PDA

View Full Version : قراءة



نديم
10-03-2009, 08:19 PM
http://www.alsakher.com/vb2/attachment.php?attachmentid=21343&stc=1&d=1236705403


** كل معرض كتاب وأنتم بخير ثقافة **

( هذه الموضوع عبارة عن سلسلة يومية بمناسبة المعرض سأكتب فيها عن :

مدخل 1 - مدخل 2 - هموم القراءة - كيف كنت اقرأ - أنا والقراءة - أصحابي القرّاء - طقوس قرائية )

أرجو لكم وقتاً ممتعاً وما شجعني على الكتابة أن الجميع مشغول بالقراءة في المعرض ولن يفطن أحد لما أكتب هنا .


مدخل 1 :

وأخيراً انتشر فيروس القراءة الحميد !!

وبين عشية وضحاها .. الناس يقرؤون .

وتكحلت عيناي بمرآهم ..

في غرفة الانتظار ..

الجميع يقرأ .. منظر كتاب الجيب في أيديهم أصبح مألوفاً جداً ..

العيون التي أدمنت فن الفضول والمراقبة لكل شاردة وواردة .. أصبحت تدور في فلك الصفحات الصفراء .. وتلتهم السطور بنهم عجيب ..

أصوات الصفحات المطوية بين الجالسين .. كمضمار سباق يتنافس فيه المتعجلون بلهف لمعلومة جديدة ..

بعض الوجوه لا أكاد أبصرها بأكملها .. تختبئ بحبور خلف الأغلفة الرائعة .. كحصون جميلة يحب سيدها أن يبقى في حماها ..

شاشة التلفاز المعلقة في الزاوية اليسرى للغرفة تشتكي عزوف المتابعين .. حتى صوته لم يكن بالقدر الذي يجلب الاهتمام له ..

وهدوء المكان يغريك بمزيد من التركيز وشيء من الاحترام .

حينما أخذت مكاني في مقعد مجاور قريب .. كنت بين اثنين .. وهمست بصوت مسموع ” السلام عليكم ” .. ولم استغرب أن تأتي الإجابة متأخرة قليلاً وبسرعة خاطفة تخرج من طرف الغلاف السفلي .. ” وعليكم السلام ” .. يبدو أنني أزعجت أحدهم وأوقفت متعته في التنزهه بين الكلمات ..

كنت أنتظر دوري للدخول على الطبيب .. ثلاث دقائق انتظار أشعرتني بالملل المبكر .. خصوصاً مع هكذا أناس .. هل أخطأت العنوان .. لأجد نفسي في مركز بحثي أو مكتبة عامة ..

أمتدت يدي بحركة لا إرادية .. لجيبي الأيمن .. أتحسس جهاز الجوال .. سحبته بهدوء .. وبدأت في تشغيل تطبيقاته .. اخترت لعبة جميلة .. كنت قد توقفت عند المرحلة رقم 13 منها .. بدأت عيناي في الاتساع مع بدايتها .. وأحياناً حركات بهلوانية من عضلات وجهي المتحمس وأسناني تطبق على بعضها كلما ممرت بمحاولة أخيرة .. كانت قدمي ترتفع عن الأرض وتهبط وكأني ألعبها حقيقة .. بدأ لساني في الخروج من فمي .. العرق يتصبب من وجهي .. مسحة خاطفة لأنفي .. عدلت جلستي أكثر من أربع مرات .. وبدأت جبهتي تختلط بمقدمة هاتفي .. كانت الإثارة قد بلغت منتهاها .. كدت أقف من الحماس .. أصابعي تتقافز بحماس .. وتضغط بهستيريا على أزرار الهاتف .. وقد أصابتها رطوبة العرق .. و .. لالالا .. يا خسارة .. انتهت اللعبة .. أرجعت ظهري بقوة على مسند الكرسي .. رميت بالجوال من حرقتي على ثوبي .. رفعت رأسي بسرعة لسقف الغرفة الجبسي .. وضعت يدي بحرارتها لتغطي وجهي بأكمله .. يالله حرااام ..

لحظة سكون لالتقاط أنفاسي .. وشعرت بأن أحد ما يراقبني من حولي .. كانت أصابعي المرتجفة من أثر لعبتي الجميلة كالستار أمام عيني .. أفتح فمي مشدوهاً .. أنزل رأسي .. ورقبتي المتصلبة إلى وضعها الطبيعي .. فتحت عيني من خلف ستار أصابعي .. ثم باعدت بينها قليلاً .. فتحت عيني بحركة بطيئة خجولة .. لأرى الجميع من حولي .. بادرتهم بابتسامة صغيرة ” مرحباً ” !!!

وأدركت متأخراً حجم المشكلة ..

- لا عليكم كان هذا حلماً وردياً .. أمنية متفائلة .. مجرد كلام .


تابع بقية السلسلة مع الحلقة الثانية

نديم
10-03-2009, 09:17 PM
حكمة ( انتبهوا لهذه الحكم التي تكتب بهذا اللون ، فلن تجدوا مثلها ، حتى ولا عند عرّافنا الأكبر )


مدخل 2 :

أدركت مبكراً حجم المشكلة ..

لقد وقعت في عشقها ..

وتفتح قلبي الصغير على حبي البكر ..

حسناً لم يكن عشقاً كما يجب .. بل كان فضولاً .. جزء من اكتشاف العالم من حولي .. واتساع حدقة العين لزوايا أرحب ..

محاولة من طفل .. تعوّد كأقرانه أن يركض على صفيح الأزفلت الساخن ليلحق بالكرة .. وهي تعبر بحركة لولبية .. شوارع حارتهم القديمة ..

كانت النظرة الأولى .. التي ألقت في روعي مهابة ذلك الشيء الذي يسمونه الكتاب .

وككل المتطفلين على أبواب جيرانهم .. كنا نحصي أكياس ” البلاستك ” الداخلة لكل باب .. وصناديق زجاج مشروبنا الغازي المفضل .. وكل ما يمثل لنا إضافة مهمة لمستودع بيوتنا الطينية ..

لكنّ شخصاً واحداً .. واحداً فقط .. كان يحمله .. في ذهابه وإيابه .. ويتكرر المشهد أمام ناظري .. كشريط سينمائي يعمّق أثر اللقطة في عقلي الصغير .. كنت أرى المكان الأثير الذي يتبوؤه من صاحبه .. يحكم قبضته حول خصره .. ويضمه باعتزاز لصدره .. وقد فاز بالمنزلة القريبة .. والدرجة المهيبة ..

أثار فضولي .. بشكل غريب .. حتى أنني كنت أقف فجأة عن اللعب .. متجاهلاً صيحات المشاغبين من حولي .. أقف ساهماً كمراسم خاصة في حضرته .. ولا أكاد أبصر منه إلا كتابه .. وكنت أتساءل بسذاجة : هل طعمه ألذ مما يحمله الآخرون ؟!

ذات ترقب .. كان عبدالله ( وهو المخلوق الذي يحمل هذه الأشياء ) .. يدرك بفطنته وذكائه - الغائب عني - أنني أراقبه ، وأنه أفلح في شد انتباهي ، وصرفي - ولو لبرهة - عن لعبتي التي أعشقها بجنون آنذاك ..

- لا تستهينوا بالتأملات الصغيرة من الطفل ، هي من يخلق في فمه جملته الأولى ، وتصنع توجهاته المستقبلية .

عملت له كميناً .. أقصد حيلة من حيلنا نحن الصغار .. حينما نريد أن نصل لشيء ما .. عصر ذلك اليوم .. أخرجت ” سيكلي الصحراوي ” .. واستعرت ” مفكاً ” قديماً و ” زرادية ” بمقبض مطاطي أحمر و حجراً مستديراً صلداً ينفع للطرق ولو لعدة مرات قبل أن يتناثر ..

اخترت مكاناً بارزاً عند عتبت بابه .. وتظاهرت بأن ثمة عطل فني حصل معي وأنا أمر مصادفة أمام بيتهم .. وحتى ألُبس الحادثة واقعية أكثر .. تظاهرت بالسقوط .. مشية عرجاء خفيفة برجلي اليمنى .. واتساخ في كمي الأيسر .. وشق صغير في جيبي الجانبي .. وانتظرت

- يمتلك الأطفال عقولاً كبيرة .. لكنهم يشرحون لنا مواقفهم بشكل طفولي .. حتى نفهمهم !!

لم يكن القادم هو الذي انتظرته .. لقد كانوا أصحابي الأوغاد .. يتجمهرون حولي .. شممت رائحة الخيانة تفوح منهم .. كنت أعرف أنهم سيتظاهرون بصلة الرحم .. محتجين على تمردي المفاجئ على لعبتنا الأسطورية .. رافضين خروجي على الأعراف والتقاليد التي ترعرعنا عليها .. لكنني ضربت بنداءاتهم عرض الجدار .. وأعلنت اليوم : يوم الملحمة .. وصعقتهم بقراري المفاجئ : لن ألعب معكم أبداً .. وصرخت بأعلى صوتي في وجوههم .. ” مابيكم ” .. ولتذهب الحارة إلى الجحيم ..

- أحياناً يكون الطفل مستعداً للتضحية بما يحب في سبيل الهدف الخفي الذي يضمره ( محاولة للانتصار ) .. نحن الكبار نسمي ذلك ” عناداً ” !!

الحقيقة أنهم انصرفوا صاغرين .. ليس بسببي .. فأنا أعرف حجمي الطبيعي بالنسبة للأشياء من حولي .. بل لأنهم شاهدوا عبدالله يطل بشخصيته التي لا تقلّ مهابة عن كتبه ، قادماً من أول الشارع ..

تظاهرت بالثقة .. وكأنّ تواجده لا يعنيني .. ما حصل هو قضاء وقدر .. وأنا طفل عصامي .. أصلح ” سيكلي ” في المكان الذي تعطل فيه .. ولا يهمني كائناً من كان .. حتى لو ..

شعرت به يقف على العتبة حيث أجلس في طرفها ، واضعاً يده على مقبض الباب الحديدي مستعداً لدفعه ، بادرني بالتفاتة سريعة .

عبدالله : ” وش عندك ياولد .. ؟ ”

أنا : . . . . . . . .

لم أجبه .. كنت أكثر ثباتاً مما تصورت .. يبدو أنني بالغت قليلاً في تقدير الموقف !! ..

وبحركة مستفزة .. رفعت ساعدي .. وبطرف كم ثوبي المتّسخ .. مسحت العرق المتكلّف من جبيني ..

إشارة ذكية من مخادع مثلي .. لأكون في موقف أقوى .. وأرسل له رسالة مفادها .. كيف تزعجني أيها ” الذكي ” بسؤال إجابته أوضح منه !!

وافتر مبسمي عن ضحكة مخاتلة .. وأنا أرمقه من بين شعراتي المتدلية على ناصيتي .

ظننت أن زمام الأمور أصبح في يدي .. لكنه أحنى بجذعه نزولاً نحوي .. شعرت حينها بحدقة عيني الماكرة تلتصق بحاجبي الأيسر .. خطوط مفاجئة ظهرت في جبهتي المتراقصة .. ورقبتي بدأت تأخذ شكل الإطار المثقوب حين يخرج هواءه .. أعتقدُ - ولست متأكداً - أنني أحسست برطوبة في الأسفل .

أهوى بيده باتجاهي .. شعرت بكرة تعبر بسرعة جنونية مسار حنجرتي الجاف ..

عبدالله : ” أشوف .. خلني أساعدك ” .

أنا : ” حسبي الله ونعم الوكيل .. يا خي كان قلت كذا من قبل ” جملة مبطنة كانت تصدر من جوفي المسكين ..

عبدالله : ” وش فيه السيكل ؟ ”

أنا : قابضاً شفتي المتشققتين ” خربان ” .

لم يكن يحتاج لأدواتي التي كنت أحتمي بها .. بحركة سريعة من يديه .. وضع كتابه على فخذه .. وبرشاقة من أصابعه أخذ يتفحص موضع الخراب .

كانت هذه هي لحظتي الحاسمة .. لأهجم على كتابه .. وقعت عيناي على كعب الكتاب الصغير وغلافه الممزق .. وقصرت يدي عن الإمساك بإطرافه .. بالكاد طبعت الحروف التي بدت عليه في مخيلتي .. و

عبدالله : ” مافيه شي . لاخربان ولايحزنون … قم جربه ”

كانت الأخيرة نبرة حادة صحبتها قبضة من يده كعكازة ترفد جسدي بأكمله .

أصبح جسمي و ” السيكل ” .. قطعة واحدة .. وبدفعة رشيقة منه .. أصبحت على بعد أمتار من مسرح المواجهة والتي كانت الأولى ولم تكن الأخيرة ..

التفت في غرور إليه .. وهو يغيب في ظلام بيتهم .. أحمل في رأسي شيئين .. انتصاري الشجاع .. وعنوان كتابه القديم ” أبوصير وأبوقير ” .

- الانتصارات الصغيرة .. تصنع شخصاً قيادياً .. المهم أن تصدر عن نفس طموحة بعيدة عن العدوانية ( اسألوا محمد الصغير ) !!

في ساحة اللعب .. حيث أصدقائي المقربون ( الذين كانوا أوغاداً قبل قليل !! ) .. لم تستغرق فترة أقناعهم بتصرفي السابق إلا بضع ثواني .. مصحوبة باتفاق شرف مفاده : ” أن يكون السيكل تحت تصرفهم ليوم واحد فقط ” ..

- حينما تسوء العلاقة بين الأطفال .. وحدهم يعرفون كيف يتم التفاهم بينهم .. تذكروا لا تتدخلوا إلا في الوقت المناسب .

مطالبتي باللعب معهم لم تكن عن رغبة قوية مني وهذا ما كان مثار استغرابهم .. بل لأطرد عن ذهني حالة الشرود التي أوقعني فيها الزميل عبدالله .

- عامل الطفل باحترام كبير .. خصوصاً إذا بدأت تخرج منه كلمات كبيرة كهذه .

ما إن حل المساء .. حتى ابتدأ عرسي الثقافي ( أسمعها كثيراً من مذيعي التلفاز في أروقة معرض الكتاب ) .

لم استطع مقاومة حالة القراءة التي تملكتني .. لم تكن وجبة العشاء مغرية بالنسبة لي - وأنا الذي أسبق إخوتي الكبار لأعبث في الأطباق كما أحب محتمياً بجناح أمي الرؤوم - فقد كنت مشغولاً في تأمين وجبة من نوع آخر .

تسللت بهدوء .. متصنعاً التعب والإرهاق .. واستقرت رحالي في فراشي .. كف والدتي حين لامس وجنتي متحسسة حرارة جسمي جعلني أتكلف صوت ” الكحة ” مرتين باتقان أجيده .

نام الجميع ..

وتسللت كلص محترم .. يتقن فن الرقص على أطراف الأصابع .. إلى حيث غرفة أختي الكبرى .. أذكر أني شاهدت أشياء تشبه ما يحمله عبدالله كل يوم ويفاخرنا به .

تهاديت كموج خفيف على أرضية الغرفة .. إلى حيث الرف الخشبي .. أواني وأشكال سوداء لا أميزها من شدة الظلام .. أنا متأكد أنني رأيته هنا .. لقد حفظت شكله حين كان على فخذ عبدالله .

اصطدمت يدي بكأس معدني .. أدركت من صوت ارتطامه على الأرض أنه الكأس الذين نشرب من الزير بواسطته ..

استيقظت أختي - المعروفة بنومها الخفيف - على صوت الجلبة التي أحدثتها ..

وارتفع صوتها : ” اششش ” .. ظنّت المسكينة أنها قطة تعبث في أغراض الغرفة ..

بعد هدوء حذر .. وجدت مقصودي .. كان ثقيلاً وقاسياً .. ليس ككتاب عبدالله .. ولم أعرف أن اقرأ ما كُتب على ظهره .

حملته مسرعاً .. واتجهت من فوري لغرفة أبي .. وهناك أدخلت يدي في خفة وأنا أكتم أنفاسي .. متحسساً أسفل وسادته .. لأظفر بـ ” الكشّاف المكسور ” ..

- إذا أحسستم بجلبة صغيرة في البيت .. تفقدوا الغرف الصغيرة !!

في سطح بيتنا العتيق .. كانت جلستي الأولى .. الظلام يلف المكان .. أسندت ظهري على جدارنا الطيني .. أجلس على الأرضية الأسمنتية .. قدماي الحافيتان أضمهما إليّ .. افتح الكتاب الثقيل ( عرفت فيما بعد أنه يسمى ” مجلد ” ) .. غرزت حافته الحادة في خاصرتي ( تماماً كما شاهدت عبدالله يفعلها ) .. أمسكت بيدي الكشّاف .. كان ضوؤه باهتاً متقطعاً .. لكن لا بأس يفي بالغرض .. وبدأت ..

كانت الدهشة ..

لم أجد أي كلمة تشبه ما لمحته هناك .. حاولت فك الطلاسم التي تقافزت أمامي .. تظاهرت بتحريك شفتي كما يفعل الكبار .. صير !! قير !!!

لافائدة ..

لماذا تبدو المساحة هنا مزدحمة بالجنود السود في أرض معركة ..

خطرت لي حيلة ماكرة .. قررت أن أبحث عن السطور الأقل طولاً .. ثلاث كلمات في كل مرة تكفي !!

وبدأت لأول مرة في حياتي أمسك الورقة من أقصى اليسار وأذهب بها لتستقر في أقصى اليمين ( يسمى الكبار هذه الحركة بـ تقليب الصفحات ) .

وبعد عدة نسائم باردة كانت تحدثها الأوراق حين أحركها .. أكتشفت أنني خرجت بمحصول وافر من الكلمات التي فهمتها .. إنها :

في - لا - عن - لم

اسندت الكتاب على حافة جدار بيتنا الملاصق لبيت جيراننا .. سارعت بالنزول قبل أن يكتشف أمري .. أتهادى مع درجات السلم كما تتهادى الكلمات الثمينة في عقلي المستكشف ..

فجأة ألمحُ أخي الأكبر : محمد !! مانمت !!

دائماً ما يظهر هذا الكبير في الأوقات التي لا أحتاجه فيها .. لقد سبب لي ظهوره المفاجئ .. خوفاً يفوق خوفي من الظلام !!

- لا يحتاج الأطفال - في مثل هذه الظروف - إلى جرعة زائدة من الهلع .. ألا يتوقع الكبار أن يسألهم أحدهم هذا السؤال ؟!

رجعت لفراشي خائفاً .. أردّد بصوت متقطّع .. مل - نع - لا …….. ونمت قرير العين .

في الصباح .. استيقظت على غير عادتي .. بحركة هستيرية .. وكأن الفراش يقذفني .. استغرب الجميع من حولي نشاطي المفاجئ .. في الواقع لم أكن منتبهاً لهم .. وصعدت بسرعة - قبل أن أغسل وجهي - إلى حيث بات كتابي ( لا أدري اعتبرته كتابي ، في زمن متأخر أصبحت أملك الكثير منه ) ..

وصلت له .. كانت مجموعة من طيور الحمام التي تقيم في بيتنا قد سبقتني إليه .. وجدت مادة لزجة على ظهره الجلدي .. أخذت الكتاب بسرعة .. وأخفيته تحت ثيابي .. وحيث كان الجميع مشغول بتنظيف البيت وإعداد وجبة الفطور .. أعدته إلى مكانه .. وخرجت سالماً ..

علمت في اليوم التالي .. أن أخي الأكبر أقفل فتحة صغيرة في سقف غرفة أختي الكبرى .. حتى لا يلوّث الحمام حاجياتها الخاصة ..

فيما فُتحت كوة من نور جميل في عقلي الصغير .

- انتبهوا لهم …. إنهم يكبرون .

.


تابع بقية السلسلة مع الحلقة الثالثة

اوراق يابسة
10-03-2009, 09:57 PM
نديم نصوص رائعة ، مدخل مغطى بزهور الياسمين.
ولكن عندي فضول أن اعرف ما كان اسم هذا المجلد .. لأن غالبا ما تكون قرأة الاطفال الاولى غريبة ، فكان اول كتاب قرأته العنصرية والصهيوينة وكان كتاب مترجم لكاتب سوفيتي اسمه لييف كورنييف وكانت اولى معلوماتي عن شكل الاسماء في الاتحاد السوفيتي
كل الود
تحياتي

غدير الحربي
10-03-2009, 11:14 PM
رائع ما كتب هنا ..
ثري وحميمي , أعلاه مغدق , وأدناه تمر رطيب ! .
مذكرات قصصية مترفة , وموضوع يثير الشهية , والقراءة أسطورة لا تكف عن تمرير دهشتها لكل من يؤمن بها ! .
حياك الله في المشهد .

"اسماء"
10-03-2009, 11:42 PM
اعترف حقا انني احسدك
بل احسدك جدا
لطالما قرأت القصص القصيرة والروايات
وكسبت كما من المفردات واسلوب القصة وتعلمت كيف تكتب
ولكنني لم استطع يوما ان اجد مادة تصلح لقصتي..
بالرغم من حبي الشديد لاتقان هذا الفن
اجد مشكلة في كتابتها
وخصوصا في ايجاد خاتمة القصة
لذا احسدك
وكثيرا ايضا..

نديم
11-03-2009, 05:01 PM
أوراق يابسة

عندي سؤال لكِ : ما اللغة القريبة من اللغة الروسية ؟ في شكلها طبعا .

الحقيقة لم أعد أذكر .

لكنني متأكد أنه ليس كتاباً للطبخ .

مايجمع بيني وبينك ، أننا لم نظفر بكتاب مليء بالصور في تجربتنا الأولى .

يبدو أنك كنت تسكنين في حارة أخرى !!!

نديم
11-03-2009, 05:03 PM
غدير الحربي

- القراءة أسطورة .. هذا الوصف منك يتقاطع مع طقوسي القرائية .

انتظريها ....

نديم
11-03-2009, 05:04 PM
اسماء

خذي نصيحة : اكتبيها من الخلف .

هيا نجرّب ...

"اسماء"
11-03-2009, 06:01 PM
فكرة مبدعة..
ولكن الا يلزم ان اعرف (الخلف)هذا :biggrin5:
لكنني سأحاول
شكرا لك..

جبلية
11-03-2009, 08:40 PM
رائع ما كُتب هنا، و أكثر شئ أعجبني القراءة الجماعية في غرفة الإنتظار.

نديم
12-03-2009, 05:29 AM
أسماء

بالتوفيق

نديم
12-03-2009, 05:30 AM
جبلية

نعم .. القراءة الجماعية .. لقد كانت حلماً رائعاً !!

نديم
12-03-2009, 05:41 AM
http://www.alsakher.com/vb2/attachment.php?attachmentid=21345&stc=1&d=1236825193




( لقد تحسّن أسلوبي قليلاً ، شكراً لك حبيبتي القراءة )

رجاءً لقراءة ممتعة اقرأ الحلقة الأولى هنا : قراءة … ( 1 )

رجاءً لقراءة ممتعة اقرأ الحلقة الثانية هنا : قراءة … ( 2 )




تلميحة 1 :

( لسبب ما أجهله ستكون الكتابة بهذا اللون محاطة بالسريّة ، ذلك أن صديقي اللدود منصور قرر أن ينشر مذكراته السرية الخاصة به والتي اكتشفت فيما بعد أنه كتبها على ورق القرطاس الأبيض كالذي يقابلك بطرف طاولة المحاسب عند باب مطعم بخاري ) ، وعليه - كوصاية مني - لا تقرؤوا مايهذي به بصوت مرتفع ( أرجوكم ) .. هذه واحدة ، والواحدة الأخرى : لا تظنوا أن وجود أي اتفاق بين تصرفاتي وما اقترفه هو من عندياته .. بل هو موافقة لم تخطر ببالي ، شيء يشبه ” التلباد ” ..

تلميحة 2 :

( قد يبدو على ” مذكرات منصور السرية ” سقوط بعض الأحرف وحتى الكلمات في حالات متقدمة جملاً ، ذلك أنه يكتب بقلم رصاص قديم ويستخدم المبراة حين يكون النقش على ظهر ورقته أجدى من الكتابة ، حين تفقدون بعض الأسطر تأكدوا أنه قد فقد مبراته ) .



هموم القراءة :



وابتدأ قانون الجذب يفعل فعائله العجيبة في مخي المعقّد .

والأماكن .. أيتها الخدّاعة .. كيف كنت تخبّئين كل هذه الكتب من حولي .

أشعر بتأنيبها لي واخزة خلايا عصبية نائمة : يا محمد .. لو أحببتها .. لشاهدتها .. لكنك كنت غافلاً عنها .

لم أعد طفلاً .. وبدقة أكثر .. كبرت ، وأصبحت في منطقة بين الطفولة والمراهقة .. كائن غير معروف ولم يصنف في الكتب التربوية .. هذا ما استنتجته بفطنتي حين توقفت آخر جرعة من التطعيمات منذ زمن لا بأس به !! .. الآن صار يحق لي أن أغادر إلى أماكن أبعد كما يفعل الرجال !!

على طول الطريق ، حين يصطحبني والدي في سيارته البيضاء ، كنت أجلس أحياناً في المقعد الخلفي الأيمن ، أضع ركبتي على حافته ، مطلاً برأسي القابع بين يدي الغضتين ، مستنطقاً كل لوحة تمر كطيف خاطف أمام ناظري .

وتبدو لوحات المحلات التجارية الممتدة كسطر طويل في كتاب عظيم أتكلّف استنطاق الكلمات بداخلي حين تبدو تباعاً وكأنها تسابق نسمات الهواء أمامي :

حـ لا ق - مغـ ا سل - مشـ ـغل - تمـو ينـ ا ت - مكـ تبة !!

مكتبة .. مكتبة .. رفعت صوتي بها لا شعورياً ..

كنت أريد أن أقول لوالدي - قبل أن تختفي اللوحة - رغبتي في الدخول لذاك المكان ..

حين التفتُّ إليه .. كان يحدِّق في مرآة السائق .. ناظراً إليّ بدهشة .. استغرابه مني جعله يتجاهل الطلب .. مكتفياً برسم علامة استفهام على شخصي المتواضع .. فيما عدت أنا للعبة الكلمات ..



( هلا والله .. انا منصور صديق محمد ، قاعد اكتب اللي يصير بيني وبينه ، امس كنت جالس عند زلفة بيتنا ، شافني ابوي .. قالي : ما شالله .. تحل واجباتك ، الله يصلحك .. يحليله ابوي .. صدّق .. ماعلينا .. وشسمه .. وش كنت بقووول .. ايه .. جمعنا ثلاثطعشر ريال انا ومحمد علشان نشتريبهم زبرقه للسيكل ورفارف . والباقي .. نباشر به على صالح ولد جيرانّا .. عنده سيكل زين .. يلّه .. نكمّل بكره ) مع تحيات صديقه / منصور .



شكرني والدي لأنني ساعدته في حمل أغراض المنزل .. وكنت أنتظر منه أي مكافأة ولو على سبيل المجاملة .. تظاهرت بالأدب الجم أمامه مطرقاً برأسي .. أنظر - في خجل متصنع - إلى الأرض .. ولكن .. لقد أدار لي ظهره .. أي والله .. وتركني ، سألقنه درساً في المرة القادمة ، سأتظاهر بالنوم قبل أن نصل للمنزل بخمسة أمتار ، وأجبره على حملي معززاً مكرماً .

في الصباح الباكر ، حينما عاد أبي حاملاً الفطور ، أخذ يتبادل الأحاديث مع أمي داخل المطبخ ، وكان لدي بعض الأعمال التي أقوم بها في منطقة مجاورة ( صدقوني !! ) ، سمعت اسمي يتكرر ذكره أكثر من مرة ، وما أسعدني حقاً ، أن أمي أشارت له بأن يكافأني باصطحابي إلى مكتبة قريبة وهو في طريقه لأداء الصلاة ..

للأسف .. لم يفي بعلها العزيز .. بما قطعه على نفسه .. بل إنني في كل مرة أضع يدي في يده قافلين من أداء الصلاة ، وحينما نكون بموازاة الموقع المستهدف ، أمارس معه جميع وسائل التنبيه : أرفع صوتي له ” مكتبة ” ، انظر نحوها باستمرار ، أجذب يده الغليظة باتجاهها ، حتى أنني وصلت لمرحلة الانحراف .. نعم الانحراف أثناء المشي باتجاه فتحة الدكان الصغيرة .. إلا أن محاولاتي جميعها باءت بالفشل ، وهكذا فقد خسرت جماعة المسجد شخصاً عزيزاً عليهم .

تصرف والدي - والذي حملته فيما بعد على محمل حسن - زاد من شغفي بفعل ” القراءة ” هذا .. وأضفى على المسألة - على الأقل في وجهة نظري أنا - مزيداً من الممنوع الذي لابد أن اخترقه وأن أحصل عليه ( هكذا تصورت الأحداث !! ) .

شيئاً فشيئاً .. تحول اهتمامي بالقراءة .. إلى همٍ .. يلحظه كل من يكلّف نفسه بمراقبتي لبرهة من الزمن .. انطلاقاً من قراءة مكونات علبة اللبن الصغيرة .. مروراً باللاصق الفضي على ظهر ثلاجتنا الخضراء .. وانتهاءً بوجهي كوبون مدينة الألعاب حين ذهابنا ذات غفلة .. إلا أن أكثر شيء كان يتعبني هو تلك الورقة الصغيرة التي طويت عشرات المرات داخل علبة دواء أمي ، كانت تستغرق مني ليالي معدودة قبل أن أنهيها بلا فائدة ، لا أدري لماذا لايكتبون عليها بخط أكبر ؟!



( معليش أمس رحنا لخوالي .. ساكنين بعيد ، وما رجعنا الا متأخر ، عشان كذا ماكتبت امس شي .. المهم .. ياخي مدري وش في محمد ، من عقب ذاك اليوم .. يوم قعد يصلح سيكله عند بيت عبدالله ، وهو ماعاد يلعب معنا زي اول ، وصار يعطينا سيكله نلعب به ، حتى انا اللي اعز اصدقانه ، صار يصرّفني ولا يجلس معي زي اوّل .. وكل ماقلت له شي .. قالي معليش امي تبيني .. انا اوريك فيه ) صديقكم / منصور .



أشتد عودي ، واعتدت الذهاب إلى المدرسة كل صباح لوحدي ، أسلك طريقاً يشق محيط حاراتنا القديمة ، أتسلى بركل حجر صغير عدة أمتار إلى الأمام ، منقلاً بصري بين جدران المنازل التي تحيط بي ، و .. اكتشف .. كنت أتلذذ بقراءة الكلمات الغريبة التي استقرت عليها ، شكلها يتلوى مثل الأفعى ، الحقيقة أنني لم أرتح لها كثيراً ولم أفهم منها إلا بضع كلمات ، وحدي أدركت فقط سر الكتابة على الجدران ، هم لا يريدون أن يلوثوا بيئتنا كما يقول ذلك معلمي ، ولكنهم يريدوننا أن نقرأ أكثر .. حتى جدار مدرستنا لم تبق منه إلا مساحة صغيرة لم يؤلف أحدهم فيها حكمته .. فيما بعد قامت إدارة مدرستنا بمجهود واضح من الأستاذ أحمد بإزالة كل ما قرأته بممحاة كبيرة .

ما يثير استغرابي أن المدرسة لم تكن تعني لي شيئاً في جانب القراءة ، وكنت أتصور أن الكلمات التي يجب أن اقرأها ، تسكن خارج أسوارها ، على سبيل المثال ( وأرجو أن لا أضطر للشرح في كل مرة ) مجلة تستلقي على ” طبلون ” سيارة أحد المعلمين ، فاتورة كبيرة بها آثار التعب على رصيف مجاور .. وهكذا

رغم حبي لأصدقائي .. إلا أنني شعرت بانطواء على نفسي كلما اقتربت من هذه ” القراءة ” .. حتى حينما كان منصور يدخل لبيتنا في السابق وأجلس أنا وهو نتشارك اللعب في ” الأتاري ” .. كان كثيراً ما ينبهني بمواصلة اللعب .. وترك مافي يدي .. بصراحة كانت ” سندويتشات ” أمي اللذيذة تنقذني من مكوثه الطويل ، فقد كان يبادر بالخروج بعد أخذ نصيبه منها .. ماذا أفعل لم تعد أحاديثه تناسب مستواي الثقافي !!



( يحليله صالح .. قبل شوي باشرلي اسكريم .. والله انه حبيّب .. موب زي أبوراس كبير .. شايف نفسه .. شفته ذاك اليوم .. الظاهر انه امس .. طالع من بيتهم وحنا نلعب طجمه .. شفته يمشي جنب الجدار .. رايح لاخر الشارع .. لحقته .. وشفته يدخل .. محل حلاق .. ويجلس جنب الطاولة القزاز .. ويقعد يقرا في المجلات .. والناس تدخل تحلّق وتطلع .. وهو جالس .. يحسب اني ماشفته .. ولا ادري عن حركاته .. والله لاعلم ابوه ) مع تحيات صديق صالح / منصور .



هذه السنة من عمري كانت جميلة ، لأنني تخليت فيها عن أشياء سيئة ، وأصبحت أفعل أشياء رائعة ، وعلى رأسها مداعبة الكلمات ..

اكتشفت أن بعض أفراد عائلتي يقرؤون أكثر مني .. هذا الاكتشاف الكبير .. جعلني أشعر بأن أحدهم يسرق شيئاً مني .. وأردت أن أكون أكثرهم نهماً وتفلية للأوراق .. حسناً .. حسناً .. سأعترف .. لم تكن سوى مرتين فقط .. ثم لم أفعلها بعد ذلك .. أردت فقط أن أخفي كتبهم لبضعة أيام .. ريثما أنتهي من كل مايقع في يدي .. لقد كنت أرجعها سليمة .. وهذا مايمنحني راحة نفسية أكبر .

لكن متعتي الكبيرة كانت ذلك اليوم .. يوم أن استلمت شهادتي الدراسية .. كان لها طعم مختلف .. وقد كتب عليها بخط أزرق كبير ” ناجح .. وينقل ” .. طرت كعصافير الفجر راجعاً لمنزلنا حيث تنتظرني أمي بالتأكيد .. كنت مبتسماً جداً .. وأضحك ملء شدقي .. يشعر بذلك كل من قابلني .. حتى عامل النظافة .. الذي حسبني مجنوناً وأنا أركض بورقة كاللتي يلتقطها هو من تحت قدميه ليضعها في حاويته الصغيرة ..

صوت ارتطام الباب بالجدار من أثر دفعتي القوية .. إشارة واضحة ليستقبلني الجميع بالترحاب .. اتقافز مسرعاً من بين أيديهم الممتدة لتمسك بي وتقبلني .. تاركاً الجميع .. متجهاً لأمي .. ارتمي في حضنها .. كانت تقف أمام فرن المطبخ .. مستعدة لاستقبالي .. احتضنها بقوة .. وأطوّق يدي حول خصرها كالأساور .. وأدفن رأسي في صدرها الدافئ .. فتحس بدموعي تبلل نحرها .. تمنحني لحظات من الحنان العذب .. ثم تمسك رأسي بكلتا يديها ، وتخاطبني :

” نجحت ياجنيني ؟ ”

أومئ برأسي لها : ” إيه يمّه ” .

وتلتقط في حبور ورقتي من يدي وتنظر إليها في سرور بالغ .

أمي لا تقرأ !!!

لكن نظرتها كانت تمثل لي غاية الرضى .

وتهمس لي وهي تطبع قبلة بين عيني : ” وش تبي نجاحتك ؟ ”

فأبادرها : ” ترضين عني “

واتبعها : ” فرحانه يمّه ؟! ”

فتبتسم ابتسامة الملاك .. وهي تومئ برأسها أي نعم .

وتعيدني بيديها .. إلى حيث جنتها ..

تتلاشى مادياتي التي أنتظرها لهكذا مناسبة ، حين أكون في حضرتها ، بحسها الأمومي ستتكفل حتماً بإبلاغ والدي برغبتي الأكيدة .



( يو يو .. والله بغا يصفقني ابوي .. يوم درى اني سقطت .. اشوا اني جلست في غرفة امي .. الين طلع من البيت .. يوم جا العصر .. قال يلّه زهبوا عمركم .. بنسافر لجدانكم في الديره .. والله طفش .. وش بسوي فذاك .. اقعد مع عيال حارتنا اصرف .. قبل يومين سوينا مباراة مع الحارة الثانية .. وفزنا عليهم .. عندهم حارس زلابه .. دب ولا يشوف زين .. لحقونا يبغون يطاقون .. بس ادبناهم .. رحت انا وصالح والعيال .. وشرينا طبق بيض .. وجبنا عسبان نخل .. حدّيناهم من اول الشارع ورجّمناهم بالبيض .. يوم انحاشوا .. ونحدهم مع الجهة الثانية .. وصفقناهم بالعسبان .. والله فلّه .. شكلي منيب قادر اجلس .. لازم اروح معهم .. )



السفر إلى الدمام كان عادة سنوية في الإجازة الطويلة .. عمي هناك .. وأبي يحب أن يزور أخاه .. لكن ماذا عساي أن أفعل .. اشتركت وأخي في وضع ثيابنا في حقيبة متوسطة الحجم .. وفي رأسينا أهداف مختلفة .

أحب الدمام ( أوروبا الخاصة بي ) .. بجوها الرطب العليل ..

وصلنا لبيت العم .. كان بيتنا الثاني .. في ظرف ساعة واحدة ، كنا قد ذبنا في تفاصيل حياتهم هناك ..

بدأت أبحث عن مقصودي ..

في ملحق مستقل .. يمتاز بحجمه الكبير .. عرفت أنه خاص بابن عمي عبدالرحمن ..

ونادراً ما يزوره سائر البيت فيه .

عبدالرحمن ، ذا الشخصية المستقلة ، هادئ ، وقور ، قليل الكلام لكنه فصيحه ، يحب أن يختلي كثيراً هناك .

لم يكن ساعتها في استقبالنا ..

وبشجاعة المغامر حين يقتحم المجهول بكل ثبات ، توجهت إلى هناك ، وبحركة من يدي مهذبة جداً ، طرقت الباب ثلاث طرقات خفيفة .

كان بابها البني الداكن ، يحتفظ بآثار المطر حين يستجدي الدخول في يوم شتوي ، وأعلاه حفرت الشمس بأشعتها الفاتنة بقايا من ضياء ووهج .

اسندت يدي اليسرى ، دفعتها ببطء ، صوت حركته الرخيم ، يحيل المكان من حولي مسرحاً عريقاً من القرون الوسطى .

شممت رائحتها ، كالعبير يسافر بك بعيداً .

دخلت إلى المنتصف ، وهالني ما رأيت ..

لم تكن الحوائط من يحتظنها .. لا .. بل هي الكتب !!!

في كل مكان .. في الأعلى هناك .. بجانب فتحة التكييف . وعن اليمين تزاحم وعاء الشاي الكهربائي .. وفي الأسفل تتمدد كتلالٍ بجانب أدراج مكتبه .

و ..

رأيت ظلال شيء مستدير .. ينعكس على الرفوف أمامي .. ينطبع وهو يتسع رويداً رويداً على عناوين الكتب .

كاد قلبي يخترق صدري من النبض الشديد ..

وبحركة دورانية سريعة ، اتجهت إلى الباب لأخرج بسرعة ..

عبدالرحمن : ” حمودي .. وش تسوي هنا ؟!!! ”

صمتُّ .. وعيناي تتسعان من الذهول .

وبعد قبلاته الحارة .. وأنا أقف كجذع شجرة مهملة .

يسألني : ” تحب القراءة ؟ ”

أجبته : ” إيه .. والله أحبها ”

ابتسم .. وبمسحة خفيفة من يده على رأسي .. كان نور الغرفة بأكمله مضاءً .. وكرسيه هو .. هو شخصياً .. يستقبلني .. في أول عناق بيننا .. ثالثنا .. كتاب جميل .. اختاره لي .. وضعه بين يدي .. وخرج في هدوء .

كان الجميع في صالة المنزل يتبادلون أطراف الحديث .. حين أخذ عبدالرحمن مكانه بينهم .. لم تمض سوى دقائق ..

سأل أبي عني : ” وين محمد ؟ ” .

أجاب أخي الكبير : ” يمكنه في الحوش يلعب مع العيال ” .

اعتدل عبدالرحمن في جلسته .. طالباً كوباً من الشاي .. يرفعه ليشرب .. وابتسامة الرضى .. تتراقص خلف زجاجه الصافي .

فيما أنا غارق في بحر من العلوم .



( مليت .. ياسلااام .. بنرجع بكره ) تحياتي / منصور




تابع بقية السلسلة مع الحلقة الرابعة : قراءة … ( 4 )

غدير الحربي
13-03-2009, 01:53 PM
اقرأ أنا وأضيع هنا ! ..
هذه السلاسة الحلوة , والنقلات الرفيعة , تجعل ماهنا سائغ جدا ً .
في كل صباح أضع قهوتي الثقيلة ؛ لأستفتح دماغي الثقيل بعد بأي نص بديع خفيف , وماهنا كان وجبة خفيفة كافية ؛ لإنعاش مزاجي والبدأ من بعدها بقراءة ثقيلة .
اكمل يانديم فكثير من تفاصيلك تكتبنا نحن ندماء الكتب .

مشاري الكثيري
18-03-2009, 01:55 PM
جرعات ضخمة ,,, هذه التي تكون مع القهوة الصباحية ...

كبير أيها النديم كبير أنت جدا يوم أن كنت صغيرا حتى !!

اوراق يابسة
18-03-2009, 02:44 PM
اخي ،
كثير ما يتقمص الصغير شخصية الكبير ،
والعجيب في نصك ، انك كبير تقمصت نفسك صغيرا عندما كنت تتقمص غيرك كبيرا
تداخل ربما ....
لكن اعجبني جدا ، لديك قدرة عجيبة.
كل الود والاحترام

عائدَة
23-03-2009, 05:38 PM
ألَنْ تُكِملْ ؟.
أكمِلْ ، رُبَّما عندَها نستطيعُ أن نقول شيئاً بإنصافٍ يا نديمْ.

: )

اتكاء حرف
24-03-2009, 11:16 AM
نديم



لقد كدت أصفق لكنني خلت أن عيون القراء ترمقني!



لنعد الى القراءة...










جميل حقا

بانة
26-03-2009, 12:46 PM
رائعة .. بقوة !!

غدير الحربي
12-04-2009, 11:41 PM
للرفع لعل الكاتب يتذكر ما وعد به فيعود , أو ترفع لمشاهد رائعة بعد إكتمال الردود .