PDA

View Full Version : هذيان الموقد



جبار قاسم
19-07-2009, 04:16 AM
"هذيان الموقد"
الحياة وردة صناعية منزوية في الصقيع والدخان ، لكن بنفسجتي مغلفة برماد الكلمات المحترقة، حملتها الريح بعيدا نحو الهاوية ، تفوح منها ذكريات معتقة بنكهة الأهوار وليالي البصرة, تصاحبها الأهازيج وزغاريد النخيل المشتاق لهدوء العراق ولأمجاد بابل. يغلفني دخان سكائري الكثيف بتساؤلاتي العابثة , وأنا أصحو على أمالي القلقة الممزوجة بطموحات عريضة ترافقها أحلام اليقظة ، وهي تأخذ الغرفة جيئة وذهابا. يقطع حديث خيالي بائع الغاز، أنظر إليه من خلال النافذة الضيقة وأرى العراق بملابسه الرثة يدق ناقوس مجده الذي انطفأ وعيناه تسرقان ضوء الشمس. انشغلت عنه بضوضاء عقلي ورنينِ الهاتف.
عندما يصل صوتك النائي البعيد إلى مرافئ قلبي الشاحبة والمتشحة بالضباب، تتراقص بألوان الكلمات وهي تمزق صمت المسافات، فأدنو إليك خجلا ملتصقا بسماعة الهاتف لأتبع أنفاسك السابحة في سيول الكلمات الحزينة المودعة، وأنا مختبئ خلف صمتي، خلف سماعة الهاتف المنهمرة في الحنين والدموع، مطرقا بجوارحي لأسمع عتاب الكلمات التي تخاطب سكوني المشتاق إلى ضحكاتك البريئة التي أخرسها تتطاولي على معبد عشقي وغرامي، متابعا أنفاسك كضوء يخبو أمام ظلام روحي الذي يطوف كفراش حولك.
لقد أغلقت سماعة الهاتف وتركتني أسير حيرتي وصمتي عائدا إلى تأملاتي هي لا تريد لي سفراً إلى بوابات الزمن الجرداء. لماذا أبقى وحيدا في المسيرة؟ نحن في بلد ليس لأهله! حتى الأرصفة تشتاق إلى العابرين عليها ، كثيرة الأوراق التي تحمل همومنا ونلقيها على الرف كذكرياتنا التي مازلنا فيها بشخوصها بألمها، كل لحظة هنا حزن يتبعه حزن من يحمل البصرة معي إلى الأمان يحملها بعيدا بشطها والنخيل والمراكب وأحلامنا والأماني ، حياتي كأوراق مهملة في سلة الحياة القابعة في عصور التمرد ، أحمل وسادتي ومسبحة وأورادي إلى سطح الدار وفي يدي ورقي وبضع كلمات هي حياتي وكل الذكريات عن كل شيء لم أكتبه ولم يصالحني قلمي في نطقه ، عندما تكون وحيدا مبتلا في مستنقع الندم تحاصرك الزوايا ، يزاحمني الحائط خاصرتي رئتي … مختنقا بضجيج الأسلاك الشائكة. لكن صوتك يطفو فوق الضجيج واسمك يعلو صفحات عقلي…بعت البيت والطباشير لم يبق سوى سبورة مكتوب في أعلاها ملاحظة ، في وحدتي أصاب بالهذيان يقاسمني الورق كآبتي ومازلت مستمرا في الثرثرة ساقطا نحو النجوم أراقب شهابا مضى بدون اتجاه .
أوراقي .. سكائري .. أكواب الشاي ينتظرون بكل دعاء قلمي الخجول في مصارحة الكلمات هي لا تعطي نفسها شهية تلك الكلمات كمعلمتي ولذيذة عندما تتحدث عن الطقس والتضاريس وعوامل التعرية ، خجولة الكلمات عندما تراني أترنح تقترب نحوي ، رويدا رويدا ، تتحسس وجعي…حزني ، تمطرني حنينا وبكاء لجسد البصرة المتآكل وهو يفوح بالحناء ، كلمات بنكهة الطين وعطر الماء ، تلتف حولي كالنوارس وهي تراقص أصوات البحارة ، يداي تمسكان ضفيرة حلم مقدس ، صورة عتيقة تشاركني هذياني ، أستيقظ وهي غافية مبعثرة تعانق شفتاي مودعة ، بالرحيل… تاركة عراقيا مصغي لصوت انفجار، تنسل خلسة مخلفة محبرة من ذكريات تزحف، نحو الأوراق ترسمها ، تصبغها بأنفاسي الضاحكة ، برذاذ الماء النازل من كف ليلى، وأنا ألقي برأسي في أحضانها يالله، كيف لي إن أفارق هذا الوجه السابح، تحت أمواج الشعر كالشلال …يالنقائها وعذوبتها وصفاء ضحكتها، وهي تمزق قلقي المنطوي بيديه ورجليه. لأفتح عيني على ثغر العراق، يوقظني الندى المنساب من عينيها وأنا في حجرها ليداعب رموش خيالي هل يفارقني النخل وهذا النهر؟
بين سطور حياتي… أوقفتني خطوات أمي وأنا أفتش عنها، لقد أقلعت من مطارات أمي وفي حقائبي أخفيت ظلي فوق راسي ظل من دعاء، خبأته في حقيبتي وفارقت ظلي ، أترنح بلا ظل أو رداء… تسيل طموحات أبي على صدري ، فتصبغني رداء كئيبا يشبهني مصلوباً على ظل الماء… هل ما زلت أهذي؟
المساء، كلمات مقفلة شاحبة ، يفتح سرها الصباح، وليلى مفتاح لكل مساءاتي، أراها في كل الأشياء، عند كل هذيان نحتسي الصبر عن الموقد ، يقص علينا كيف كنا نسبح في عين الشمس، وحكايات الأهل وبكاء بغداد، وهجرة السندباد دون عودة ، تاركا إلف ليلة وليلة، متخفيا من جيش المغول، لأنهم ملؤوا دجلة بحبر أجسادنا، في بلادي الشمس ما عادت تشع ضياء، لا أرغب بحلم يداعب وسادتي ويذهب دون عناء ، دون إن يطرق نوافذ ليلى أو يعيد براءتها لتضحك، بوجه الشمس لتملئ عرسي سلال ضوء أنثره على الأرصفة التي شاركتني حديثي باحترام ، وهي مصغية لهذياني، هاجرت فيها محملا بذنوب المرايا، فلقد ضاجعت المرايا وهي تلطخ شرفتنا بالزفاف، أراها نخلة لا تفارق الرافدين، جذورها موغلة في جراحي ... فهل لي من بقاء، أحملها إلى العراق تسبقني إلى منفاي ، وعيناها تلاحقان شهابا مضى باتجاه الخليج.
في ليلك توقظين النخل وأنت تقرئين أسمائنا المجروحة في ضلوع النخيل وتوقظينها بدموعك التي مرت بجراح النخل لتعلن عن كتابة اسمين – جرحين من جديد. تراقبك النجوم وهي ترق لحزنك تاركة قمرها عندك، وليلتي الأولى ارتب قصاصات أوراقي المسفوح حزنا سرمديا بحزن الرافدين وجرحه شوقا لامرأة هي وطني. أتذكرين؟ كنت أتسولك سيدتي مرتديا حبا عتيقاً، حتى استيقظت فيك وسرقت من عينيك ليلي ، أنثر روحي لمن يعطيني عطرا يشبه عطرك ، أاسير في شوارع البلد الشقيق ، تخترقني أضواء المركبات الأنيقة ، لم أجد ظلا يشبه ظلي ، أعود محطما كعادتي ، يشاركني الرصيف حديثي، وتنتظرني صالة الفندق الغافية ، المال والاحتلال ، عدويين يقبعان على صدري ، ويحرمني وطني، ويبدءا هذياني ...
حتى الأرصفة أراها حاقدة ، لا تشبه أرصفتي الحافية ، وأنا أتسابق معها كل شتاء،غريبة حدائقهم باهتة مخيفة رغم الأضواء، أراها كئيبة قاحلة جرداء، تقودني خطاي إلى هاتفي، أضغط أرقامه بقلبي ورجفة تعتريني حتى الأصابع ، ليسقط كل العالم من حولي وليتدحرج قلمي كجثة هامدة ، في ساحة ورقي المتعب وأنا أتحسس صوتها بقلبي باشتياقي لتحملني معها مع كل حرف بأنفاسها المنهكة ، إلى موطن عشقي وصباي ، أسمع صوتها يتحسسني يداعبني يطمئن علي ، يلمس كل خلية في جسدي ، خدر يتسرب من سماعة الهاتف ليملئني احساسا لا اعرفه يشبه هذياني. إحساسا حلو في الفناء فيها ، يذوبني صوتها وأنفاسها، المتسارعة كدقات قلبي عند رؤياها.
قالت: حبيبي كيف أنت بدوني؟ هل تطاوعك الكلمات؟أم مازالت متمردة مثلي ؟ هل وجدت عمل لها في الجريدة؟
-يا حبيبتي كيف تتقبلها صحف اليوم وهي لا تكف عن الصفير !. كل الصحف طائفية ... حزبية... تلوغ في دمائنا ، وشرطي العالم يسرق الأمان. يسرق مستقبلنا ...أطفالنا...أحلامنا ، يسرق البسمة وضوء مشعلنا، ويحكم علينا بلا عودة .
: وهل تتركني حبيبي ممزقة إلى أشبار أمتار؟ أسيرة البيادق، يتجنبني الطريق، وأنت تلهو بالمحار والأصداف؟ وعدتني في حدائق الروح ، وأنت تقطف قلبي قنديل صلاة أبدية ، بأن الخلود شيء محال إلا لك سيدتي بخلودك ، تبدأ الحياة ، وعدتني ستنثر الرياح لتنزع الخليج ويكون معبرا لك لتحلق عند عيون الفرات ويكون معبدنا عند الضفتين بعيدا عن خط الانفجار. لماذا تناسيت إن المريخ لن يوقف نحسه ولن يكف عن الحداد زحل، هو يعانق أساطير الأولين وتمنيت إن يفقد أسطورته الأولى! ألا تعلم بإن سومر تسبح في ضوضاء وأن تموز لن يعود إلا بحياتي؟ إلا تكفي تلك القرابين وهي تطوف بأرواحها حول القباب كم من الضحايا تكفي لرجوع العراق من العالم السفلي وطرد كل الخنازير البرية. من وارث هذا الالم؟
- يا حبيبتي صلبوا قامتي على الانحناء حتى قصيدتي قصدها الانحناء لأنها ورثت كنزا من الفجيعة.
: اسمع، اعلم إن السيف منحني و لا يقصد الانحناء.
-أنت لا تعلمين بأن الشاعر يولد مرتين، الثانية في القصيدة، وإن كلماتي تتحرش بالرصاص.
: ألم تورق كلماتك صحراء الجرائد ؟ ألم تكن الجرائد كثبان رملية فأمطرتها الكلمات حرية وشهداء وسنابل من دماء؟ هل يكون النخل عراقيا إذا ولد في غير مكان؟ لماذا برؤياه تصيح عراق؟ لماذا النخل يعني العراق؟
-إن حنيني جسرٌ يمتد من فندقي هذا إلى حجرة أمي .
: يا حبيبي لن تجد موقدا تعرج فيه لمحراب صفائك وستبقى تائه في مدن الضياع . ممزق الإرادة محنطا في الرماد. أستحلفك بطمع القادمين إن تبذر غربتك وتبيعها في سوق السلاح لتشتري أمانا لبضع ساعات حتى استقبلك عند كل الكتل الكونكريتية.
-لكنها اهون علي من ان اكون صحراء لا تحفظ الوجوه. ولا اكترث بسراب يلهث خلفي ، ولا أكترث بنهر روضني وروضه الاخرون ، يفتق شراييني يمزقني ضفتين ، كل ليلة أرى الفردوس لكني أنهض مرعوبا ،لأني رأيت قدري معي ، مغتربا في وطني ، وأن أرى المنابر غارقة في الضحك ، وصمتنا يولد دون صراخ ، وأن نمجد الكفر بآيات الرب، كم تؤلمني غربة الروح ، يتشظى قلبي كل انفجار، وصوت اليتامى مرتفعا ممتزجا بكل أحزان الأرض.
: حسنا لديك الاختيار بان تبقى معلقا بأطراف الكلماتِ مصلوباً فيها بكل منفى دون اختزال لبقايا عمرك. أو أن نهذي معا ، لنا نوقظ موقدنا ، أو أن ناتي منه مشاعل وحكايات نلقيها تمائم وقلائد في أعناق الأحفاد... عن الأقزام الذين أطلقوا سراح الليل، وكيف زحف الإسمنت على العقول ولم يوقفهم سوى عمود النور الاخير. حتى يشيخ الانتظار متكأ على صبرنا في آخرتعويذة للبؤس ، ونكون الغصن الوحيد الذي لم يتقوس أمام السيف وهو يقسمنا إلى فجيعتين ليلفظ أنفاسه الاخيرة ، في أحضان الموقد.

خولة
25-07-2009, 02:14 AM
جبار قاسم ..

هذا نص مترف الوجع .. والجمال ..
يستحق قراءات أخرى .. بقدر حروفه..
شكرا لما نثرت هنا ..
اشعر ان قليلا ما قُلت .. بحقه..
لكن ..
امتصتني حروفك ..
فما بقي مني..
الا ..
شكرا

أنستازيا
25-07-2009, 11:59 AM
جبار قاسم :rose:

ما جاء هنا وارف الحرف ، باذخ الوجع ..
يحتاج المرور أكثر من مرة لاستيعاب ضرباته المُبرحة ..

اعتقلتنى هذه اعجابا:
لقد أقلعت من مطارات أمي وفي حقائبي أخفيت ظلي
فوق راسي ظل من دعاء
خبأته في حقيبتي وفارقت ظلي
أترنح بلا ظل أو رداء… تسيل طموحات أبي على صدري
فتصبغني رداء كئيبا يشبهني
مصلوب على ظل الماء… هل ما زلت أهذي؟


سلم يراعك ..

جبار قاسم
03-08-2009, 06:57 PM
شكرا لمروركم

لملمي اصدافك وامضي
وتلك القصور غدأ سيأتيها البحر

جبار قاسم
09-08-2009, 04:37 PM
ليلك انستازيا
في قمه هذياني
نسيت ان بابنا المرقع بالاحذية العسكريه ومؤخرات البنادق ظل ينزف من شدة الالم
ذهبت وتركت ردي بلا اسماء عذرأ
وشكرأ لكما

عائدَة
08-09-2009, 02:09 AM
حزينٌ كما لو أنَّ للرّوحِ رُفاتٌ حقاً ، جسدٌ مظلومٌ دُقَّ و وُئدْ ..
جبَّارْ ، شُكراً .

أسما
08-09-2009, 06:07 AM
الاحلام والآمال لم نعد نكترث لها ربما لأننا ممنوعون منها، وربما لأن القدر استطاع أخيراً أن يثبت لنا أنها مستحيلة
والآن لم يبقى أمامنا سوى حفنة من الذكريات نبعثرها كل ليلة ،نجعل منها خليلة تؤنس سهرنا اللامنتهي وما أن تبدأ خيوط الشمس بالتسلل لعتمة أرواحنا حتى نبدأ بجمعها ذرة فذرة نخبئها بين حطامنا فتجلس بصمت وتحلم بليلة بعثرة أخرى...........
تحيتي لإحساسك العالي

جبار قاسم
09-09-2009, 12:57 AM
عائده
لو كان لي اماناً في الارض
مأختبئت خلف ظلي
ولولا هذا الوحي الذي يعتريني
لعشت طويلا بوجه مستعار
وأتخذت من الحفر بيتاً وقبر
شكراً لمرورك العطر

جبار قاسم
09-09-2009, 01:25 AM
اسماء
الاحلام نوفذ مفتوحه لابد ان تغطيها ستائر النسيان وتمحو الوانها عربات الزمان
فلا يبقى سوئ ضوء من بقايا الروح
نحمله في مواكب الاحزان
شكراً لمرورك الطيب

سعفان
09-09-2009, 02:42 AM
جمال وألم لا يخطئه القلب.

قد دوى صدى صمتك حتى " تبرجلنا"

جميل يا بو قاسم.

جبار قاسم
09-09-2009, 03:38 AM
سعفان
الصمت لغة اجهلها
لقد سمعت بانهم استوردوا مقابر جد حديثه تتسع للجميع
فلا تزاحموني على قبري
شكرأ لك ياجميل
دمت بود

رادوبيس
27-09-2009, 09:38 PM
جبار قاسم ..

حاصرتني كلماتك الموجعه هذا المساء .. أخذتني بعيداً للبصرة !

كُن بخير