PDA

View Full Version : شكرا لأنك حررتني



باذخ الامنيات
11-01-2009, 07:28 AM
ولدت فلسطينيا ، لم أشاهد من الوطن المصلوب سوى وثيقة تقر للعالم المخدر حولي بأني لاجئ ، محكوم علي بالإبعاد المؤبد أو الموت الاختياري . لم تُنسني وثيقتي هويتي ، وحتى إن نسيت فمعابر الأحبة لن تنسى لتوقفني
ساعات طوال عند كل معبر أو جسر أحاول عبثا شق الضوء من خلاله
لعشاق السفر حياتهم المؤقتة على جناح طائرة ، ولنا نحن المهجرين سفرنا الأبدي على قارعة طريق ننتظر وهن المارقين حولنا ليجودوا فينتبهوا أن لنا أرواحا تتوق العيش وتأبى الذل والحرمان
لم أغضب من كوني لاجئا ولا أذكر أنني خجلت من مخيمنا الرث ذو الرائحة القديمة والأسقف المتهاوية ، لا أذكر أيضا أنني استطعت الرد كلما تناولني أصدقائي بشيء من اللمز و السخرية وذكروا جدي وعمي وأهل قريتنا وكيف تناوبوا الهروب خوفا تاركين حقهم في الذود عن أرضهم مخلفين وراءهم تاريخا عامرا بالذكريات مستقبلين ما يدّعون أنها النجاة من أرض الموت إلى موت بطيء خارج حدود الوطن
وأذكر أنني كلما سألت جدي لماذا ترك فلسطين نظر بضعف مرير إلى عيني وحدثني عن إخوته الثلاثة الذين وارت الأرض رفاتهم وكثيرا من أحبته و أصدقائه الذين صمدوا بالفؤوس والمعاول وظل يحكي وأنا أردد في نفسي لو كنت مكانك يا جدي لمت ألف مرة وما تركت فلسطين
وظلت الفجوة عميقة ما بين جدي وبيني، وبين الوطن الذي أجدني هاربا منه باحثا عنه متهما كل أشجاره وأحجاره مقتنعا أن دماء الهاربين مهدورة حتى …يعودوا يناوروا يضحوا يقوموا يصرخوا
وكانت أحاث غزة ، رأيت صمود أهلي بسالتهم صبرهم تضحيتهم شموخهم أنفتهم ورأيت الجراح تكبر والدماء تسيل فلا يزدادوا إلا قوة وثباتا وإقداما ، يومها ونحن خاشعون أمام الشاشة المدماة بالجراح المتخمة بالعز نظر إليّ جدي وقال:" ما طلعنا من لبلاد وفي بارودة واحد منا طلقة ، عمرنا ما هربنا احنا طلعنا مشان ييجي اليوم الي ترجعوا في "
ناظرت جدي طويلا وددت لو طوقته بذراعي وقبلت جبينه وددت لو أخبرته بحجم ذلك الفخر الذي يسكنني لأنني أنتمي لشعب يقاوم بطش المحتل الأرعن بما تيسر من طلقات ورصاص ، وودت لو ضممت غزة إلى صدري وفديتها بدمي وناديتها بعالي صوتي شكرا لقد حررتني يا غزة