PDA

View Full Version : الإنشطار ..



معتصم رزق
07-01-2009, 11:58 PM
( 1 )
تأخّر النوم تلك الليلة مع أنني طلبتُه كثيراً , و عندما تيقنتُ أنه لن يأتي , نفضتُ الشرشف و مضيتُ إلى المطبخ
كي أصنعَ فنجاناً من القهوة .

( 2 )
كلما أوغلتَ إلى اللبّ السحيق قلّ الهواء و سيطرتْ على المكان ظلمة موحشة . كنتُ قد قررتُ البحث عن الشمس
مهما كلّفني ذلك من جهد , و إن كان من الصعب عليّ أن أفارق هذا التراب الذي يطوّقني من جميع الجهات , لكنني
أصررتُ على قراري هذا , و دون هوادة أخذتْ أناملي تشقّ سحابة الطيّن الثقيلة الجاثمة فوق رأسي منذ أمد طويل .

( 1 )
فقاعات القهوة تتراقص من على السطح الأسود مما أثار في صدري رغبة لأن أطوّقها بين الشفاه القُرمزيّة
و إذْ استقرتْ في قاع الفنجان حتى شربتُها بسرعة و على نَفْس ٍ واحد , تذكرتُ لذّتها صباحاً بينما كنتُ
أهمّ بالخروج إلى العمل .

( 2 )
بدأتْ الدماء تتنافر من أصابعي المشروطة المتمزقة اللحم إثر البَحش بين فتات الصخر الحادّ , لكن ذلك
لم يكن ليثنني عن هدفي و لم يثبّط عزمي عن المواصلة .
" يكفي .. يكفي ما حييتُه تحت الأرض , ألم يحن الوقت لأرَ الشمس و لو من ثغر ضيّق ؟ "

( 1 )
بخختُ من العِطر على بذلتي الكاكيّة المذوّقة ما يكفي لأسبوع ٍ كامل , ثم نظرتُ في المرآة المعلقّة على
الجدار ابتسمتُ فردّ علي الآخر بإبتسامة مماثلة , و لم يطل ذلك كثيراً حتى كنتُ أمام العتبة استشعرُ
بالبرد و أبحثُ على استعجال في جيبي عن مفتاح السيّارة .

( 2 )
صادفتني جذور أعشاب رخيصة تنبتُ لوحدها من غير إذن . بكل جسدي , رحتُ أعوم إلى الأعلى رغم عن
أنف رائحة الرطوبة المخضبّة ككنز ٍ دفين , و لمّا صار نصف جسدي فوق الأرض , أبصرتُ حقلاً يمتدّ إلى كل
حدب .

( 1 )
استمهلتُ الدابّة الحديديّة ذات العجلات الأربع و اللون الفضيّ اللامع مُهلة ً من الوقت حتى تسخُن , ثم
امتطيتُها و مضيت .

( 2 )
بعد ركض ٍ مُضني وهَنتْ له قواي و اختنق له قلبي , استقرّ ناظري على عمود يحمل في عليّه ثلاث كرات :
حمراء , برتقاليّة و خضراء . كم راق لي أن أتابعها على مهل , تتناوب فيما بينها الوميض , ربما لأنها أول
شيء أبصره بعد مغادرتي بطن الأرض إلى ظهرها .

( 1 ) , ( 2 )
عند المنعطف الحاد , و فجأة ً ..
نطّ أمامي جسد بشري حاولتُ تفاديه و لم أستطع , لقد فرض علي الإصطدام بقفزته المفاجأة
, فخرجتُ على الفور دون وعي و لا معرفة ماذا يتوجب علي أن أفعل , و بينما كنتُ واقفاً
على مقربة منه , زاغ نظري إلى واجهة السيّارة التي تبدو الآن كمرآة تعكسُ لي صورتي و
صورته و لم أكن قادراً على تحمّل الصدمة ..
فلقد دهستُ أنا نفسي بعدما غادرتُ الحقل و البيت في آن واحد .

- النهاية -

بقلم : م . ر

wroood
12-01-2009, 11:31 AM
كأن شخصين بزمانين ومكانين مختلفين اجتمعا في شخص واحد.
انشطار يؤدي الى صراع وتصادم بين الشخص ونفسه..

بعض النصوص تأتي متكاملة..من حيث الفكرة واسلوب السرد.
والابداع يكون جلياً بها..وهذا ما لاحظته هنا..

تحية لك

غدير الحربي
07-03-2009, 09:58 AM
رائعة , وتستحق الرفع قبل أن يمضي على مكوثها الشهرين .
بعض النصوص لا أدري كيف تمر علينا نحن العابرين بدون أن نلمحها , ومالنا من عذر إلا أن قدرنا لم يتقاطع بقدر تلك النصوص ! .
كما أن قدر كثير منا أن يبقى عمره كله دون أن يتقاطع مع ذاته العميقة , والتي وردت في النص , حتى لو أدى هذا التقاطع للتصادم معها وسحقها , متغلبا ً الظاهر على الباطن , والواقع على الجزء المحلق الماورائي منا ! .
وأتدري مالبديع جدا ً في نصك هذا ؟
أن كثير من الأفكار العميقة كفكرتك هنا , يصعب تمثيلها في صورة ألفاظ , فضلا ً عن تمثيلها في صورة مادية متحركة , كما فعلت أنت هنا , بحيث جعلت من الباطن رجل كامل يشعر ويتنفس ويخرج من تحت أنقاض أرضه , والظاهر رجل يعيش الحياة , كما يعيشها معظم الناس , ويحكم شد ملامح وجهه , والتلبس بطقوسه اليومية ! .
معتصم تصفيق حقيقي , لعمق كان هنا .

عائدَة
07-03-2009, 12:32 PM
أحياناً ، يشكل عليَّ اتّصالُ الرّوحِ بالعقلِ الباطنِ بقدرٍ كبيرٍ من التّشابُكْ . كأنَّما جذورٌ وترابٌ وأيكة .!
إنّ العُمقَ في هذا العقلِ قد يُسبّب مشاكل روحيّة ونفسيّة أكبر من أن يتغاضى المرء عنها لدرجة أنَّه قد يشعر بانفصام في ذاتِه .!
،
رُبّما حينَ يُكابر الإنسان مع ذاتِه على حسابها ويتجاهل كلّ تلك العوائق التي تقف في طريق روحِه بغير محاولة لإزالتها وكأنّها لا تعنيه ، فإنّه سيصل لمرحلة كتلك التي وصل إليها بطل القصَّة : صدام.!

ومفارقة ، أنَّه حينَ نجحَ بالخروجِ إلى السّطحْ ، اصطدمَ بِهِ _ بنفسه _، في حين أنّه كانَ قادراً على المتابعة ، على أن يُكمِلْ. غيرَ أنَّ مؤثّراتِ ما حوله كانت أقوى منهْ .
أسلوبُك السرديّ في هذه القصّة مذهل .! وبعيد عن التعقيدْ ، حتى مفرداتكَ كانتْ قريبَة من الفكرة والهدفْ . شكراً جزيلاً لكَ معتصمْ .

مي القرشي
08-03-2009, 09:09 AM
النصوص السردية المختزلة بـ ألفاظ وكلمات عميقة إضافة إلى لذة الترقيم الذي يـ ُ سهل استيعابها من أول قراءة ، تجعلني أهنئك على جمال يراعك هنا :rose: ..،

: )

رشاش وفل
08-03-2009, 07:27 PM
رائعة حقا ،، فكرة قوية جدا تعيدنا إلى الذات بعد أن غاصت قصنصنا في الآخر أو الآنا الظاهر دون الباطن

غدير الحربي
11-03-2009, 08:22 PM
يُرفع إلى الروائع , بعد أن تم تثبيته وشنقه في المشهد , وهذا التنويه إنما كُتب للكاتب لو جاء بعد فترة وشاهد نصه , لأنه على مايبدو غادر المنتدى , ولم يجد برجعه .