PDA

View Full Version : مختارات من رسائل الشاعرة فروغ فرخ زاد



Ophelia
01-12-2008, 09:36 PM
إذا كان الحب حبّاً.. فإن الزمن كلمة حمقاء.

مختارات من رسائل الشاعرة فروغ فرخ زاد
إلى صديقها القاص الإيراني إبراهيم كلستاني

أحسّ أني خسرت عمري كله، كان عليَّ أن أعرف أقل بكثير من خبرة السبعة والعشرين عاماً، لعلّ السبب يكمن في أن حياتي لم تكن مضيئة، فالحب، وزواجي المضحك في السادسة عشرة زلزلا أركان حياتي. على الدوام لم يكن لي مرشد، لم يربّني أحد فكرياً وروحياً. كل مالدي هو مني، وكل مالم أحصل عليه كان بمقدوري امتلاكه لولا انحرافي وعدم معرفتي لنفسي.عراقيل الحياة منعتني من الوصول.. أريد أن‏
أبدأ...‏
سيئاتي لم تكن لسوء في صميمي، لكن بسبب إحساسي اللا متناهي بعمل الخير...‏

****‏

أشعر تحت جلدي بانقباض وغثيان.. أريد تمزيق كل شيء.. أريد أن أتقوقع في ذاتي ما أمكنني. أريد الانطواء في أعماق الأرض، فهناك حبي، هناك عندما تخضر البذور وتتواشج الجذور يلتقي التفسخ والانبعاث، وجود ما قبل الولادة وما بعد الولادة، كأنما جسدي شكل مؤقت سرعان ما سيزول. أريد الوصول إلى‏
الأصل، أرغب في تعليق قلبي على الأغصان مثل‏
فاكهة طازجة...‏
سعيت دائماً لأكون بوابة موصدة لئلا يطلع أحد على حياتي الباطنية الموحشة، لئلا يعرف أحد حياتي... سعيت إلى أن أكون آدمية.. ولكن كان في داخلي على الدوام كائن حي..‏
قد ندحرج إحساسنا بأقدامنا.. لكننا لا نستطيع أن نرفضه أبداً.‏
لا أعرف الوصول.. لكني أعتقد أن هناك هدفاً ولابدّ، هدف ينساب من وجودي كله إليه، آه.. لو أموت وأبعث ثانية لأرى الدنيا شكلاً آخر.‏
العالم ليس ظلماً بكليته، والناس، الناس المتعبون ينسون أنفسهم دائماً فلا يسيج أحد منهم بيته.‏
الإدمان على عادات الحياة المضحكة، والإذعان للمحدودية والعوائق، كلها أعمال مخالفة للطبيعة.‏
إن حرماناتي، وإن تكنْ قد منحتني الحزن، فهي على العكس من ذلك أيضاً أعطتني هذه الميزة:‏
لقد أنجتني من فخاخ التهتك المخادع في العلاقات المحتملة. فالحرمانات تقرب العلاقة إلى مركز الاضطرابات والتحولات الأصلية.‏
لا أريد أن أشبع، أريد الوصول إلى فضيلة الشبع.‏

**** ‏

... سيئاتي...؟ أية سيئات لي سوى خجلي وعجز حسناتي عن الإفصاح، سوى أنين حسناتي الأسيرة في هذه الدنيا المليئة بالجدران على مد البصر، جداراً تلو جدار، التقشف بالشمس، وقحط الفرص، والخوف والاختناق والاحتقار...‏
أمس الأول، في الغرفة اللصيقة بغرفتي (في الفندق) انتحرت امرأة، قبيل الصبح انفجر صوت صراخ ظننته عواء كلب، خرجت لأستمع، الآخرون خرجوا أيضاً.... وأخيراً كسروا الباب.. كانت المرأة قد أصبحت رمادية، كانت قبيحة قصيرة، فقيرة، ترقد على سريرها فاقدة وعيها.‏
يبدو أنها قد ضُربت أولاً، وقام ضاربوها بسحبها من الطابق الرابع إلى الطابق الأول. كانت قبل انتحارها ميتة تقريباً، والآن ماتت تماماً. من حقيبتها المفتوحة وسط الغرفة ومن بين ثيابها تبرز أشياء مضحكة، وعجيبة: حمالات صدر لا عدد لها، ألبسة داخلية قذرة، جوارب ممزقة، أوراق ملونة ودمى ملفوفة بالأوراق الملونة، كتب قصصية للأطفال، أقراص مختلفة، صورة المسيح وعين اصطناعية.‏
لا أعرف، لقد جاء هذا الموت بلا شفقة. تمنيت أن أذهب وراءها إلى المستشفى. لكني أمام كل الناس الذين تعاملوا مع جسدها الرمادي بهذا القدر من الفظاظة، لم أتجرأ على إظهار رأفتي ومواساتي نحوها...‏

****‏

سعيدة أنا، لأن شعري صار أبيض، وجبيني تغضن، وانعقدت بين حاجبي تجعيدتان كبيرتان رسختا على بشرتي. سعادتي أني لم أعد حالمة. قريباً سأبلغ الثانية والثلاثين، صحيح أن الـ(32) عاماً هي حياتي التي تركتها خلفي وأتممتها. لكن ما يشفع لي أنني وجدت فيها نفسي.‏
فمي مضطرب، وقلبي منقبض. تعبت من كوني متفرجة. ما إن أعود إلى البيت وأتوحد مع نفسي أحس أني قضيت يومي كله بالتشرد والضياع بين أشياء ليست مني، أشياء زائلة...‏

****‏

في رسالة بعثتها الشاعرة‏

حين كانت في أحد المهرجانات السينمائية‏
.. حين أرجع إلى البيت.. مثل طفل يتيم..‏
دائماً أفكر بزهرات عباد الشمس.. كم بلغ طولها؟ اكتب لي. عندما تزهر اكتب لي بسرعة...، مستلقية أرى البحر من هنا. على البحر مراكب. ونهاية البحر مجهولة. إلى أين؟ لو استطعت أن أكون جزءاً من هذه اللا نهاية، عندها أقدر أن أكون حيثما أكون...‏
قلبي يريد لي أن أنتهي هكذا.. أو أستمر هكذا. دائماً تأتيني قوة من الأرض وتجذبني. التحليق صعوداً أو التقدم إلى الأمام كلاهما أمران لا يعنياني. فقلبي لا يريد سوى الهبوط مع كل الأشياء التي أعشقها، أهبط مع أشيائي الحبيبة وأذوب في هيئة كلية غير قابلة للتبدل. اعتقادي أن لا طريق سوى هذا يجعلنا نفلت من الفناء، من التحول والضياع، من العدم والعبثية.‏

****‏

وفي رسالة منها بعد تكريمها الكبير في مهرجان‏
ـ بيزارو ـ للتأليف السينمائي.‏
بين هؤلاء الناس المختلفين، كم أنا وحيدة، أحياناً تتمزق أنفاسي حزناً... إحساس خارج دائرة الوجود وجريانه يخنقني... ليتني ولدتُ في مكان آخر، مكان قريب من مركز الحركات والارتعاشات الحية.‏
واأسفاه... أكان علي أن أتلف عمري وقدرتي كلها، فقط وفقط، من أجل حبي للأرض واعتناقي لذكرياتي في الحظيرة المترعة بالموت والاحتقار والعبث. هذا ما فعلته حتى الآن. أقارن ذلك التدفق الحي الذكي... أية قدرة يتقدم بها إلى الأمام ليوقظ الاشتياق إلى الإبداع والخلق.‏
رأسي ممتلئ ظلاماً ويأساً. وأتمنى الموت. أموت ولا أضع قدمي في مؤسسة فارابي (مؤسسة سينمائية إيرانية لا زالت موجودة)، ولا أرى مجلة (......) ذات الرسالة الساقطة، والتي لا تساوي خمسة ريالات...‏

****‏

إذا لم يصل الإنسان إلى أناه الحرة المنعزلة الطليقة من الأنوات الآسرة فلن يصل إلى شيء إذا لم تضع وجودك كله بتمامه وكماله لاختيار هذه القدرة.. فلن توفّق في إبداع حياتك....، الفن أقوى أنواع الحب.... إنه يجعل الإنسان يصل إلى تمام حضوره... فعلينا أن نستسلم له.‏
يا للدنيا العجيبة. أنا ليس لي شأن بأحد أصلاً.عدم تدخلي في شؤون الناس، وانهمامي بنفسي، هو بالضبط ما يجعل الناس يراقبونني بفضول...لا أعرف كيف أتعامل معهم. أنا إنسانة خجولة. لدي معضلة كبيرة في فتح حوار مع الآخرين....‏
خصوصاً مع من لا أعرفهم.. ما علينا.. رأيت لوحة لليوناردو دافنشي في المعرض الدولي، لم أكن رأيتها من قبل في سفرتي السابقة إلى لندن، إنها رائعة، كل شيء ذاب في الأزرق الفاتح، إنها مثل الإنسان + أول الفجر، قلبي أراد أن أركع وأصلي، هذا هو الدين. في لحظات الحب فقط،أشعر بوجود الدين في أعماقي.

حارسة المغزل
10-03-2009, 03:24 AM
مالي أرى الكلمات تتشكل تشرحني ؟ أم بأني بدأت أقرأ كلمات تشبهني ؟ ..

المهم ، " ياااه " أطلقها .. و شكراً جزيلاً بقدر عمق الشكر الذي تشكلت منه كلمة الشكر ..

bdmi33
15-04-2009, 09:55 PM
كلام جميل لشاعرة اجمل . قرات لها بعض الاشعار في مختارات من السعر الا يراني صدرت في سلسلة ابداعات عالمية
فهي شاعرة متميزة تأ سرني اشعارها .
شكرا لك على هذه المشاركة الجميلة
الفن اقوى انواع الحب ...انه يجعل الانسان يصل الى تمام حضوره
رائعة

shahrazed
01-07-2009, 08:44 PM
قلبي أراد أن أركع وأصلي، هذا هو الدين. في لحظات الحب فقط،أشعر بوجود الدين في أعماقي.
إنسكابات أحاسيس صادقة
جميلة هذه الفروغ
و أنت اجمل أوفيليا
شكرا من الأعماق + مودة لا تبور

نورة الحوتي
04-07-2009, 09:07 AM
درر مضيئة مختارة ، برفق وعناية ، من رسائل شاعرة حكيمة و مغتربة تتنفس بالتذاذ مأساوي .
شكرا ..أوفيلــيا ..