PDA

View Full Version : هواجس مَلَكيَّة



فيضان
25-03-2009, 09:06 PM
تلك الابتسامة الماكرة الخبيثة لمعت في عينيه مجددا ، يستطيع أن يجدد هذا الشعور النرجسي ، أن يغذيه ، أن يؤمن به أكثر ، كل ماهو مطلوب ، فقط عدد كافي من المتسولين ، مجموعة من المرتزقة ، صف طويل من الأعناق التي تركع لتقبل يده !

لقد كان يتذكر دائما ، كيف استطاع أن يجعل لنظريته دلائل تطبيقية على الواقع .. " اجمع أكبر عدد من المال تحصل على أكبر عدد من العبيد والأذناب " . إنه يعلم جيدا أن السيطرة على المال لا تعني التمتع بما يمكن للانسان أن يجنيه بالمال فقط ، ولكن المال يولد النفوذ والسلطة أيضا .. الناس تستلم عندما يتعلق الأمر بالمال ، الناس تنهار حين تشعر أن ثمة خطر يهدهد ثروتها ، تعمل على أن تتفادى ذلك بأي ثمن .. بأي طريقة ، حتى ولو اضطرت للركوع !
هاهم الراكعون يصطفون أمامه ، ينتظر كل واحد منهم دوره في الركوع ، الكل يحاول أن يظهر مقدرة أفضل في الركوع ، والبعض يركع بطريقته الخاصة ، والبعض يقبل بشدة وحراره واخلاص !
تراجع للجلوس على عرشه .. وبدأ يحدث نفسه ..
هل تعتقد أن هؤلاء يهتمون لأمرك؟ إنهم يكرهونك .. لا إنهم لا يكرهونك .. بل يحتقرونك .. ولم لا ؟! أنا أيضا أحتقرهم .. وأستطيع أن أترجم هذا الاحتقار إلى واقع عملي ملموس .. تلمسه يدي كل يوم .. تلك القبل والأنوف التي تعفر هنا كل يوم .. ( ومسح على ظهر يده بلطف ) ..
بدأ يوزع ابتساماته الطاوسية على الحضور .. وعاد يحدث نفسه ..
هؤلاء الزبالة .. شعب شحاذ .. هل رأيتم معاناة تعادل معاناة رئيس يحكم شعبا شحاذا !! .. لو كنت أقود مجموعة من البشر لكان الوضع مختلف تماما .. أما مع هؤلاء الحثالة فلا شيء .. لا أجني غير تقبيل اليد !

أدار نظره لمساعديه خلفه ، أرخى أحدهما مسمعه لجلالته ، وبدأ يتلقى التوجيهات ..
بعد تناول الجميع وجبة العشاء على سفرة جلالته .. بدأت التعليمات توجه بشكل هادئ وسريع للحضور بالانصراف . إن جلالته لا يحب السهر ، وهو في حاجة ملحة للنهوض مبكرا جدا ، حتى يتابع مشاريع التنمية المتنوعة والمتناثرة في أنحاء البلاد .
قرر الحضور أن يودعوا جلالته بشكل جماعي ، وبطريقة موحدة .. وبعد الاصطفاف في طابور طويل ، تمت عملية تقبيل اليد في سرعة وسلاسة دون أن تأخذ من جلالته الجهد أو الوقت الطويل !
كان آخر من يقبل يده ، رجل مسن ، استجمع قواه وحاول وهو ينحني نحو تلك اليد ألا يتعثر أويسقط ، لقد كانت عينيه في حالة تركيز شديد تجاه اليد ، كان يضمها بقوة ، بينما فخامته لا يشد يده ! ، لقد باغته شعور سريع ومفاجئ ، لو أنه إلتهم تلك الإصبع المنتفخة من يد جلالته ، لو باغته ووضعها بين فكيه !! هذا المسن يعي تماما .. أن ما من قوة في الأرض يمكن أن تفلت هذه الإصبع من بين فكيه .. أضراسه أقوى ماتبقى منه ، يذكر جيدا كيف كان يتحدى رفاقه ويمزق بها أي شيء ، لقد كانت ، ولا تزال أضراسا فولاذيه ، ولم يكن ليشعر أن هناك أضراسا تفوق قوة أضراسه على الإطلاق !!.. باغته هذا الشعور وبدأ يتخيل في لمح البصر .. كيف ستكون حالة هذا الحاكم المتعجرف واصبعه الغليظة تحت الأضراس ؟! .. كيف سيكون منظر جلالته وهو يصرخ ، ويتلوى كراقصة !؟
أصدرت قبلة هذا المسن صوتا عجيبا على يد جلالته ، وبعد أن رفع رأسه ، وصار وجهه مقابلا لوجه جلالته . قال في نبرة مؤدبة " أطال الله عمركم لشعبكم ياصاحب الجلالة "
أجاب جلالته وهو يبتسم ابتسامة باهته " حياك الله " ..
وبعد أن مضى الرجل المسن .. زمجر صوت داخل جلالته " هذا القذر التافه العجوز المتهالك .." ..
ومسح ظهر يده ، ثم مضى ..

ولد نوره
26-03-2009, 01:37 AM
انتَ رائِع . أحببت قلمك . هنا لم تحقق امنيتي ! لم تجعل الرجل العجوز يقضم إصبع صاحب الفخامة ؟! خساره

فيصل المزهر
26-03-2009, 07:34 AM
فيضان :

نصّ سلِس ..
فكرة قُدِّمَتْ بخِفّة ..
لكن المونولوج الداخلي الذي دار في نفس العجوز أثناء مشاهدة الأصبع و التفكير بـ عَضّه لم يكُنْ في التوقيت المناسب ، ربما لو جاء مبكِّراً قليلاً و بشكْلٍ غير مباشرٍ كان أجدى لفكرةٍ أخرى ، لكن مع ما أردتَ أنت إيصاله لم يكُن هناك أكثر من ذلك ، توقّعتُ أن تفاجأني الخاتمة على الأقل ..

الفكرة وصلَتْ عبر النص على كل حال ، و ربما هذا ما يهمك :) .

فيضان
26-03-2009, 10:24 AM
انتَ رائِع . أحببت قلمك . هنا لم تحقق امنيتي ! لم تجعل الرجل العجوز يقضم إصبع صاحب الفخامة ؟! خساره
أشكرك ياعزيزي ..
على ذكر الفخامة ، ترددت كثيرا في استخدام المصطلح ..
في بداية كتابتي للقصة استخدمت مصطلح الفخامة ، ولكنني رأيت - في ما يرى النائم - أنه يحتاج لتغيير ، حيث أنه لا يعطي مدلولا حقيقيا لما يفعله أصحاب الفخامة ، وكان استخدام صاحب الجلالة أكثر دقة في هذا الخصوص ..
( والله عز وجل ذو الجلال والاكرام )

وإن شاء الله في المرة القادمة أخليه يقضملك مؤخرته كمان مو الاصبع بس :)

فيضان
26-03-2009, 10:20 PM
فيضان :
توقّعتُ أن تفاجأني الخاتمة على الأقل ..

.
وأجمل مافي النهايات ، ألا تأتي كما التوقعات ..

والله سعدت برأيك ، خصوصا إنك دقيق كما ألاحظ في نقدك للنصوص الأخرى
تحيه

نوف الزائد
27-03-2009, 02:45 AM
فكرة مجنونة ..
وأذكر شطراً لبيت ((فينا المذلة لأنا مانهابك ..

.

لمثل هذا نقرؤه لك..

فيضان
27-03-2009, 03:06 PM
لمثل هذا نقرؤه لك..
هلا بيك يابوح
وفي البال موضوع أخشى أن يكون بلوتو أمامه لا شيء يذكر :)

الله يستر بس

wroood
28-03-2009, 01:25 PM
أسلوبك هنا جميل ويشد القارئ يا فيضان..
كأن في نصك هذا شيء ناقص ،
ما هو لا ادري!

حياك.

فيضان
29-03-2009, 03:07 PM
أسلوبك هنا جميل ويشد القارئ يا فيضان..
كأن في نصك هذا شيء ناقص ،
ما هو لا ادري!

حياك.
أشكرك ..
سمعت هذه الملحوظة كثير حول هذا النص ، لربما لأن الناس تبحث عن النهاية دائما فيما يتعلق بالقصة .
النهاية عنصر رئيس في القصة ولا شك ، ولكن من الضروري جدا - كما أعتقد - ألا تكون النهاية ملبية لشغف القراء ، على حساب الفكرة .. وهذا خلل كثيرا ما نقع فيه ، نبهر الناس بالنهاية ، ويضيع المضمون المرغوب .

مهدي سيد مهدي
29-03-2009, 04:07 PM
أخي الرُقي

فيضان

قصتك جدًا جميلة
أحببتُ لقطة الرجل العجوز وما تضمنت من معن عميق جدًا

أراكَ وضعت نهاية للنص و إن لم تكن مُبهرة كما يرى البعض
إلا أنها جاءت خادمة لمعنى القصة و دالة على استمرارية الحدث
فمضى رُبما ليُقابل البعض الآخر و يحصل على المزيد من التبجيل
رُبما ليقابل من لديه القدرة على القيام بما لم يتجرأ العجوز على القيام به
رُبما و رُبما

أمنية بدوام التميز لك أخي

عميق الاحترام و التقدير

فيضان
29-03-2009, 10:28 PM
إلا أنها جاءت خادمة لمعنى القصة و دالة على استمرارية الحدث

بالضبط ياهلوسة ..
كما أن النهاية لو تطرقت لأمر آخر ، لربما أضعفت الشخصيتان اللتان تركتز عليهما القصة ، العجوز ، والحاكم ..
دمت بخير ياعزيزي

عائدَة
30-03-2009, 10:10 PM
أهلاً فيضَانْ . قبلَ قليلٍ فقط كنتُ أقرأ مقالةً إنجليزيَّة حول القصَّة القصيرَة ، وكانَ جزءٌ منها يقولْ ، بأنَّ التحدّي بالنِّسبةِ لكاتِب القصَّة يكمُن من خلالِ توظيفِه الصَّحيحِ لعناصر قصّته وحشرِها في مدّة زمنيّة قصيرَة. وبأنَّ الكاتِبَ غالباً ما يتّبعُ -بوعيٍ أو بدونِ وعيٍ- قواعِدَ معيّنة أثناءَ كتابته أو تفكيره في كتابةِ قصّة ما ، أهمُّها: استخدام عدد قليل من الشّخصياتْ والتركيزْ على نقطَة معيّنة واحِدَة من خلالِهاْ. وقد فعلتَ ذلكَ هنا حتماً ، إنَّما التركيز على الفكرة جعلَكَ تسردها كما لو كانتْ "حبراً سائلاً على ورقة" ، أيْ ، منتَشِرَة في أكثرِ من بقعتِها المركّزةْ.
مسألة أخرى ، مسألة أن تكونَ انتقائيَّاً ، بحيثْ تقولُ الفِكرَة : أنَّ االسطرَ الذي لا يهدف لبناء الشخصيّة أو يسعى لخدمة العمَل "الحدث" فيجبُ أن يُحذفْ. لقد كانَ هنا شيءٌ من هذا القبيل كتكرار بعض الكلماتْ مع أنَّ الفكرة مفهومَة. أيْ أن تختزلَ أكثَرْ. أن تصيغ الجمَلَ بغير محاولة لشرحِهاْ. والمسألة الأخيرة ما قاله لكَ "ما زلتَ حيّاً " ، لقد كانت ملاحظة جيّدة.
عدا ذلك فالقصَّة جميلَة . ولغتُكَ كذلك. وأسلوبكَ السرديَّ كذلكَ جميلٌ وليس مستعصياً على الفهمِ أبداً. ومعالجَةُ الفكرَة وبناؤها كانت من خلالِ هذينِ الرّجلينِ اللذَيْنِ يملكانِ حياتَينِ مختلفتينِ -جداً. لا يشتركان إلا في أمور قليلَة بسيطَة. هل حقاً قد نضطّر أحياناً على أن نكذِبَ ونخادِعنا بهذا الشكلْ لنحافِظَ على ما نريدُه؟. ربّما.!. لكّنها كانت مقارنة خفيّة جميلة للحقّ. دوافع كلّ منهما للاحتِفاظِ برأيِه لنفسه، مقفلاً فمه متجنّباً البوح به. جميل. شكراً جزيلاً لكَ فيضانْ.

غدير الحربي
11-04-2009, 08:40 AM
تستحق أن تكون من ضمن مشاهد المشهد الرائعة .
و من هو الذي لا يمكن أن يرحب بقضمة أصبع ملكية , حتى ولو كانت مؤجلة .
نثبتها هناك لعل عابر ما يتخذ من القصة مثالا ً فيفعلها , لا بأس بنا من شعوب إن حاولنا إسترداد بعض الحق حتى بقضمة أصبع لملك ! .