PDA

View Full Version : وجه مبلل بالتعاسة



حمايده مادبا
09-02-2009, 06:19 PM
وجه مبلل بالتعاسة


استطعت بصعوبة ان احركني ، فالتعب التهمني كاملا ولم يبق جزء من جسدي إلا ورسم
عليه علاماته ، ربما لم استيقظ لولا صوت اعلان هاتفي لاستقبال رساله ...
بحذر امتدت يدي من تحت الغطاء لتخرج ببطئ من طرف السرير وتتحسس هاتفي
على الطاولة الصغيره المجاوره لسريري ، كان خوفي ان اسقطه وأنا ابحث عنه
بلا نظر فعيوني ملطخه بالظلام ، لكن بطريقه ما استطعت سحبه لعندي لتحت الغطاء ...
كثيرون من معارفي يهوون تصفح هواتفهم تحت الغطاء بلجة ظلام حالك .. قلـّبته وفتحته
لاقراء الرسالة الوارده .. ضوء الهاتف الصغير كان جميلا لكي يضيء لي دنياي الصغيره
تحت الغطاء ليكشف ان الرسالة قادمة من أمراه اضاءت لي الدنيا كلها .. ارسلت الي
برسالة طعمها مسك حتى لو كانت خرجت منها مُرّه ..

(( لو سمحت.. احضر لي جميع رسائلي وصوري.. انتظرك بنفس الزمان والمكان ))

حاضر يا غاليتي .. سألملم لك تاريخي وسأجمع لك ما تبقى من ملامحي واحضرها لك
..لكي تنسيني وتنسي لون دمائي ، وسأطلب منك العفو والسماح على ما افسدت لك من
سالف ايامك ... وسأطعنني امامك بخنجر احزانك لكي يرتوي كبريائك من مائي .. ولكي
يبرد كرهك المتزايد على كاهلي .. لا تقلقي حبيبتي حتى وان لم تريديها فأنت حبيبتي ..
وستبقي لي ذكرى حبيبتي .. انا لم اتمنى في هذه الدنيا سوى سعادتك وان كان الثمن
كل سعادتي وبعض سنيني .. من اجلك تتساوى كل الارقام والأثمان .. وكل مقابل
لأجل بسمتك قليل ...

دارت لي هذه الافكار وأنا ما زلت تحت غطائي .. رفعت الغطاء عن راسي مره اخرى
لأرى الساعة الخرساء المعلقه على الحائط المقابل .. لتخبرني انها السادسة صباحا لكن لم
اشعر بحميمية الوقت مثل سابق ايامي .
الان بقي لي من الزمن فسحه قصيرة لموعدي .. نظرت الى الستائر لكنها لم تترجم لي
صباح الفجر بقدر جماله كل يوم .. وحتى ضوء الشمس دلف للغرفة بخجل واضح .. وكأنه
يعرف مدى حزني ..

نظرت الى حاسوبي المتنقل المتكوم على طاولتي الكبيره بجانب باب الغرفه فأحسست
بحزنه اذا لأول مره لم اقترب منه لحظه استيقاظي .. لم يكن مغريا كسابق عهده .. اشعر
انني موجود بهذه الدنيا بلا دعوه وكأني اضافه بلا لزوم .. جميع اشيائي كانت تتوق لي
كل صباح .. وكانت تشدني اليها بشكل ساحر .. مرآتي وكرسيي وحاسوبي وشرفتي وحتى
كوب النسكافيه احسست بمدى يتمه ليدي .. لكن اليوم الحياة غريبة لا لون لها ولا طعم
ولا دلائل تدعوك للعيش فيها .. اصبحت الدنيا بوجهي كلها كما صفحه نعي بجريده قديمه.

اوقفت نفسي على قدماي ومشيت بي الى المغسله وغسلتني ونفضت عني بقايا حزن
اسود كان نما على بوجهي بمحاذاة شعر وجهي ..
ارتديت الملابس التي تعجبها .. وحتى العطر المفضل لديها رششت منه ومشطت شعري
بالطريقة المفضله لديها .. ومضيت الى باب شقتي محاولا فتحه ..
يالله اوقفتني للحظه صراخ ومناداة ولجت من خلفي .. استدرت لأرى ان كل ما في غرفتي
يبكي على فراق اشيائها التي طويتها بمغلف ابيض موضوع تحت ابطي .. هل اشيائها
تتدرك لأي موقد هي ذاهبة الان .. ابكي يا اشيائي ابكي .. فأنا قادم اليك ايظا لانتحب معك
ولنسكب كؤوس الدموع على جثث الايام الموؤده ...
بسرعه وبطريقه الرجال القويين الذين لا يطيقون الاحزان فتحت باب شقتي وخرجت مغلقا
الباب خلفي بسرعه ... سبع درجات كانت كافيه لأبدأ اول خطواتي على الرصيف ..
هذا الرصيف هو صديقي الذي لطالما سار معي لبيتي ويرافقني بلياليّ الساهرة .. ولا مره
سألته من يقودك الى بيتك .. جميع فالارصفه تقودنا لبيوتنا ولا مره رافقناها لبيوتها .

مشيت اراقب الشارع الرئيسي والسيارات والمشاة والأشجار المصفوفة على طول
الرصيف .. اطفال يلعبون هناك بأحد الازقه اعادوني لطفولتي ، التي ما مارست منها سوى
اسمها .. اني اشتهي البكاء قسما اني امشي لحتفي وأنا اشتهي النحيب ..
استمرت بنقل قدماي المتهالكة .. لكنها تقوى للقاء .. حتى لو كان آخر لقاء .. سرت ودارت
ببالي اغنيه كاظم الساهر مدينه الحب ... ثارت لألحانها دموع ساخنة جدا وترقرقت على
وجنتاي الباردتين بهذا الجو البارد .

أذلني الحب أخرسني وأعماني بعد الفراق رأيت الصبر شيّعني في صحوة الفجر أمشي مشيَّ سكرانِ يخيفني الليل والذكرى تعذبني وحارب النوم ذاكرتي وأجفاني

فصل الشتاء كان من اجمل فصول حياتي ليس لسبب إلا انها قاتلتي تحب المطر .. ولو انها تعلم أي شيء منها يبعث في المطر .. اه لو انها تعلم .
مشيت حتى وصلت الى المقعد الخشبي القابع امام البحيرة الهادئة إلا من رشات خفيفة
للمطر وبعض طيور مهاجرة تسبح وتراقبني بعينيها .. ولسان حالها يقول من هذا
المجنون الذي يجلس هناك بهذا المكان السافر عن كل غطاء ..
اهٍ يا طيور لو صير لي ان اطير معكم الى حتفي الى كل سجون العالم .. لم اعد ارغب
بالمكوث بمكان فيه شيء من رائحة حبيب .. ذكرى حبيب ..
لم اعد ارى الاماكن إلا حبيبتي .. فالارصفه لها وقع اقدامكي .. والأشجار لها جمال عيناك
.. والمقاعد ايظا تمتلئ بك .. وكلي ذكرى من راسي حتى آخر ايام عمري ..
انتظرت عشر دقائق كانت كافيه لكي اخرج علبه سجائري وولاعتي وأشعل احداهن بحرقه
وكأني احرق بها ذكراي ..
سجائري تساعدني دوما بترتيب ملامحي المخنوقة الشاردة بمساحات وجهي الكئيب ..
امتصها عنفا وجبروتا ولا اسمح لها بالتفكير بمستقبلها بين شفتاي القرمزيتان ..
عادت ذاكرتي لآخر حوار دار بيننا وكيف استوت الكتابه على الخاتمه ..
قبل يومين عدت من عملي مبكرا وذهبت للقائها حتى وان كان الجهد قد استهلك من
جسدي ما استطاع .. لكني وبأعجوبة عند رؤيتها اشتد نشاطا ً ..

حاورتني وحاورتها .. ذهبنا وجئنا .. كنت اخاف عليها اكثر من عيناي وأداري عليها
اكثر من جفناي .. لكنها لم تقتنع انها بمثابة الروح وأنها لقلبي عنوان بزمان مشبع
بالنسيان .. غضبت مني عندما اخبرتها اني رسمت لها صوره .. لا يراها إلا قلبي
ولا تلمسها إلا عيني .. لم تقتنع بكلامي واتهمتني بسخفها و طعنتني بغبائها وقاتلت
كل ما في كلام وغادرت مسرعه بلا كلام ولا سلام ..
وألقت بجثتي بمنتصف الطريق الواصل بين مجرتينا .. يا الهي كم احزنتني .. يا الهي
كم آلمتني ...
استمرت الافكار تغدو من هنا وهناك بحزن بجميع تفاصيل مكاني ..
استمر الجو بالصمت حتى قدمت الي على الكرسي الخشبي .. وقفت احتراما لأنوثتها ..
ولم تسلم علي احتراما لذكوريتي .. سحقا لي وسحقا للحب .. صمتت للحظه امامها ..
ولأول مره يطول صمتي امام امرأة .. لم اتحدث ...
طلبت مني مغلفها فقدمته لها مغلفا بدمائي ... ونهضت وغادرت . .. لم استطع بكيت
نعم بكيت .. لأول مره اشعر بعجزي .. لأول مره لم استطع وصف شعوري ...

نظرت للبحيرة وللطيور المراقبه لنا ودموعي تنحدر بدفء اسمها ...
وددت لو اني استطيع سؤالك ايتها الطيور .. هل انا مخطئ .. هل انا خطر عليها ..
أم انني لم احفظ الامانه .. يا كم أتمنى ان اعرف الجواب ...
سأدفع بتسع اعشار عمري .. واعرف الجواب ؟؟؟ هل انا مخطئ ؟؟؟