PDA

View Full Version : هكذا أحبت هيباثيا



Athena
19-11-2008, 04:26 PM
“قديماً مثل هيباشيا
سلخوا جسدي
وكنتُ أحسب العلاقةَ
الرياضيةَ
لبقاء الأزمنة
على الأجساد
ومثلما رتّقتُ ذلك الجلد
اعتصرتُ المشاهدةَ من العيون
فإذا بهم ليسوا هم
وإذا بي ما زلتُ أنا”*


نصحها والدها ذات يوم قائلاً:
"تمسكي بحقك بالتفكير، فلأن تخطئي التفكير أفضل من ألا تفكري على الإطلاق"..
حفظت النصيحة بعد ذلك طويلاً.. كما حرصت كذلك على ألا تقع في الخطأ..

يحكى أن شيشرون، الخطيب الروماني الذي كان يفتن سامعيه بسحر البلاغة والخطابة، هو أول من استخدم مصطلح "intelligence" أي الذكاء، ولكنه لم يحكى أنه أول من اتصف بالذكاء !
كما يحكى أن الإغريق هم أول من استخدم كلمة "philosophy" المؤلفة من كلمتي حب الحكمة، ولكنه لم يثبت بشكل قاطع أنهم أول من مارس هذا النوع من الحب !
بل يحكى أيضاً أنه كان هنالك قبل ظهور أبي الفلسفة الإغريقي فيثاغورث بكثير، ملك يدعى سارجون الأول الذي وحد مملكتي سومر وأكاد وأسس الإمبراطورية البابلية التي تحولت فيما بعد لعراق حر ديمقراطي..

وكان لذلك الملك ابنة شاعرة ومحبة للحكمة وباحثة عن المعرفة تدعى "إنهدوانا" فعينها والدها كاهنة في وقت كانت المعابد فيه تعتبر مراكزاً لدراسة العلوم والفنون ومراقبة مزاج الكواكب ومطاردة النجوم..
ويحكى أن أول من حدد الفرق بين الفلسفة والعلم التجريبي، حيث كانت أعمال نيوتن وغاليلو تعتبر فلسفة طبيعية، هي امرأة!

مشغولون دائما بقضية الأول..
فنتساءل عن أول زائر للقمر
ونختلف حول أول رواية ألمرأة هي أم لرجل
وأول قصيدة أكانت جاهلية أم منتحلة
وأول نظرة أتكون محللة أم محرمة
وأول حب أهو حقيقة أم وهم ..
لدرجة أن لدينا كتاب يعد من أمهات الكتب يتناول فقط موضوع "الأوائل" هذا ويبحث عن أول امرأة خضبت وأول امرأة خصفت وأول من ارتدى الطوق والحلق وأول من اكتحل وأول من ضحك وأول من عطس..
مهتمون جداً بتسجيل أسماءنا في موسوعة غينيس حتى وإن كان في حجم "المنسف"..
مهتمون جداً بدخولنا الموسوعة حتى وإن لم نخرج منها بعد ذلك أبداً..
مشغولون كثيراً بقضية من الأول ونكتفي دائماً بالمراتب الأولى ولا يهمنا من يأتي بعدنا حتى وإن أصبح ترتيب تلك المرتبة الأولى في المؤخرة.. ولم نفكر أن نكون آخر من يأتي بشرط أن نأتي بشكل لائق..

وأنا كامرأة.. يكفيني أن تكون الخنساء أول شاعرة عربية بكت إخوتها كما لم تبك امرأة.. وسكينة بنت الحسين صاحبة أول صالون أدبي عرفه العرب، وأن أول أبيات شعر نقشت باللغة المسمارية على ألواح طينية هي للشاعرة إنهدوانا، وأن يكون هناك امرأة تدعى ماري ولستونكرافت هي أول من أصدر كتاباً يطالب بحقوق النساء قبل أن يولد قاسم أمين.. وأن تكون زينب فواز صاحبة أول رواية عربية وأول من طالب بتحرير المرأة في العالم العربي قبل قاسم أمين، أيضاً.. وأن هناك فيلسوفة تدعى اسبازيا عملت سقراط وأفلاطون الخطابة.. وأن ماري كوري أول كيميائية فرنسية عرفت الراديوم والبولونيوم.. وأحتفظ بذاكرتي باسم فالنتينا كأول امرأة زارت الفضاء... وأحمل كل هذه الاثباتات والشهادات لأشهرها في وجه كل من يحاول أن يسخر من قدرات المرأة وعقلها.. فأنا كغيري أؤمن أنه طالما هناك أول فلا داعي لأن يكون هناك ثاني وثالث ورابع وعاشر وأستغفر الله أن أرجم بالغيب وأتنبأ بالأخير !

لذا لن أشعر، كغيري تماماً، بحاجة لفعل أي شيء قيم طالما فعله أناس قبلي وكفوني شر القتال..
فعندما يضعني متشكك ما أمام سؤال وجودي، حول وجود أديبة أو شاعرة أو فيلسوفة أو عالمة أو مخترعة أو مفتية أو ملكة أو حتى مدعية نبوة، أجدني بشكل تلقائي أدخل آلة الزمن وأتجول بين القبور وأنبش صفحات أجيال مضت وهي مصرة على القول "ها أنذا ذا" لا كان أبي، ولم تدر أن أبناءها لشدة احترامهم وتقديرهم لآباءهم سيضعون تاريخهم أمامهم لا وراءهم..

فعندما يتساءل أحدهم عن وجود فلاسفة نساء يمنعنا تواضعنا وحياءنا الأنثوي المحبب من القول "هاأنذا" فنبحث عن زمن كانت فيه أخريات كبش فداء للفلسفة وللحرية وللكلمة.. ونكون بذلك كشهرزاد التي تقص على شهريار أساطير وخرافات لتبعد عن نفسها شبح الإدانة.. فنأخذ هذا الشهريار في جولة سياحية لنعرفه على نساء الحضارة الفرعونية أو البابلية أو الإغريقية أو حتى الواق واقية لنثبت أنه كان هناك نساء يملكن رؤوساً ويستخدمنها لأغراض أخرى لا علاقة لها بالغواية..

فلنتوجه إذاً إلى مصر التي كانت مزهردة في عهد بطليموس وكانت الاسكندرية التي اختارها عاصمة له مركزاً تجارياً وثقافياً فأنشأ فيها مؤسسة للتعليم العالي عرفت باسم متحف الاسكندرية حيث دعي الأساتذة من كل أنحاء العالم ليدرِّسوا فيها.. وقد كان إقليدس الرياضي الإغريقي أول بروفيسور للرياضيات يلقي محاضراته فيها..

في ذلك الزمن المزدهر ولدت امرأة لم تنقصها المكانة ولا الجمال ولا المال لتكون كأي سيدة أخرى تعيش لنفسها ويعيش لأجلها كثيرون.. وتلقى تحت قدميها أطواق اللؤلؤ والياسمين لنيل رضاها.. فرفضت كل ذلك وألقته تحت قدمي الحقيقة وحدها..

هكذا كانت هيباثيا ذات الجمال والأصل الإغريقي في عربتها التي تتجول فيها في أنحاء المدينة ويلقاها أهل الاسكندرية بالترحيب والورود المتناثرة على طرفي عربتها يرافقها تهليل باسم أبيها:"عاشت ابنة ثيون".. وابنة ثيون هذه لم تكن ملكة ولا أميرة ولا كاهنة.. بل كانت امرأة فضلا عن تمتعها بجمال المحيا تتمتع بملكة الحديث وطلاوة الكلمة وبلاغة اللسان..

كان والدها ثيون عالم رياضيات ورئيس متحف الاسكندرية، رجلاً منفتحاً محباً للعلم والبحث قد تراءى له أن ابنته التي ورثت عنه حب الرياضيات والمنطق ستكون ذلك الكائن المثالي، فتعهدها بالعناية والرعاية وتنمية موهبتها وميولها ودعمها لتحقيق انجازات أكاديمية لم تسبقها إليها امرأة في ذلك العصر الذي كانت الريادة والسيادة فيه للرجل وحده..

تعلمت هيباثيا إلى جانب شغفها بالرياضيات الأدب والعلوم والفلسفة والفنون، وسافرت إلى إيطاليا وأثينا طالبة للعلم في مدرسة بلوتارك الأصغر، وعند عودتها عينت كمدرسة للرياضيات والفلسفة في متحف الاسكندرية وأقبل على محاضراتها الكثير من طلاب العلم كما أصبح بيتها صالونا يؤمه الطلاب والباحون لمناقشة المسائل العلمية والفلسفية..

كانت بتواضعها تقبل على كل من يود الاستماع إليها لتشرح له فلسفة أفلاطون وأرسطو وتحدثه عن الحقيقة الأزلية الواحدة التي تؤمن بوجودها، وعن المادة التي عليهم أن يترفعوا عنها للحفاظ على الشيء الوحيد الإلهي الذي يملكونه، ألا وهو الروح..
كان طلابها في رسائلهم يخاطبونها بقولهم: "أيتها الأم والأخت والمعلمة والمحسنة.. وكل ما يمكن أن يمجد في الاسم والعمل." ويلقبها أبناء شعبها "بعذراء السماء"..

لم تكن امرأة غير طبيعية في امتلاكها لمكونات الأنوثة والجمال الطبيعيين.. فهي لم تتزوج لا لأن عائقاً يحول دون ممارسة حياتها الطبيعية بل لأنها منحت نفسها للنجوم وللفلسفة وللبحث العلمي.. وقد حدث أن أحبها طالب لديها وافتتن بها كأنثى فأرادت أن تعلمه كيف يحب ويسعى للجمال الحقيقي لا لجمالها الزائل، فمزقت بعض الخرق المتسخة من ثوبها وأعطتها للطالب العاشق قائلة: "هذا ما أحببته أنت أيها الشاب الصغير!"

عندما يتحدث اليوم أحد عن الرياضيات.. يكون اسم هيباثيا هو الاسم الوحيد لامرأة يمكن أن يكون له فضل في هذا العلم.. وفضلها يكمن في التعليقات والشروحات التي تركتها على أعمال الرياضيين الآخرين لتسهل على طلابها دراستهم وفهمهم.. وكانت هذه التعليقات سبباً في حفظ بعض الأعمال الهامة مثل "علم الحساب لديوفانتس"..
لم يترك حرق متحف الاسكندرية بعد ذلك أي أثر من آثارها اللهم إلا بضع إشارات ومعلومات عن إنجازاتها وردت في الرسائل التي كانت تتبادلها مع طلابها كتصميمات لاسطرلاب وأدوات لتقطير الماء..

وكعادة المدن الكبيرة التي تتحول لمراكز للعلم والتجارة والثقافة وتبادل الأفكار تكون أكثر عرضة لتضارب الآراء وتكون الصراعات وتأجج الثورات.. هكذا كانت الاسكندرية أيضاً مركزاً للعلم وللصراع الديني والسياسي بين المسيحية واليهودية والوثنية.. ولهذا شكلت حكمة هيباثيا وشعبيتها وحب الناس لها وإيمانها بالعقلانية والتفكير العلمي خطراً على الفئات المتصارعة فجاء موتها لا ليحل مشكلة وإنما ليزيل نوراً كان يضر بمصالح ضعفاء يستعيدون قوتهم ومجدهم عندما يحل الظلام فقط.. موتها أعلن عن نهاية عهد ذهبي ازدهر فيه العلم في الاسكندرية، حيث فر بقية طلابها إلى أثينا ودخلت الرياضيات العربية في غيبوبة امتدت بعدها آلاف السنين..

إنها هيباثيا التي
أدهش جمالها الأبصار
وأسر كلامها الأسماع
التي رفضت حب شاب لها لأنه إحساس عرضي يمنعه من رؤية الجمال الحقيقي ولم يكن يخطر ببالها أبداً أنه سيأت يوم تحكى فيه سيرتها وسيرة غيرها من "الأوائل" كأساطير لأناس يودون الهرب من الحقيقة لا البحث عنها ويستخدمونها كأدوات زينة لتجميل واقعهم لا أكثر..

إنها هيباثيا التي كانت تؤمن بأن:"الحكايات يجب أن تعلم كحكايات والأساطير كأساطير والمعجزات كخيال شعري.. هو شيء فظيع أن ننقل الخرافات كحقائق فعقل الطفل سيتقبلها ويؤمن بها وسيكلفه التخلص منها بعد سنوات عديدة ألم عظيم أو مأساة كبيرة.. فالرجال يحاربون من أجل خرافة بنفس السرعة والسهولة التي يحاربون فيها من أجل حقيقة حية"..

هذه هي هيباثيا..
سمعت باسمها لأول مرة عندما ذكرتها عرابتي الأديبة "مي زيادة" كإحدى النساء الثلاثة اللواتي أثرن في حياتها: "هيباثيا الاسكندرية ومدام كوري وكارمن سيلفيا" وعندما تكرر اسمها في مقالة أخرى لمي تتحدث فيها عن المرأة والتمدن حيث وجدتها هناك تتساءل:

"إن أفلاطون قضى حياته آسفاً لأنه ابن امرأة وكان يصرح بازدرائه بأمه، ويعتقد أن من كان جباناً من الرجال في هذا العالم فعند ولادته مرة أخرى تتقمص روحه في جسد حيوان أو في جسد امرأة.. وما علم أفلاطون أن امرأة ستعلم الفلسفة الأفلاطونية الجديدة في "مدرسة الاسكندرية" وأن تلك المرأة لا يمنعها شبابها الغض وجمالها الرائع أن تكون أعلم علماء عصرها. تلك هي الفتاة هيباثيا ابنة ثيونوس الرياضي الشهير، التي قتلت رجماً في شوارع الاسكندرية في أوائل القرن الرابع، فذهبت شهيدة علمها وإخلاصها ورغبتها في إشهار التعاليم الأفلاطونية الجديدة."

ولذلك كان لا بد لي من التعرف على هذه الفيلسوفة الأولى وكان ذلك من اليسر والسهولة أنه متوفر لأي شخص ذكراً كان أم أنثى سواء يعيش على الأرض أم على كوكب آخر.. فالثقافة باتت توزع بالمجان بعد أن كانت حكراً لطبقة معينة وفئة معينة وجنس معين.. أصبحت المعلومات تنشر حتى على أوراق الروزنامة.. فقديماً كانوا يحملون مسؤولية تخلف المجتمع وتأخره على جهل المرأة ومنعها من التعلم ويطالبون بحقها بالتعلم ليستعيد العالم توزانه وتكامله.. أما الآن وبعد أن نالت هذا الحق وأصبح العلم هو من يستجدي طلابه وطالباته بعد أن كان العكس هو الصحيح.. فماذا حدث؟

أصبح ضياعها أكبر وجهلها أخطر.. لأن السبب الذي كان يعيقها عن الإبداع قد زال وألقيت كامل المسؤولية على عاتقها ولم يعد هناك ما يمنعها من إثبات نفسها وقدراتها العقلية، إن هي أرادت ذلك، سوى تصميمها وجهدها وعملها..

فلماذا لم يصبح لدنيا عشرات الهيباثيات.. ولم اقتصر الحب لدنيا على نوع واحد ولم يعد أحد راغب بممارسة الحب الذي فقدت هيباثيا حياتها من أجله؟!..







* للشاعرة العراقية سـهام جبار

غدير الحربي
19-11-2008, 05:01 PM
ماقرأته هنا جميل جميل جدا ً , فبورك القلم , وبورك السبب ؛ مادام قد جاء بحديث كهذا هنا !.

شكرا ً لك أثينا .

shahrazed
25-05-2009, 10:26 PM
و لكم تلهمني هذه الأنثى الفريدة من نوعها !!
فخر لنا كونها من بنات جنسنا !! فلتعش ذكراها و لنتبع خطاها !!
مدهش و أكثر
شكرا جزيلا

غزة العزة والحب
09-07-2009, 08:09 AM
قرات ابداعا حتم علي الشكر

محمد العدوي
01-10-2009, 09:15 AM
يجعلني هذا حريضا على أن نعرض عزازيل هنا .. لكن حين تعود أثينا قريبا ..

ننتظر

الغيمة
01-10-2009, 04:05 PM
سيرة جميلة..
وفكرتك التي عرضتيها أيضا تستحق التأمل..
ولكن..أتوقع أن في عالمنا المعاصر توجد هيباثات كثر..
لنبحث معا..وسنجد ما يمكن أن نكمل به السيرة لنتحدث عن هيباثا معاصرة..
شكرا لك..

لودميلا
17-11-2010, 09:02 PM
أول مرة سمعت بها كان برواية عزازيل
وفي الرواية وصف لطريقة مقتلها لا أعرف إن كانت حقيقة أم خيال كاتب
لكن ما أدركه أنني تألمت معها وهي ترجم وتمزق وتحرق بعدها
لم علينا نحن النساء دوما أن نثبت انسانيتنا وحقنا بكل شئ ؟
شكرا لك
تقبلي مروري

رجــاء ..
25-05-2011, 02:57 PM
سيرة .. فعلا جميلة ..

أول مرة سمعت بهيباتيا كانت برواية عزازيل .. و كم تأثرت بها حـــينها .. و لا زلت

بوركتِ..