان نابليون في الجانب الأسوأ. كان قلقاً بعض الشيء لكنه ثابت الجنان. كان ممتطياً صهوة جواده وقد ظل هناك طوال نهار محتفظاً بالوضح نفسه. كان باسلاً على نحو خال من الشعور. لقد انهمرت القذائف إنهمار المطر, وكان غوردن أحد قواده العسكريين قد صرع اللحظة في جانبه, وقال لأحد قواده اصمدوا هنا حتى الرجل الاخير, كان واضحاً في مسار الحرب الأولية أن كفة الفرنسيين هي الراجحه, فصاح ولينغتون برفاقه القدماء : أيها الغلمان, يجب أن لا نهزم, فكروا بإنجلترا العجوز! يجب أن نموت فوق هذه الأرض التي نحتلها الآن!


أكان من الممكن أن يكسب نابليون هذه المعركة؟
نحن نجيب بقولنا لا. لماذا ؟
بسبب من ولينغتون, بسبب من بلوخر؟
لا, بل بسبب من الله



http://abuwabdallh900.googlepages.com/BattleofWaterloo5.jpg


فلأن ينتصر نابليون في واترلو شيء لم يكن في قانون القرن التاسع عشر. كانت سلسلة جديدة من الوقائع على وشك الوقوع, سلسلة لم يكن نابليون أيما مكان فيها. وكانت نية الاحداث السيئة قد تجلت منذ زمن طويل. لقد حان سقوط هذا الرجل الهائل. إن وطأة هذا الرجل المفرطة على المصير الإنساني قد أخلت بالتوازن. فقد كان هذا الفرد يساوي وحده المجموع الكوني. وهذا الفيض من كامل الحيوية البشرية المركز في رأس واحد, وهذه الدنيا الممتطية دماغ رجل واحد, خليق بهما أن يصبحا شؤوماً على الحضارة إذا استمرا. لقد آن للعدالة العليا النزيهة أن تتدبر الأمر, وأغلب الظن أن المبادئ و العناصر التي تقوم عليها الجاذبيات القياسية في النظام الأخلاقي وفي النظام المادي جميعاً قد بدأت تتذمر. فالدماء التي يتصاعد منها البخار, والمدافن المزدحمة بسكانها, و الأمهات السافحات الدمع, كل أولئك محامون مخيفون, حين تشكو الأرض ضيقاً شديداً, تسمعها السماء, لقد شُكي نابليون إلى اللانهاية, وكن سقوطه مقرراً.

لقد أغضب الله.
إن واترلو ليست معركة على الإطلاق, إنها تغير في جبه الكون.
في ذلك اليوم تغير مستقبل الجنس البشري. إن واترلو هي مفصل الباب الذي دار عليه القرن التاسع عشر, فكان زوال الرجل العظيم ضرورياً لمجيء القرن العظيم. لقد تولى هذا المهمة كائن ما لا يناقش في إرادته, وهكذا يفصح ذعر الأبطال عن نفسه. إن معركة واترلو أكثر من سحابة, إن فيها شهباً, لقد مر الله من فوقها.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/BattleofWaterloo6.jpg


ماهي واترلو؟
إنها يانصيب ربحته أوروبا و دفعته فرنسا. و واترلو فوق هذا أعجب معركة في التاريخ. نابليون و ولينغتون: إنهما ليسا عدوين, إنهما نقيضان. فلم يقم الله مغايرة أكثر روعة والتقاء أشد خروجاً على نسق العادة. فمن جانب كانت الدقة و التبصر و الهندسة و الفطنة و التقهقر المضمون والإحتياطي المقتصد فيه, ورباطة الجأش العنيدة و طريقة ثابتة الجنان, واستراتيجية تقوم على الاستفادة من الأرض, و فن حربي يهدف إلى إقامة الموازنة بين الأفواج, ومجزرة تساق إلى خط القتال, و حرب تدار والساعة في اليد, وعدم ترك شيء للمصادفة, وشجاعة كلاسيكية قديمة و الضبط المطلق .. ومن جانب آخر كان الحدس والإلهام والأعجوبة العسكرية والغريزة فوق البشرية واللمحة المتهبة, وشيء خفي يحدث كالنسر ويعصف كالصاعقة, وفن مدهش في اندفاع ينضح بالإحتقار, وجميع أعاجيب النفس البعيدة الغور, والألفة مع القدر, ودعوة النهر والسهل والغابة والكثيب, بل إكراهها بمعنى من المعاني على الخضوع, وذهب الطاغية إلى حد فرض طغيانه في ميدان المعركة, والإيمان بطالع مقرون إلى العلم الإستراتيجي فهو يزيده, ولكنه يكدره. كان ولينغتون باريم الحرب, وكان نابليون ميكال آنجلها, وهذه المرة غلب الحساب العبقرية.

إن واترلو معركة من الطراز الاول كسبها قائد من الطراز الثاني. إن ما ينبغي أن نعجب به في معركة واترلو هو إنجلترا, هو الصلابة الأنجليزية, هو العزم الإنجليزي, هو الدم الإنجليزي. لقد كان ولينغتون عنيداً وتلك موهبته, بيد أن أصغر جندي من جنوده تكشف عن صلابة لا تقل عن صلابته. كان الجندي الإنجليزي يعدل الدوق الحديدي ولينغتون. "



بعد ما يقرب من مائتي عام على انتهاء معركة واترلو، لم يزل الى الآن عدد من العسكريين والمؤرخين يطرحون السؤال التالي: هل حقا أن واترلو غيرت وجه التاريخ؟ والمؤلف اندرو روبرتس يعترف في كتابه " واترلو مقامرة نابليون الاخيرة " بأنه حتى لو قدر لنابليون أن يربح تلك المعركة، فإنه عاجلا أم آجلا سيدحر على أيدي واحد أو أكثر من الجيوش الروسية، الاسترالية أو البروسية الجرارة، التي كانت مجتمعة على فرنسا.. ثم يؤكد على أن واترلو قد انهت التفوق العسكري الفرنسي النابليوني، وفي نفس الوقت التبشير والبداية الحقيقية للإمبراطورية البريطانية الحديثة.

يوسف الجميعة
26-06-2008, 08:12 AM
هناك نقطة مركزية في البؤساء يستند عليها هيجو بكثرة, ويكثر من الحديث عنها. النقطة التي يظهر من خلالها مشاعر أبطاله وشخصياته, وحتى الإحداث التاريخية, هي الإيمان بالله و وجود الله . ومشكلة الإيمان والإلحاد. ويبدو أن لا فرق في الأفكار بين فيكتور هيجو وبين غيره من كبار الأدباء في العالم. ف مكسيم غوركي كتب ذات مرة عن تولتسوي الأديب الروسي الكبير, ومن أحاديث جانبية بينهما " تشغله فكرة الله حتى تكدر صفاء ذهنه. ويلوح أنها ليست فكرة, بل مقاومة عنيفة لشيء يشعر أنه محكوم به. كانت أحاديثه المفضله الله و الفلاح و المرأة . ونادراً ما يتحدث عن الأدب.

الله حسب تصور فيكتور هيجو- وقد ذكره بنفسه في الرواية على أية حال - أن الله هو المثل الأعلى, المطلق, الكمال, اللانهاية. هناك ملحدين مشاهير وأقوياء لكنهم حسب تصور هيجو الفلسفي ليسوا في الواقع, وقد أعيدوا إلى الحقيقة بقوتهم نفسها, واثقين كل الثقة من أنهم ملحدون! إن المسألة في ما يتصل بهم لا تعدو أن تكون مسألة حد أو تعريف. إنكار الله يقود إلى العدمية, ومع العدم يتعذر النقاش, لأن العدمي المنطقي يشك في أن محاوره موجود, وليس واثقاً كل الثقة من أنه هو نفسه موجود. الفلسفة ينبغي أن لا تكون مجرد برج مراقبة, مبنية على الألغاز ابتغاء التحديق إليها من غير نتيجة سوى إرواء الفضول. يجب أن نحيي الفلاسفة, وفي نفس الوقت نخاصم فلسفتهم من غير هوادة كما يقول فيكتور هيجو, أديب فرنسا الكبير.

أخيراً,
خاتمة أعمال فيكتور هيجو لا تعتمد على أي عوامل فنية تقتضيها حاجة أبطال الرواية. العمل الفني ليس هو المتحكم بخاتمة أعمال هيجو, وإنما أراءه الفلسفية هي التي تتحكم بغالبية أعماله الروائية, وسنلحظ مثل هذا في قراءات رواياته المتبقية هنا. خاتمة أي رواية ما لفيكتور هيجو يجب أن تصل إلى كمالها المطلق, طريقة الوصول تلك هي شيء واحد : الموت!

الموت عند هيجو ليس كميناً أو انهياراً, وإنما هو عودة الأشياء إلى أصولها, الكمال المطلق, أعظم صنوف الحرية, وأعظم ضروب التقدم. الموت هو صعود كل من عاش إلى الطبقة العليا. انه الصعود الباهر المقدس. ولذلك كانت نهاية الرواية تمثل الكمال المطلق مثلما أراد مؤلفها عبر إيراده لكلمات كتبت على قبر عملاق الرواية جان فالجان.

" في جوار مقبرة الفقراء والمجهولين, وبعيداً عن الحي الأنيق من مدينة القبور تلك, بعيداً عن جميع تلك الأضرحة الغريبة التي تعرض في حضرة الأبدية أزياء الموت الرهيبة, وفي زاوية مهجورة. وهذا الحجر عارٍ عن أي زخرف. فلم يفكر عند إعداده إلا في حاجات القبر الضرورية ولم يُعن بغير جعل هذا الحجر كافياً من حيث الطول والعرض لتغطية رجل.
ولك يكن ثمة اسم ما.
بيد أن يداً حطت على ذلك الحجر بقلم الرصاص - منذ عدة سنوات - هذه الأبيات الأربعة التي انتهت تدريجياً إلى أن تصبح غير مقروءة, تحت المطر والغبار, والتي امحت اليوم في أغلب الظن :

إنه يرقد، بالرغم من غرابة قدره.
لقد عاش. لكنه مات عندما فقد ملاكه.
الأمر يحدث ببساطة، من تلقاء نفسه،
مثلما يأتي الليل عندما يولي النهار!

سيّار
26-06-2008, 01:26 PM
عندما مات عن عمر يتجاوز الثالثة والثمانين عاماً توقفت الحركة في فرنسا كلها، وعندما فتحوا وصيته وجدوا فيها مكتوباً الكلمات البسيطة التالية:-
1.أعطي خمسين ألف فرنكاً إلى الفقراء.
2.أتمنى أن أنقل إلى المقبرة في تابوت الفقراء.
3.أرفض تأبين كل الكنائس ورجال الدين، وأطلب صلاة من كل الناس.
4.أومن بالله.
فيكتور هيجو

تبّاً للإنسانية
والله لم استطع حبس دمعي
(كأنه اراد قول شيءٍ آخر ولم يُدركه احدٌ غيري !!)

شكراً لك يا يوسف على هذا الطرح واردت منك فضلاً . .
اين كان حديثه عن الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكيف يمكن الوصول إليه ؟

يوسف الجميعة
28-06-2008, 10:57 PM
" أحدب نوتردام "




http://abuwabdallh900.googlepages.com/book2.JPG





تعتبر رواية أحدب نوتردام من الأعمال الروائية الأولى في حياة فيكتور هيجو الأدبية. في بداية أعماله الأدبية كان هيجو شاعراً وكاتباً مسرحياً, ومن ثم أصبح روائياً. إذا أردنا قراءة هذه الرواية يجب أن نعلم أن هذه الرواية كانت السلم الأول في حياة هيجو الروائية, إذ كتبها وهو لايزال في التاسعة والعشرين من العمر. لذلك لا يصح القول أن أحدب نوتردام تطور أوانحراف عن مسار روايته الخالدة البؤساء. بل كانت البؤساء هي نتاج أولي لعدة أراء سياسية وأخلاقية وفلسفية وإجتماعية أراد هيجو طرحها بتشعب في رواية البؤساء بعد أن طرح جزئيات منها في أحدب نوتردام. هيجو في هذه الرواية قدم عدة أدوار بطولية تتراوح بين الشر و الخير، و بين الجمال والقبح والبؤس، بين البرجوازية والشقاء والفقر.

بمجرد قراءة العنوان " أحدب نوتردام " يظهر أن فيكتور هيجو يقدم مزاوجة بين الجميل والقبيح, الجمال المتمثل بكنيسة نوتردام دي باري, والقبيح المتمثل بالأحدب بطل الرواية. ولكن, ألا يمكن أن يكون كل شيء معكوساً؟ لماذا لا تكون كنيسة نوتردام دي باري العريقة تمثل القبيح؟ والأحدب يمثل الجمال؟ هذه العلاقة بين الجمال والقبح لم يتحدث عنها مباشرة هيجو, وإنما قدم عمل روائي مبني على هذين الشيئين, القارئ الذكي سيعرف أين الجمال وأين القبح.

الكلمة الأولى من العنوان تشير إلى بطل الرواية, القبيح ظاهراً, الجميل باطناً, وسأتحدث عنه في الأخير. أما الكنيسة الفائقة الجمال ظاهراً, القبيحة باطناً فهذا ما سأفصله اعتماداً على كتاب ويل ديورانت, قصة الحضارة, مجلد الإيمان, خصوصاً إذا عرفنا أنها تمثل ذروة جمال الفن القوطي. بداية, يقول هيجو عن هذه الكنيسة أنها " نموذج خاص لتنويع متعدد العصور. كل واجهة وكل حجر من هذا الأثر العجيب هو صفحة لا لتاريخ البلاد فقط, بل لتاريخ العلم والفن أيضاً. هكذا نجد أن الدير الروماني, والكنيسة في حجر الفلاسفة, والفن الغوطي, والفن السكسوني, والعمود الثقيل المستدير الذي يذكرنا بجرنجوار السابع والرمزية الفلسفية السحرية التي مهد بها نيوقلا فلامل لعصر لوثر, والوحدة البابوية, وعهد الإنفصال عن الكنيسة, هذه كلها مختلطة متمازجة ذاب بعضها في بعض, في كنيسة نوتردام. إن هذه الكنيسة المركزية المولدة هي من بين كنائس باريس القديمة نوع من خيال وأسطورة, فلها رأس هذه, وأعضاء تلك, ومؤخرة تلك, فيها شيء من كل الكنائس".

ويل ديورانت في سِفره العظيم يطرح سؤال عن أية حاجة دعت إلى أن تنشأ في أوروبا التي لا يكاد سكانها في ذلك الوقت يصلون إلى خمس سكانها الحاليين معابد قلما تمتلئ لسعتها بالمصلين في أكثر الأيام قدسية؟

" كان السكان قليلين، ولكنهم كانوا مؤمنين. كانوا فقراء، ولكنهم كانوا يبذلون بسخاء عظيم. نفقات هذه الصروح معظمها يؤخذ مما يجمع من الأموال في كرسي الأبرشية, وكان الأساقفة فضلا عن هذا يطلبون العطايا من الملوك والنبلاء، والمدن ذات الحكم الذاتي, والنقابات الطائفية والأبرشيات، والأفراد. كانت المنافسة تثار بين المدن التي أضحت الكاتدرائية فيها رمزاً لثرائها وسلطانها، تتحدى بهما غيرها من المدن، وكان المتبرعون يوعدون بأن تغفر لهم ذنوبهم، كما كانت المخلفات المقدسة يطاف بها في الأبرشية لتحفز الناس إلى العطاء، وقد يحدث في بعض الأحيان أن يحرض الناس على البذل والسخاء بمعجزة من المعجزات.

الكاتدرائيات الكبرى- كلها بعد عام 1050- كان لابد فيها من استخدام مهندسين محترفين، كانوا كلهم-إلا قلة منهم لا تذكر- من غير الرهبان أو القسس. كانت قبب السقوف أعظم ما أنتجته عمارة العصور الوسطى. الطراز القوطي لم يبدأ من لاشيء، بل إن تقاليد تبلغ المائة عداً قد اجتمعت كلها لتمهد له السبيل: الباسلكا الرومانية، والعقود، والقباب، والطبقات العليا ذات النوافذ، وموضوعات الزخرف البيزنطية، والعقد الستيني الأرمني، والسوري، والفارسي، والمصري، والعربي، والقباب ذات الزوايا المتقاطعة، والدعامات المتجمعة، والأساليب الغريبة، والنقوش العربية، والقباب المضلعة، وأبراج الواجهات، والنزعة الألمانية لما هو شاذ غريب.. ولكن لم اجتمعت هذه المؤثرات كلها في فرنسا؟ كانت فرنسا، بعد إيطاليا، أغنى أمم الغرب وأكثرها تقدماً في القرن الثاني عشر، وكانت هي التي قدمت للحروب الصليبية أكثر الأموال والرجال، والتي أفادت من حوافزها الثقافية، وكانت هي التي تزعمت أمم أوروبا في التعليم، والآداب، والفلسفة، وكان العالم يعترف بأن صناعها أمهر الصناع.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/NotreDameDeParis..jpg

قامت كنيسة نوتردام دي باري Notre Dame de Paris على جزيرة في نهر السين. التواريخ المتصلة ببنائها توحي بضخامة العمل الذي استلزمه تشييدها، فقد بنى موضع المرنمين والأجنحة التي على جانب الطرقات بين عامي 1163و1182، وبني الصحن من 1182 إلى 1196، وأقيمت الأجزاء التي بين الأعمدة والأبراج فيما بين 1218و1223، وتم بناء الكاتدرائية كلها في عام 1235. وكان يقصد في تصميمها الأول أن تكون البواكي القائمة فوق العقود التي بين الصحن والطرقات على الطراز الرومانسي، ولكن البناء كله اتخذ عند إتمامه الطراز القوطي. والوجهة الغربية أكبر مما تتطلبه الكاتدرائية القوطية، ولكن سبب هذا أن الشماريخ التي كان في النية إقامتها فوق الأبراج لم تبن قط، ولعل هذا هو منشأ ما في الواجهة من هيبة ذات بساطة وقوة جعلت العلماء الأفذاذ يضعونها في مصاف "أنبل ما أنتجته أفكار الإنسان من آراء في فن المعمار". والشبابيك الوردية في كنيسة نوتردام دي باري آية في النقوش الخطية وجمال التلوين، ولكنها لم يقصد بها أن توصف بالقول أو بالكتابة والتماثيل التي بها، وإن عدا عليها الزمان أو أضرت بها الثورة، تبرز أحسن ما أنتجه الفن بين عصر قسطنطين وبناء كاتدرائية ريمس. وقد نحتت في قلب المقص القائم فوق المدخل الرئيسي صور يوم الحساب بتؤدة أعظم مما نقش بها هذا الموضوع الذي نراه في كل مكان، فصورة المسيح هنا ذات جلال هادئ، والملك الذي عن يمينه من أعظم الانتصارات التي أحرزها فن النحت القوطي. وخير من هذا كله صورة عذراء العمود La Vierge de Trumeux القائمة فوق المدخل الشمالي: إن في هذه الصورة لدقة في التنفيذ، وفي صقل السطح الخارجي، وفي الثياب المنسجمة مع الطبيعة، ويسراً جديداً ورشاقة في أوضاع الوقوف، وإلقاء ثقل الجسم على إحدى القدمين، وتحرره بذلك من الوضع العمودي المتصلب. ويكاد فن النحت القوطي يعلل في هذه الصورة الجميلة استقلاله عن فن العمارة وينتج آية خليقة بأن تنتزع مما حولها، وتقام بمفردها تعلن عن فوز هذا الفن. وانتهى في كاتدرائية نوتردام دي باري طور الانتقال وحل عصر الفن القوطي " .



يقول الأديب الأرجنتيني الكبير بورخيس " قيض لي ذات مرة أن أقرأ ترجمة أنطوان غالا لألف ليلة وليلة. اكتشفت أشياء كثيرة لكنني حلمت بشيء واحد, هو أن أملك بساطاً سحرياً ينقلني إلى كل الأمكنة وإلى كل الأزمنة, لم يكن هذا ممكنا فأطلقت لخيالي العنان"

فيكتور هيجو لم يكتب الرواية إلا بعد أن أطلق لخياله العنان مثلما جسدها لاحقاً بورخيس واشتهر بها في قصصه القصيرة الشهيرة. عاد هيجو إلى زمن لويس الحادي عشر, إلى زمن كان مقر الحاكم الباستيل, ذلك القصر, السجن, الذي أصبح بعد فترة طويلة في القرن الثامن عشر عيداً وطنياً لفرنسا بمناسبة سقوطه. أراد هيجو أن تكون الثورة لا في زمن لويس السادس عشر, بل في زمن لويس الحادي عشر, وأن لا يكون الشعب الفقير والطبقة الثالثة هم من يقوموا بالثورة, بل اللصوص هم من يقوموا بالثورة وبكل شيء ضد الملك, ولكن الأمر لا يتعلق بالحقوق السياسية أو بأي شيء آخر, بل لسبب واحد رمزي, هو تحرير امراة اتهمت ظلماً في محاكمة صورية بأنها ساحرة وهي الأسميرالدا. بعد أن يتفق جماعة كبيرة من اللصوص على مهاجمة كنيسة نوتردام دي باري لتحرير الرهينة من قبضة السلطات التي عزمت على اقتحام حرمة الكنيسة, يصل الأمر إلى لويس الحادي عشر فلا يهتم!

" إنها ثورة ضد قاضي القصر فلا يهم.
هم مجموعة من الرعاع,
سنرسل غداً جنود فلا تقلقوا.
أيها القاضي, لقد كانت هنا في حوزتك قطعة غالية من باريسنا! "

لكن هذه الثورة ضد القاضي تتحول بطريقة سريعة إلى ثورة ضد الملك نفسه, فما أن يعرف الملك أن الحصار المفروض على كنيسة نوتردام لم يكن إلا حصاراً رمزياً لمكان مقدس يتبع للملك الفرنسي مباشرة حتى تغير نبرة الصوت, والفعل : " نوتردام, ! إنهم يحاصرون نوتردام, سيدتي الطيبة, فهم يهاجمونني أنا شخصياً, إن الساحرة في رعاية الكنيسة, والكنيسة في رعايتي, وأنا الذي كنت أظن الثورة ثورة على القاضي.!" .. هذا المشهد الحلم من ثورة لم تقوم في ذلك الزمن, انتهت بالأمر المعتاد من نظام حكم إقطاعي : تحطيم مقاومة الجماهير, وشنقهم, وشنق الساحرة.

هذه القصة الرمزية الحالمة من أحدب نوتردام أراد لها هيجو أن يتطرق فيها إلى عدة أمور دفعة واحدة. لماذا تقوم الثورة؟ من هم الذين يقومون بالثورة؟ وماذا يريدون؟ بغياب العدالة , وسطوة رجال الدين المتطرفين, محكمة التفتيش كما في محكامة الأسميرالدا, واستخدام التعذيب للتحقيق, بغياب العدل الإجتماعي والمساواة بين طبقات الشعب, يكون الأمر ممهد لثورة قد تعصف حتى بأقدس مكان.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/ClaudeFrollo.JPG

الجزئية الأولى التي طرحها هيجو بشكل واضح في الرواية هي تصوير شخصية رجل الدين المتعنت, الكاهن كلود فروللو , والذي اعتبره رمز التعنت الديني و الشر والذي لم يتردد في القيام بأية جريمة لإشباع نهمه و أنانيته. رغم منصبه كأسقف نوتردام وما يتطلبه من مساعدة الفقراء- أي كما رسم هذه الشخصية هيجو في البؤساء- فإنه هنا في هذه الرواية لم يتورع عن اقتراف كل الطرق والوسائل للحصول على الفتاة الغجرية. هذه الشخصية هي التي أظهر من خلالها هيجو قبح الكنيسة في باطنها. كانت الكنيسة فائقة الجمال خارجياً, وبشهادة الكل, لكن شخصية الأسقف القائم في كنيسة نوتردام حول هذه الكنيسة إلى مكان قبيح جداً. ليس كل ما كان جميل في الخارج يستلزم أن يكون من الداخل كذلك. هذا ما طرحه هيجو في الرواية بشكل غير مباشر. تصور هيجو لرجل الدين يجب أن يكون مع الفقراء, يهتم بمصالحهم الشخصية وأن يقفوا في وجه السلطات الرسمية لوقف أي تحول إقتصادي قد يمس الحياة العاممة للفقراء. مسيو ميرنييل في البؤساء هو المثال الجميل لشخصية رجل الدين الذي يجب أن يكون. في ثورة شبابه لا أعتقد أن هيجو كان يريد أن يطرح عظات مثل هذا الأسقف المثالي الغير موجود في الحياة العامة, فبادر على ما أظن إلى تعرية الواقع الديني بمهاجمتهم بلا هوادة.

تبدأ الرواية بانتخاب الأحدب كوازيمودو، بابا للمجانين، هذا الأحدب الذي قال عنه هوجو في على لسان أبطال الرواية أنه وحش حقيقي, قرد مسخ ناقص, أكبر المصائب. هذا الأحدب الأصم, المشوه الخلق, و الذي لم يقبل به سوى الكاهن كلود فروللو حيث جعله قارعاً للأجراس في أبراج نوتردام باريس، لم يكن يعرف و يحب سوى تلك الأجراس التي أودت بسمعه فجعلته أصماً، كان قبيحاً لم يعرف لنفسه قيمة. كانت المتعة التي أحس بها في أعماق كيانه أنه لم يكن يعرف غير الإذلال والاحتقار لطبقته, والتقزز من شخصه. كان منذ خطواته الأولى بين الناس يشعر أنه مرذول, مهان من الجميع, فكان النطق البشري في شأنه سخرية ليس إلا.

في صباح أحد الأيام وضع طفل حي علي سرير خشبي في كنيسة نوتردام، وقد بعث هذا الكائن الحي الفضول الكبير في العديد من الناس الذين تجمعوا بكثرة حول السرير.

"ماهذا يأختاه؟"
"إنه ليس طفلا، إنه قرد مسخ ناقص."
" إن هذا الطفل وحش حقيق، مقيت ويجب أن نرمي به في النار أو في الماء.."

أي تصوير فني لهذه الشخصية القبيحة في نظر فيكتور هيجو؟ هذا الوحش الصغير لم يكن طفلاً حديث الولادة. كان كتلة صغيرة مشوهة، متحركة، محبوسة في كيس من القماش يظهر منها رأس هذه الكتلة، لم يكن يري فيه غير غابة كثيفة من الشعر الأحمر، وعين واحدة وفم وأسنان. كان ثمة كاهن شاب يصغي منذ فترة من الزمن إلي تعليقات النساء، أبعد الجمهور صامتا وتفحص هذا الطفل المشوه وقال:

"أنا اتبنى هذا الطفل".
فقالت إحدى السيدات:
"لقد سبق وقلت لك يااختاه إن هذا الكاهن الشاب كلود فروللو، هو رجل ساحر".

يصف هوجو علاقة الأحدب بكنيسة نوتردام فيقول كانت نوتردام بالنسبة إليه البيضة والعش، المنزل والوطن بل العالم بأسره. لقد أحب الأجراس ومع ذلك فقد كانت هذه الأجراس سببًا في صممه، ولكن الأمهات يبالغن في الغالب في حب من هو أشد إيذاء لهن من أبنائهن.

ومع ما سبق ذكره، فإن مخلوقاً بشرياً واحداً كان كوازيمودو يحبه كما كان يحب كاتدرائيته أو أكثر، إنه كلود فروللو، إنه هو الذي علمه النطق والقراءة والكتابة، والأهم من ذلك كله، هو الذي جعله قارع الأجراس. ليس من سلطان في العالم يضاهي سلطان الكاهن علي قارع الأجراس فإشارة منه كانت كافية لكي يلقي كوازيمودو بنفسه من أعلى أبراج كنيسة نوتردام. لدي رأي عن هذه الشخصية التي صورها هيجو بكل بشاعه. إنه في نظري لا يستحق أن يكون البطل الأول في الرواية, كان ذا دور حقيقي صحيح في الدفاع عن الكنيسة ضد اللصوص, وبقرع الأجراس في كنيسة نوتردام دي باري. ولكن ذلك كله لم يكن ليقف جنباً إلى جنب مع شخصية الأسميرالدا, الفتاة الغجرية الراقصة. ومع ذلك فإن هيجو أراد أن يظهر في قبح هذه الشخصية كل الجمال.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/Illustration.jpg

قصة الأسميرالدا, ووالدتها الحقيقية جميلة جداً, أظهر من خلالها فيكتور هيجو الالم النفسي الحاد لوالدة هذه الفتاة بعد اختطافها وهي طفلة, وتبيان موقفه من حكم الإعدام بشكل عام, وفي ظل محاكم التتفتيش بشكل خاص, وعلاقة بطلي الرواية الغريبة, أحدب نوتردام و الاسميرالدا, القبيح والجميلة. في يوم ما أتت مجموعة من الغجر إلى المدينة وسرقوا أسميرالدا واستبدلوها بكوازيمودو القبيح. كبرت الطفلة , وتعلمت عاداتهم وتقاليدهم وطرقهم في المعيشة، أمها اعتقدت أن الغجر قد قتلوا طفلتها، صامت وصلت بقية حياتها كناسكة، وأصبحت توقر فردة الحذاء الذي أضاعته الاسميرالدا عندما اختطفت. فردة الحذاء الثانية حملتها الاسميرالدا كميدالية صغيرة حول عنقها لاعتقادها أنها ستجد أمها يوما ما. استغل فيكتور هيجو شخصية والدة الاسميرالدا لإضهار الهذيان الغير منضبط, الهذيان الفجائعي بتعابيره القوية والتي لا يقف في طريقها أي شيء. هذه الشخصية لا تظهر إلا قليل وهي فرعية وليست رئيسية, ولكن أحاديثها في صفحات قليلة تجعلها أحد الأبطال الرئيسيين. كانت تقول دائماً بهذيان :

" آه ! يا بنيتي ! يا طفلتي العزيزة المسكينة ! لن أراك أبداً؟ لقد انتهى كل شيء إذن ! يخيل إليّ أن ما أصابك قد حدث أمس فقط. يا إلهي, يا إلهي! أما وأنت تريدها بمثل هذه السرعة فقد كان عليك حقاً ألا تعطيني إياها أبداً. أفلا تعرف أن أطفالنا هم حشاشة قلوبنا, وأن الأم التي تفقد طفلها لا تعود مؤمنة بالله؟ آه كم أنا بائسة إذ خرجت ذاك النهار. إلهي, يا إلهي, وإذن فأنت لم تنظر إليّ, وأنا أرفع قدميها إلى صدري ثم أبلغهما شفتيّ! أوه ! لو أنك نظرت إلى هذا كله يا إلهي لأشفقت على سعادتي أن تنهار, ولما انتزعت حبي الوحيد الذي بقى لي في قلبي! واأسفاه يا إلهي ! هاك , هذا هو الحذاء, ولكن أين القدم؟ أين الباقي؟ بل أين الطفل كله؟ يا بنيتي ! مالذي صنعوه؟ أعدها إليّ يا إلهي. لقد قضيت خمسة عشر عاماً أصلي لك راكعة على ركبتي الداميتين أفلا يكفيك هذا كله؟ أعدها إلي يوماً واحداً, أو ساعة واحدة, أو دقيقة واحدة, دقيقة واحدة فقط, يا سيدي وإلهي. ثم ألق بي بعد ذلك إلى الشيطان حتى أبد الآبدين. أوه! لو كنت أعرف أين أجد طرف ردائك, لتعلقت بك بيدي هاتين, يجب أن تعيد إلي طفلتي! هذا هو حذاءها الجميل, أفلا تشفق علي. هل يسعدك أن تعذب امرأة مسكينة خمسة عشر سنة؟ ماذا يفيدني أن تكون هي في الجنة؟ أنا لا أريد ملاكاً من عندك, بل أريد طفلي أنا! إنني لبوءة, وأريد شبلي. سأتلو فوق الأرض, وأحطم الأرض بجبيني, وسألعن نفسي إن أنت احتفظت بطفلي يا إلهي. أوه, لا تعطيني غير ملح وخبز أسود, شرط أن ترجع ابنتي إليّ, وأن تدفئني بالشمس. يا إلهي, لست أكثر من خاطئة كريهه, ولكن فتاتي جعلتني تقية ورعة, كنت مفعمة بالدين حباً بها, وكنت أراك خلال ابتسامتها وكأنها كوة تطل على السماء. لو أستطيع مرة واحد, مرة واحدة فقط, مرة واحدة أن أضع قدمها الوردية الصغيرة الجميلة في هذا الحذاء, ثم أموت بعد ذلك يا إلهي. آه, خمسة عشر سنة! إنها الآن شابة كبيرة, أيتها الطفلة البائسة, يا إبنتي! "



عندما حان موعد تنفيذ حكم الإعدام بحق الأسميرالدا, جاء كوازيمودو الأحدب, لينتشلها من هذا الظلم و يهرب نحو الكنيسة، وهو يصرخ : الملجأ، الملاذ. والجمهور معه : الملجأ .. الملاذ .. ثم صفق يحيي هذه الروح العظيمة لبابا المجانين كوازيمودو. أجواء تبدو كأنها حفلة تنكر كرنفالية.

لم أنقذتني؟.
أجاب الأحدب قائلا : "هل نسيت بائساً لم تترددي في نجدته فوق وتد التعذيب، جرعة من الماء، وقليل من الشفقة، هذا دين لا أستطيع أن أوفيه بحياتي كلها، أنظري إلي، إن لنا هنا أبراجاً عالية جداً، عندما ترغبين في التخلص مني أخبريني لأرمي بنفسي من قمة البرج".

سيقت مرة أخرى للموت، و قارع الأجراس لم يذخر جهداً لإنقاذها، لكنها شنقت و هو ينظر إليها، الحب الأول و الأخير، و العشق الذي طالما أحياه و جعل منه إنساناً حياً بعدما كان مجرد كائن قبيح يعيش بلا حياة. في اليوم نفسه الذي مات فيه الكاهن والغجرية، اختفي كوازيمودو من نوتردام، والواقع أن أحداً لم يره أو يعرف عنه شيئا بعد ذلك اليوم, إلا القارئ العارف لطريقة فيكتور هيجو للوصل إلى الكمال الأعظم : الموت !

"أخيراً، وجد بين الهياكل البشعة، هيكلان في مكان واحد، كان أحدهما هيكل امرأة، أما الآخر فهو هيكل رجل، وقد لوحظ أن في عموده الفقري انحناء ظاهراً، وأن جمجمته غائرة بين عظام الكتفين، وأن إحدى الساقين أقصر من الآخرى.ولم يكن في عظام العنق أية كسور، مما يثبت أن هذا الرجل لم يشنق، بل إنه قد أتى إلي هنا ومات. وحينما حاول الذين وجدوا تلك الهياكل فصل هيكل الرجل عن الهيكل الآخر الذي كان يضمه إليه، تناثرت عظامه كالغبار المنثور".

من الشخصيات المثيرة للإعجاب هي شخصية المعلم بطرس جرانجوار . بطرس الفنان في زمنٍ لا يعبأ بالفن و الثقافة و الإبداع، فكان له الفقر و البؤس قدر لا مفر منه.. " نعم مهنتي الجميلة أيها المحترم , إن التفلسف ونظم الشعر وبعث اللهب في القلوب أو استقباله من السماء خير من حمل قطعة أرض الشارع. ولكن ماذا تريدني أن أصنع ؟ يجب عليّ أن أعيش كل يوم, وأجمل أبيات الشعر عاجزة عن أن تضع في فمي قطعة جبن. لقد نظمت قصيدة لسيدة رفيعة المستوى بمناسبة زفافها ورفضت المدينة أن تدفع لي شيئاً مقابل هذا الجهد, بحجة أنه جهد فاشل, كم لو أن هناك من يعطي مأساة مسرحية كمأساة سوفوكليس مقابل أربع قطع ذهبية. لقد كنت على شفا هوة من الموت جوعاً. ولكن حسن طالعي كشف لي عن قوة فكيّ. فقلت لهما العبا ما تشاءان من ألعاب القوى شرط أن تطعما نفسيكما. لقد علمني عدد من الصعاليك عشرين نوعاً من الأعلاب الهرقلية, وها أنا في كل مساء أمنح أسناني ما تحتاج إليه من الطعام الذي كسبته أثناء النهار بعرق جبيني. ومع ذلك فأنا أشهد أن عملي محزن لملكاتي الفكرية, وأن الرجل لم يخلق ليقضي حياته يضرب على دفه وبعض الكرسي. يجب أن نكسب عيشنا لا أن نقضي حياتنا أيها المعلم. "

يوسف الجميعة
28-06-2008, 11:03 PM
تبّاً للإنسانية
والله لم استطع حبس دمعي
(كأنه اراد قول شيءٍ آخر ولم يُدركه احدٌ غيري !!)

شكراً لك يا يوسف على هذا الطرح واردت منك فضلاً . .
اين كان حديثه عن الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكيف يمكن الوصول إليه ؟

هلا بك عزيزي.
فيكتور هيجو تحدث عن الدين الإسلامي والنبي عليه السلام في كتابه ملحمة العصور أو أسطورة العصور. الكتاب غير مترجم مع الآسف. أغلب أعمال هيجو المترجمة هي الروايات, أما القصائد والمسرحيات وكتاب ملحمة العصور فلم تظهر للنور بالعربية حتى الآن, وأتمنى أن أراها قريباً.

يوسف الجميعة
30-06-2008, 05:14 PM
" رجل نبيل "




هذه الرواية هي أغرب ما قرأت لهيجو! لا توجد معلومات عن هذه الرواية على الإطلاق, حتى أن اسم الرواية أتوقع أن يكون محرف أو تم اختراع اسم آخر بعيداً عن الإسم الأصلي للرواية. بما أن لا معلومات حول تاريخ كتابة هذه الرواية وأجواءها سيكون كل شيء عن الرواية غير موثق أو دقيق, وإنما اعتماداً على سيرة فيكتور هيجو الذاتية.


رواية رجل نبيل تختلف اختلاف تام عن البؤساء أو أحدب أنوتردام. لا وجود لباريس, المدينة التي يعتبرها هيجو هي روحه في الرواية, ولا وجود لإسقاطات سياسية أو فكرية, أو ذكر لحوادث تاريخية كان هيجو يستمتع بذكرها في أعماله ويكثر منها. كان هيجو في أعماله السابقة يصور البؤس الإنساني الناتج عن مظالم إجتماعية وسياسية. في هذه الرواية لا وجود لذلك على الإطلاق.

المدينة التي تدور حولها الرواية هي مدينة غورنيسي الإنجليزية, وبقراءة بسيطة لسيرة هيجو الذاتية سنعرف أن هذه المدينة كانت إحدى المدن التي استقر فيها هيجو عندما تم نفيه. عندما اطاح نابليون الثالث بالجمهورية ليعلن في العام التالي قيام الإمبراطورية الثانية. وقف هيجو في صفوف المعارضة, وخرج إلى الشارع طالباً من الشعب أن يثور ضد من سمّاه بالطاغية. فنفي إلى بروكسل, ومنها إلى جيرزي وأخيراً إلى غورنيسي, المدينة التي تدور حولها الرواية.


من المعلوم أن فكرة المنفى تزيد المنفي تمسكاً بأراءه ويصدح بها في كل وقت. وإن كان أديباً شهيراً كفيكتور هيجو فالواقع يقول أنه سيستمر على نفس الخط الذي سار عليه قبل النفي, أي الكتابة عن البؤساء والفقراء وإدانة السلطات الديكتاتورية في فرنسا. كل هذا لم يحدث في رواية رجل نبيل, وبمعرفة العصر الذي كان يضرب أوروبا فكرياً نعرف لماذا تحول فيكتور هيجو من الكتابة الروائية المليئة بالفكر والسياسة والتاريخ إلى رواية رومانسية فكرتها الأولى عن الحب ولا شيء غير الحب.

العصر الذي عاش فيه فيكتور هيجو هو العصر الرومانسي, والذي كان من أشهر أدباءه اللورد جورج بايرون. أشهر الشعراء الرومانسيين الإنجليز, والأديب الرومانسي الوحيد الذي تمتع بالشهرة في حياته، و تمت له أيضاً بعد مماته. عندما غادر بايرون إنجلترا لم يكتب عن إنجلترا أو حتى نظام الحكم هناك, وهو الجمهوري المعروف تطرفه. بل تكلم عن الحب والطبيعة وأشياء أخرى لسيت لها علاقة بالسياسة. فيكتو هيجو سار على هذا النهج, فهو من جهة أولى من أبرز أدباء فرنسا في الحقبة الرومانسية, ومن جهة ثانية سار على هذا النهج الرومانسي في رواية رجل نبيل, إذ قام بكتابة رواية حب بين طرفين, ويقوم بتصوير الطبيعة بصورة شعرية وعلاقة هذه الطبيعة الغاضبة أحياناً مشاعر المحبين.


يستهل هيجو الصفحات الأولى للرواية بتقديم لشخصيات الرواية. جيليات, الرجل النبيل, أحد سكان حي سانت سامبسون الجدد, الشبيه بقدامى اليونانيين. ذا قوة بدنية شديدة, وبحار ماهر. فرض على نظام حياته عزلة تامة بسبب وفاة عمته التي تولت تربيته, مما فرض نوعاً ما قطيعة بينه وبين سكان الحي. وهو مع هذه الصفات إنسان لا ديني. كن يجاوب على سؤال متى تتزوج : بأنه سيتزوج إذا تزوجت صخرى كبيرة تقف في أحد الحقول الكبيرة!

الجد ليذري أحد أبطال الرواية الرئيسيين. قضى حياته كلها في البحار حتى أصبح مالك لأكبر سفينة في غورنيسي. اهتمامه منصب على شيئين فقط, حفيدته ديروشيت, ودرناد السفينة.

أما الشخصية الاخيرة فهي ديروشيت. وصف هيجو هذه الفتاة بأروع ما يكوت الوصف : : " إن جسم الإنسان يمكن أن يعد في الحقيقة مخبأ تختبيء فيه طبائعنا الحقيقية, فهو يحجب نورنا وظلالنا في الوقت نفسه على حين الروح هي الحقيقة الكاملة. أي إننا يمكن أن نقول بتحديد أكثر أن الوجود الإنساني ماهو إلا قناع وأن الإنسان خلف ذلك الستار المصنوع من اللحم والعظم فإن حقائق غريبة ستكشف لنا عنه, والخطأ الشائع هو أن نحكم على المخبر بالمظهر فقد نجد مثلاً أن فتاة صغيرة تشبه في واقعها الطيور. فتاة تشبه الطيور؟ ما ألذ التشبيه واشهاه لترسم صورتها في منزلك. ديروشيت, مخلوق جذاب لا تملك نفسك إلا أن تقول له صباح الخير يا آنسة عصفور, قد لا ترى جناحيها ولكنك ستسمع تغريدها لا محالة. قد نراها تنتقل من قفص إلى آخر, تحس براحة عميقة إذا تحدثت إليها, ذلك أن فيها قبساً من السماء. فهي كالملك ولك أن تحمد الله على أنه ملك مجسم منظور أمام ناظريك بدلاً من أن يكون كبقية الملائكة غير مرئي للأعين " .



في حادثة تشكل أساس الرواية تتعرض سفينة الجد درناد لحادث اصطدام في عرض البحر بفعل مدبر من أحد. يتعرض الجد لنكسة بسبب هذه السفينة التي أنفق عليها شبابه وروحه, فتعرض حفيدة الجد الجميلة ديروشيت تعهداً أمام سكان الحي بأن من ينقذ السفينة سوف تتزوج منه بلا تردد؟

ينتهز جيليات هذه الفرصة , ويعلن تطوعه لإنقاذ السفينة مقابل هذه الفرصة الذهبية. ويذهب لإنقاذ السفينة وجلب ماكينة السفينة من وسط البحر الهائج إلى مدينة جيورنيسي الهادئة, بدون مساعدة من أحد, بدون معدات صالحه للإستخدام ورفع السفينة. من هنا تنطلق الرواية وتبدأ أحداث الرواية الرومانسية, مع جيليات وصراعه من تقلبات الجو والطبيعة الثائرة.


" المعتاد أن يخفي البحر كل جرائمه, فهو مغرم بالأسرار. أعماقه صامتة مطبقة على ما يرتكبه من جرائم لتبقى سراً في سكون الأعماق. كم من شر يقترفه البحر! فهو يبتلع أحياناً الزورق, ثم يطبق عليه الموج فلا يظهر له أثر ولا يعرف أحد متى ولا أين ولا كيف اختفى! أحياناً يزأر ويغضب كالأسد متسلحاً بالعواطف والأنواء والأمواج الصاخبة التي يعلوها الزبد, ثم في دقيقة يستطيع أن يغير شكله إلى جميل وديع هادئ, فلا ريح ولا موجة عالية ولا قطرة مطر! "

" ماكان أغرب هذا المخلوق وسط ذلك المكان الموحش. ماذا كان يعمل ولماذا أتى؟ وماهو أمله الذي كان يريد أن يحققه؟ لا يملك غير فأس ومنشار وأزميل, معدات لا تصلح إلا لصنع لعبة أطفال وليس لفك وحمل ماكينة سفينة بخارية كبرى. "

الإنسان مهما كان شجاعاً تعتريه لحظات من الخوف, لأن الخوف إحساس, والإنسان دائماً نهب لمختلف الأحاسيس. فيكتور هيجو في التفاصيل الصغيرة لم يخفي كالعادة الصراع النفسي الذي يدور في خلد أبطاله. جيليات كان في المدينة إنسان لا ديني لا يهتم بزيارة الكنيسة أو كل شيء له علاقة بالدين. في عرض البحر, وأمام غضب الطبيعية, خرج هذا الصراع الذي دام لأكثر من شهرين في عرض البحر, بقول جيليات بعد أنا رفع رأسه للسماء : الرحمه يارب!

بعد أن يعود جيليات للمدينة حاملاً الماكينة تدور أحداث الفصل الأكثر إثارة من صراع جيليات مع الطبيعة, هل سيحقق حلمه ويتزوج ديروشيت أما لا ؟ لمن يريد المعرفة عليه بقراءة الرواية للتفصيل أكثر.

هناك عدة مشاهد أردت تسجيلها على عجل. هذه الرواية كتبت في القرن الثامن عشر وتظهر عدة اقتباسات لها في أفلام عالمية مشهورة جداً. الصراع الدائر بين جيليات والطبيعة والبحر, هو نفس الصراع الذي دار بين توم هانكس الممثل الشهير في فيلم Cast Away وبين الطبيعة التي صارعها من أجل البقاء وحيداً في جزيرة معزولة. ولو لم تكن حادثة سفينة التايتنك حقيقية لقلت أن مشهد إصطدام السفينة هو نفس حادثة الإصطدام في الرواية, وكما تم تجسيدها في الفيلم الشهير.

هناك حقيقة واحدة , وخاتمة واحدة لكل أعمال هيجو السابقة السالفة الذكر, وهي الموت. رواية رجل نبيل لم تكن استثناء , إذ طغى صوت الراوي ليعلن في ختام الرواية أن : اختفت السفينة كشمير في رحلتها, وكما اختفت السفينة خلف خط الأفق اختفى رأس جيليات تحت سطح ماء المد الذي بلغ ذروة ارتفاعه, ولم يعد يرى هناك غير سطح الماء!

ملاحظة مهمة
قبل أربعة أيام حصلت على رواية عمال البحر لفيكتور هيجو, وكنت عازماً على إضافتها في هذه القراءة. بقدر الفرحة التي غمرتني, بقدر الإحباط الذي رافقني لحظة بداية القراءة. الرواية ليست سيئة, بالعكس هي من روائع هيجو, والترجمة ممتازة, لكن بسبب الإختلاف في ترجمة اسم الرواية فقط. هذه الرواية هي نفس الرواية المسماة برجل نبيل لفيكتور هيجو. رجل نبيل 150 صفحة وعمال البحر 300 صفحة. قرأت النسختين وكلها جيدة, رغم جمال النسخة الثانية. رغم ذلك لا أنكر أني غاضب على المترجم الذي أطلق اسم مختلف بالكلية على الإسم الأصلي للرواية. ما يشفع للنسخة الأولى أن ترجمتها محترفة رغم قصرها, والأوراق الصفراءة كانت مميزة كذلك. النسخة قديمة وعتيقة جداً.

يوسف الجميعة
02-07-2008, 10:49 AM
" اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام "



http://abuwabdallh900.googlepages.com/book4.JPG




القارئ لمجمل أعمال فيكتور هيجو يلحظ قضية دائماً ما يكررها في أعماله ويشدد عليه. هذه القضية أصبحت تؤرق روح هذا الشاعر الفرنسي, ويصرخ طالباً وقفها وإدانتها حتى. القضية هي حكم الإعدام. كون هيجو من جيل الثورة الفرنسية ومن الشاهدين على أخطائها, فمن الواقعية أن يكون هيجو أحد أنصار رافضي حكم الإعدام وبالمقصلة تحديداً. في عهد روبسبيير أصبح الإعدام يومياً بالمقصلة من المشاهد المألوفة في باريس .وقال عنه المؤرخون أنه قتل ستة آلاف مواطن فرنسي في ستة أسابيع دون أن يهتز له ضمير!


هذه الرواية التي تحكي الأيام الأخيرة لرجل " مجرم " محكوم عليه بالإعدام, وكتب لها مؤلفها مقدمة طويلة يستعرض فيها حكم الإعدام في فرنسا وما جره من ويلات على الشعب الفرنسي, طرحت للجمهور من دون ذكر اسم المؤلف. الرواية عند طرحها مجهولة الأب, لا يُعرف من كتبها ولماذا يحمل بشده على الحكومة والبرلمان . أتساءل بعد قراءة رسائل ومقالات من المنفى لنفس الكاتب, هل كان فيكتور هيجو سينشر الرواية باسمه الصريح وهو في المنفى بعد عشرين سنة من طرحه للرواية للجمهور؟ لا أعرف ماذا سيدور في رأس هيجو لو نشرها بعد المنفى, ولكن سأتحدث عن قضية حكم الإعدام لدى هيجو بناءً على تجربة المنفى التي أحدثت تطوراً في قضية حكم الإعدام لدى هيجو.


في مقدمة الرواية يعلن هيجو بصراحة وبدون مواربة أن هذا الكتاب ليس إلا هجوماً مباشراً أو غير مباشر على عقوبة الإعدام, ويكرر القول بإسم جميع المتهمين سواءً كانوا أبرياء أو مذنبين أن هذا الكتاب موجه إلى من يصدر حكماً بالإعدام! عند طرح الكتاب للجمهور أعلن فريق ما أن فكرة الكتاب فكرة إنجليزية, وفريق آخر أعلن أن الكتاب مقتبس من كتاب أمريكي. هنا هيجو يهاجم هذه الفرق بقوله أن الفكرة لا تحتاج إلى اقتباس من أحد, فيكفي أن يلتقطها أي فرنسي يشاهد هذه الفكرة ملقاة على الأرض في بركة من الدماء تحت سلاح المقصلة الرهيب. حكم الإعدام لم يكن عادلاً لجميع طبقات الشعب الفرنسي حسب تصور هيجو, ف في فترة من الفترات التي كان فيها هيجو نائباً في الجمعية الوطنية تم استصدار قرار بوقف حكم الإعدام حفاظاً على حياة أرواح أربع نواب فرنسيين من هذا الحكم. ثم أعيد تطبيق هذا الحكم بعد ستة أشهر, بعد أن أبعد هؤلاء النواب عن المقصلة, ليطبق على بؤساء, محرومون في مجتمع قاسي تأخذهم إصلاحيات الأحداث في سن الثانية عشر, والسجن في الثامنة عشر, وتتلقفهم المقصلة في الأربعين.

" كانت هناك فترة مدتها ستة أشهر لتطبيق أجل فيها تنفيذ حكم الإعدام, ومنحت لمسجونين تعساء ضوعفت لهم العقوبة مجاناً على هذا النحو بجعلهم يأملون في الحياة ويتعلقون بها, ثم بلا سبب, ولغير ضرورة, تم قطع رؤوس كل هؤلاء الناس في برود شديد وبطريقة منظمة.. آه يا إلهي! هل لي أن أسألكم : ما ضرنا نحن جميعاً لو عاش هؤلاء الرجال؟ ألا يوجد في فرنسا هواء يكفي الجميع؟ "

في هذه الرواية لم يكن الطرح مغلف بغلاف فكري أو آيديولوجي يقسم فئات الشعب أو الجمعية الوطنية مثلاً إلى فئات ترفض هذا الحكم أو ذاك. كان تصور هيجو وقت صدور هذه الرواية الضرب على العواطف عن طريق إظهار بشاعة حكم الإعدام, وسوء التنفيذ, والخيانة في الحكم. فمثلاُ وقبل بداية أحداث الرواية يذكر المؤلف حادثة جرت في السنوات القليلة من صدور الكتاب, عندما وصل أحد المحكوم عليهم بالإعدام إلى المقصلة, قام بخفض رأسه من أجل تنفيذ الحكم, ثم هوت السكين لتقطع رأس هذا الرجل البائس : " لقد تحرك المثلث الحديدي الثقيل في صعوبة ثم هوى وهو يحك في مجراه! وهنا بدأت البشاعة, فقد أخذت السكين تحز في رقبة الرجل دون أن تذبحه, فصاح صيحة بشعة. وحار الجلاد في أمره, فرفع السكين ثم تركها تهوي من جديد, فعضت رقبة المسكين مرة أخرى ولكنها لم تقطعها. فصرخ المحكوم مرة ثانية وهو يأمل في الضربة الثالثة, ولكن .. بلا جدوى ! الضربة الثالثة فجرت نهراً من الدماء ولكن لم تقطع رقبة الرجل. لقد هوت السكين خمس مرات على رقبة هذا الرجل ولم يقطع رأسه. ثار الشعب وهرب الجلاد. إن المحكوم عليه حينما وجد نفسه وحيداً على المقصلة اعتدل على اللوحة الخشبية وراح يطلب في صياح مبحوح أن يفكوا وثاقه. غمرت الشفقة قلب الجمهور. صعد على المقصلة ابن الجلاد, وأمر المحكوم عليه بأن يستدير كي يفك وثاقه. ثم استغل وضع هذا الرجل المشرف على الموت, الذي كان يسلم نفسه إليه بسلامة نية, فوثب على ظهره وشرع يقطع له في صعوبة ما كان قد تبقى من رقبته بسكين جزار!.إن هذا قد حدث ورآه الناس رأى العين .. نعم ، رأوه رأى العين ! وكان هناك بحسب نص القانون، قاض يشهد تنفيذ هذا الحكم .وكان يستطيع بإشارة منه أن يوقف كل شئ, فماذا كان يفعل هذا الرجل إذن وهو في عربته بينما كانوا يغتالون إنساناً؟ ماذا كان يفعل معاقب القتلة هذا في الوقت الذي كانت عملية اغتيال تجري في وضح النهار، أمام عينيه، وتحت خيول عربته ، وتحت زجاج نافذتها؟ لم يقدم القاضي للمحاكمة ! ولم يقدم الجلاد للمحاكمة، ولم تحقق أية محكمة في هذا الافناء الوحشي لجميع القوانين في شخص مخلوق مقدس من مخلوقات الله !

ويتابع هيجو سرده لعدة أمثلة تظهر بشاعة هذا الحكم :
" في مدينة ديجون، سيقت امرأة منذ ثلاثة أشهر إلى ساحة الإعدام, تصوروا .. امرأة !، وفي هذه المرة أيضاً لم تؤد سكين الدكتور جيوتان, وهو مخترع المقصلة عملها كما يجب، فلم تقطع الرأس تماماً بحيث ينفصل عن الجسم. وعندئذ، تعلق مساعدو الجلاد بقدمي المرأة، وفصلوا رأس البائسة عن جسدها وهي تطلق صرخات مدوية، بأن انتزعوها انتزاعاً بقوة الشد والجذب".


التطور الذي حصل لدى فيكتور هيجو وقضيته التي كانت تؤرقه هي في فترة النفي من فرنسا, وجميع هذه الأراء مذكورة في كتاب رسائل من المنفى. قبل عشرين سنة من النفي وجه هيجو هذه الرواية للجمهور, لتبيان قضيته وأراءه تجاهها. أما بعد عشرين سنة, في المنفى, في إنجلترا وجيرسي, لا يكتب رواية لتبيان قضيته, بل يرسل خطابات إلى رؤوساء الدول, وينشر مقالات إلى قادة المجتمع المدني في الدول الأوروبية, وفي الصحف يطلب فيها وقف تنفيذ حكم الإعدام بحق أناس على وشك تنفيذ هذا الحكم بحقهم. تحولت هذه القضية لدية من اهتمام محلي إلى اهتمام عالمي لا حدود له, رغم أنه في المنفى! صيغة هذه الخطابات تحمل عدة نقاط, من الإشادة بسكان هذه المدن وذكر تاريخهم الحافل بالإنجازات, ومن ثم ذكر دول همجية أوقفت حكم الإعدام ومقارنتها بهذه الدولة مثلاً التي تعتبر متطورة ولكن ينفذ فيها هذا الحكم, وأخيراً تبيان الموقف الإنساني لهذا الحكم ومدى بشاعته في هذا القرن.


من هذه الخطابات مثلاً, الخطاب الموجه إلى سكان جيرنسيي, يطلب فيها وقف تنفيذ حكم الإعدام بحق جون شارل تانبر. سأذكر بعض ماجاء في هذا الخطاب, يقول هيجو :

أيا شعب جيرنسيي ..
هذا الذي يأتي إليكم هو واحد من المنفيين ..
منفي هو, ذلك الذي يتحدث إليكم في شان إنسان محكوم عليه بالإعدام. الرجل المنفي يمد يده للرجل الذي في القبر فلا تستهجنوا واستمعوا إليه. من أكون؟ لا شيء . هل من حاجة لأن يكون الإنسان شيئاً ما لكي يحق له أن يتوسل؟ هل من الضروري أن يكون الإنسان عظيماً لكي يلتمس العفو؟ أيا رجال بحر المانش, نحن المنفيين في فرنسا نعيش بينكم ونحبكم, إننا نشهد مراكبكم الشراعية وهي تمر عند الأفق في أوقات الغسق خلال العواصف. نحن إخوانكم نقدركم ونحبكم ونقدس عندكم العمل والشجاعة والليالي التي تقضونها في البحر لتوفير الغذاء للزوجة والأطفال, نقدس فرنسا التي نحن أبناءها, وأنتم أحفادها, وانجلترا التي أنتم مواطنوها ونحن ضيوفها.

أيا أهالي جيرنسيي . اسمعوا هذا :
الغطاس ينزل إلى أعماق البحر ليتأتي بحفنة من الحصى, أما نحن الذين نقاسي, والذين عانينا, نحن المفكرين, أو إذا شئتم الحالمين فإننا نغوص في أعماق الأشياء, ونحاول أن نلمس الله. ونعود بحفنة من الحقائق.
وإليكم أولى هذه الحقائق: أنك لن تقتل

عجباً ! أمن العسير إذن تخفيف العقوبة ومنح المذنب فرصة للصلاح, واستبدال الغفران الجميل بالتضحية البشرية, وعدم قتل الإنسان؟ هل السفينة في خطر شديد حتى يصبح رجل واحد عبئاً زائداً عليها؟ أيا أهالي جيرنسيي, اليوم تتراجع عقوبة الإعدام في كل مكان, وتخسر كل يوم أرضاً, فهل ترغبون أنتم يا أهالي هذا البلد طيب بهذا الحكم؟ في أيديكم الغاء حكم الإعدام, في أيديكم ألا يشنق رجل حتى الموت في 27 يناير. في أيديكم ألا يكون عندكم هذا المشهد المخيف الذي سوف يترك لطخة سوداء على سمائكم الجميلة. خاطبوا حكامكم وقضاتكم في حدود القانون, طالبوا بوقف تنفيذ هذا الحكم, وانهضوا, أسرعوا, لا تضيعوا ساعة, على الزوجات أن يضغطن على الأزواج, على الأبناء أن يرققوا قلوب الأباء, لا تضيعوا لحظة, لا تضيعوا ساعة,

آه, نحن القرن التاسع عشر, نحن الشعب الجديد, الشعب المفكر, الرصين, الحر, الذي, صاحب السيادة, نحن أفضل أجيال البشرية, عصر التقدم, والفن, والعلم, والحب, والأمل, والأخوة, والمشانق! ماذا تريدون منا يا آلات الموت البشعة, يا هياكل الفناء القبيحة, يا أطياف الماضي, أنت يا من تمسك بيديك السكين المثلثة, بأي حق تعاود الظهور في وضح النهار ونور الشمس. أنتم أشباح, عندنا ما هو أفضل منكم لتهذيب الإنسان, واصلاح المذنب وإنارة الضمير, عندنا الفكر والتعليم والمثل الديني, والضياء العلوي, والتقشف, والعمل, والرحمة. عجباً ! أفي مدينة السيادة, مركز الجنس البشري, مدينة 14 يوليو, و10 أغسطس, المدينة التي يرقد فيها روسو وفولتير, عاصمة الثورات ومهد الفكر, نجد ميدان جريف وبوابة سان جان وسجن لاروكيت!!

يا شعب الصيادين, يارجال البحر الشجعان الطيبين, لا تتركوا هذا الرجل يموت, لا تلقوا ظل المشنقة على جزيرتكم الجميلة المباركة, لا تدخلوا في مغامراتكم البحرية البطولية الخطرة عنصر الفجيعة الغامض هذا. لا تقبلوا التضامن الرهيب الذي يتجلى في تعدي القوة البشرية على القدرة الإلهية. لا إعدام بعد اليوم, لم نعد نحن رجال هذا الجيل العظيم شيئاً من هذا . الجريمة يكفر عنها بالندم لا بضربة. الدم يغسل بالدموع لا بالدم. لا تكلفوا الجلاد علماً بعد اليوم.

لا تدهشوا من هذا الإلحاح في كلامي. أقول لكم, دعوا المنفي يتشفع من أجل المحكوم عليه. لا تقولوا للمنفي : فيم تتدخل؟ ليس هذا شأنك, أنني أتدخل في أمور التعاسة والشقاء, وهذا حقي, مادمت أنا أقاسي. سوء الحظ يشفق على التعاسة, والألم يحنو على اليأس. ثم ألسنا نعاني أنا وهذا الرجل آلاماً متشابهه ؟ ألا يمد كل منا ذراعيه نحو هذا الشيء الذي يفلت منه؟ ألسنا نستدير نحن الإثنين صوب نورنا, أنا المنفي صوب الوطن, وهو المحكوم عليه صوب الحياة.


أثارت هذه الرسالة مشاعر الناس في هذه المدينة. ونشرت الصحف الإنجليزية هذا الخطاب وأيدت ما فيه. وافقت الحكومة الإنجليزية على تأجيل هذا الحكم ثلاث مرات متتالية, وفجأة تم تنفيذ هذا الحكم, بتدخل من امبرطور الصدفه كما يدعوه هيجو عن طريق السفير الفرنسي في لندن : نابليون الثالث, عدو فيكتور هيجو الأول و الأخير!

أكسبت هذه الخطابات فيكتور هيجو شهرة واسعة في الصحف الأوروبية, وعند قادة المجتمع الأوروبي. حتى أن صحف بلجيكية نشرت قصيدة موقعة من فيكتور هيجو تطلب من ملك بجليكا وقف تنفيذ هذا الحكم بحق تسعة بلجيكيين. الأمر المثير أن هذه القصيدة لم يكتبها هيجو ولا يعرف عنها شيئاً, وما إن علم بأمر هذه القضية أرسل لعدة صحف يعلن فيها أن هذه القصيدة ليست له, ومع ذلك, فهو يشكر من نسبها له, لأن القضية التي على أساسها نشرت القصيدة هي قضية حكم الإعدام. فيما يتعلق بحكم الإعدام يرى هيجو أن من الخير أن يستخدم الناس اسمه, بل ويسيئوا استخدامه خدمة لهذه القضية الكبيرة. أصبح فيكتور هيجو هو الرجل الذي يتم اللجوء إليه عند محاربة هذا الحكم, ومثال ذلك أن أحد قادة الجمهوريون السويسريين في جنيف يطلب دعم فيكتور هيجو في التصويت المزمع إجراءه في البرلمان لإلغاء حكم الإعدام. لا بد حسب قوله من تدخل عظماء الرجال في الأمور العظام, ينيرون الطريق, وهيجو هو أحد هؤلاء العظام في أوروبا. ومثال آخر مختلف, تلقى فيكتور هيجو خطاب من أحد نبلاء البرتغال يبلغه فيها بإلغاء حكم الإعدام, ما إن علم هيجو بهذا الامر حتى كتب خطاب كعادته يمجد فيها هذا الفعل الإنساني العظيم من هذه الدولة التي يستصغرها البعض :
ليس هناك شعوب صغيرة, بل هناك أناس صغار مع الآسف, وهم أحياناً قادة الشعوب الكبيرة. الشعوب التي بها طغاة كالسباع المكممة الأفواه. إنني أحب وأمجد برتغالكم الجميلة العزيزة, إنها حرة, ومن ثم فهي عظيمة. لقد ألغت البرتغال حكم الإعدام, وإنني أصيح : المجد للبرتغال ولكم الحظ السعيد.



http://abuwabdallh900.googlepages.com/Guillotine.jpg


أخيراً, إن غاية فيكتور هيجو عند طرحه لهذه القضية أن يحقق الكمال الأعظم بطريقة سامية بعيداً عن أيدي الجلادين, أن يكون الموت بعيداً عن تسلط محاكم التفتيش والقضاء العسكري وسوء التفيذ, والأهم المقصلة. إن السبب الأول والأخير لهذا الهجوم على حكم الإعدام لن يكون إلا بسبب آلة الدكتور جيوتان, المقصلة. في الأعمال الروائية السابقة في البؤساء وأحدب نوتردام كان حكم الإعدام بالمقصلة أحد أساسيات العمل الفني. مثال ذلك هذا الإقتباس من البؤساء وفيه يوضح هيجو موقفه بكل صراحة :

" قد لا نبالي بعقوبة الموت كثيراً أو قليلاً, وقد لا نعلن رأينا قائلين نعم أو لا, مادمنا لا نشهد مقصلة ما بأعيننا. ولكن ما إن نرى إلى واحدة حتى تعصف بنا صدمة هي من العنف يحبث تحملنا على أن نقرر ونتخذ موقفاً إما مع تلك العقوبة أو ضدها. إن المقصلة هي تخثر القانون, وهي تدعي المنتقمة. إنها غير حيادية, ولا تسمح لك بأن تظل حيادياً. وكل امرئ يراها يُزلزل بارتجافات ليس أعجب منها ولا أشد غموضاً. إن جميع القضايا الإجتماعية لتطرح علامات استفهامها حول تلك الفأس. المشنقة خيال, المشنقة ليست مجرد هيكل منجور, المشنقة ليست ماكينة, المشنقة ليست آلة ميكانيكية جامدة لا حياة فيها, مصنوعة من خشب, ومن حديد ومن حبال. إنها تبدو كائناً من نوع ما, ذا أصل مظلم لا نعرف عنه شيئاً, وفي ميسور المرء أن يقول أن هذا الهيكل المنجور يرى, إن هذه الماكينة تسمع, إن هذه الماكينة تفهم, إن لهذا الخشب, ولهذا الحديد, ولهذه الحبال إرادة, وفي الهواجس المروعة التي يقذفها مشهدها بالنفس الإنسانية إلى خضمها. تبدو المشنقة فظيعة وممتزجة بصنيعها المريب. المشنقة شريكة الجلاد في الإثم. إنها تفترس, إنها تأكل اللحم, إنها تشرب الدم, المشنقة غول من ضرب ما, يصنعه القاضي والنجار. إنها شبح يبدو وكأنه يحيا بضرب من الحياة راعب, مستمد من كل الموت الذي سببته "

يوسف الجميعة
05-07-2008, 03:03 AM
" رسائل وأحاديث من المنفى "


http://abuwabdallh900.googlepages.com/book5.JPG



يضم هذا الكتاب مجموعة منتقاة من خطب ورسائل ألقاها فيكتور هيجو في المنفى. تشكل هذه المقالات و الرسائل سيرة ذاتية غير مباشرة لشاعر لعب دوراً سياسياً كبيراً في فرنسا, حتى قاوم نابليون الثالث مما أدى إلى نفيه. غادر باريس بعد انقلاب 3 ديسمبر 1851, واستقر به المقام أخيراً بجزيرتي جيرس وجيرنسيي في بحر المانش. تكشف هذه الرسائل عن عاطفة إنسانية بقدر ما هي قوية و جريئة, عاطفة تحنو على المنفيين والكادحين, وتؤيد الأمم في سبيل حريتها, وتندد بالحروب الفظيعة, وبخاصة حرب القرم, وتنادي بإلغاء عقوبة الإعدام, وتبيان عدم جدواها, وتهاجم الرق والتفرقة العنصرية, وبخاصة في أمريكا, وتناقش نظم الحكم الملكية والجمهورية, الدكتاتورية والإشتراكية. لعل أبرز علامة مضيئة في هذا الكتاب هو الصراع بين شخصيتين متضادتين في الفكر والإتجاه وكل شيء, هذه الشخصيات هي فيكتور هيجو, النائب في الجمعية الوطنية, المنفي من وطنه الأم فرنسا من جهة, ونابليون الثالث, إمبراطور فرنسا من جهة أخرى.


المقال الأول في الكتاب عن ماهية النفي, كتبه فيكتور هيجو عن النفي والمنفى, ويسرد فيه عن حياته في المنفى بضمير الغائب, فهو لا يعلن عن وجوده, مما يعطيه مساحة للدخول في نقطة والخروج منها بكل سهولة ويسر. هذا النفي لفيكتور هيجو أكسبه عبقرية لا تضاهي. بقدر ما هو منفى سياسي, بقدر ماهو منفى ثقافي كما يصفه إدوارد سعيد. المنفى الثقافي وليس السياسي أعطى هذا الشاعر قدرة عالية للوصول إلى أعلى مراتب الفن والإبداع, فأغلب روائعه نشرت في المنفى أمثال البؤساء والتأملات وكتاب العقوبات.

النفي حسب تصور فيكتور هيجو هو : " تجريد القانون من قوته, ولا يوجد أفظع من تجريد القانون. ولكن لمن هو فظيع؟ هل للمنفي؟ لا, إنه فظيع بالنسبة على من حكم به, فالقصاص ينقلب على الجلاد فينهشه. ليس ثمة ماهو أشد إرهاباً لنفوس الأشرار المتوجين من رجل حالم يتجول وحيداً على ساحل رملي, ومن صحراء تحيط بمفكر, ومثابرة فيلسوف على مشاهدة بزوغ الفجر المهدى للنفوس. مهما فعل أصحاب السلطة المطلقة المؤقتون, فإن القاعدة الأبدية تناهضهم, فليس لهم من شيء سوى الصفحة السطحية من الحقيقة الثابتة, أما الباطن فإنه من شأن المفكرين. أنتم تنفون رجلاً, فليكن, ثم ماذا؟ تستطيعون أن تنتزعوا الشجرة من جذورها, ولكنكم لن تستطيعوا أبداً أن تطفئوا نور السماء, إن الفجر آت عما قريب. النفي ليس شيئاً مادياً, إنه شيء معنوي, كل أركان الأرض عنده سواء. المنفي هو البلد القاسي. الأشياء فيها كلها مقلوبة, المنفى مكان القصاص, من من ؟ من الطاغية! "

المنفى يتبدى الشعور بأهمية الأشياء الصغيرة المنزلية. عندما غادر فيكتور هيجو وطنه منفياً, لم يتبقى لديه دخل سنوي سوى سبعة آلاف فرنك فقط, أما المسرح الذي كان عصب الإقتصاد لديه فقد ألغي للأبد. مما أجبره لا حقاً على بيع أثاث منزله. كانت السوق الفرنسية مغلقة على نشر أعماله, وطبع أوائل ناشريه كل كتبه من دون مقابل. في مثل هذا العوز والمصادرة الأدبية لا يجد فيكتور هيجو سوى السخرية من نفسه ومن ناشريه. عندما وصل إلى إنجلترا طبعت أعماله كلها, ونشرت للجمهور بأعداد كبيرة, أفضل شيء في الضيافة الإنجليزية هو عطفها على كتب المنفيين, وبلغت شدة احتفاءهم بهذا الأعمال لهذا الشاعر الفرنسي, أن ينسوا ذكر اسم المؤلف على صفحات الكتب.

هل يكره المنفي نافيه حسب تصور الشاعر؟
" لا, إنه يحاربه, وبمنتهى الشدة, وباعتبارة عدواً عاماً. المنفي يمقت الطاغية ويتجاهل شخصية النافي, وإذا عرفه فإنه لا يهاجمه إلا في حدود الواجب ".

تلك هي الجوانب الصغيرة في منفى هيجو, ولكن ما هي الجوانب الكبيرة ؟
" التأمل, والتفكر, والمعاناة, تلك هي الجوانب الكبيرة. أن يكون الإنسان وحيداً, ويشعر مع ذلك بأنه مع الجميع, أن يلعن نجاح الشر, ولكن يرثي لسعادة الشرير, أن يؤكد ذاته كمواطن, وتتطهر نفسه كفيلسوف, أن يكون فقيراً, ثم يرمي حطامه بعمله, أن يفكر ويتدبر : يفكر في الخير, ويتدبر أفضل الأشياء, لا يغضب إلا مع جمهور الناس, ويتجاهل الأحقاد الشخصية, ويستنشق الهواء المنعش الفسيح, هواء الوحدة والعزلة, ويسبح في الحلم المطلق الشاسع, وينظر إلى ما في الأعالي دون أن تفوته رؤية ما في الأسفل, ولا يبالغ في تأمل المثل العليا إلى حد نسيان الطاغية, ويدرك في ذاته المزيج الرائع من السخط المتنامي والتهدئة المتزادية, وأن تكون له نفسان : ذاته والوطن. وثمة شيء عذب رقيق, ذلك هو الشفقة الحاضرة, من ذلك أن يتزود المرء بالرحمة والحنان نحو المذنب حين يقع صريعاً ويركع على ركبتيه, ويعاهد نفسه ألا يرد أبداً يدين متوسلتين. إن الإنسان ليشعر ببهجة عظيمة حين يقدم لأولئك الذين يتوقع هزيمتهم في المستقبل وعداً بالكرم والضيافة. وقد اعتاد رفاق كاتب هذه السطور في المنفى أن يسمعوه وهو يقول : " إذا حدث ذات يوم, في غداة انقلاب سياسي, أن هرب بونابرت وجاء يطرق بابي يسألني اللجوء والحماية, فلن تسقط شعرة واحدة من رأسه". هذه التأملات التي تختلط بنوائب الدهر كلها ترضي ضمير المنفي, ولكنها لا تمنعه من أداء واجبه, بل انها على العكس من ذلك تشجعه على أداء الواجب, فلتكن اليوم قاسياً بقدر ما تكون الغد رحيماً, ولتبعث الرهبة في قلب الشديد الجبار حتى يأتي اليوم الذي تأخذ فيه بيد الذليل المتضرع. وفي المستقبل لن تقرن بعفوك الشامل غير شرط واحد: التوبه. أما اليوم فإنك تواجه الجريمة الناجحة, فلتضرب. الجهد العظيم والحلم الكبير هو أن تحفر الهاوية للعدو المنتصر, وتعد المأوى للعدو المنهزم, وتقاتل بأمل أن تعفو. أضف إلى ذلك بذل النفس للتخفيف من آلام الناس. المنفي يتمتع بلون جليل من القناعة, القناعة أن يكون الإنسان نافعاً. إذا كان هو نفسه جريحاً تنزف منه الدماء فهو ينكر ذاته, ويبذل غاية جهده في تضميد جراح البشر. قد يتبادر إلى الذهن أنه يعيش في الأحلام, ولكنه انما يبحث عن الحقيقة بل نقول أنه يعثر عليها. إنه يتجول في الصحراء, ويفكر في المدن والهرج والمرج والزحام, وفي ألوان البؤس, وفي كل الأعمال, يفكر في الفكر, والمحراث, والإبرة وأنامل العاملة الحمراء وهي في حجرتها العلوية الباردة الخالية من النار والوقود, يفكر في الشر الذي ينمو حيث لا يبذل الخير, في بطالة الأب, وجهل الطفل, ونمو الأعشاب الضارة في العقول التي حرمت من التثقيف. يفكر في الشوارع في المساء, والمصابيح الشاحبة, وما يصنعه الجوع في المارة بالطرقات, والحاجات الإجتماعية المتطرفة, والفتاة التعسة التي تصير عاهرة بخطيئتنا نحن الرجال. بحوث مؤلمة لكنها مفيدة. احتضن المشكلة بقوة. ينبجس الحل, المنفي يحلم على الدوام, خطواته التي يخطوها على شاطى البحر لا تضيع سدى, أنه يتآخى مع تلك القدرة الهائلة, مع الهوة, وينظر إلى اللانهاية, وينصت إلى صوت المجهول, الصوت الكبير, الغامض يحدثه, الطبيعة كلها بعناصرها تهب نفسها لهذا الوحيد. الأشياء المتماثلة تماثلاً صارماً تعلمه وتنصحه, هذا المنحوس المضطهد, المشغول المفكر, يجد أمامه الغمائم والنسمات والنسور, ويتأكد أن مضطديه تافهون كالنسائم, وأن روحه حرة طليقة كالنسور. المنفي إنسان خير, يحب الورود, وأعشاش الطيور, وتجوال الفراشات, في الصيف ينشرح صدره ابتهاجاً بالحياة الحلوة, في قلبه إيمان لا يتزعزع بالطيبة الخفية اللانهائية, الطيبة الساذجة التي تصل إلى درجة الإيمان بالله, يتخذ من الربيع داراً له. أما الأغصان المتشابكة المليئة بالفجوات الخضر البديعة الجذابة, فإنها مأوى لروحه " .

في نهاية المقال يعلن فيكتور هيجو عن حضورة في عالم المنفى ليقول :

" لقد أدى النائب المنفي من أجل الشعب عملاً أميناً, وعد وحافظ على وعده, وهو يحافظ على وعده إلى مدى أبعد من نطاق الوعد نفسه, كما هو واجب على كل ضمير ذا ضمير حي. لا فائدة من الوكالة الآمرة, لأنها تخطئ إذ تضع كلمة مهينة لشيء نبيل هو قبول الواجب, وهي فوق ذلك تهمل الشيء الجوهري وهو التضحية, التضحية التي لا بد من بذلها ويستحيل فرضها. والحقيقة هي الالتزام المتبادل بين الطرفين, فتكون يد المنتخب في يد الناخب, ويتبادل الموكل العهد مع الوكيل, حقان وقوتان ممتزجتان. فإذا كان الأمر كذلك, فعلى النائب أن يؤدي واجبه وعلى الشعب أن يؤدي واجبه. ذلك هو ما يدين به الضمير. ولكن هل يبلغ الإخلاص حداً يؤدي بصاحبه إلى النفي؟ لا ريب في ذلك. من أجل هذا كان مؤلف هذا الكتاب طوال هذه السنوات التسعة عشر راضياً حزيناً. راضياً عن نفسه وحزيناً من أجل الآخرين. راضياً لأنه يشعر بأنه أمين, وحزيناً بسبب الجريمة التي لا حدود لها والتي تنتقل من نفس إلى نفس فتصيب الضمير العام, وتسمى في نهاية المطاف " ارضاء المصالح ". وقد أحفظه وأضناه تلك النكبة القومية المساة برخاء الإمبراطورية. كانت مشاغل النفي في عزلته التي كان يملؤها في المستقبل قاسية ولكنها رصينة. كان يستشعر الحزن من أجل مصائب الناس, ويستشعر الفرح مع الشموخ لأنه منفي! فالمنفى بالنسبة لهذا الرجل بهجة, لأنه قوة. هو يشكر الله, فقد عاش حياة أبية زمناً كافياً لكي يهرم جبين رجل في الأربعين فصار في الستين. كان ذلك المطرود المطارد قد أهمله الجميع. ولم يهمل أحداً. وعرف فضل الصحراء, ففي الصحراء يتردد الصدى. هناك يسمع الإنسان صخب الشعوب, وفي حين كان الطغاة يعملون تحت انظاره الثابتة كان هو يسعى إلى عمل الخير. وترك جميع الطغاة يحركون الصواعق فوق رأسه, فلم يكن عنده ما يشغل باله سوى الكوارث العامة. عاش على صخرة, وحلم, وتأمل, وتفكر, هادئاً تحت غمامة من الغضب والتهديد, وأبان عن رضاه, فمم يشكو مادام معه وبالقرب معه طوال العشرين سنة الماضية, العدالة والضمير والحقيقة والحق, والبحر بضوضائه الهائلة؟ كان في هذا الظل كله محبوباً, ولم تكن الكراهية تثقل عليه. فقد كان ثمة شعاع من حب صامت يصل إليه في وحدته وشعر بالحرارة العميقة, حرارة شعب رقيق حزين, وتفتحت القلوب من ناحيته, ومن ثم كان يشكر النفس البشرية العظيمة. كان محبوباً من بعد, ومن قرب. وكان حوله نفر من زملاء النفي الشجعان, الأشداء في أداء الواجب, المتمسكين بالحق والعدل, المناضلين الغاضبين الباسميين, منهم فاكيري الشهير, وبول موريس الذي يستحق الإعجاب, وسكولشير القوي العزيمة, وريير و دولاك و كيسلر, هؤلاء الشجعان, وأنت ياولدي شارل, أنت يا ولدي فيكتور, وهنا أتوقف, فدعوني ريثما أتذكر" .



لعل من المفارقات أن عدد سنوات منفى فيكتور هيجو هي نفس عدد السنوات الي قضاها جان فالجان في السجن, من أجل قطعة خبز. هل كان هيجو متلبساً شخصية جان فالجان في سجنه. المنفى والسجن كلاهما نفس الشيء, فكما مد هيجو روحه للرجال المحكوم عليهم بالإعدام, في هذا الكتاب نشاهده يبكي رفقاء المنفى واحداً تلو الآخر, نجده تارة يبكي صديقاً منفياً توفي إثر مرض ألم به, عرض عليه نابليون الثاث العفو ولكنه رفض العفو المشروط. ثم يبكي ثلاثة أصدقاء دفنوا في المنفى. هو لا يتهم الله كما يقول, ولكن يشكره, يشكر الله الذي فتح له من جديد أبواب الأبدية : " لهؤلاء الرجال أعيادهم, وحين ينهار أحد زملاءنا في المنفى, ويموت وقد أضناه الحنين إلى الوطن, وأثكنته الحمى البطيئة, حمى العادات التي انقطعت, والعواصف التي تحطمت, بعد أن شرب حتى الثمالة كل أشجار المنفى, نسير خلف نعشه المغطى بملاءة سوداء, ونصل إلى إلى حافة القبر, ونركع نحن أيضاً على ركبنا لا أمام النجاح, وإنما أمام القبر. وننحي أمام أخينا المدفون ونقول له, أيها الصديق الحبيب, نهنئك لأنك كنت شجاعاً, وكنت كريماً وجريئاً, نهنئك لأنك كنت مخلصاً, ولأنك ضحيت في سبيل مبدئك حتى آخر أنفاسك, وآخر خفقة في قلبك, ولأنك قاسيت, نهنئك لأنك مت! ثم نرفع رؤوسنا ونصرف قلوبنا ملؤها بهجة قاتمة, تلك هي أعياد المنفى يا أصدقائي. أيها المنفيون, فلنتظر الساعة فسوف تدق عما قريب, ولنتأهب, سوف تدق الساعة من أجل الأمم ومن أجلنا, عندئذ لن يتخاذل قلب, عندئذ نخرج نحن أيضاً من هذا القبر الذي نسميه المنفى, ونحرك كل الذكريات الدموية المقدسة, وفي أعمق الأعماق تنهض الحشود ضد الطغاة, وينتصر الحق والعدالة والتقدم, إن أكثر الأعلام جلالاً ورهبة هو الكفن الذي حاول الملوك أن يدفنوا فيه الحرية".

في هذا الكتاب نشاهد فيكتور هيجو وهو يتألم لمصيبة إدانة إبنه شارل في باريس, وفقدان حفيده, والمصيبة الكبرى, وفاة زوجته ورفيقة روحه في المنفى. استطاع فيكتور أن يدفن حفيده إلى جواره في المنفى, أما زوجته فإنها عادت إلى باريس, لتدفن بالقرب من ابنتها حسب رغبتها. لم يستطيع هذا الشيخ المنفي أن يمضي في أثر المتوفاة, إنه لا يستطيع سوى الوقوف, بعيداً على الحدود, يرقب النعش وهو يختفي عند الأفق.

في سنوات نفيه وشبابه لم يختلف عن وصيته عند مماته. إنه يهاجم بكل قوة رجال الدين المباركين لنابليون الثالث : " أقول ذلك والقلب مفعم بالمرارة, حين أفكر في كل هذه الخسة وهذا العار, في هؤلاء القساوسة الذين يباركون ويمجدون الزور والبهتان والقتل والخيانة من أجل القصور والتيجان والصولجانات, حباً في متاع الدنيا, وتلك الكنائس التي ينشدون فيها التسابيح من أجل الجريمة المتوجة. نعم, في تلك الكنائس, وفي هؤلاء القساوسة ما يكفي لزعزعة أرسخ العقائد في أعمق النفوس."

في هذا الكتاب يمجد هيجو الثورة البولندية : " آه لك يا أيوب الأمم, إن جروحك أمجاد" .. وينشر نداء موجه في الصحف الأوروبية إلى الجيش الروسي يطلب فيها وقف هذه الحرب ضد بولندا. ويرسل خطاب إلى الحكومة الإسبانية يطلب فيها باسم الحضارة وقف تجارة الرق. في هذا الكتاب يمجد ذكرى فولتير و شكسبير و دانتي و ميغيل دي سرفانتس. ويقيم احتفالات الميلاد للأطفال الفقراء.

من فرنسا إلى بجليكا, ثم النفي الثاني, من بلجيكا إلى إنجلترا, ثم إلى جيرسيي, ثم الطرد من جيرسيي. ثم ملصقات في شوارع جيرسيي ترحب فيها بفيكتور هيجو بعد طرده منها بخمسة سنوات. ثم إلى أين؟ في النهاية لا طريق إلا طريق باريس. سوف يعود كما يقول رغم الافتراءات البونابرتية, لا سفاحين وإنما إخوانا. ومن ثم يبدأ تطبيق الحلم الذي راود هذا المنفي الكبير وهو في المنفى. إن كان الموسوعيون وعلى رأسهم ديدرو، والفيزيوقراطيون وعلى رأسهم تورغو، والفلاسفة وعلى رأسهم فولتير، والطوباويون وعلى رأسهم روسو، هؤلاء هم الطريق الممهد للثورة الفرنسية, فلن يكون فيكتور هيجو إلا الممهد الأول لفكرة الوحدة الأوروبية المشتركة, والتي بالإمكان مشاهدتها تطبق على أرض الواقع : " لنهتف للتاريخ القادم, لنهتف للثورة القادمة, ليكن باهراً, ولتكن الثورة القادمة, منيعة لا تقهر, ولتنشأ الولايات المتحدة الأوروبية. نريد اتحادات جديرة بتوقيع الجنرال واشنطن, ولا نريد وثائق من جبس تحمل امضاء بونابرت. إنني أمضي إلى أبعد ما تحلم بعد كل الدبلوماسيات, فنحن لا نريد اتحاد فرنسا مع انجلترا, بل أوروبا مع نفسها, واتحاد أوروبا مع أمريكا, واتحاد العالم مع العالم, نحن أعداء الحرب المسخرين في سبيل الإخاء, نحرك النور والحياة, نكافح الموت الذي يشيد أجهزة الإعدام والظلام الذي يرسم الحدود, وليس في مفهومنا سوى شعب واحد, كما أنه لن يكون في المستقبل سوى إنسان واحد :

أيها الشعب الغارق في سباته, متى تصحو؟
إن الرقاد المتصل لا يليق بمن قصمته القواصم,
أنت نائم, ودمك على يديك, والندبة على جسدك
الندبة التي خلفها الخندق الخشن واللعين
وأثر الحبل الذي كان ملفوفاً حول رسغيك,
ماذا فعلت بروحك, أنت يا من اضطرمت غيظاً؟
الإمبراطورية كهف, وكل صنوف الليل,
تمسكك في دياجيرها الكثيفة.
وتنام ناسياً كل شيء : مجدك , والدسائس
والحرية, والحق, والأنوار العلوية.
وتغلق عينيك متثاقلاً, مستلقياً تحت أغطية بشعة,
لا تبالي بالإهانة التي تلقيها للنجوم!
هيا, تحرك, هيا انهض وأجلس.
ولنشهد أخيراً جذع المارد يتحرك.
أصبحت الهجعة الطويلة خزياً وعاراً.
هل أنت مكدود؟ هل أنت أصم؟ هل أنت ميت؟ إني أنكر كل ذلك.
ألا تشعر بما أنت فيه من كد واهارق؟
وبأن العار ينمو ويستفحل لحظة بعد لحظة؟
ألا تسمع من يسير فوق رأسك؟
إنهم الملوك يقترفون الشرور ويقيمون الأفراح
أنت نائم على هذا الروث! كنت مواطناً,
فأصبحت دابة تحمل الأثقال. حسن!
الحمار ينهض وينهق, والثور يقف ويجور
ابحث إذن في ظلام ليلك. ماداموا قد ذهبوا بنور عينيك!
أنت يا من كنت عظيماً, قف! الوقت متأخر.
في هذه الظلمة, قد يضع الإنسان يده عفواً
على الخزي, أو قد يضعها على المجد
أمدد ذراعك على طول الجدار الأسود
فقد يتوارى المجهول غير المرتقب في هذا الظل,
ولعلك تستطيع أن تمسك حساماً بين قبضتيك التعيستين
وأنت تتلمس طريقك مضطرباً في الظلمات!




http://abuwabdallh900.googlepages.com/nabilion-victor.JPG

أكثر فصول الكتاب إثارة هي تلك الرسائل والخطب التي يوجهها فيكتور هيجو المنفي, لنافيه, إمبراطور فرنسا نابليون الثالث. نابليون الثالث هو شارل لويس نابليون بونابرت ولد بباريس في 20 أبريل 1808 ، هو ثالث أبناء لويس بونابرت. بعد سقوط النظام الملكي و في شهر ديسمبر من نفس السنة انتخب رئيسا للجمهورية الفرنسية الثانية لمدة أربع سنوات و لما شعر باستحالة انتخابه مرة ثانية دبر في ديسمبر 1852 انقلابا ضد الجمهورية ،وأعلن النظام الإمبراطوري مسميا نفسه الإمبراطور نابليون الثالث. بعد عشرة أشهر من نفيه ينبهه فيكتور هيجو :

" أنبه السيد بونابرت إلى أنني أدرك تمام الإدراك ماهية الأجهزة التي حركها والتي هي على شاكلته. وأنني قرأت باهتمام الأشياء التي قيلت عني في الأيام الماضية في البرلمان الإنجليزي. لقد طردني السيد بونابرت من فرنسا لأنني حملت السلاح ضد جريمته, وهذا حقي كمواطن وواجبي كممثل للشعب, وطاردني من بلجيكا من أجل كتاب نابليون الصغير, ولعله يطاردني من إنجلترا من أجل الاحتجاجات التي أبديتها فيها, والتي أبديها وسوف أواصل ابداءها, فالنفي لثالث مرة أمراً هين. من ناحيتي فأمريكا طيبه, وإذا كانت تلائم السيد بونابرت فإنها بالمثل تلائمني. ولكن أنبه السيد بونابرت إلى أنه لن ينال مني شيئاً. أنا الذرة, كما لن ينال شيئاً من الحقيقة والعدالة. وأصرح لحكومة 2 ديسمبر في شخصه أن التكفير عن الذنب سوف يأتي, سواءً في فرنسا أو إنجلترا أو بلجيكا أو أمريكا, أو من أغوار القبر إذا كانت الأرواح تعيش فيها كما أعتقد و أؤكد. السيد بونابرت على حق, فبيني وبينه في الحقيقة نزاع شخصي, ذلك النزاع الشخصي القديم بين القاضي على كرسيه, والمتهم في مقعده. "

وفي خطبة أخرى يرثي فيها أحد رفاق المنفى لا ينسى عدوه الأكبر نابليون الثالث : " إيه لكم أيها الموتى الذين تحيطون بي وتستمعون إلي, اللعنة على لوي بونابرت! يا أيها الموتى, فليخسأ هذا الرجل ! لن تكون هناك مشانق حتى يأتي النصر, وإنما كفارة طويلة ومخزية لهذا التعس ! اللعنة تحت كل السماوات, وفي كل الأجواء, في فرنسا والنمسا والمجر وصقليه وروما وبولندا, اللعنة على المعتدين على حقوق الإنسان والقانون الإلهي! اللعنة على ممولي سفن تعذيب المساجين, ومشيدي المشانق, وهادمي الأسر, ومعذبي الشعوب! اللعنة على اللذين ينفون الأباء والأمهات والأطفال! اللعنة على من يجلدون النساء بالسياط! أيها المنفيون , فلنكن صارمين في هذه المطالب المهيبة المقدسة في سبيل الحق والإنسانية. والجنس البشري في حاجة إلى مثل هذه الصيحات الرهيبة, والضمير العالمي في حاجة إلى هذه الفورات من السخط من أجل الرحمة, مقت الجلادين عزاء للضحايا, ولعن الطغاة مباركة للأمم. "

وفي خطبة آخرى أمام جمع من الجمهور يهاجمه : " نابليون الثالث خارج على القانون. لوي بونابرت خارج على الإنسانية. هذا الشرير يحكم البلاد منذ عشرة شهور, ولم يزل الحق في الثورة قائماً ومسيطراً في الموقف كله. وفي اللحظة التي تتوطد في أعماق الضمائر دعوة دائمة إلى السلاح. ولكن يلزمنا الهدوء. فإن ما يثور في جميع الضمائر سوف يؤدي سريعاً إلى تسليح السواعد كلها. "

بعد انتهاء حرب القرم يزور نابليون الثالث انجلترا ليتفاجأ بملصق خطابي طويل جداً يحمل اسم عدوه الأكبر فيكتور هيجو, جاء فيه : " ما الذي أتى بك ها هنا؟ على من تحقد؟ من الذي جئت لتهينه؟ إنجلترا في شعبها أم فرنسا في منفييها؟ لقد دفنا منهم حتى الآن تسعة في جيرسي وحدها. أهذا هو ما تريد أن تعرفه يا إمبراطور الصدفة؟ كان آخرهم يدعي فيلكس بوني, في التاسعة والعشرين من عمره. أيكفيك هذا؟ أتريد أن ترى قبره؟ أقولك لك ماذا أتى بك ها هنا؟ إنجلترا التي لا يغل عنقها قيد, وفرنسا المنفية, وهذا الشعب الذي يتمتع بسيادته الذاتيه, وهذا النفي المقرون بازهاق الأرواح مع الهدوء, كل هؤلاء لا شأن لك بهم. دع الحرية في سلام, دع المنفي في هدوء . لأ تأتِ. أي يمين مقدسة سوف تقسمها يا مزيف عملات الشرف؟ مالذي أتيت به إلى هذه الأرض؟ هذه أرض توماس مورس, وهامبرين, وبن برداشو, وشكسبير, وميلتون, ونيوتن, ووات, وبايرون, هي ليست بحاجة لعينة من وحل شارع مونمارتر. أتأتي طلباً لوسام ربطة الساق الإنجليزية؟ حقاً ما أشجعك!

اسمع! اختر من بين أعضاء هذه الحكومة التي ترحب بك لأسباب شتى أكثرهم حماسة ونشوة, وأشدهم رهبة منك, اختر الإنجليزي الذي يصيح بكل قوة : ليحيا الإمبراطور, عمدة كان أم وزيراً أم لورداً, ووجه إليه هذا السؤال البسيط: إذا حدث في هذا البلد أن رجلاً في يده السلطة, وليكن وزيراً - وهذا ما كنته يا سيدي - قام بحجة أنه قد أقسم يمين الولاء للدستور أمام الناس وأمام الله فأطبق على عنق انجلترا, ونسف البرلمان, وقلب المنبر, وألقى بأعضاء المجلس المتمتعين بالحصانة في السجون, وبدد أموال الشعب وأنفقها على حرسه, وطرد القضاة شر طرده, وربط يدي العدالة خلف ظهرها, وكمم الصحافة, ودمر المطابع, وخنق الجرائد, وغطى لندن بالمدافع, وأفرغ خزائن البنوك في جيوب جنوده, واقتحم المنازل, وذبح النساء والاطفال والشيوخ, وغطى الشوارع بجثث المارة, وملأ مستودعات الجثث بالموتى, ونشر الظلام في كل مكان, ومسح بكلمة واحدة وبضربة واحدة : القانون والحرية والحق والأمة والحياة, فماذا عساه يصنع الشعب الإنجليزي بهذا الرجل؟

قبل أن تنتهي الجملة سوف ترى حبل المشنقة وهو يخرج من الأرض من تلقائه وينتصب أمامكم ! نعم, المشنقة. ومهما كان عدد الجرائم التي عددتها الآن, فإني لا أخفي عليكم - ولم أخفي - ؟ لا أخفي عليكم أني أنطق بهذه الكلمة والقلب منقبض, ذلك أن كلمة التقدم السامية التي اعترفنا بها نحن الديمقراطيين الإشتراكيين لم تعترف بها انجلترا حتى اليوم, فالحياة البشرية في نظر هذا الشعب العظيم الذي توقف عند منتصف الطريق في القرن التاسع عشر وعلى مسافة من قمة الحضارة لم تصبح بعد آمنة مطمئنة.

أعرف أن أحديث القبور تحملك على الإبتسام, ولكنك تبتسم لها في وجه من يكون بسببها, أوافقك على أن ضحاياك واليتامى والأرامل الذين تتركهم بأعمالك, والمقابر التي تفتحها كل ذلك موضوع مستهلك, وهذه الأكفان كلها تشير إلى حبل المشنقة, وليس عندي جديد أقدمه لك, فماذا تريد؟ أنت تقتل والناس يموتون, ولنحزم جميعاً أمورنا, فنتقبل نحن الواقع, وتتقبل أنت الصيحة, نقاسي نحن من الجرائم, وتقاسي أنت من الأشباح. المنبر يتكلم, والصحف تتكلم, والضمير العام يتكلم, في هذا البلد شمس, وهأنت يانسر ترى أن الدنيا نهار, فمالذي ستفعله هنا؟ آه, لعنة المستقبل هي بحر, وذكراك جثة بشعة سوف تتقلب أبداً في هذه الأمواج المظلمة. أيها التعس, ألديك فكرة عن مسئولية النفوس؟ ماهو غدك؟ غدك على الأرض, غدك في القبر؟ ماذا ينتظرك؟ أتؤمن بالله ؟ من أنت؟ أنظر إلى الفلك السرمدي, وجه العدالة الأبدية, وألقي على الظلال أسئلة عنك, وأطلب إلى ظلمات الإله رأيها في ظلماتك, وأرثي لكم يا سيدي في سكون الأبدية الرهيب. "


وبين وقت وآخر، وفي غمرة الصراع مع نابليون ,
كان فيكتور هغو، يتذكر حياته فى باريس، مسقط روحه , فيكتب متوجعا:

قديما، عندما يعود سبتمبر دامعاً،
كنت أمضي، وأغادر كل من يعرفني،
كنت أهرب، وكانت باريس تختفي. لاشيء. لا أحد!
كنت أمضي، ولم أكن غير ظل يرتجف،
كنت أمر هارباً، وحيداً، دون أن أنظر،
ودون أن أفكر، ودون أن أتكلم،
عارفا أننى ذاهب إلى حيث عليّ أن أذهب
واأسفاه، لم يكن باستطاعتي حتى أن أقول: أنا أتألم!
وكما لو أنني ضحية جذب من هوة ما،
وحتى وإن كان الطريق جميلا، ممطراً، بارداً، سيئاً،
فإني كنت أجهل ذلك، وكنت أمشي أمام نفسي، وأصل.
آه.. أيتها الذكريات! آه.. أيها الشكل المرعب للهضاب!



في هذا الكتاب نشاهد فيكتور هيجو المناضل السياسي المتمرد, في ديسمبر 1851 مثلاً كان هيجو أحد قادة المقاومة اليسارية التي تعرضت للهزيمة, عندما غادر إلى بروكسل نشر نابليون الصغير و قصة الجريمة, وفيهما يحمل بشدة على بلجيكا التي سنت قانوناً وضع خصيصاً لمحاصرة فيكتور هيجو ثقافياً. غادر فيكتور بلجيكا وألقى خطاب طويل أمام أصدقاءه البلجيكون جاء فيها :

إخواني الفرنسيين المنفيين, أصدقائي البلجيكيين ..
لقد نفيت من فرنسا لأنني كافحت مؤامرة ديسمبر وصارعت الخيانة. ونفيت من بلجيكا لأنني كتبت نابليون الصغير. وهكذا نفيت مرتين! طاردني السيد بونابرت في باريس, ثم يطاردني في بلجيكا. الأمر بسيط, والجريمة تدافع عن نفسها, لقد أديت واجبي, وسوف أواصل أداءه. لندع الحديث عن ذلك, إني أتألم لفراقكم, ولكن ألم نخلق لنتألم! قلبي يدمى, فلندعه يدمى, ألسنا نسمع بالضحايا. لست أعرف في لحظة الرحيل هذه عن الأرض الكريمة المضيافة, ولعله رحيل إلى غير رجعة, إلا أن ألعن لآخر مرة نابليون الثالث, وأهتف للجمهورية لآخر مرة : فلتحيا الجمهورية أيها الأصدقاء.

أيها المنفيون, إذا كانت الجمهورية قد ماتت فلنسهر على جثتها, ولنشغل أرواحنا وندعها تحترق كما تحترق الشموع حول النعش, ولنبق منحنين أمام الفكرة الميتة, ولنكن كهنتها لندفنها كما كنا جنودها, ولكن لا, الجمهورية لم تمت, لتحيا الجمهورية. الجمهورية ميتة؟ عجباً يا إلهي, بل إنها خالدة, وفي أي لحظة الآن يقال أن الجمهورية ماتت؟ في هذه اللحظة التي لها في فرنسا وحدها ألفان من القتلى وأربعون ألف من المنفيين! أكرر لكم قولي أيها المنفيون, الجمهورية في هذه الساعة أقوى حياة وتألقاً من أي وقت مضى, ولن ألتمس لذلك برهاناً, سوى هذا النور الذي يضيء وجوهكم أيها المنفيون حولي, النور الذي لا يعلم إلا الله من أين ينبع. ماذا يوجد بحق الله في عيونكم و وجوهكم؟ الفرحة, فرحة الضحايا المقدس, لتحيا الجمهورية. لنتحاب من أجل الوطن الغائب, من أجل الجمهورية الجريحة, لنتحاب ضد العدو المشترك, هدف شعبنا واحد, ومنطلقنا يجب أن يكون واحداً, لنرسم الوحدة بالإتحاد, أيها المنفيون, لتحيا الجمهورية, لتحيا فرنسا.

يا أصدقائي البلجيكيون. إذ جاء السيد بونابرت, إذا غزاكم امبراطور الصدفة, بونابرت, إذا قدم ذات ليلة - فالليل وقته المفضل - يضرب حدودكم, وهو يجر في أعقابه أو بعبارة أصح يسوق أمامه ما يسميه اليوم فرنسا, ذلك الجيش الذي أصبح فاقد الجنسية, بفرقه التي جعلها عصابات, ورجال الحرس الإمبراطوري الذين انتهكوا حرمة الجمعية الوطنية, وأولئك الجنود الذين طعنوا الدستور بسيوفهم, إذا وصل هذا الرجل إلى حدودكم, معلناً أن بلجيكا ولاية تابعة له, جالباً لكم العار, أنتم الأشراف, والعبودية, أنتم أهل الحرية, جالباً لكم السلب والنهب, أنتم الأمناء .. أوه, عندئذ انهضوا أيها البلجيكيون ! انهضوا جميعاً! استقبلوا لوي بونابرت كما أستقبل أجدادكم كاليجولا! أقرعوا أجراس الخطر, ودقوا الطبول لحشد الجيوش, واضرموا نار الحرب, حرب السهول والأسوار والأدغال, وقاتلوا العدو شبراً شبراً, واضربوا وموتوا, وتذكورا آبائكم الذين أرادو أن يورثوكم المجد, استعيروا من واترلوا صيحتها المفجعة : تموت بلجيكا ولا تسلم.

أيها المواطنون الفرنسيين والبجليكيون, لنرفع القوميات عالية في وجه الطغاة, ونحنيها أمام الديمقراطية. الديمقراطية هي الوطن الأكبر, الجمهورية العالمية هي الوطن العالمي, عندما يحين الآوان يجب على القوميات والأوطان أن تطلق صيحة الحرب ضد الطغاة, فإذا تم هذا العمل فإن الوحدة, الوحدة الإنسانية المقدسة سوف تضع على جبين الأمم كلها قبلة السلام.

يوسف الجميعة
05-07-2008, 03:42 AM
" هيجو رساماً "





لعل أغلب العارفين بأعمال فيكتور هيجو لا يعرف بالهواية المحببة إلا قلبه, وهي هواية الرسم التشكيلي. حتى أنه أصدر أكثر من 4000 رسمه في حياته . عندما توقف هيجو عن الكتابة الأدبية في فترة النضال السياسي اتجه للرسم في أوقات الفرغ, ولم يعلم الجمهور المتابع له بهذه الهواية إلا بعد وفاته بفترة, وكان ذلك بسبب خشية التضارب الذي قد يحصل بين الكتابة الأدبية والفن التشكيلي. أغلب أعماله كان يهديه لأصدقاءه وزواره في المنفى . من أعماله :

http://abuwabdallh900.googlepages.com/Twilight.jpg

Twilight


http://abuwabdallh900.googlepages.com/VilleaveclepontdeTumbledown.jpg

Ville avec le pont de Tumbledown,


http://abuwabdallh900.googlepages.com/Octopus.jpg


Octopus with the initials V.H


http://abuwabdallh900.googlepages.com/HermitageRockinanImaginaryLandscape.jpg

Hermitage Rock in an Imaginary Landscape


http://abuwabdallh900.googlepages.com/TheLighthouse.jpg

The Lighthouse





انتهى.

يوسف الجميعة
31-07-2008, 05:41 PM
" فيكتور هيجو بين الانتهازية والإبداع في كتاب البؤساء "




صدرت منذ أيام الطبعة الفرنسية لدراسة ماريو فارجاس يوزا حول كتاب البؤساء لفيكتور هوجو، وكانت هذه الدراسة قد صدرت للمرة الأولى في عام 2004، تحت عنوان النزعة إلى المستحيل.ومن الطبيعي أن تعد أية دراسة متعمقة لعمل أدبي من قبل أحد الكتاب المعروفين إنجازاً يتم التوقف أمامه بالنقد، إذ يقول الناقد جراهام روب: إنه في يونيو من عام 1848، وبعد 4 أشهر من الثورة الشعبية، أطلقت الحكومة الفرنسية حملة تجنيد مكثفة. وانفجرت الاضطرابات، واضطر فيكتور هوجو وعائلته إلى مغادرة مسكنهم في ساحة الفوج، القريبة من بؤرة التمرد. كان هوجو حينها نائبا في الجمعية الوطنية، وقد وجد نفسه في مأزق. ففي نظر ناخبيه كان هذا الشاعر الكبير هو أحد المتعاطفين المعتدلين مع الاشتراكيين، وصديق العمال الجائعين الذين كانوا يقيمون المتاريس في المدينة. لكن هوجو، كبرلماني، قد رأى أن حركة التمرد، وبالرغم من كونها مبررة أخلاقياً، لا يمكن أن تفضي إلا إلى الفوضى. فخاطر بحياته وخاطب المتمردين راجيا إياهم العودة سلمياً إلى منازلهم. وإذ لم تلق نداءاته آذانا صاغية، أطلق هذا الذي سيكتب البؤساء فيما بعد هجوماً كبيراً جداً ضد المتاريس حيث كان البؤساء يناضلون من أجل بقائهم.

وفيما كان هوجو يشارك في قمع الانتفاضة وهو في حالة من الارتباك الأخلاقي، كان مسكنه في ساحة الفوج يجتاحه المتمردون الذين كانوا يحرقون المنازل لكي يحموا الحي عبر حزام من النار. وكان من شأن كومة الأوراق على مكتب هوجو أن تساعد في إشعال النار في المنزل؛ لكنه في الوقت ذاته تم الاستيلاء على ورقة واحدة: إنها عريضة وقعها هوجو تأييداً لحركة عصيان بعض البحارة الذين ثاروا بسبب ظروف عملهم الرهيبة. وبفضل هذه العريضة أراد المتمردون أن يثبتوا لرفاقهم المتجمعين في الساحة أن فيكتور هوجو هو صديق الشعب.

وفي الواقع، كانت كومة الأوراق على مكتب هوجو هي الصيغة الأولى من رواية البؤساء. وبعد ثلاث سنوات قام نابليون بونابرت بانقلاب عسكري. فأصبح الوضع بالنسبة إلى هوجو في منتهى الوضوح: إذ رأى أنه لم يعد هناك أي تلاءم بين واجبه السياسي والتزاماته المعنوية. وبعد أن حاول تنظيم المقاومة، فر إلى بلجيكا مع مسودة رواية البؤساء في حقائبه. وفي عام 1860 استأنف كتابة روايته وقد أغناها بالتجربة التي عاشها في السنوات الـ 12 الأخيرة. ثم نشرت في عام 1862. اكتشف الروائي ماريو فارجاس يوزا البؤساء للمرة الأولى في عام 1950، وهو في الرابعة عشرة آنذاك، فيما كانت تلفه الكآبة والضباب، وهو جالس فوق صخرة على شاطئ لابيرلا بالقرب من ليما. وقد شكل عالم البؤساء المفعم بالشقاء المضني والحب والجرأة والسعادة والأعمال الخسيسة بالنسبة إليه حماية ضد الملل.

وحتى وإن لم يذكر الأديب يوزا ذلك مباشرة، فإن هناك نقاط تشابه لافتة بين مسيرة حياته ومسيرة فيكتور هوجو. فكلا الكاتبين اتهم بالانتهازية السياسية، واضطر إلى أن يأخذ بعين الاعتبار العلاقة المعقدة بين الإبداع الأدبي والحقيقة الاجتماعية والسياسية.

في النزعة إلى المستحيل، يصف فارجاس يوزا كروائي تقنيات هوجو السردية بعبارات واقعية، من دون الاستناد إلى نظرية أو المجادلة حول التفسيرات المتنافسة. وقد برع في إفهامنا ما معنى أن يقيم المرء في عالم خيالي، كما أوضح كيف يتعاظم توهم الحقيقة عبر بعض الشخصيات الروائية التي تبدو على تناقض مع الراوي. فهو يربط الفصول السردية الرئيسة التي تشكل الفوهات البركانية في الحبكة بأحداث تعتبر مجرد أدوات، من شأنها فقط أن تضمن سلاسة الزمن السردي، أي الإيهام بأن الزمن يجري. وتطلعنا مجازاته بشكل أفضل من مئات الصفحات من التحليلات المجردة على كيفية عمل عقل الروائي.

إن كتاب النزعة إلى المستحيل هو أيضا نوع من تقريب كيفية روايات القرن التاسع عشر إلى الأذهان. إذ يهتم فارجاس يوزا بشكل أساسي بالفرق بين الحقيقة الواقعية وبين عالم الرواية الخيالي: فالعالم المتخيل ليس هو الحياة، لكنه يدخل في صراع معها. فرواية البؤساء ليست نسخة من الواقع، بل هي خرق له نتقبلها لقوة الإقناع الموجودة فيها. فعالم هوجو المتخيل يبدو كذبة كبيرة والجوانب التوثيقية عنده ليست دقيقة جدا وانسحابه من الحياة ليس محتملا.

وتكمن المشكلة في كون الحقيقة الواقعية المطروحة هي حقيقة تاريخية، وأن نظرتنا إلى هذه الحقيقة التاريخية قد تأثرت بقوة بمؤلفات الاختلاق والإبداع مثل البؤساء. ولذلك فإن فارجاس يوزا، كي يصف مدينة الاضطرابات الفعلية التي يزعم أن هوجو قد عتم عليها بغشاء من الدخان البلاغي.

ومن المعروف أن معظم الروائيين يحولون الحقائق التي يوظفونها كمواد أولية. فالمصادفات الغريبة وتدخلات العناية الإلهية التي تشكل حبكة البؤساء تنتمي إلى عالم يبدو علينا اليوم مختلفا كثيراً عن العالم الفعلي الذي نعيش فيه. فالآن، وحيث لم تعد باريس سلسلة من القرى المدينية، تبدو اللقاءات الفجائية التي رآها قراء هوجو الأول ممكنة، تبدو عجائبية ومصطنعة. وفي مدينة لم يعد فيها صراع البقاء هو الشغل الشاغل اليومي، باستثناء بعض ضواحي باريس، فإن الحياة لم تعد مطابقة لهذا الوصف القاتم للصراع بين الخير والشر. فهل أن هوجو قد حول حقيقة عصره لدرجة أن يكون عالمه الروائي مزيفا تاريخيا؟ وإذا كان قراؤه الأوائل، كما يؤكد يوزا، قد اعتقدوا بكل براءة أن المتخيل مطابق للواقع، فهل كان ذلك بكل بساطة لأن الخيال قد وصف ما كان الرجال والنساء يتمنونه في ذلك العصر أو اعتقدوا أنهم يعيشونه؟.

يذكّر عنوان فارجاس يوزا النزعة إلى المستحيل بالنقد اللاذع الذي نشره في عام 1862 ألفونس دو لامارتين، صديق فيكتور هوجو ضد كتاب البؤساء. فقد اتهم لامارتين هوجو بأنه أضفى كل شرور البشرية على المجتمع، وبأنه يوهم بأن المستحيل - العدالة والمساواة والسعادة الأبدية - سهل المنال: إن نثر المثال والمستحيل، يعني نثر الغضب المقدس بسبب خيبة الجماهير. الإنسان ضد المجتمع، هاهو العنوان الحقيقي لهذا الكتاب، وهنا يمكن أن نتساءل لماذا تستمر هذه الانتقادات القديمة لرواية البؤساء في التأثير على متلقي الرواية. إذ يجب التذكير بأن الكثير من المظالم التي وصفها هوجو قد اعتبرت من المبالغات، وذلك تحديدا لأنها تشبه بشكل مقلق الحقيقة. ولأنه عند نشر البؤساء، كان هوجو المنفي هو الأكثر شهرة في الإمبراطورية الثانية، وكل صحافي كان يتجرأ على كتابة مقالات يمدح فيها به، كان يجازف بأن يخسر عمله.

ومهما تعددت الآراء حول رواية البؤساء الشهيرة، فإن هذه الدراسة التي أعلن عن صدروها تكمن قوتها في الشكوك التي تثيرها حول مسار الإبداع الأدبي، وحول الإدراك الذي يتمتع به الكاتب في ممارساته الخاصة وعلى قدرته على تحريض القارئ.

رابط المقال (http://www.alwatan.com.sa/news/newsdetail.asp?issueno=2847&id=62437&groupID=0)

يوسف الجميعة
31-07-2008, 05:42 PM
هذه قصيدة لفيكتور هيجو- كُتبت سنة 1847
من ترجمة الأخت روضة من جسد الثقافة.




Demain, dès l'aube...
à l'heure où blanchit la campagne
Je partirai. Vois-tu, je sais que tu m'attends
J'irai par la forêt, j'irai par la montagne.
Je ne puis demeurer loin de toi plus longtemps.
Je marcherai les yeux fixés sur mes pensées,
Sans rien voir au dehors, sans entendre aucun bruit,
Seul, inconnu, le dos courbé, les mains croisées,
Triste, et le jour pour moi sera comme la nuit.
Je ne regarderai ni l'or du soir qui tombe,
Ni les voiles au loin descendant vers Harfleur,
Et quand j'arriverai, je mettrai sur ta tombe
Un bouquet de houx vert et de bruyère en fleur.






غداً حال بزوغ الفجر
ساعة ينشر الضوء بياضه على الريف
سأرحل ..أتعلمين !!..على يقين أنا بأنك في إنتظاري
سأسلك ذاك الطريق عبر الغابة وسأجتاز الطريق المحاذي للجبل
لم أعد أستطيع العيش بعيداً عنك أكثر
سأخطو وعيناي مثبتة على أفكاري
دون أن ألحظ ما يدور في الخارج ودون أن أستمع لأية ضجة
هكذا وحيداً وغريباً بظهر منحني وأيدي مكتفة
حزين ..والنهار لدي أحسبه كالليل
لن أدع نظري يعلق لا بذهب الليل الذي يكاد يتساقط
ولا بتلك الأشرعة في البعيد المنحدرة بإتجاة قرية أغ فلوه غ
وعندما أصل سأضع على قبركِ
باقة من نبتة الإيلكس الخضراء والزهور البرية

يوسف الجميعة
11-10-2008, 02:18 AM
" Valjean in sewer "




" إن عمق الأسفل ينادي عمق الأعلى من الجانب الآخر لسطح الحاضر, أو لمزيد من الدقة, لا يكون المثال في مكانه إلا وقد قذفه الماضي نحو المستقبل, في حين أنه وقد افترض حضوره يظهر كقوة دوار وإغراء. يتمزق زمن هيغو بين ضرورة الماضي السوداء ومثالية المستقبل الباهرة, بما أن الحاضر لا يكون أبداً على ما يبدو غير تقزيم للماضي, أو إنجاز مبكر دائماً للمثال الذي بيهر بوصفه غنى, وجمال"

مرايا الهوية
الأدب المسكون بالفلسفة لجان ماركيه



http://abuwabdallh900.googlepages.com/Valjeaninsewer.JPG

لا زلت أذكر هذه اللوحة القاتمة - Valjean in sewer - كلما قرأت شيئاً عن رواية فيكتور هيجو" البؤساء", إذ يشكل المكان في اللوحة أقتم وأقذر مكان في باريس, وحتى في الرواية, أطال هيجو الحديث عن هذا المكان وتحول السرد من كيفية إنقاذ ماريوس بواسطة جان فالجان إلى حديث فلسفي تاريخي ينبش في تاريخ مدينة باريس - الكئيبة السوداء-. أذكر أني قرأت فصل - بالوعات باريس - بسرعة كبيرة بسبب التحول في الخطاب السردي وإطالة هيجو في الحديث, إلى درجة أنه قام يفصل, متى وكيف بنيت بالوعات باريس وتاريخ هذه البالوعات في زمن الملوك السابقين.

أثناء بحثي عن أي شيء يخص رواية البؤساء فنياً, وجدت موقع يعرض رواية البؤساء باللغة الإنجليزية, وتتضمن الرواية لوحات فنية عن أبطال الرواية في مشاهد عالقة بذاكرة من قرأ البؤساء جيداً ويعرفها. أغلب اللوحات كانت بريشة Gustave Brion والبعض الآخر لست متأكداً منها, ومنها هذه اللوحة كذلك, والتي أعتقد أنها له نظراً لتشابه نمط أغلب اللوحات مع بعضها. أعجبت بلوحات كثيرة سأقوم بعرضها بضها ولكن الأفضل والأكثر إثارة للإهتمام هي هذه اللوحة. أريد أن أعرف لماذا نقل فيكتور هيجو الفلسفة من أعلى السطح إلى قاع الأرض؟ هذه الأيام بدأت بقراءة كتاب مرايا الهوية - الأدب المسكون بالفلسفة لجان ماركيه. وفيه فصل معنون فيكتور هيغو ومتناهي الصغر. الكتاب على وجه العموم سبر عميق للنص الفلسفي والأدبي. وجدت المؤلف يشاركني الإهتمام بهذه اللوحة بشكل غير مباشر, هو تحدث عن الأسفل, عن العمق, عن بالوعات باريس, عن فصل تاريخ البالوعات في أكثر فصول الرواية طولاً .

النزول إلا الأسفل, إلى أبعد مكان في الأرض يجب أن يحدث عند فيكتور هيجو. لأن الأسفل, القعر, لدى هيغو هو مكان الحقيقة الواضحة كل الوضوح.أما الزيف والكذب فهو طابع لا ينفصل عن كل سطح, وبالتالي عن كل سلطة. الصورة الأكثر إذهالاً لبئر الحقيقة النتنة ستكون في رواية البؤساء, البالوعة, مجاري باريس, هذا المكان الذي يسقط فيه كل شيء في الأخير, حفرة الحقيقة هذه يفضي إليها الانزلاق الإجتماعي الهائل. هو مكان غريب إلى أبعد الحدود لأنه مثل اللاوعي الفرويدي, نسيان, وتراكم آثار, ومحفوظات يتواجد فيها كل ما تنبذه المدينة, حتى كفن مارا! لا يتردد هيجو في دعوة الفلسفة إلى هناك, في مجاري باريس. باريس هي نوع من البئر التي لا يمسك قعرها الماء, حيث أودع كل تاريخ البشرية كما كتب على صحيفة :" تحت الطابق الأرضي قبو كنيسة, وتحت القبو مغارة, وأمام المغارة ضريح, وتحت الضريح الهاوية, والهاوية هي المجهول".

يوسف الجميعة
11-10-2008, 02:21 AM
" غافروش .. الموت غناءً "





http://egla33.googlepages.com/Gavroche2.jpg
هذه اللوحة الفنية للرسام Gustave Brion توضح كيفية تحول هذا الطفل من شخصية مشردة ليس لها وظيفة في شوارع باريس إلى أب, تضم عائلته أكثر من ابنين وهو طفل لم يتعدى العاشرة من العمر. غافروش تينادرييه, هذا الطفل الصغير, الأب الكبير, الثائر الصغير, أو شهيد الحرية كما يسمى في خالدة البؤساء لفيكتور هيجو من أبطالي المفضلين, ولا أبالغ إن قلت أنه يتفوق على شخصيات أخرى مركزية. هل من الممكن أن تجتمع الثورة والغناء في وقت واحد؟ وفي شخصية طفل صغير اتجه إلى الشارع ليبحث عن ذاته, عن نفسه, عن الثورة, يصرخ في الشوارع, وفي ضاحية سان انطوان, بين جموع حركة أصدقاء الأمة : لتحيا الجمهورية. هذا الطفل كيف استطاع هيجو تصوير حياته, وغناءه في الشوارع, واسشهاده في ثورة 1832م. وأنت تقرأ تحركاته في الميدان لن تجد نفسك إلا خلف المتاريس الباريسية بجانب غافروش. وأنت تشاهده يقود الكبار في الشوارع في مشهد الثورة لا تستطيع إلا أن تردد معه وهو يغني :


هل تذكرين حياتنا العذبة,
حين كنا كلانا صغيرين جداً,
وحين لم تعتلج في فؤادنا غير رغبة واحدة,
هي أن نرتدي ثياباً أنيقة وأن يحب أحدنا الآخر!

لا يبلغ مجموع عمرينا أربعين عاماً,
وحين كان كل شيء ,في بيتنا المتواضع الصغير
ربيعاً بالنسبة إلينا, حتى الشقاء نفسه

يا لها من أياماً حلوة
لقد تأملك القوم كلهم, كنت محامياً من غير دعوى
يوم اصطحبتك إلى متنزه برادو,
فكنتِ جميلة إلى درجة جعلت الزهور
توقع في نفسي أنها تتململ.

لقد سمعتها تقول : ما أجملها!
ما أطيب عبقها ! ما أروع تموج شعرها !
إنها تخفي تحت ردائها القصير جناحاً

وهِمت على وجهي معك, ضاغطاً على ذراعك
واعتقدوا عابروا السبيل أن الحب المسحور
قد زوّج في شخصينا السعيدين
شهر نيسان العذب إلى شهر نوار الجميل

نحن نحيا مختبئين, راضيين,
ملتهمين بالحب, تلك الثمرة المحرمة الطيبة,
ولم يكن فمي ليقول شيئاً
إلا أجابه فؤادك في الحال

كانت السوربون هي البقعة الشعرية الرعائية
حيث كنت أعبدك من المساء حتى الصباح.
هكذا تستعمل النفس العاشقة
تذكرة التاندر في البلدان اللاتينية

إيه يا ساحة موبير! إيه يا ساحة دوفين
يوم سحبت في الكوخ البارد الربيعي
ذراعك فوق ساقك الناعمة,
لقد رأيت نجماً في أقصى العلية

لقد قرأت أفلاطون كثيراً ولم يبق في ذهني شيئاً منه
كما لم يبق شيء من مالبرانش ولا منييه
لقد أريتني اللطف السماوي
بزهرة قدمتها أنتِ لي

من ذا الذي يستطيع أن ينسى
أوراق الفجر والقبة الزرقاء والأوشحة والأزهار
حيث الحب يغمغم بلغة سوقية فاتنة!

تلك المصائب الكبرى التي كانت تضحكنا!
فروة يديك المحترقة, وفروة جيدك الطويلة الضائعة!
وتلك الصورة الأثيرة من شكسبير الإلهي
التي بعناها ذات مساء, لتناول العشاء!

أول مرة أخذت فيها,
قبلة من شفتيك الملتهبتين
حين تشعث شعرك وشاع الدم في وجهك
ظللت أصفراً شاحباً وآمنت بالله!

هل تذكرين سعادتنا التي لا تحصى
وجميع تلك المناديل التي استحالت إلى خرق!
أوه ! كم زفرة من قلبينا المفعمين بالظل
قد انطلقت في السماوات العميقة!


http://egla33.googlepages.com/Gavroche3.JPG

مشهد وفاة هذا الطفل من أروع المشاهد الغنائية في رواية البؤساء. أذكر أنني كنت متحمساً مع هذا الثائر الصغير وهو يغني في ساحة الحرب, طريقة تصوير هيجو لموت غافروش يختلف بدرجة كبيرة عن تصوير تولستوي المرعب والمروع. الموت عند هيجو هو الكمال الأعظم, هو التحرر من التسلط والعبثية, هو الحرية بإختصار, ولذلك جمع هيجو بين الغناء والموت. مشهد وفاته لن أتحدث عنده أكثر, سأقتبس من الرواية مشهد الإستشهاد الغنائي :

ونهض منتصباً على قدميه وقد عبثت الريح بشعره, واضعاً يديه على خاصرتيه مسدداً بصره نحو رجال الحرس الوطني المطلقين النار, وراح يغني :

إن المرء ليكون بشعاً في ناتير,
وتلك خطيئة فولير,
وأحمق في باليسو,
وتلك خطيئة روسو.

ثم تناول سلته ووضع فيها الرصاصات التي سقطت منه من غير أن يضيع أياً منها, وتقدم نحو وابل من الرصاص وشرع يفرغ صندوق لرصاص آخر. وهناك أخطأته قذيفة رابعة أيضاً, وما كادت. وغنى غافروش :

أنا لست كابتاً عدلاً
وتلك خطيئة فولتير
أنا عصفور صغير
وتلك خطيئة روسو

ولم توفق قذيفة خامسة إلى أكثر من انتزاع دور ثالث من غافروش, وراح يغني :

البهجة شيمتي
وتلك خطيئة فولتير
والبؤس جهاز عرسي
وتلك خطيئة روسو

واستمر على ذلك النحو فترة ما.
كان المشهد مرعباً وفاتناً. كان غافروش وقد صُوب إليه الرصاص يسخر من الرصاص, لقد بدأ وكأنه مبتهج جداً, كان هو السنونو يضرب الجنود القناصه بمنقاره, ولقد أجاب على كل إطلاقة رصاص بدور من أدوار الغناء. وسددوا إليه النار على نحو موصول ولكنهم أخطأوه دائماً. وضحك الجند ورجال الحرس الوطني وهو يصوبون الرصاص إليه. لقد انطرح على الأرض, ثم نهض, واختبأ عند زاوية باب, ثم قفز, وأختفى, وأجال على طلقات النار بالسخرية, ونهب في نفس الوقت الرصاصات, وأفرغ صناديق الرصاص وملأ سلته, وأتبعه المتمردون عيونهم وقد تقطعت أنفاسهم قلقاً. كان المتراس يرتجف , وكان هو يغني. لم يكن ذلك طفلاً, ولم يكن ذلك رجلاً, لقد كان متشرداً جنياً غريباً, ولقد كان خليقاً بمن يراه أن يقول إنه قزم المعترك المعصوم عن الجراح. كانت القذائف تعدو خلفه وكان هو أرشق منها. كان يلعب مع الموت لعبه " اختبئ والتمس "على نحو رهيب إلى حد لا يوصف. وكلما اقترب وجه الشبح الأفطس فرقع المتشرد أصابعه.

بيد أن رصاصة أشد غدراً مصوبة على نحو أفضل من سابقاتها بلغت الطفل الشبيه بالشهاب الغازي. لقد رأوا غافروش يترنح, ثم يقع, وأطلق المتراس كله صيحة, ولكن كان ثمة آنتييوس في هذا القزم, لأن مس المتشرد الرصيف أشبه شيء بمس العملاق الأرض. لم يقع غافروش إلا لينهض من جديد, وظل قاعداً على مؤخرته وقد جرى على وجهه خط من الدم طويل, ورفع ذراعيه في الهواء ونظر إلى الناحية التي أقبلت منها الرصاصة, وبدأ يغني :

لقد سقطت على الأرض
هذه خطيئة فولتير
وأنفي في الساقية
هذه خطيئة ....

ولم يكمل. لقد حالت بينه وبين ذلك قذيفة ثانية من القناص نفسه. وهذه المرة خر على الرصيف مكباً على وجهه, ولم يتحرك بعدُ قط. كانت تكل الروح العظيمة قد فاضت.

يوسف الجميعة
11-10-2008, 02:23 AM
THE GRASS COVERS AND THE RAIN EFFACES
Les misérables


http://egla33.googlepages.com/JeanValjean1.JPG




IN the cemetery of Pere-Lachaise, in the vicinity of the common grave, far from the elegant quarter of that city of sepulchres, far from all the tombs of fancy which display in the presence of eternity all the hideous fashions of death, in a deserted corner, beside an old wall, beneath a great yew tree over which climbs the wild convolvulus, amid dandelions and mosses, there lies a stone. That stone is no more exempt than others from the leprosy of time, of dampness, of the lichens and from the defilement of the birds. The water turns it green, the air blackens it. It is not near any path, and people are not fond of walking in that direction, because the grass is high and their feet are immediately wet. When there is a little sunshine, the lizards come thither. All around there is a quivering of weeds. In the spring, linnets warble in the trees.
This stone is perfectly plain. In cutting it the only thought was the requirements of the tomb, and no other care was taken than to make the stone long enough and narrow enough to cover a man.

No name is to be read there.

Only, many years ago, a hand wrote upon it in pencil these four lines, which have become gradually illegible beneath the rain and the dust, and which are, to-day, probably effaced:
Il dort. Quoique le sort fut pour lui bien etrange,
Il vivait. Il mourut quand il n'eut plus son ange.
La chose simplement d'elle-meme arriva,
Comme la nuit se fait lorsque le jour s'en va.

Note:
He sleeps.
Although his fate was very strange, he lived.
He died when he had no longer his angel.
The thing came to pass simply, of itself, as the night comes when day is gone.

يوسف الجميعة
11-10-2008, 02:30 AM
عزيزي توتو..
(رسائل جولييت دراوت إلى فيكتور هوجو)


http://abuwabdallh900.googlepages.com/Juliet1.jpg



تمهيد*

شاعر، شاعرٌ عظيم، يحبُ أميرةَ مسرحٍ. هوَ غيور. يجبرها على أن تتخلى عن المسرحِ و الغرفة الخضراء، أن تتنكرَ لمديحِ المجتمعِ و المدينة، يسجنها مع خادمةٍ واحدة، إثنينِ أو ثلاثةٍ من بورتريهاته، و كتبٍ لا حصرَ لها، بقدرِ ما تتحملهُ شقتها الممتدة لبضعة أذرع. عندما تشتكي لهُ بأنها لا تملك أي شئٍ تفعلهُ سوى انتظارِهِا له، يجيبها:
"اكتبي لي، اكتبي لي كل شئٍ يمكنُ أن يخطرَ على بالِك، كلَ شئٍ يمكنُ أن يخفقَ له قلبُك."
كانتْ النتيجة عشرينَ ألفَ رسالةٍ كتبتها جوليت إلى حبيبها "توتو"!

* من مقدمة كتاب "رسائل حب جولييت دراوت لفيكتور هوغو" بترجمة ثيودوا ديفدسون من الفرنسية إلى الإنجليزية، بتصرفٍ بسيط
* توتو هو اسم التحبب الذي كانت تستخدمه جولييت عند نداء حبيبها هوغو


إهداء

إلى جولييت دراوت،
تلكَ الآنسةُ التي سكنت ملامحُ وجههَا الحزينة مخيلتي منذ اللحظة الأولى التي شاهدتُ فيها البورتريه الخاص بها في بيوغرافيا فيكتور هوغو..
إلى التي أحبت، فجعلت حياتها كلها هامشا في حياة حبيبها الشهير..
إلى تلك التي هربّت حبيبها المطلوب من قبل نابليون الثالث إلى بلجيكا، عندما عزّ الصديقُ و عجزَ الأهلُ..
إلى التي أفنت شبابها النضر، و ضحت بمستقبلها الباهر، لا لشئ سوى من أجل عشقها الذي أخلصته لحبيبها الذي لم يخلص لها..
إلى التي تمنتْ في آخر حياتها أن تُكتب إحدى قصائد حبيبها الشهير على شاهد قبرِها، لتموت و تُدفن من دون اسمٍ أو قصيدة..
أهدي هذه الترجمات التي قمتُ بها من الإنجليزية إلى العربية، ليكونَ هوغو و لو لمرةٍ واحدة الهامشَ، و تكونُ جوليت الموضوع!

عدي الحربش






http://abuwabdallh900.googlepages.com/Juliet2.jpg

رسالة

الساعةُ الآنَ تشارفُ السادسةَ مساءً. انتهيتُ بالتوِ من نسخِ القصائد التي أعطيتني إياها بالأمس. أنا لستُ مطلعةً على أنواع الثناء الشائعة في الصالونات الأدبية هذه الأيام. كلُ ما أستطيعُ أن أخبركَ إياه هوَ أني بكيتُ و صليتُ عندما سمعتكَ تقرأها، و أنني بكيتُ و صليتُ عندما قرأتها على نفسي، و أنني بكيتُ و صليتُ مرةً أخرى عندما عاودتُ استرجاعها. أشكركَ من أعماقِ قلبي لأنكَ فكرتَ بي عند كتابتِها. شكراً يا حبيبي على العاطفةِ الجميلة التي أوحت لكَ بهذا الشعر. سطوركَ الحلوة كانت تمتلكُ التأثيرَ الذي ارتقبتَه، إذ أنها اشتغلت كترياقٍ و مُخدّرٍ لروحي العليلة. شكراً لك! شكراً لك! و مرةً ثالثةً شكراً لك! أنتَ لستَ عظيماً و حسب، أنتَ طيب، و الأفضلُ من هذا كله أنكَ مسؤول و معنيّ، أنتَ الذي تملك كلَ الحقِ كي تكونَ صارماً.
أُحِبك. قلبي يذوبُ بسببِ تقديرِهِ و شغفِه. هناكَ مزيدٌ من فرحِ الحبِ لا يستطيعُ قلبي المسكين أن يتسعَ له. تعالَ إذن، و استقبل فيّاضَ نشوتي.
لو علمتَ فقط عن مقدار الشوقِ الذي أكنه لكَ و عن مقدار الرغبة! و لو علمت أكثرَ أيضاً، سوفَ تأتي، أنا متأكدة! تعالَ، تعال، أرجوكَ، تعال! سوف تتلقى قبلةً عن كلِ خطوة تخطوها لي، سوفَ أعوضكَ عن أيّ جهد تبذله، سوفَ تلقى من البسمات و الأفراح ما يفوق ما تلقاه من زمهريرٍ و ضباب.

جولييت

ـــــ

* مع التحية للصديق العزيز عدي الحربش على هذه الترجمة الرائعة, والموافقة كذلك على نقلها هنا.
شكراً أستاذ عديّ.

يوسف الجميعة
11-10-2008, 02:37 AM
رسالة

عدتُ للتوِ حزينةً و مكتئبة. أنا أتألم، أبكي، أُعوِل بصوتٍ عالٍ و أئنُ من تحتِ أنفاسي إلى اللهِ و إليك. أتمنى أن أموتَ كي أضعَ نهايةً لكل هذا العذاب و هذه الخيبة و هذا الحزن. يبدو أنَّ سعادتي تلاشت على الحقيقة بتلاشي الطقس الجيد. إنّ من الحماقةِ أن أتوقعَ قدوم أحدهما مرةً أخرى. الفصلُ متأخرٌ جداً لرجوعِ الطقس الجيد أو الأيام السعيدة. أيها المغفلُ المسكين، تقولُ أنّ من الأحرى أن أتوجعَ بحسرةٍ على ضياعِ بهجةِ كل يومٍ ماضٍ، من السهلِ أن يُرى أنهُ لم يتأتى عليك أن تنتظرَ كي تحظى بامتيازِ أن تُحِبَ و أن تُحَبَّ حتى بلوغك السادسة و العشرين. أنتَ يا شاعر، يا من كتبتَ les feuilles d'automne* في جوٍ من الحبِ و ضحكِ الأطفال، و عيون لازوردية و سوداء، و خصلِ بنيةٍ و ذهبية، سعادة بكاملِ المقاييس! ليسَ لديكَ سببٌ كي تلاحظَ كيفَ أنّ يوماً واحداً من الكآبةِ و المطرِ مثل هذا، يمكنُ أن يجعلَ أكثرَ الأوراقِ خضرةً تذبلُ و تقعُ على الأرض. من أجل هذا لا تستطيعُ أن تعرفَ كيفَ يمكنُ لأربعٍ و عشرينَ ساعةٍ منزوعةِ البهجة أن تهمّش ثقةَ الشخصِ بنفسِه و أن تحطّم قوته المذخورة للمستقبل. من الواضحِ أنكَ لا تفعلُ، إذ أنكَ تتساءلُ حينما أبكي؛ تكادُ تنزعجُ بسببِ حزني. لذلك، هل ترى أنكَ لا تلاحظُ مقدار التضحية التي أبذلها لك. بالتأكيد لدي كل الحقِ كي أندم على حبي لك بهذا الشكل الجارف، عندما أرى حبي غير مطلوبٍ و غيرِ مرحبٍ به؟ أوه، نعم، أنا أحبك، إنها حقيقة! أحبكَ رغماً عني، رغماً عنك، رغما عن كل هذا العالم، رغماً عن الإله، رغماً عن حتى الشيطان الذي يحاول أن يُدخل نفسه بالأمر.
أحبك، أحبك، أحبك، سعيدةً أو غيرَ سعيدة، فرحةً أو ترِحة.أحبك! افعل بي ما تشاء، رغمَ ذلك سأحبك.

01:50 am ، الأثنين، 1833


*أوراقُ الخريف: من أوائل دواوين فيكتور هوغو الشعرية

يوسف الجميعة
11-10-2008, 02:40 AM
الثانية صباحاً، 1833

يا فيكتور الخاص بي:
أحبكَ صدقاً، و لا أعرفُ، و لا يمكنُ أن أتخيلَ، شخصاً أكثرَ استحقاقاً لهذه العبادة منك. أتطلعُ إليكَ كصديقٍ مخلصٍ و صادق، كالأكثر نبلاً و استحقاقاً للتقديرِ بين الرجال.
يؤلمني أن أحسّ بأنَّ حياتي الماضية تأبي إلا أن تكونَ عائقاً بيني و بين ثقتِك. قبلَ أن أهتمَّ بك، لم أكن أشعرُ بأي خجلٍ منها، لم أقم بأي محاولةٍ كي أخفيها أو أغيّرها؛ لكن و منذ عرفتُك، هذا المسلكُ العقلي تغيّرَ تماماً. أحمرُّ خجلاً من نفسي، و أرتجفُ هلعاً من أن يعجزِ حبي عن امتلاك القوة التي تلزمهُ لمسحِ لطخاتِ الماضي. و أخافُ أكثر، عندما تشكُ بي على غير وجهِ حق.
يا فيكتور الخاصَ بي، إنهُ حبُكَ هوَ الذي سيُطهرَني، تقديرُكَ هو الذي سيجددُ كلَ ما كانَ جيداً و طاهراً فيني.
أنا أحفلُ بكَ لدرجةِ أنَّ جميعَ هذا يمكنُ أن يحدث. سوفَ أكونُ جديرةً بك، فقط ساعدني.
وداعاً. أنتَ روحي، حياتي، و ديني؛ أحبك.

جولييت

(احتفاؤك برسائلي هو أحد أفضل اثباتات الحب التي أعطيتني حتى الآن. سوفَ أبدأ الاشتغال على إعادةِ صياغتها. لا شئ حدثَ منذ تركتني بالأمس عدا أنّ حبي ازدادَ لك.)

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:08 AM
الأثنين، الثانية إلا عشر دقائق صباحاً، 1833

لا زلتُ أقفُ بجوارِ النافذة طوالَ هذا الوقت، روحي مبسوطةٌ نحوَك، أذني مصغيةٌ لأي صوت، خائفةً دوماً من أن تخذلكَ قوتُكَ قبل نهايةِ طريقِكَ المُرهق. مضتْ نصفُ ساعةٍ منذ غادرتْ؛ كنتُ أصغي بانتباهٍ، لكن لم يصلني أي صوتٍ يشعرني أنكَ لم تملك القوة الكافية للوصول إلى بيتِك. أنا واثقةٌ أنكَ الآنَ -أثناءَ تحبيري لهذه السطور- تنعمُ بالراحةِ التي سيجلبها المرقدُ و الاستلقاءُ بعدَ عذابِك. لا أجدُ أية كلمةٍ تكفي كي أعبرَ لك عن مدى ندمي، حزني، و يأسي، لما حدثَ الليلة. لا أعفيكَ تماماً من الذنب، و لكني أسألكَ أن تصفحَ عن نفسِكَ و عني. سامحني أن سلمتُ نفسي لك بعدَ ما جرى بيننا. كان يتوجبُ عليّ أن أرى ما سيحدثُ و ما حدث. يعلمُ الله، لقد قاومتُ طوال ما أمكنني ذلك، و استسلمتُ فقط بعدَ أن وعدتني أن لا تتحدث عن لطخاتِ حياتي السابقة طالما بقيت علاقتي معكَ أمينةً و نقية.
الشهورُ السبعةُ الأخيرة من حياتي كانت أمينةً و نقية! و مع ذلك، هل حافظتَ على وعدِك؟ لو كنتُ أنا الوحيدةُ التي ستعاني لتعزيتُ، و لكنكَ أيضاً، تبلغُ من اللاسعادةِ ما أبلغه، أنتَ خَجِلٌ من الإهاناتِ التي تقذفها فوقي كخجلي لسماعِها.
الآنَ وقد استبنتُ الثألولَ الذي يقع في جذرِ وضعنا، إنه دوري كي أوقفَ تقدمَ الشرِ باستئصالِ روحي و حياتي كي أحفظ ما يمكن إنقاذه منكَ و مني.
اسمع يا فيكتور، أتوسلُ إليكَ أن لا ترفضَ مساعدتي في تنفيذِ الخطةِ الضرورية لشرفِ كلٍ منا.
لو أنَّ أيّ شئ كان بمقدورهِ أن يعطيكَ الشجاعةَ لكان ذلك هو علمكَ بإخلاصي لك طوال هذه الشهور السبعة. آه، صدقاً، لم أخدعْكَ يوماً! صدقاً! صدقاً! و مع ذلك، في غضونِ هذه الشهور السبعة نفسِها، كم مرةً حصلتْ مشاهدُ مروّعة كمثل ما حصلَ الليلة!
بالتأكيد، يمكنك أن ترى أنه لم يعد بإمكاننا أن نتردد. سوف أرحلُ مع أول قاطرة. صحةُ طفلتي الصغيرة تصلحُ أن تُستخدم كمبرر. عندما أصبحُ معَها، سوف يمكنني أن أتأملَ وضعي و أن أرى ماذا يتوجب عليّ أن أفعلهُ كي أجعلهُ محتملاً. لو تَوَجبَ عليّ تركُ المسرح، سوف يغطي الأثاثُ ديوني مع جوردين، و لو كنتَ غير مستعدٍ لأن تحفلَ، أستطيعُ أن أكلّفَ أيّ رجلَ أعمالٍ كي يبيع الأثاث، حتى أغطي فاتورتي مع جوردين، تلك الوحيدة التي جعلتكَ مسؤولاً عنها.
يجبُ أن أرحل إلى الخارج. هكذا أنا، لا زلتُ قادرةً على تحصيل لقمة عيشي، و هو كل ما يلزمني.
و لكن كل هذه مسائل جانبية. المهمُ هو أن أبدأَ حالاً قدر الإمكان، اليومَ حتى، كي أحمينا من نفسينا.
قبلَ أن أذهب، آملُ أن أراكَ لمرة أخيرة، إلا لو ساءتْ حالتُك، و هي فكرةٌ مهلعة، خصوصاً عندما أتذكر أنني سبب ذلك.
و لكن، سواء أرأيتكَ أم لم أرك، سواءَ أكنتَ ضحيةَ غضبي أم لا، أتركُ معكَ كل حبي و كل سعادتي. لن أحتفظ حتى بالأمل؛ أتركُ روحي في رعايتِك، أفكاري، و حياتي. لن آخذَ معي سوى جسدي الذي لا تملك سبباً للحسرةِ عليه.


جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 06:02 PM
صباح السبت، 1834

إلى مونسيور فيكتور هوغو.
في المدينة:
إنها الواحدة إلا ربعاً. كنتُ في أعمالِ الطباعة رقمي 16 و 19؛ لم يركَ أحدٌ هناك. ذهبتُ إلى بيتِك؛ لم ترجع إليه. كتبتُ لكَ سطراً، انتظرتك ... في الأخير، عدتُ إلى شقتي أملاً أن أعثرَ عليكَ فيها؛ و لكنكَ لم تكن هنا. أشكركَ على معاملتي ككلبٍ ضال. لقد أخبرتني أنكَ ذاهبٌ إلى أعمالِ الطباعة، أنكَ ربما تعودُ إلى منزلِك، أنكَ بالتأكيد سوفَ تذهبُ إلى شقتي...
لقد نسيتَ وعودَكَ مرةً واحدة، و يظهرُ أنكَ تعدُ حبي رخيصاً جداً.
لو كان باستطاعتِك -رغمَ عدمِ مبالاتِك- أن تراني في خيالِك، كما أجلسُ الآن و أنا أكتب لك، لأصبتَ بالذعرِ بسبب الحالةِ التي أوصلني إليها ظلمُكَ و احتقارُك.
من الواضحِ أنكَ لم تعدْ تحبني، و أنكَ فقط مربوطٌ بي بسبب خوفكَ من أن تسبب لي جرحاً عظيماً لو هجرتني. إنهُ لمن المحزنِ فعلاً أن تكونَ هذه العاطفة الوحيدة التي تربطكَ بي، و أنا غير مستعدةٍ لأن أقبل بمثل هذه العلاقة الجوفاء و المُزرية. أنني أهبكَ حريتك، أعيدها لك. منذ هذه اللحظة، ليس عليكَ أي مسؤولية تجاهي. رغمَ أن قلبي مكسور، رغمَ أن روحي لا زالت أكثر امتلاءً بحبٍ بالكادِ تحتويه، رغمَ أن عيوني -وأنا أكتبُ- تمتلئُ بدمعٍ مر. يجبُ أن أبقى ممتلكةً للشجاعة اللازمة كي أحتملَ حياتي عندما تكون خاليةً من السعادةِ و الضحكة.
كنتَ قاسياً جداً بحقي. اسامِحُك. سامحْ أيضاً موجاتِ غضبي. أنا خَجِلةٌ منها، و مسكينة للغاية. أقسمُ لكَ بذاكَ الذي اعتبرهُ أقدسَ الأقداسِ في حياتي -طفلتي تحديداً- أنني غيرُ قادرةٍ على أن أشرحَ لكَ كيف يمكنُ أن أكونّ مذنبةً بالأمسِ عن شئٍ أنكرهُ بشدةِ و يظهرُ كسببٍ رئيسٍ للخلاف. أقسمُ أنني لم أرَ في حياتي هؤلاء الرجال. أنا بريئة من أي جريمة. لا أستطيعُ أن أقولَ شيئاً آخرَ. لقد سحقتني بحديثكَ ثانيةً عن حياتي الماضية، و حتى أثناء تأكيدي للحب الذي أضمرهُ لك، أثناء أملي بتسويةٍ بيننا، أرتعدُ لفكرةِ أنّ بإمكانِك أن تشكّ بي بلا حقّ. قلبي يضمرُ من حزنٍ لا زالَ مخزوناً له... قلمي يخذلني...
وداعاً! عسى أن تهنأ بطمأنينةٍ و سعادةٍ يفوقانِ القدرَ المخبوءَ لي. لا تنسى أبداً أننا لعامٍ كاملٍ كنا سعيدين بواسطة حبِنا.
مع-السلامة! لقد تلقيتُ فعلاً عقابي الكامل على جريمةِ أمسِ المُتخيلة.
وداعاً. اذكرني في أفكارِك دونَ مراراة.

جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:06 PM
الواحدة و النصف ظهراً، السبت، 11 أبريل، 1835

لماذا كنتَ تتوهجُ ذكاءً قبلَ قليل؟ هذا يجعلني أرتجفُ فرَقاً، خصوصاً مع جولاتِك الصباحية إلى المسرح. توتو.. توتو.. أنتَ لا تعلمُ ما أنا قادرةٌ عليه، خذْ حِذرك! أنا لا أحبكَ من أجلِ لا شئ. لو خنتني بأقل قدرٍ ممكنٍ في هذا العالم سأقتلُك. و لكن لا، لنتحدث جدياً، أنا أغارُ حينما أراكَ فتّاناً هكذا. لا أشعرُ بالاطمئنانِ الذي تتمنى مني أن أشعرَه. في الحقيقة، أنا أصرُ على حضورِ هذه العروض التحضيرية لمسرحياتِك. أنا لا أختارُ أن أتركَ حبيبي العاشقَ لضميرِ من لا أعلم ما يضمر. أريدُ أن أبقيَ حبيبي لنفسي، هكذا، في وجهِ كلِ الأمة، و كل الممثلات الفرنسيات.
هذا هو قراري السياسي و الأدبي: سوفَ أضعهُ في إطارِ التنفيذِ منَ الغد.
على فكرة، هذا هو يومُ ميلادي. لم تعرفْ حتى ذلك. أو على وجهٍ أصح، أتجرأُ أن أقولَ أنكَ لا تحفلُ إن كنتُ قد وُلدتُ أم لم أولد. أهوَ صحيح، أنكَ لا تحفلُ ألبتة؟ هل هذه هي الأهمية التي تعلّقها على حبي! و رغمَ ذلك، هناكَ شئً واحدٌ أكيد: أنني خُلِقتُ و وُضِعتُ في هذا العالمِ فقط كي أحبَك، و يعلمُ اللهُ بأيّ اخلاصٍ أقومُ بتنفيذِ هذه المَهمّة.
أحبك، آه، صحيح، بالفعلِ أحبك، أحبك يا فيكتور الخاص بي!

جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:07 PM
منتصف الليل، الخميس، 28 أبريل، 1835
ساعة بعد انتهاء "آنجلو" (مسرحية لهوغو)

كأسي فائض. برافو! برافو!! برافو!!! برافو!!!! برافو!!!!! للمرةِ الأولى كان بمقدوري أن أصفقَ لكَ كما يحلو لي، إذ لم تكن هناكَ كي تمنعني.
شكراً، يا حبيبي! شكراً من أجلي، من أجلِ نفسي التي تزيدُ سعادتَها كلَ ثانيةٍ بوجوِدك، و شكراً من أجلِ الحضور الذين كانوا متواجدين، مُعجبين، مستمعين، و مُقدرين لك.
لقد رأيتُ و سمعتُ كلَ شئ، و سوفَ أخبركَ كلَ شئٍ من ذلك؛ لو أنَّ الهتافَ و الحماسَ و الجنونَ تُقاسُ بالوزنِ فقط، لأصبحَ حملي ثقيلاً. سوفَ أنقلُ لكَ التفاصيلَ كاملةً عن الأداءِ غداً، إذ أني لا أجرؤ أن أراكَ الليلة؛ هذا فرحٌ كثيرٌ بالنسبة لي في يومٍ واحد، و أنتَ لا تريدني أن أفقدَ صوابي و أغدو بلهاءَ من الفرح!
حتى الغدِ إذن. لو تعلمُ فقط عن مقدار الحماس الذي صفقتُ فيه لمدام دورفال، لترددتَ عن قولِ أو فعلِ أي شئٍ يمكنُ أن يضيفَ إلى الحسرةِ التي أشعرُ بها بسبب فكرةِ أنّ امرأةً أخرى غيري قد اُختيرت كي تمثلَ عواطفكَ النبيلة. ها أنا ذا، استسلمُ للحزنِ ثانيةً، لأنكَ معَ تلكَ المرأة!
تصبحْ على خيرٍ يا حبيبي. نمْ جيداً، يا شاعري، طالما لم يمنعكَ صوتُ التصفيقِ الحار من النوم. إلى زهورِ غارِكَ أضيفُ عناقاتٍ رقيقةُ و آلافاً من القُبل.

جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:08 PM
الأربعاء، الثامنة و النصف مساءً، 1835

أنا نصفُ خائفةٍ من اتباعِ ما طلبتني إياه حرفياً في شأن الرسالة اليومية: قل لي بصراحةٍ، كيفَ لي أن أفسّرَ طلبَك حتى لا أظهِر نفسي سخيفةً لو غمرتُكَ بفيضِ رسائلَ لا تريدُها. أخبرني الحقيقةَ مرةً و للأبد، حتى أعرفَ أين أنا، و لكي أرمي نفسي بالكاملِ و دون قيود للذةِ الكتابةِ لكَ و إخبارِكَ بأني أحبكَ من كلِ قلبي، و أنكَ الوحيد الذي تشكلُ جميعَ بهجتي، جميع فرحي، و جميع مستقبلي. لو كان بإمكانِك فقط أن تجربَ ربعَ بهجتي بالقراءة، تلك البهجة التي أحسها عندما أخطُ خربشاتي، لأرسلتُ لكَ بعضاً من نثري كلَ يومٍ، لكن في كمياتٍ محدودةٍ و مُقاسة كي لا تفتَّ أو توهنَ صبرَك.
و لكي أدللَ على قواي في كبح جماحي، سوفَ أحصرُ نفسي في ستة تريليونات قبلةٍ على فمِك الجميل. بالإضافةِ إلى.. ها أنتَ هنا! أحبك.

جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:09 PM
السابعة و خمس و أربعون دقيقة مساءً، الأثنين، الثاني من مايو، 1836

عزيزي الحبيبَ الصغير:
أنا أشعرُ بالأسفِ إذ أجدُكَ غيرَ مقتنعٍ مثلي بأحقيةِ إعطائي البورتريه الخاص بك.
أعترفُ أني أشعرُ بأكبرِ الخيباتِ عندما ألحظُ من تهربكَ اليومي أنهُ لا يمكنُ أن أصبحَ أبدأً مالكةً لتلك الصورةِ التي تشبهكَ كثيراً، و لا حتى نسخةً من الأصل. أنا حزينةُ و أشعرُ بالرفض. أعتقدُ أنكَ لا تحفلُ كفايةً بي، أنا المخلوقة المسكينة المرفوضة، أن تسديَ لي ذاك المعروفَ الذي أغدقتهُ على أخرىً تملكُ ما يكفيها لحياةٍ كاملة. لذلكَ أنا مصابةٌ بالخيبةِ بشدة. لقد عوّلتُ كثيراً على امتلاكِ البورتريه، و أخذتُ أترقبُ سعادةً غامرةً بامتلاكِه؛ تأملي ذاك كان جديراً بأن يزيد من شجاعتي و تصميمي، إنهُ لمنَ المحزنِ جداً أن أضطرَ إلى تنكرِ كل ذلكَ فجأةً و دونَ تعويض.
لو أردتُ أن أتحدثَ عن أشياءَ أخرىً الآن لما أمكنني؛ قلبي ثقيل، و عيوني تفيضُ دمعاً، أستطيعُ فقط أن أجدَ كلماتٍ مريرةً للتعبيرِ عن حبي المجروح.
أحبكَ اليومَ أكثرَ من أيِّ يومٍ سبق، و معَ ذلك لستُ سعيدة.

جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:11 PM
العاشرة صباحاً، الجمعة، الأول من نوفمبر، 1839

صباحُ الخيرِ، يا عزيزي الصغيرَ الحبيب، يا رجلي الصغيرَ الغالي. قلتَ لي بكل تأكيدٍ بالأمسِ أنَّ خطي كان بشعاً، أنّ ما أكتبهُ لا يعدو أن يكونَ مجردَ متاهاتٍ مروّعةٍ تفقدُ فيها صبرَكَ و حبَّك، إلى درجةِ أنني اليومَ بالكادِ أتجرأ أن أكتبَ لك، و لن يأخذَ الأمرُ إلا قلياً حتى يجعلي أتوقفُ عن مراسلاتِنا نهائياً. يجبُ أن نتناقشَ عن هذا الموضوع، إذ أنها وحشيةٌ منكَ حينَ تجبرني على أن أغدوَ مضحكةً و بلهاءَ صباحَ مساء، لا لشئٍ إلا لأني أحبُكَ و لأني الأكثرُ حزناً و وحدةً بين النساء. لو كان واجباً إغراقُ حبي في لجةِ جهلي و غبائي، على الأقل لا تجبرني على أن أقومَ بالقفزةِ بنفسي. كان هناكَ وقتٌ مضى، عندما لم تكن تستطيعُ أن تلاحظَ فيه قبحَ خطي؛ كنتَ حينها تقرأُ فقط معنايَ و تغدو سعيداً و شاكراً. الآنَ صرتَ تضحك، و هو شئٌ رخيصٌ و شريرٌ منك. يبدو أنّ هذا هو قدرُ جميع كوازيمودوات* العالم، أخلاقياً و شكلياً؛ أن يُكشّرُ في وجوههِم، إذ أنّ الشكلَ هو كلُ شئ، و الروحُ لا شئ. حتى لو أنا استطعتُ أن أكبحَ خطي الأعوجَ لأقول: "روحي جميلة،" لن تُصابَ بأي نوعٍ من دهشة. لذلك، يا رجلي الصغير الحبيب، في انتظارِ اللحظةِ التي أستطيعُ فيها أن أنضمَ لأشارككَ الضحكَ على نفسي، أعتقدُ أنهُ من الأفضلِ أن نعلّق هذه المراسلاتِ المُرهقة. كما أنهُ قد أتتْ اللحظةُ التي يتوجبُ عليّ فيها أن أسخّرَ وقتي و جهدي في صنعِ وضعٍ آمنٍ لي. لا شئَ في هذا العالمِ يستطيعُ أن يشتتني عن هذا الهدف، إذ أنهُ لي مسألة حياةٍ أو موت، و اللهُ يعلمُ أنني طوالَ كلِ هذه السنواتِ السبع لم أفشلْ في إخبارِك الشئ نفسه كلما سنحتْ الفرصة. أنا أعتمدُ عليكَ لتساعدَني، يا حبيبي. أنا أسألُكَ أكثرَ من الحياةِ نفسِها- أسألكَ تعميدَ زواجِ العشقِ معنوياً. دعني أذهبُ معكَ حيثما سعادتي مهددة؛ دعني أصبحُ زوجةَ عقلِكَ و قلبِكَ إن لم يمكني أن أغدوَ زوجتكَ في القانون. لو عبرتُ عن نفسي بشكلٍ سئ، لا تتضجر، لكن افهمْ أنني أملكُ حقاً لأن اضعَ ككلماتٍ ما شعرتَ أنتَ بهِ بنفسِك، و أنني أصرُ على حمايةِ نفسي ضدَ كل النساءِ اللواتي يحاولنَ الوصولَ إليكَ بحجةِ خدمتِك. سوفَ أحصلُ على دوري، إذ أني أحبُكَ و أشعرُ بالغيرة.

ج


* كوازيمودو: بطل رواية أحدب نوتردام القبيح الشكل، الجميل الروح

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:11 PM
الخامسة و النصف مساءً، الثالث من يونيو، 1841
بعد انتخاب فيكتور هوغو كقنصل للأكاديمية الفرنسية

من أينَ يجبُ أن أبدأَ يا حبي؟ أأبدأُ من قدميك الإلهيتين، أم من حاجبكَ الكوني؟ ما الذي أعبرُ عنهُ أولاً؟ أتبجيلي أم افتتاني اللذين يفيضان من قلبي كعبقريتِك الهائلة التي فاقت تلك المخلوقات المنافقة التي استمعتْ إليك دونَ أن تفهمَ شيئاً، و حدقت بكَ دونَ أن تخرَّ على ركبِها خضوعا! آه، دعني اخلطُ هاتين العاطفتين اللتين ابهرتا عقلي و احرقتا قلبي. أنا أحبُك! أبجلُك! أعشقُك! أنتَ رائعٌ بحق، نبيل، و هائل، يا شاعري، يا معشوقي، نورَ عيني، نارَ قلبي، حياةَ حياتي! يا معشوقي الحبيبَ المسكين؛ عندما رأيتُكَ تدخُل، شاحباً جداً و مرتعشاً، أحسستُ أنني سيُغمى عليّ، لولا مساعدةُ مدام ديموسي و مدام بيركي لسقطتُ على الأرض. لحسنِ الحظِ لم يلحظْ أحدٌ عاطفتي، و عندما تمالكتُ نفسي و رأيتُ ابتسامتَكَ الحلوةَ التي تجيبُ ابتسامتي و تشجعني، شعرتُ كما لو أنني استيقظُ من حلمٍ طويلٍ مؤلم، رغمَ أنّ ثانيةً فقط مرت.
شكراً، يا واحدي الغالي، على تفكيرِكَ بهذه المرأةِ المسكينة التي تحبُك، في تلكَ اللحظةِ المهمة- كانَ يتوجبُ عليّ أن أقولَ تلكَ اللحظةَ العلوية، لو أنّ الجموعَ لم تكنْ مكونةً على الأغلبِ من رؤوسِ صفيحٍ و جبناءَ حاقدين.
شكراً لك، يا ملاكي الطيب، يا هوغو الذي لي، هوغو العظيم، يا طفلي المُبجل. رأيتُ جميعَ أفرادِ عائلتِك الغالية؛ ديدين الحلوة، و تشارلوت الجذّاب، و توتو الصغير العزيز الذي بدا شاحباً و رقيقاً. قبلتهمْ جميعأً في روحي، كما فعلتُ مع والدِهم المقدّس.
أحبك.

جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:14 PM
الثانية و النصف ظهراً، الخميس، الثامن من يوليو، 1841

بينما أنتَ تحتفلُ بالأكاديمية، أنا أبكي و أتألمُ في البيت. كان الأحرى بكَ أن تجنبني هذا الألمَ بدعوتي لحضور الحفل، و إلا أن تبقى أنتَ بعيداً أيضاً. يجبُ أن أحذرَكَ، توتو، هذا النوعُ من التضحيةِ و العذاب لا يُطاق، و لو حصلَ مرةً أخرى، لا أعلمُ ماذا سأفعلُ عدا أن استسلمَ لهُ كما الآن.
نحنُ لا نعيشُ في الشرق، و أنتَ لم تشتريني، حمداً لله! أنا حرةٌ في اطّراحِ هذه المجرياتِ التي ليستْ عادلةً و لا راحمةً و لا مُحبة. أنا أقسمُ بكلِ ما أعدهُ مقدساً في هذا العالمِ، حبي تحديداً، أنني لن أخضعَ مرةً ثالثةً و اُستبعدَ بهذا الشكل. لو علمتَ كم أنا غاضبةٌ و بائسة في لحظةِ الكتابةِ هذه، لما تجرأتَ على أن تلحقَ بي هذا النوعُ من الامتحانِ لمرةٍ ثالثة. على كلِ حال، أتمنى أن تجعلَ رسالتي هذه اعلاناً مؤكداً عن ما أنا قادرةُ عليه لو كنتَ من القساوةِ بمكان بحيثُ تستمرُ في معاملتِك الحاليةِ لي. و أثناء ذلك، سأعملُ جهدي على تجنبِ أخذِ أي خطوةٍ قاتلة، و لكني أحذرُكَ أنني لم أعدْ قادرةً أكثر على التحكمِ بنفسي.

جولييت


الواحدة فجراً

الجحيمُ في قلبي ظهراً، و الجنةُ فيه منتصفَ الليل، يا توتو الحبيب. أنا أحبُكَ و أثقُ بكَ بدونِ قيود.

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:15 PM
التاسعة صباحاً، الجمعة، الثالث من ديسمبر، 1852
جيرنسي، بريطانيا

صباحُ الخير يا حياتي، يا روحي، فرحي، و سعادتي.
عزيزي المفتونة به، منذُ الأمسِ و حتى الرابع عشر من هذا الشهر، لا توجدُ لحظةٌ تمرُ دونَ أن تذكرني بالأخطارِ التي كنتَ معرّضاً لها قبل عامٍ فائت، الأهوالِ و الرعبِ الهائل اللذينِ تحملتهُما خلالَ تلك الأيام العشرة الفظيعة. قبل عام، في هذه الساعة تماماً في الصباح، كنتَ واقفاً في ساحة القديس أنطوان في فابورغ، متحدياً و موقفاً زحفَ حشودٍ ثائرةٍ فقدت كل ما تملكه من صوابٍ و تحكم. أستطيعُ أن أراكَ الآنَ، يا حبيبي المسكين، صائحاً بالجنودِ كي يذكروا واجبَهم و كرامتَهم، مهدداً الجنرالات، ملوحاً لهم بواسطةِ غضبِك. كنتَ مُرعباً و عظيماً. كانَ من الممكنِ أن تصبحَ عبقريَ فرنسا الذي يشهدُ بحسرةٍ و يأسٍ شديد المرارةِ تنفيذَ الجريمةِ الأكثر جُبناً و خزياً. لقد كانت معجزةً إلهيةً أنكَ نجوتَ حياً من ذاك المكان الذي أخذ يسترجعُ صدى صيحتِك البطولية. عندما أتذكرُ كلَ ذلك، أشعرُ دائماً بالخوفِ و الانبهار.

جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:16 PM
الثامنة صباحاً، السبت، السابع و العشرين من نوفمبر، 1852
جيرنسي، بريطانيا
جماعة من الممثلين الجوالة يصرون على تمثيل مسرحية "آنجلو" أمام هوغو


صباحُ الخير، يا عزيزي المسكين، المجلودَ، المُمزق. كم أشفقتُ عليكَ بالأمسِ أثناءَ المذبحةَ التي امتدت طويلاً لرائعتكَ آنجلو، و التي رغمَ ذلك، خرجتْ بعدَ ذاك البلاء بشكلٍ أحسن و مجدٍ أكبر. بالنسبةِ لي، يا كنزي، لا أملكُ إلا أن أقدّرَ و أحسدَ قدرتكَ البطولية على التحملِ في وجهِ ذاكَ الانتهاكِ المروّع. كانَ بالكادِ بإمكاني الجلوس، متحسسةً و ضائقة و أنا أرى غرابات هؤلاء الجوالين المساكين. رغمَ ذلك، تعلمُ السماءُ بمقدارِ كدحِ المساكين و نَصَبِهم كي تخرجَ بالأخير بهذا الشكل المضحك. المرءُ لا يمكنهُ أن يغضبَ عليهم، و لكن من المستحيلِ أيضاً أن أتذكرهم فرداً فرداً دونَ أن أغرقَ بالضحكِ حتى تسيلُ الدموعُ على خدّي. هذا هو ما كنتُ أفعلهُ إلى الآن، منذ خرجتُ من ذاك المسرحِ الصغيرر المروّع، إذ أني لم أنم كفايةً. أفكاري كانت مشغولة بك، يا عزيزي الغالي؛ كنتُ أراكَ ثانيةً في خيالي: وسيماً، شاباً، منتصراً، كما كنتَ في أول عرضٍ لآنجلو. أحسُ بكلِ حنانِ وحبِ تلك الأيام الخالية يرجعُ ثانية إلى قلبي.

جولييت

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:17 PM
الثامنة صباحاً، الأربعاء، الأول من يناير، 1868
جيرنسي

أشكركَ، أيُها الأعزّ، لإشراكي في صلواتِك عندما تبتهلُ إلى الله أن لا يفرّقنا لا في الحياةِ و لا في الموت. هذا ما أصلي له، طوالَ اليوم؛ إنهُ طموحُ قلبي و إيمانُ روحي. أنا لستُ امرأةً صالحة، يا حبيي العظيم، أنا فقط امرأةٌ تُحبكَ و تقدّركَ و تقدسك. أن أعيشَ بجانبِك هو الجنة؛ أن أموتَ معَكَ هو تعميدُ حبِنا للأبدية. أريدُ أن أحيا و أن أموتَ معَك. عسى اللهُ أن يستجيبَ صلواتِنا المشتركة!
أحسُ مثلَكَ، يا حبيبي، أنّ هاتين الروحين تخفقانِ فوقَنا و تتأكدانِ من سلامتنا و تباركانا. أنا أربطهما بكل أفكاري و أتراحي و أفراحي، و أضعُ صلواتي تحتَ حمايتِهما، عسى أن يوصلانها تحتَ عرشِ الرحمنِ الأبيض مباشرة. أنا أباركهما كما يباركاني، بكلِ ما هوَ مقدّسٌ و سامٍ و مباركٌ في روحي. أنا أتوقفُ تقريباً عندَ كلِ سطرٍ من هذه الرسالة، كي أقرأ صلاتَكَ المحبوبةَ مرةً ثانية، رغمَ أني أحفظها عن ظهرِ قلب. أنا أقبلُها، أحادثُها، أستمعُ إليها، و من ثمّ أبدأ من جديدٍ ثانية. أحبُك.

ج.

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:18 PM
الثامنة صباحاً، الجمعة، الثامن و العشرون من أغسطس، 1868
بروسل
مدام فيكتور هوغو ماتتْ


لقد وَكِلتُ نومَكَ ليلةَ البارحة و وضعتهُ تحتَ حمايةِ غاليتِك أيها الحبيب، و رجوتُها أن تزيلَ من أحلامِكَ كلَ الذكرياتِ الأليمةِ للأيامِ الحزينةِ التي مضت. أرجو أنها سمعتني، و أنكَ نمتَ جيداً. منذُ الآن، إليها، إلى هذه الشاهدةِ الرقيقةِ و المُباركة على حياتِك في هذا العالم، أوجهُ ابتهالي من أجلِ الاطمئنانِ و السعادةِ اللذين تحتاجهما كي تتمَّ مهمتكَ الانسانية التي نذرتَ لها نفسَك. عسى اللهُ أن يباركَها و يباركَك، كما أدعو لها و أدعو لك.
كلما فكرتُ بمشوارِ الليلةِ الأليم أكثر، كلما ازددتُ قناعةً أنهُ من الأحرى بي أن لا أشاركَ به. شعورُ الامتنانِ الذي أحملهُ في قلبي لتلكَ الامرأة الكريمةَ يجبُ أن لا يُعرّى تحتَ أنظارِ أناسٍ غير مبالين و منتقدين. يجبُ أن نتمَّ هذه التضحيةَ الأخيرة في وجهِ الشرِ الانساني كي نملكَ الحقَّ لكي نحبَ بعضنا بكل وضوحٍ في حياتنا التالية؛ ألا توافقني أيها الحبيب؟ بعدَ ذلك، عسى أبداً أن لا يحولَ شئٌ بيننا، لا هنا، و لا بالأعالي- هذه هي رغبتي الحارة!


ج.

يوسف الجميعة
11-10-2008, 10:20 PM
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Juliet3.jpg




الأثنين، الأول من يناير، 1883

يا عزيزي الأثير المُحبب، لا أدري أينَ سأكونُ السنةَ المُقبلة، و لكني فخورةٌ و سعيدة بأن أوقّعَ شهادةَ حياتي لعام 1883 بهذه الكلمة: أُحبُك.

جولييت*


*آخر رسالة عُثرَ عليها في أوراق جولييت دراوت بعدَ موتِها

عمر بك
15-10-2008, 06:51 PM
غيرة وأنانية هيجو أنتجت هذه الرسائل الرائعة ! لا أدري , هل نشكره أم لا !؟

شكراً لك يوسف , وشكراً لـ عدي الحربش على نقله وترجمته الرائعة .