PDA

View Full Version : مدينة تأكلُ بعضها



ساري العتيبي
10-03-2009, 07:34 PM
عشرون عاماً كانت كفيلةً أن تعبث بفراس !

ناديتُه باسمه القروي القديم ، حين رأيته في الضفة الأخرى من الشارع
كان اسمه القديم أشدَّ ضجيجاًعنده من المدينة بأسرها ؛ لذا التفت بكامل جسده نحوي
عرفته رغم العشرين عاماً ، فعيني القروية تحتفظُ بالبصمة الأصلية ، لا تسجل سوى الملامح
الثابتة لكل شخص ، أما هو فعرفني من غير عناء وكدَ ذهن ؛ فالعشرون عاماً لم تزل تنبضُ
تحت ملامحي القديمة .
كان فراس شاباً نزقاً متبرماَ من كل شيء ، يكره طيبتنا ويسميها سذاجة ! ، يكره كرمنا ويسميه غباء ً ! , يكره شجاعتنا ويسميها حُمقاً ! ، يكره حشمتنا ويسميها رجعية ! ، يكره ليلنا ونجومنا وسمرنا وبئرنا وما شيتنا . كان يختنقُ من أنفاس قريتنا .

أنت هنا ياساري ؟!!
كان فراس مُبللاً بعطر فرنسي فاخر حين صافحني ، حتى عطور فرنسا لم تستطع أن تخفي
رائحته الغريبة التي كنا نتندر عليه زمنَ الصبا قائلين : هل تريد أن تنتقم من قريتنا بهذه الرائحة ؟
لما لا تغسلها عنك !
لم أشأ أن أذكره بها فهو الآن في المدينة . سألني .. متى سترجع للقرية ؟ قبل أن يسألني
ماالذي جاء بك .. أجبته : حصلت على ترقية فنقلوني هنا ، لم يتفاعل فراس بخبر الترقية
فهو لا يستوعب أننا قد نرتقي !
كان يلبسُ شيئاً غريباً قطعاً متضاربةً من الألوان يصفعُ كلٌّ منها الآخر ، خشيتُ لو دققتُ فيها
لأستوعبها أن أجرح شعوره , فهو يعرف كيف أفكر جيداً .
كان فراس في ساعات سمرنا القروية يكثر من الحديث عن الأفعى كان معجباً بها ومثار عجبه
كما يقول أن لها نظرة مستقبليةً تمكنها من الا نسلاخ من جلدها كل عام . ويقهقه ضاحكاً ويقول :
لقد سبقت الأفعى ( ديوي ) .
لم يستطع فراس أن يكون مثل الأفعى حتى ، فهو لم يغير جلده بل تلفَّف بجلودٍ كثر متضاربة
الألوان ، وظلت رائحته عصيةً على كل بيوتات العطر الفرنسي !
أردت أن أعبث به فقلت : لقد تغير شكلك كثيراً .. أجابني مزهواً وهو يرفع بنطاله المستميت كي يبقى متعلقاً بمؤخرته : في المدينة اكتمال الملامح بعكس القرية التي تحنط ملامحها في ملوحة الرمل ! .
لم أكن أرى نقاشي معه مثمراً ونحن في القرية ، فكيف اليوم ، لكني قلت له : المدينة التي تأكل
بعضها هي التي أنتجت ( أزهار الشر ) لبودلير ، ألم يكن بودلير يبكي الشوارع التي أكلت أحياء
باريس القديمة بكاها في عيون الفقراء والأطفال في العيون الجائعة والغاضبة .
كانت إجابته بقهقهةٍ أخرى من غير أن يرفع بنطاله مجدداً : والله وتعرف بودلير يا ساري !!
ساري .. ألا تلاحظ أننا أطلنا الوقوف ؟ ظننته سيدعوني للعشاء كما جرت العادة
لكنه اعتذر بعذرٍ ( أصفر ) : أنا مضطر للذهاب سأستعد لا ستقبال مديرنا الجديد أراك لا حقاً
واستدار فراس ذاهباً ، صرخت فيه بأعلى صوتي حين وقع نظري لا شعورياً على بنطاله المستميت
عالقاً على مؤخرته :فراس ما هذا أبديت شيئاً من عورتك ! دائماً يافراس لا تملك الشجاعة
في أخذ واحد من الخيارات الحدِّيَّة إختر أن ترفعه أو تنزعه ! .. أجابني : أظنك لا تريد أن تعرف
ما سأختار ! .
جعلتُ أرقبه مشفقاً عليه حتى ابتلعه ضجيج المدينة ، كنت في القرية حين يفارقني ويبتلعه الظلام
أخشى عليه ، أما حين ابتلعته الأضواء هنا خشيتُ منه ! المدينة تسكبُ أضواءها في كل الأزقة
تملكُ قناديلَ أكثر من نجوم ليل قريتنا ! لكنها لم تستطع أن تنبه الناس أن فراس يكشفُ بعض عورته ، مثلما عجز العطر الفرنسي أن يغسل رائحة فراس !! .
جلستُ في مكتبي الجديد ولازالت صورة العشرين عاماً التي عبثت بفراس لا تفارقني أو لعله هو من عبث بها.
وصلتُ قبل موظفي المدينة .. استأذن السكرتير بالدخول علي أذنتُ له فدخل علي ..















دخل علي فراس ...


ساري العتيبي

غدير الحربي
07-04-2009, 02:35 PM
آليات الترشيح :
تم ترشيح هذا النص من زهير يونس وعائدة .
حيث رشحه زهير يونس كمركز أول , ورشحته عائدة كمركز ثالث .


ماقيل عن النص :

قال زهير يونس /

"مدينة تأكل بعضها" : تم فيها استحكام العناصر الفنية للقصة، و تحري الموضوعية في السرد القصصي . ملامح الشخصيات واضحة و غير مبهمة و ذلك راجع للحيز الزمني الصغير و اعتماد الـ " أنا" في عملية القص..
بالنسبة للبلاغة يعاب على النص فتوره في هذا الجانب، و كونه إنشائي مباشر مجرد من الجمالية الفنية مع أن الكاتب نثر على نصه جملا تخللت وقع الحدث.. إلا أننا شعرنا أثناء القراءة بشيء من الفتور في هذا الجانب.
السلاسة في السرد حاضرة.. لكن توظيف عنصر التشويق و المفاجأة.. كان نقصه واضحا.
بالنسبة للغة و النحو، فقد جاء النص محترما قيمة اللغة و لم يقع في زلات إملائية.. مما زاد من جمالية النص الشكلية مضافة إلى تحريه لعنصر الموضوعية و ضبط الهدف.
أخيرا.. استوفى النص شروط المسابقة.. مما جعله مرشحا ليكون أحد النصوص المختارة.

وقالت عائدة :

قوّة نصّ ساري جاءت –باعتقادي- بأنَّ النصّ كان سلساً ومتواطئاً مع الفكرة جداً ، بحيث استطاعَ أن يحرّك عصفورين بحجرْ من خلال رسمه للشخوص في القصّة وإيضاح التناقض بين شخصيتين تعرضتا للحدث ذاته تقريباً . المفردات متأنّقة بذاتها دونَ حاجة لإضافات تجمّل النصّ .


وقال قــ :

قصّة قصيرة مكتملة فنيا ، لكن رسالتها واضحة لدرجة غير مغرية .. لا أرشحه .

عقل خاص
07-04-2009, 02:44 PM
أبارك للأستاذ ساري العتيبي ، متمنياً له دوام التقدم ..

seham
07-04-2009, 03:48 PM
مباركٌ ساري
رشّحتها للمركز الأولِ أنا أيضاً.

هناك في السماء
07-04-2009, 05:01 PM
مبارك يا إبن الصحراء

"اسماء"
07-04-2009, 05:05 PM
قرأتها اول ما نزلت
والان كنت اقرأ كأنني اقرؤها اول مرة
هي جميلة حقا
واظنها تستحق مركزها..

متهمة بالذكاء
07-04-2009, 05:15 PM
هذه المرة لم أقف مع النص .. بل وقفت معكما في ( الفيصلية ربما أو بالمملكة)!!


نص رائع يكفي أن نظراتي تسابق الحروف لتصل إلى خاتمة غير متوقعة!


مبارك.. بالفعل تستحق.a*

جدائل مصفرّة
07-04-2009, 05:54 PM
عميقة المعاني , مطروحه بسلاسه وإسلوب بسيط محبب ,
وروحك ياساري كانت تتنفس من بين الحروف .

مبارك أخي ساري
ودام نبضك عطراً .

مسرى الأمل
07-04-2009, 10:16 PM
نهاية رائعة ....
قد يروقني البدء من الأخر ....
ساري قلم مبدع متأني هاديء حليم ...
هل توافقني أن القاص لابد أن يكون حليما
استمتعت جدا بما قرأت بشوق لإنتظار المزيد

شبح المواقع
07-04-2009, 11:46 PM
في الشعر كما في النثر كعبك عالي يا ساري..

فمن يجاريك ؟

ساري العتيبي
08-04-2009, 12:19 AM
أشكر الجميع ..

أشكرك غدير ...

أشكرك .. ورود

أشكركم .. زهير .. عائدة .. قـ


عقل خاص..

باركك الله ... كن بخير يا صديقي

سحنة الغربة ..

أشكرك جداً
سعادتي برفع الحصار لا تقل عن الفوز

هناك في السماء

بارك الله فيك أيها الوفي


أسماء ..

شكرا لك
أسعدني أن نالت إعجابك

متهمة بالذكاء ..

لكني لم أر الفيصلية ولا المملكة في حياتي

إن جئتهما سأذكر انني كنت هناك

باركك الله

جدائل ..

جمالها يخلقه قارئ مثلك

باركك الله

مسرى الأمل ..

أتمنى أن تكون النهايات هكذا !

كما أتمنى أن أكون حليماً !
شكرا لك


شبح المواقع ..

أهلا بك يا صديق النضال المشترك ..

محبتي لك




ساري العتيبي

حنين الناااي
08-04-2009, 12:42 AM
تستحق القرااءة اولا
انت الاول دائما
ساري
كون بخير

الهرم
08-04-2009, 12:43 AM
لم تعجبني الفكرة المتمحورة حول الأنا والـ هو , فكلاكما أتي من نفس القرية ليستقر في نفس المدينة مع إختلاف الأزمنة ... أما النهاية الغير متوقعة التي كشفت عن وجودكما معاً في نفس المكتب فهي تطرح سؤالاً مفاده.. ما عدا مما بدا ؟ وهل صارت العطور الباريسية ذات جدوي بعد الوضع الجديد؟
أستاذي الكريم لك أسلوب بديع ساخر ولكن رفيق فـ ليتك لا تغيره بتغير المكان و ( تعظيم سلام).

صوت الناي
08-04-2009, 04:20 AM
جميلة قصتك ياساري

وكيف قارنت بين الأصل والزيف
ولاتشعر قارئها بملل
بل سلسة واضحة الفكرة برغم قصرها

أعجبني سردك
وألــــــــــف مبروك
تقبل احترامي

أباعرب
08-04-2009, 05:43 AM
أردت أن أعبث به فقلت : لقد تغير شكلك كثيراً .. أجابني مزهواً وهو يرفع بنطاله المستميت كي يبقى متعلقاً بمؤخرته : في المدينة اكتمال الملامح بعكس القرية التي تحنط ملامحها في ملوحة الرمل ! .


ساري كم هو جميل قلمك , أتمنى أن تكتب أكثر
لك كل الود والتقدير
:rose:

Lovesome
08-04-2009, 12:08 PM
مبارك يا صديقي ... والهدية عالــ (نص) :kk

يامسافر وحدك !
09-04-2009, 12:54 PM
ساري العتيبي ..
لَمْ أكُ أتخيل أن من يكتبُ الشعرَ بهذه العذوبة يكونُ السردُ القصصي لديه ناضجاً وأسلحةُ القصة لديه حاضرة
لا فُضَّ فوك

علي عكور
10-04-2009, 01:49 PM
أنا مدينٌ لكَ يا ساري
بقصةٍ أمتعني وقْعُ
حروفها و شخوصها .
الحقّ أنني رشحتها للمركز الأول .

خيلكَ سبّاق ..

ساري العتيبي
11-04-2009, 12:09 AM
حنين النااي

كلامك هذا شرفٌ أعلقه بجيد النص

أسعدني مرورك

وشكراً لك



الهرم
أما أنا فأسعدني مرورك
أشكرك أخي


صوت الناي

الجمال اكتمل بمروركم على النص

أشكرك جداً


الصديق الوفي العزيز أبا عرب

كم أسعدني أن وجدتك هنا

أشكرك صديقي

LOVE

صديقي العزيز
الهدية الكبرى هي أنت
كم أنت جميل ورائع كعادتك


يامسافر وحدك

أخي الشاعر الرائع
أهلا بك
أشكر لك ما قلت

عزيزي علي عكور

بل أنت تستحق أكثر من ذلك
أتشرف بصداقت كاتب جميل مثلك




ساري العتيبي

ماجـد
11-04-2009, 12:49 AM
أغويتني بأن أتحدث عن الشانزليزيه و قصر الأليزيه و قوس الـ "خُسر" !
ربما أتحدث بالصور و الفيديو و كل شيء ..
لكني زرتها للمرة الأولى قبل يومين فقط مع الأهل !

أما لندن فحولها ندندن !

رانزي
11-04-2009, 01:22 PM
السرد هنا ممتع وآخذ نفس يدخل الى العمق

ساري ،

ليست المدن التي تأكل بعضها فقط
بل هناك لقمة في المنتصف .. الانسان ،



رائع

حالمة غبية
11-04-2009, 10:29 PM
مدن تأكل بعضها ...... وتلقي بعابريها على الأرصفة

تدخلهم مدن الأحلام وتوصد عليهم الأبواب ......

وقد يضيعون وسط الزحام .. أو يضيعون داخل أنفسهم

وقال بودلير مرة :
"الانسان يحب الانسان ، إلى حد أنه لا يهجر المدينة الا ليبحث عن الحشد مرة أخرى ، أي ليعيد صنع المدينة في الريف".......

ساري العتيبي .... نصك جميل وحقيقي ... جدا

ساري العتيبي
13-04-2009, 11:04 PM
ماجد ...

أتمنى لك التوفيق

أهلاً بك



رانزي ..

تماماً يارانزي
الإنسان .. لقمة المنتصف

أشكر لك المرور


حالمة ..

أعجبني قولك هذا : وقد يضيعون وسط الزحام .. أو يضيعون داخل أنفسهم

سررت بمرورك

أهلاً بك



ساري العتيبي

شتى
14-04-2009, 01:35 AM
جميلة وسلسلة
أعجبتني حقاً

ساري العتيبي
19-04-2009, 01:32 AM
ثم ماذا .. أيها المجنون ؟!

هنا نكتب لننتظر شكراً ولا شكراً يأتي بها الأموات

حفيد ادم
23-04-2009, 12:18 AM
جميل نصك يا ساري.
أتمنى لك دوام الإبداع.

غدير الحربي
04-05-2009, 12:14 PM
إلى مشاهد رائعة , وحياك الله ساري , وكثيرا ً .