PDA

View Full Version : خـ نساء يات



Ophelia
29-11-2008, 03:04 PM
.
في كتب الشعر الإنكليزي تجد كثير من القصائد موقعة باسم "anonymous" وجميعها قصائد جميلة وملفتة للنظر غالباً..
ذات مرة ذهبت صديقة لي إلى مكتب الأستاذ المسؤول عن هذه المادة لتسأله عن هذا الشاعر الذي تقرأ كل قصائده وتعجب بها جداً وقد بحثت في معجم الأدباء والشعراء فلم تجد عنه أي سيرة ذاتية أو معلومات عن حياته..
فوقفت بكل حيرتها وبراءتها أمام الدكتور تستفسر عن شاعرها المجهول هذا.. فنظر إليها متفحصاً ليتأكد من جديتها في طرح هذا السؤال وعندما لاحظ اصرارها على معرفة حقيقة الشاعر أنونيمس هذا.. أخبرها بأن هذه الكلمة ليست اسماً لشاعر وإنما هي كلمة إنكليزية تعني "غير مسمى" أو "مجهول" وأنهم يضعون هذه الكلمة عادة بنهاية القصائد التي يكون مؤلفها مجهولاً!

تعاطفت كثيراً مع صديقتي عندما أخبرتني بقصتها مع أنونيمس هذا، ليس لأنها كانت بموقف لا تحسد عليه وقد بدت على وجهها علامات البلاهة، وهو ما يجعلها أجمل فتلك اللحظات التي تمر بها في كل مرة يخطر ببالها أسئلة من هذا النوع تجعل وجهها يبدو كوجه طفل يواجه نوراً قوياً بعد انقطاع الكهرباء لأكثر من ساعة منتظراً أمام ضوء الشمعة..
لكني تعاطفت معها بسبب خيبة أملها بشاعرها المفضل الذي كانت تعتقد أنه مؤلف كل تلك القصائد الموقعة باسم انونيمس..
ما ذكرني بهذه الحادثة هو جملة قرأتها لفرجينيا وولف تقول فيها: "سأجازف بالتخمين أن أنونيمس الذي كتب عدة قصائد دون توقيعها، كان غالباً امرأة!"
أسعدني تخمينها وجرأتها كثيراً.. وتذكرت ما أخبرتني به صديقتي وتوضيح الدكتور الذي لم يخطر بباله أن هذا المجهول قد يكون امرأة سقط اسمها سهواً أو عمداً أو لا مبالاةً والنساء وحدهن من يمكن أن تحدث معهن أشياء كهذه بينما يهتم الرجل بإظهار اسمه أكثر ولا يحرص على إخفاءه إلا إذا كان ملاحقاً من الأمن أو الفواتير..بينما مع أسماء النساء يختلف الوضع.. فالكتابات النسائية منذ أن خط أول حرف وحتى الآن، تعتبر بحال تمت قراءتها ونسبتها لكاتبتها والاعتراف بجودتها فإنها تبقى مصنفة كدرجة ثانية..

قد يتساءل أحدهم مثلا لم لا توجد معلقات لشاعرات فنجد أجوبة سريعة جاهزة عن ضعف شعرهن وقصر باعهن وعدم تنوع مواضيعهن وقلة انتاجهن..
رغم أننا بنظرة أكثر شمولية قد نجد أسباباً أخرى لا علاقة لها بكونهن من كتاب الدرجة الثانية.. فقد جاء مثلاً في مقدمة كتاب "أشعار النساء":
(لم تصلنا نسخة كاملة من مخطوطة أشعار النساء الذي يقع أصلاً في ستمائة ورقة، فالذي وصلنا منه قطعة من الجزء الثالث، عدد أوراقها 59 ورقة، أي عشر الكتاب، وتضم تراجم 38 شاعرة، أغلبهن لا ذكر لهن في الكتب المطبوعة... ومن المفيد أن نذكر هنا كتاب (النساء الشواعر) لابن الطراخ ، فقد وصف كتابه بأنه أجل ما ألف في موضوعه، ويقع في عدة مجلدات، لا تزال في عداد الكتب المفقودة..)

أما في حال من تمكنت أن تنجو من طوفان التهميش وفقدان الأثر و"الأنونيموسية"فلن تجد نفسها في سفينة نوح التي حملت من كل نوع زوجين متكافئين، وإنما ستجد نفسها في قوالب جاهزة مجمدة ممنوعة من التنفس والنطق خارج حدود الصورة والوظيفة المحددة لها.. فهن إما أمهات أو أخوات منكوبات وشعرهن هو رثاء وبكاء وتكرار لنفس المواضيع..
فشاعرة كالخنساء التي يمتدحها كبار الشعراء والنقاد كالنابغة الذبياني ويعتبرها بشار من غلبت الرجال بشعرها ويفضلها جرير على نفسه عندما سئل عن أفضل شعراء الجزيرة فيقول:"أنا لولا تلك المرأة الشريرة"، وتحضر مجالس الأدب وتناقش الشعراء كناقدة وأديبة وتعتبر صاحبة "أمدح بيت قالته العرب":
وإن صخراً لتأتمُّ الهداة به .. كأنه علم في رأسه نار
الذي كانوا يقولون فيه: "قاتل الله الخنساء، ما رضيت أن جعلت أخاها جبلاً حتى جعلت في رأسه ناراً، فبالغت أشد المبالغة."
أيعقل أن أديبة وناقدة كالخنساء تختصر كل سيرتها الشعرية في جملة "يا عين جودي بالدمع"؟..

أما الناقدة والشاعرة الثانية والتي لا تقل أهمية عن الخنساء وهي أم جندب فإن حاولت البحث عن شعرها وأخبارها فلن تجد سوى الحكاية التي ترويها كتب الأدب القديمة :
(روي عن امرئ القيس وعلقمة بن عبدة العجلي وذكر أنهما تنازعا في الشعر واحتكما إلى أم جندب، امرأة امرئ القيس، وادعى كل منهما أنه أشعر من صاحبه، فقالت قولاً شعراً في صفةِ الخيل على رَوِي واحدٍ ، فقال امرؤ القيس في قصيدته:
خَليلي مرا بي على أمّ جندب لتقضيَ حاجات الفؤادِ المعذب
فللسّوط الهوب وللساق درة وللزّجر منه وقعُ أخرج متعب
وفي نقيضها قال علقمة:
فولّى على آثارهن بحاصبٍ وغيبةِ شؤبوب من الشَد مهلب
فأدركهن ثانياً من عنانه تمرُ كمر الرائح المتحلب
فحكمت لعلقمة على امرئ القيس، وقالت: أما أنت فحمدت نفسك بسوطك وزجرك ومريك إيّاها بساقك. وأما هو فإنه أدرك فرسه الطّريدة ثانياً من عنانه لم يمره بساق، ولم يضربه بسوط، ولم يزجره بنده، فقال امرؤ القيس: ما هو أشعر مني ولكنك تعشقينه فطلقها. )

فهل يعقل لامرأة ناقدة احتكم إليها شاعرين فوضعت لهما شروطاً موضوعية لتقييم شعرهما ثم قدمت قراءة نقدية لكلا القصيدتين أن يكون هذا هو الحدث الأدبي في حياتها كلها؟!
فأين هو شعر أم جندب وأين هو شعر الخنساء وبقية أخبارها في كل مراحل حياتها التي تكمل أجزاء الصورة التي لم يصلنا منها سوى كونها الأخت والأم المنكوبة، وهي الامرأة الجميلة التي خطب ودها الكثيرون والشخصية القوية التي كانت تشارك الرجال الرأي في الشعر وفي جوانب الحياة كافة..
قال أبو نواس: "ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة منهن الخنساء وليلى".. فأين أولئك الستون؟

عن ليلى الأخيلية وأخبارها مع الحجاج وتغزلها بتوبة ورثاءها له أخبار عدة، منها إجابتها للحجاج عندما سألها إن كانت تحب توبة قالت: "نعم أيها الأمير وأنت لو رأيته لأحببته" يتضح لدينا أن النساء في تلك الفترة كن يملكن مساحة كبيرة من حرية التعبير ومع هذا لم يصلنا من أشعارهن إلا القليل من الأبيات المبعثرة هنا وهناك..
فهل تقل مثلاً أبيات ليلى هذه التي رثت فيها توبة حكمة عن كثير من قصائد المتنبي التي امتدح بها الأحياء لا الأموات:
لعمركَ ما بالموتِ عار على الفتى .. إذا لم تصبه في الحياةِ المعاير
وما أحَد حَيٌّ وإن كان سالماً .. بأخلدَ ممَّن غيَّبتْهُ المقابِر
فلا الحي مما استحدث الدهر مُعتْبُ .. ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر
وكل جديد أو شباب إلى بلىً .. وكل امرىء يوماً إلى الموت صائر
قتيل بني عوْفٍ فيا لهفتي له .. وما كنتْ إياهم عليه أحاذر

تقول الدكتورة بثينة شعبان في بحثها "مئة عام من الرواية النسائية":
(كل المؤشرات تشير إلى حقيقة أن معظم الشعر الذي نظمته النساء العربيات إما أنه لم يُسجل أو أن ضاع بعد تسجيله. وفي كتاب عن الأدب النسائي في مرحلة ما قبل الإسلام حرره الدكتور محمد معبدي، يؤكد على أن الكاتبات النساء اللواتي نظمن الشعر وكتبن النثر في مرحلة ما قبل الإسلام والمرحلة الإسلامية. وهو يعبر عن وجهة النظر بأن هذا قد حدث لسببين اثنين: حين بدأ العرب بتسجيل أدبهم ركزوا جهودهم على شعر الرجال بسبب "قيمته الأدبية" ، ولم يولوا إلا اهتماماً ضئيلاً جداً لنثر النساء لأنه كان "رقيقاً وضعيفاً". وبعدئذ فُقِدَ معظمه حتى ذلك القليل الذي تمّ تسجيله من أدب النساء خلال الغزوات الأجنبية للتتار، والتي "تمّ تدمير معظم التراث الأدبي خلالها".)

(والشعر الذي وصلنا من أولئك الشاعرات في تلك الفترة المبكرة يظهر بوضوح أنهن عالجن قضايا الحرب والسلم بين القبائل والعدالة وحقوق الإنسان و توزيع الثروة. كما أن شعر الغزل الذي كتبته الشاعرات لعشاقهن صريح إلى درجة لا تجرؤ معها شاعرة عربية على كتابة ونشر مثيله في هذه الأيام. إن جرأة شاعرة عاشقة قد تخدم كمثال يؤيد ما أقول. فحين ألقت ليلى الأخيلية قصيدة للحجاج تمتدح بها عشيقها توبة، قال رجل من المستمعين لقصيدتها: أنا واثق أنه لا يستحق عشر ما وصفته به. فسألت ليلى الرجل: وهل رأيت توبة؟ أجاب :لا. قالت: لو رأيته لأردت منه أن يجعل جميع العذراوات في قبيلتك حوامل.
ويبدو أن النساء العربيات قد امتلكن مساحة مذهلة من القرن السابع إلى التاسع للتعبير عن مشاعرهن حيال عشاقهن. والمؤسف على كل حال هو أن شعر الغزل الذي كتبه الشعراء يشكل مجلدات لا تحصى في الشعر العربي، بينما ليس لدينا إلا قصائد مبعثرة وأحياناً غير مكتملة للشاعرات العربيات. وفي ملاحظة ختامية للمجلد الثاني من أعمال جميل بثينة الشعرية، علق المحرر بأن بثينة لم تنظم الشعر في حياتها إلا بعد وفاة جميل، حين قالت:
وإن فراقي عن جميل لساعة .. من الدهر ما آنت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر .. إذا متّ بأساء الحياة ولينها
لا شك أن هذين البيتين من الشعر يدلان على موهبة شعرية، وقد كتبتهما شاعرة مارست الشعر مما يدحض ملاحظة المحرر التي قدم بها للبيتين.)

قديماً كان يتم تغييب الكثير من الأصوات النسائية ووأدها نتيجة لعدم الاهتمام بتوثيقها وحديثاً الأمر لا يختلف كثيراً بل يزداد سوءاً.. فرغم سهولة النشر والتوثيق إلا أن ما تكتبه النساء تمارس عليه عمليات وأد من نوع مختلف.. فأي نص أدبي نسائي سيواجه أحد الاحتمالات.. فهو إما سيرة ذاتية لكاتبته ويعتبر النقاد أن كل كاتبة تكتب عمل واحد قوي تروي فيه قصة حياتها وينتهي أمرها بعده، أو أن مواضيعها لا تهم الشأن العام وإنما هي مواضيع خاصة بالمرأة وحدها تقتصر على الأمومة وفقدان الحبيب والهجر والرثاء.. أو إن نجت من هذه التصنيفات وبدت لا تختلف كثيراً عن المواضيع الهامة التي يعالجها الرجال فلا شك هنا أن وراءها اسم رجل لا امرأة..

كم عدد الكتب والدراسات والرسائل التي تناولت أشعار ودواوين الرجال بمقابل من تناول أشعار نسائية وخصها بقراءة نقدية موضوعية ، وكم من الأبحاث الجامعية التي كان موضوعها الوحيد والمكرر هو المتنبي وغيره من كبار الشعراء الذين لن يجد الباحث صعوبة كبيرة في الكتابة عنهم لسبب واحد، بالإضافة لتوفر شعرهم في كافة مراحل حياتهم، هو أنهم لن يكونو مضطرين لتغيير أي فكرة أو انطباع مسبق بأنهم من كتاب الدرجة الثانية حتى قبل قراءة نتاجهم كما سيتم التعامل مع كاتبات نساء..

ارتقاء
25-01-2009, 04:03 PM
أشكرك على هذا المجهود الرائع
فعند قرائتنا في بعض كتب تاريخنا الأدبي فنجد أن الشعر للنساء أمر مسلم به..
ولكن العناية بالشعر النسائي مفقودة:(

وجه المرايا
25-01-2009, 04:37 PM
أشكركِ على هذا الطرح الراقي ..
- تناولتِ فيه قضية هامة بالنسبة لكن -
أنا معك في أن الشعـر النسائي تهضمه شبقية الرجال
وهيمنته على المسـرح الأدبي .
دائماً حاول الرجل عبر الأزمنة إقصاء وجود حواء وإبقاءها في قوقعتها .
وهذا ما يجعلها الجزء المتنحي في الحكاية .
لكن ألا ترين معي أن الشعر النسائي يظل محصوراً في أمكنة ضيقة
تشبه محدودية حركتها بعيداً عن القطيع ..

لن ننكر أن التاريخ أجحف الإحتفاء بها كما فعل برديفها الرجل
لكن يبقى الشعـر النسائي ألقاً خصوصاً للقراء من الجنس ذاته "

- أختي أوفيليا -


تقبلي المودة بأكملهـا ....

snobar
25-01-2009, 04:48 PM
وددت ان تكون لي بصمة بهذا الموضوع الراقي جدا والذي لم انتبه الا وهو قد انتهى

اوفيليا

شكرا لطرحك هذا الموضوع فقط ...

كبرياء امراة
27-04-2010, 12:27 AM
رائع من اعماقي لك الشكرازددت سعادة فأنت وقفت مع النساء وقفة جدلك اجمل تحية

areej hammad
07-04-2011, 09:49 PM
حسب معلوماتي Anonymous هو شاعر اختارهذا الاسم المستعارفي فترة الثلاثينيات وقد تأثر الادب في هذة الفترة بالنظرية الوجودية التي كانت تعتبر الانسان معزولا وفي صراع دائم مع الكون وتعتبر وجود الانسان معضلة كبرى وغيرها من افكار لا اذكرها
اذكر قصيدة له اخذتها في مقرر ادب العصر الحديث for every thing there is a season
والله اعلم

جودي ابوت
07-04-2011, 10:35 PM
المرأة دائماً ما ترتدي أثواباً خُيطَت من قبل الظــــــــلام ، ذلك مصمم الوحيد الذي أدرك ملامح نورها المختبئة من عدساتُ الموت المتربصة لها من خلال العرض ، هكذا أخذها بعيداً حيثُ لا يستطيع الضوء أن يجدُها ....

ليسَ خوفاً بل لأن المرأة فَضلت أن تبقى بوجود ليس موجود على هذا وجود ....

فارسة القلم
18-06-2011, 04:31 PM
جميل اهتمامكن عزيزاتي بالنساء
هذه زيارتي الاولى خارج الرصيف
و انا جد معجبة بأقوالكن و دراساتكن
بالاردني .. : الله يعطيكي العافية حبيبتي.. و يسلموا !

عواطف الجوفي
24-10-2011, 12:43 AM
صراحة أن هذا القول للدكتور معبدي يُناهض قيمة الأدب النسائي عموماً وما جاء به هذا الموضوع الفريد:

حين بدأ العرب بتسجيل أدبهم ركزوا جهودهم على شعر الرجال بسبب "قيمته الأدبية" ، ولم يولوا إلا اهتماماً ضئيلاً جداً لنثر النساء لأنه كان "رقيقاً وضعيفاً". وبعدئذ فُقِدَ معظمه حتى ذلك القليل الذي تمّ تسجيله من أدب النساء خلال الغزوات الأجنبية للتتار، والتي "تمّ تدمير معظم التراث الأدبي خلالها"

ويُغالط ماجاء هُنا

(والشعر الذي وصلنا من أولئك الشاعرات في تلك الفترة المبكرة يظهر بوضوح أنهن عالجن قضايا الحرب والسلم بين القبائل والعدالة وحقوق الإنسان و توزيع الثروة. كما أن شعر الغزل الذي كتبته الشاعرات لعشاقهن صريح إلى درجة لا تجرؤ معها شاعرة عربية على كتابة ونشر مثيله في هذه الأيام.

ولكم تقديري