PDA

View Full Version : أمومة البلح



زينب فقط
16-10-2008, 09:01 AM
أمومة البلح



"وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "





الله سبحانه وتعالى ، القرآن الكريم
عتبة/ هزي إليكِ جذوع النخيلِ سأسقطُ منها جنياً جنيا .
في ذاتِ ليلةِ عبثٍ لمحتُ نخلتنا تضجُ بالحكايا، تبتهلُ للربِ فينثر عليها هالةَ ضياء تتموسق بالوجع فيهبها كل ما تريد، يتحول ثمرها في برهة من بسرٍ لبلحٍ فرِطب، أسمعُ أنينها وهي تطلبُ من اللهِ بعضَ خيرٍ تنثرهُ في قلوبِ الفلاحين، كانت تقول في خارج نصِّها الذي ذهبَ بذهابِ عقلي حينها:" هبني يارب بعض أكل أهبهُ لفلاحين ينتظرون هبوب الخير، ارزقني بعض شمس وريح، هبني مذاقاً يروي عطشَ الأكوابِ المكسورة، وخيراً يُشبِع أوعية أهل هذه الدار "

النخلة كانت تحكي بانصهارٍ مذهل مع الرب، أعرف الآن فقط لِما أصبحت هي عمتنا دون سِواها، وأعرِفُ أيضاً لِما تركَ لنا والدي هذا الإرث دون سِواه ، من عمتنا النخلة وقلب أمي ، صيّرَ لنا مكاناً حينها بين انثيين ، رحل هو ليسدّ وجودهُ بسيدتين ، عرفتم الآن لِما يكون للذكرِ مثل حظ الأنثيين؟ فحين يرحل رجل تتهمشُ مساحاتٌ شاسعةٌ من الأرواحِ التي كانت تعيشُ داخل روحه، تغدو بلا سكن، فغرس والدي فسيلتهُ هذهِ في عنفوانِ نبضهِ ليترُكَ فيها بعض روحه ويرحل بالبعض الآخر، لا تتوقفوا هنا كثيراً، فالأرواح تنقسم وتجتمع وتتحد أحياناً، لها كل خواص الماء، حتى إنها تأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه، لدرجة أنني اعتقدُ أحياناً أن الأرواح كانت ماء ذات خلق .

من جذعها سمعتُ همساً تماماً كالذي سمعتهُ من نبض والدتي، كلتاهما تنتحي بالخير جانباً وكأن الفقر لا يمر من عتبة دارنا كل فجر، ترتقيان بما يسمح لهما من جسِّ روح الأطياف العلوية ، تستشفان كل الأرواح التي تعبق بالفجر فتحيلهُ صبحاً وتنثرا علينا بعض حب، وكأن أمي لا تبكي وهي تطلب من الله ألا تجوع بطوننا ولا تتسخ ملابسنا ولا تعرق أجسادنا وكأنها تحسبني غافلة عن ألمها في جمع أرغفة الحياة عنوة من فم الشوارع القاسية ، تحسبني غافلة عن روائح الخبز المحمص واللحم المشوي التي تعبق منها حين تعود، وهي التى يجب ألا تأكل دوننا لكن الروائح التي تعلق بعباءتها تلمس شيئاً من محطات الجوع في أحماض معداتنا الخاوية، أحتارُ أحياناً في حجم الحب الذي تستحقهُ أمي مقابل ماللنخلة، فهذه الأخيرة لا نشم بها رائحة ما نفقده، ولا نشعر بأنها ارتوت قبلنا حتى أن الطين حولها لا يروى إلا فيما نذر، أحيانا أستغفل نومهم جميعاً وأتسلل لعباءتها أحلل كل الروائح فيها فأمي لا تغسلها لتوفر لنا ما يكفي لغسيل ملابسنا علنا نشعر بأنها جديدة عند فرح العيد، أشم كل أصناف اللحم؛ الطري منه والمطبوخ والمشوي، في جانب كمها الأيمن أستنشقه حتى أشعر باني قد أكلته، وانتقل للجانب الآخر أشم رائحة الخبز وأستنشقه حتى استطعم مذاقه وفي الليالي المرهقة كانوا ينامون جميعهم بتعب مما يهديني فرصة شم أصنافٍ أخرى، أتذوق ليمونا مثلاً أشمه بعمق فتغدو المسألة مرتبكة أفقد السيطرة على حاستي الشم والتذوق فلا أميز بأيهما التقي أولاً ومن يأتي نتيجة للآخر.

أحاول أن أسألها لكنني أخجل كيف سأخبرها بكل ما أشمه وكيف سأخبرها بأني أعرف بأنها تلتقي بكل أصناف طعام لا نأكله ، كيف سأخبر أمي بأنها جشعة وأنا أراها متعبة حين تعود ، أيتعبها الشبع كما يتعبنا الجوع ، هل لكليهما مذاق يوجع ويتعب، أتردد وأهرب منها ومن نفسي، أحكي لأنثاي الأخرى عما تفعله أمي فلا أشعر بتصديقها أو لا يصلني إحساسها الحقيقي بصدقي، كادت تبصق مرةً في وجهي حين أخبرتها بأن أمي جشعة تأكل ونجوع، ثم تعود لنا ببعض خبز يابس ورطب ما تجنيه ،فقررت ألا أبوح لأي أنثى بعد اليوم، حملتُ في القلب اللظى وتسللتُ خلف والدتي، حملتْ بعض ما جنتهُ من الرطب وسارتْ وأنا خلفها عبرتْ محطات طريق معوج وتجاوزت زحمة أشخاص كثر ثم جلست على الأرض بتعب ، أخذتُ بعض أوكسجين وتصلبتُ مكاني عرفت كيف تتجسد الأنانية فجأة حين نرى أنفسنا أبناء أم فقط دون أب كيف نحرمها من أكسجين كان يجب أن يكون مشروعاً لنا جميعا كيف نتبارز معها لأن لا رجل معها ونحن أبنائها فقط. جلستْ بين بائعين، أمي تبيع رطب نخلتنا، عن يمينها بائع اللحم وعن شمالها بائع الخبز ، رأيتُ حينها كل الذين شممتهم وكل الأطعمة التي أكلتها شماً في عباءتها، فما عاد لي قلب أقابلها به، عدتُ أعتذر من النخلة عن الغباء الذي اقترفته في حق أمي فرمت علي بعض رطب وهي صامتة، وكأن مريم العذراء هزت جذعها لما بكى قلبي على أعماله، فهمتُ الرسالة ، جمعت الرطب وانطلقت هبوباً كالريح ناحية السوق افترشتُ بضاعتي بين أمي وبائع الخبز في مساحة لا تتعدى ربع متر ضاقت بي الأماكن واتسع لي قلب أمي .
ابتسمتُ فظللتني بكم عباءتها لكن الفرق هذه المرة أنني لم أُجهد في استخراج الرائحة كانت كل الروائح تنبعث ناحيتي ، كل الروائح.


زينب

wroood
16-10-2008, 02:18 PM
ذكرتيني بامرأة تقول لنا في كل موسم قطف زيتون:هذه الشجرات كأولادي تماماً
لا أعرف كم مرة في الأسبوع تقرأ على مسامعنا خطبة محكمة حول حقوق الشجرة..وفي كل مرة لا تنسى ان تشرح لنا وبالتفصيل مشاعر شجرة الزيتون اذا عطشت..كما لا تنسى توبيخنا لتقصيرنا تجاه هذه الشجرة..
ربما كانت تشعر بروحها وبرائحتها اكثر منا وربما كانت أمها في يوم ما..!
...
كم مرة تتعذب الأم
وهي تصل البيت ورائحة الشواء تفوح من ملابسها؟!

نص جميل..شكراً لك يا زينب

ابو الهنوف
16-10-2008, 07:17 PM
ورد في الأثر ( أكرموا عمتكم النخلة ) ،،
حيث يقال أنها خلقت من بقايا طينة أبونا آدم – عليه السلام –
و قد تتحول صلتنا مع الأشياء إلى علاقة
فإذا أضيف إليها معنى خاص بنا تطورت هذه العلاقة إلى حب
و يتضح في سردكِ هذا المعنى الخاص و تظهر هذه العلاقة
محظوظة أنتِ فقد وجدتي من تعتذرين إليه ،،،
المأسوف عليه من لم يجد ، بعد أن أكتشف أنه أساء الظن
نصوصكِ تمتلئ بالحزن ،،، ربما لأننا أمّة أدمنته
و إن كانت الروائح التي انبعثت من عباءة أمكِ بعد أن ظللتكِ بها ،
قد رسمت ابتسامة على شفتاي
و تذكرت من غادرتنا قبيل عامٍ و نصف
فتعجبت كيف يبتسم واحدنا و هو يسترجع ذكرى حزن

تحياتي لكِ

متهمة بالذكاء
11-04-2009, 11:50 PM
اختصرت المسافة لتذكرينا بـ:
_ حسن الظن.
_ التضحية.
_الإحسان.
_ ( حقيقة الإرث)!!
أنت مبدعه، أنتظر ثمرك القادم.

غدير الحربي
11-04-2009, 11:58 PM
تم رفع هذه القصة سابقا ً إلى الشريط , والآن سيتم توجيهها لمشاهد رائعة , كما أن الإقفال سيكون من نصيبها لأن الشهرين مضت عليها منذ زمن بعيد .
حياكم الله .