PDA

View Full Version : طريق المدينة



علي عكور
21-03-2009, 12:35 AM
طَريقُ المَدينَة

انتشرَ الخبرُ كالوباء . لمْ يمضِ نصفُ اليومِ حتى لاكتهُ - على مَضَض - ألسنَةُ شبابِ القرية و أطفالِها , قرَعَ فيصَل البابَ بقوة , فتحْتُه فقالَ و هوَ يلهثُ : " سعيدٌ سيسافرُ إلى المدينة " ثمّ اتكأ على الجدارِ و أضافَ : " و سيبقى هُناكَ طويلًا " .
حاولتُ أنْ أبلَعَ الخبرَ دونَ أنْ أشرقَ به , لكنني فشلت . كثيرونَ سافروا إلى المَدينَة , تركُونَا و لمْ نهتمّ لفراقهِم . بيدَ أنّ سعيدا مخْتلفٌ عنهم . لا يُشْبههُ أحد , تمامًا كالبصْمة . كنّا لا نسَمّي المجلسَ مجْلسًا حتى يتصدّرهُ سعيد , يَصْنعُ النكتةَ بمهارَة و يُلقيها بذكاء . و لشدّة الضحكِ نسْتلقي على ظهورِنا كصرعى الحروب . و مهما تندّرَ علينا لمْ نكنْ لنَغْضب منْه لطيبته و براءتِه .

الطريقُ منَ القريةِ إلى المدينةِ وعرة , كنتُ أدركُ ذلكَ تمامًا . أشاهدُ الكثيرَ ممنْ يُسافرونَ و قدْ عادوا بخطى غريبة , جديدة , و منْهكة . إنها طريقٌ لئيمة تُفسدُ ما صنَعهُ إسكافيُّ القريةِ منْ أحذيةٍ قوية و جميلة .

حزَمَ سعيدٌ حقائبَه و مضَى إلى المدينة , لمْ يكنْ أمامَنا منْ سبيلٍ لإثنائه عنْ سفره . وجدَ وظيفةً هناكَ و لابدّ أنْ يلتحقَ بها . ما إن غادَرَنا حتى أطلّتْ وجوهٌ دميمةٌ منْ نافذة الذاكرة :
محمد ابن النحّال كانَ لطيفًا ودودًا , يُشاركنا الأكلَ و السهَرَ و الضحِك , و إذا غابَ أحدنا ألحّ في السؤالِ عنْه . ما إنْ ذهبَ إلى المدينَة حتى ابتلَعتهُ و لفظتْهُ إنسانًا آخرَ غيرَ الذي نعْرفُه . يَخْجلُ من مخالطتنا و يَسخرُ منْ بساطتنا . حتى عليّ ابنُ المؤذّن ؛ منْ قالَ أنهُ سينْقلبُ على عَقِبِه ذاتَ يوم ؟! في السنوات الأخيرة مرضَ مؤذّن القرية , فأجمعَ أهلُها أنْ يخلُفَ عليّ أباه لحلاوَة صوته . كانَ إذا أذّنَ سرَقَ منّا أسماعَنا فكأننا مسْحورون . كأنَّ المدينةَ مصْنَعٌ كريه أعادَ تَدْويرَه و بَعثَهُ لنا شخْصًا مختلفًا , متَفسّخَ الأخلاق , مُرْتكسَ الفطرة .

استقرّ في ذهني أنّ المدينة رسامٌ قبيحٌ لهُ فُرشاةٌ ضخْمة يسْتمتعُ بتشويه ملامحِ اللوحاتِ الجميلة . دستُ على هذه الذكرياتِ و التخيّلات بحذاءِ سعيد . بحذائهِ المتينة و قلتُ في نفسي : " حذاءُ سعيد قوية , لنْ تأكُلَها الطريقُ و لنْ تعبثَ بمشْيته " .

ترجّل شهرٌ ثقيلٌ عنْ ظهورنا فاجتمَعنا في مجْلسنا , نتسامَرُ و نضْحكُ كالعادة , لكنْ دونَ سعيد , دلّةُ المجلسِ و قهوتُه . كنا نُدْركُ بجلاء أنّ شَجرَة الكآبة قدْ نَبَتتْ وسطَ المجلس , و لنْ يقْتَلعُها غيرُ سعيد بفأسِ فكاهته . كنا نفتعلُ الضحك , فقط لنقولَ أننا ضحكنا . مرّتْ الساعاتُ ثقيلةٌ كأنها سُلَحْفاةٌ عرْجاء تصعَدُ طريقا وعرَةً .

بينَما نتجاذَبُ أطرافَ الحديث دخَلَ محمد الأعرَج المجلسَ و حيّانا , نسينا أنْ نحييه و تبادلنا النظراتِ سريعًا ثمّ تذكّرناهُ فحييناهُ متأخرين . تبادلنا النظراتِ كأننا نبْحثُ عنْ سعيد فقد اعتادَ أنْ يُطلقَ نكتةً أو تعليقًا ساخرًا يداعبُ به الأعرج كلما دخَلَ علينا متأخرًا يجرّ عكازه وراءه . و كنا نتمدّدُ مُقهقهينَ كالسكارى . بما فينا الأعرج غيرَ عابئ بشيء . وضَعَ عكازه بجانبه و جلسَ إلى جواري فرأيتُ في عينيه افتقادا صادقًا لدعابة سعيد .

بعدَ ستة أشهر طوال طرقَ فيصل البابَ بقوة . فتحتُهُ فقالَ و هو يلْهث : " سعيد سيعودُ غدا إلى القرية " ثمّ اتكأ على الجدارِ و أضاف : " هذه المرّة أنا على يقين , أخبَرني أخوه و أقسمَ لي .. " .

كأن موجةً عاتيةً منَ الفرحِ اجتاحَتني فأخرستني عنْ الكلام . ظللتُ مشْدوهًا لبرْهة , ثم قلتُ لفيصل :
- سنُوْلمُ لسعيد .
ردّ بسرْعة :
- إذا لمْ نُولمْ لسعيد لمن سَنُوْلم يا ترى !!
ثمّ انطَلقَ يعدو ليُخبرَ بقية الأصدقاء . استندتُ على الجدار و كالطيفِ لاحَتْ صورة سعيد , رأيتُه قدْ عادَ ينتَعلُ حذاءً جديدةً , و حينَ سطَعَ المشْهدُ في ذهني انتفضتُ و طردتُ هذا الوسواسَ القبيح .

في اليومِ التالي أولمْنا لسعيد , لا أعرفُ أحدًا منَ القرية لمْ يحْضُر إلا منْ كانَ على سفرٍ أو ألمّ به مرضٌ أقعدهُ عنِ المجيء . تحلّقنا حولَ المائدة و شرَعنا نأكلُ و نتجاذَبُ الحديثَ منْ أطرافه , سألنا سعيدا عنِ المدينة , عن أهلها و حياتهم , سألناه عنْ كلّ شيء و كانَ يُجيبُ باقتضاب . و كنتُ في ذاتِ الوقت أفحصه و أتأمله : هل جدّ شيء فيه ؟ . و آملُ ألا أقبضَ عليه متلبّسًا بشيء لا يُعجبني . أراقبُ حركاته , سكناته و طريقَة كلامه . فجأة دخلَ الأعرج متأخرًا كعادته , على الفورِ صوبنا أعينَنا تجاه سعيد منتظرينَ تعليقًا ساخرًا , قلّبتُ نظري بينَ الوجوه فرأيتهم يتهيؤون للضحِك . فقط ينتظرونَ أن يشدّ سعيد على الزنادِ ليطلقَ نكتته مدوّيةً في سماء المجلس . أطلقَ سعيد النكتة لكن بمفرداتٍ جديدة هذه المرّة , مفرداتٌ لمْ تألفها آذانُنا . قلّبتُ نظري بين الوجوه , رأيتهم مُنبهرينَ منْ لهجته الجديدة , لكنْ لمْ يضحَكْ أحد !!

غدير الحربي
07-04-2009, 03:24 PM
آليات الترشيح :
رشحته عائدة كمركز ثاني , ورشحه قـ كمركز سادس .

ماقيل عن النص :

قالت عائدة /
نصّ علي متفوق جداً بلغته وأسلوب عرضه للفكرة "التسلسل السرديّ". بحيث استطاعَ تسليط الضوء على الشخصية وحمّلها "عبء الفكرة" وهيَ شبه غائبة. النسيج القصصي واللغويّ لعليّ لا غبار عليه .

وقال قـ /
طريق المدينة ، علي عكور ، جميل في الصياغة لكن الموضوع طُرح أكثر من مرة في النشاط وهو تغيير المدينة لأهل القرية ، لو اخترته لكان سبب اختياري له هو جودته من ناحية تكامل المشهد ، واستقلال القصة عن الكاتب .

زهير يونس /
لم يرشحه , ولا ذكر عنه شيء .

عقل خاص
07-04-2009, 03:34 PM
توقعت أن تنال المركز الأول ، وقد استوقفتني كثيراً هذه القصة . أهنئ الأستاذ علي عكور ، وإلى الأمام ...

ساري العتيبي
09-04-2009, 08:16 PM
علي عكور ..

لنْ تأكُلَها الطريقُ و لنْ تعبثَ بمشْيته " .


كم أنت جميل

أمتعتنا يا علي

أتمنى لك مزيدا من التميز والعطاء



ساري العتيبي

محمد العَرَفي
10-04-2009, 12:05 AM
الأخ الفاضل علي عكور، لعلك لا تنتظر مني مدحا أو قدحا..لكنك جميل شئت أم أبيت
شرقت عندما سمعت الخبر، واتكأت على الجدار بعد طول ركض، واستحضرت كيف تتناقل الأخبار في القرى
سريعة هي، بل سلوى ومناجاة لذيذة أحيانا..وهذا الفتى الطائر مثل حمام زاجل ما زال موجودا في بعض القرى.
لست متمرسا في النقد، وأعتمد على ذوقي وآلية تفكيري حينما أقرأ قصة..فقط أقول ليته فعل..لو كنت أنا !
المدينة ليست دائما سيئة، باردة، سمجة..وحينما يعودون منها، لا ينفكون يحدثونا عما رأوه بعبارات فضفاضة ومتكررة أحياناً..لا يردون باقتضاب -في تصوري-
يقولون عندنا في المدينة، نفعل كذا وكذا..حتى لو لم يكن من أهلها..أو مر عليها فقط مرور الكرام !
يبدو أن صاحبك، عصفت به المدينة عصفا، وشرب من بردها، حتى أصبح صنما جليديا !
أيضاً..
ليتك قلت لم هي القرية جميلة، ليتك وصفت دفئها، وجعلتنا نحن إليها..أكثر.

تقديري..،

بوكآ
11-04-2009, 01:21 PM
نص من كاتب متمكن ، وصدق من مدحه ، فقط هناك سرعة في العرض، لم تكن تلك السرعة التي تفسد النص بل التي أشعر بأنها قللت من روعته

وبرغم توقع النهاية والحبكة المعروفة مسبقاً إلا أن الكاتب تمكن من جذب القارئ بأسلوب كتابته

الحبكة عادية والأسلوب مبدع وهذا الأخير هو ما سيبقى مع الكاتب في قادم نصوصه

علي عكور
13-04-2009, 12:44 AM
عقل خاص :تحية خاصة , تليق بك .
شكرًا عزيزي .

ساري العتيبي :المُرهفُ حد الجنون .
شكرًا يا صديقي .

محمد العرفي :مجيئك كالنسمة الباردة .
هادئة , و تسمو بأحاسيسك .
أوافقك كثيرًا . ثم شكرا لك .

بوكآ :مرحبًا بكَ .
يسعدني أنْ يروقك النص على تواضعه .
شكرا لك أيها الجميل .

بانة
15-04-2009, 09:39 AM
نقلتني لاحيا في القرية التي ما عرفتها ..

هي هكذا بخيالنا دائما رمزٌ للنقاء والطهر والبراءة ... وتلك المدينة المتوحشة بشخوصها الاشرار تنال عضتها دائما من اولئك القادمين من القرية وترغمهم على أن يصبحوا مثلها مصاصين للدماء !!

سلمت

Abeer
18-04-2009, 01:10 PM
جميل ومؤثر !

.

عائدَة
25-04-2009, 03:01 AM
مساءُ/صباح الخير . عليّ .
أردتُ فقط أن أشكركَ لأنَّكَ تكتب. أنتَ متفوقٌ بلغتك جداً .
وأحبّ أن أقرأ لك . لأنّكَ تقحِمُ القارئ في أجواءِ النصِّ فعلاً.

كن بخير يا طيب .

علي عكور
26-04-2009, 11:09 AM
بانة :
يؤسفني أنْ أنقلك إلى القرية .
القرية لم تعُد القَريَة . إنها مسْخٌ بالغُ القبْحِ عنِ المدينة .
أو هيَ نسخَة مشوّهة من المدينة .
شكرًا لكِ يا بانة .

عبير :
شكرًا لكِ أيتها الطيّبة .

عائدة :
أنتِ تشْكرينني لأنني أكتب .
و هناكَ منْ يودّ قطعَ يدي لأنني أيضًا أكتب !!
ثمّ إنّ كسبَ قارئة حَصيفة مثلك يعد إنجازًا بالنسبة لي .
و لأجله أعتبرني أنجزتُ شيئا مهمًّا .
شكرًا لكِ أنكِ تمنحينَ نصوصي المتواضعة شيئا من وقتك .
أقدّر لكِ هذا . شكرًا لكِ أيتها الباذخَةُ حرفًا و روحًا .

غدير الحربي
04-05-2009, 12:22 PM
يال البؤس ! .. أعرفه يا علي .
وأعرف معنى الغربة , ومعنى نحت المدن لأهل القرى , وسحق الغربة وهي تعيث تدميرا ً وفسادا ً بالقلوب البيضاء .
ولا يدرك هذا النقاء الذي نعنيه وتأكله المدينة , إلا من قصقصت ملابسه القروية وقلبه : مقصات المدينة ؛ بدعوى التحضر ! .
إلى مشاهد رائعة أيها المشهدي الجميل .