PDA

View Full Version : مُمَزّق



رُبَمَا
29-07-2009, 05:58 AM
ثلاثةٌ وعشرونَ عامًا، زمنٌ طويلٌ يقضيهِ الإنسان من عُمُره دون أن يفهم نفسه، أو يدرك ما سيجنيه إثر البيئة التي يعيش فيها والناس التي تحيطُ به ولكن ليس من أجله، إنما هي في غفلةٍ منه.
يشعر بعد هذه الثلاثة والعشرون عامًا أنه لم يكن شيئًا، وأنه كان من اليسر خداعُه، فارتأت له صور له التقطها صديق ما، وكان يرى فيها ذلك الجفنين الباسمين اللذين لا ينمان إلا عن سذاجةٍ تامّة.
فتذكر تلك العبارة التي: من السهل أكل كتفه. فيعتقد أنها ما ابتُدعت إلا من وجوده هو وأمثاله. فتسائل: هل يألمُ أمثاله كما يألم هو لِمَا خُلِقَ عليه من حُمق.
فتذكر ما قال جبران أن الذي لا يعرف سبب كآبته هو أشد الناس كآبةً. فوجد في نفسه الشجاعة ليعارض ما يقول به جبران؛ إذ يعتقد هو أن أشد الناس كآبة هو الذي يعرف سبب كآبته، خاصةً ذاك الذي ليس بمُستطاعِهِ أن يفعل شيئًا تِجاهَ ما يُكئبُه.
فاعترضته فكرةٌ تقول أن بإمكانه تغيير ما هو عليه، فخطر له مُؤلفّوا كتب تطوير الذات، أولئك الذين يظن أنهم ساذجين وكذابين إذ يُوهمون الناس بالقدرة والفأل، والحياة إنما لا تزيدُ سوى شراسةً ووحشيّةً، فتسائلَ من الذي ازداد وحشيّةً، الحياة أم الناس، فأدرك أن الحياة كلمة تدل في الأخير على الناس وتشير إليهم.
فقال لو أنني ولدت في زمن غير هذا، أوَيكون ذلك أفضل لي. طال به الأمر مفكّرًا. فعادَ إلى أنه ستكون حاله كما هي عليه، ما اختلافَ أبدًا، لأن الأمر عائدٌ إليه في حل مشكلته ولن يمد أحدٌ العونَ له، فالناس كما يجدُ في نفسه أصبحت كالأطفال، فقط يدورون حول ذاوتهم أو أن الناس كلها أطفال منذ أن أنزلها الله من الجنة، فهي دائمًا تبحث عن ذاتها وتتطلّع إليها. وهو شخص لا يقومُ بذاته كما يعتقد، وكم تمنّى أن لو خلقه الله بروحين في جسدٍ واحد، لعل أن تكون حاله أفضل، وضعفه أقل.
تطرّقت به الكآبة إلى أن يجرّبَ لعبةَ الانتحار، ولكنه لم يكن من الشجاعة سوى أن تمنى الموت!
وهو يزمعُ الخُلُوَّ بذاته أبدًا حتى يجدَ حلًّا لمشكلته العُضال، ويؤمنُ أن الزمن سيطولُ به، وأنه سينتهي إلى ما كان عليه، فيتمنى أنه لو لم يكن أبويه أبواه، لأنه سوف يضع اللومَ عليهما فيما هو عليه، لأنه اكتشفَ مؤخّرًا أن الوالدين لهم الدور الأعظم والأول في تشكيل شخصيّة الإنسان، وهم وجيناتهم المسئولان عمّا سيئول إليه.
فأحبّ فكرةَ أن توضع على شاهِدِه عبارةُ المعرّي مع قليلٍ من التصرُّف: هذا ما جناه والداي عليّ!
فتذكّر أن مقابرهم لا تحتفظُ بشواهدَ، والناسُ في بيئته مُتحنّطون، فتمنّى أن يتغيّر فيهم هذا، فقط ليجمّلوا المقابرَ حتى يزورَهُ أحدُهُم يومًا ما، ويعزّيه على ما حيا من حياة. فتسائلَ هل ستُحَقَّقُ أمنيته هذه، فأرجأ الظن بالعدم.
كان لديه حبيبة اصطنعها من خياله، حتى هي لم تعد موجودةً، فتسائلَ عن الأمر، أين هي، لقد كانت مُتكّأه الذي يتوكّأ عليه.
فخطر على بالِه ما طرأ على اعتقاداته من تغيّر وحَيْرةٍ وشك، إذ يعتقدُ الآن أنه نشأ باعتقاداتٍ بالية، فسمعَ وهو يفكّر بذلك؛ صوت مُؤذّنِ الفجرِ الذي غفا قبل أن ينتهي من الأذان، والذي جعله يشمئُّز أن المؤذن غفا قبل قوله: الصلاة خيرٌ من النوم!
فحارَ بأمره، يا تُرى ماذا يصنع: يبكي أم يضحك. ولم يبكِ أو يضحك، إنما ارتسمت على وجهه مشاعرُ خالية من أي معنى، وتخيّل وجهَهُ إذ ذلك، فتنهّدَ طويلًا من الضيقِ الذي يُلِّمُ به.
فتسائل عن الصلاة، فقام فيه مُحاربٌ مغوار، ينهاهُ غِلظةً عن الحوارِ مع نفسه في هذا الأمر، لأنه يجب عليه التوقّف، فالأمر مُسلَّمٌ به تمامًا وبحقِّه، تمامًا كما مثلَ حقِّ ولادته ذكرًا، على الرغم من شكِّه أحيانًا أنه أنثى صُبَّت في جسمِ ذكر!
ولكن تذكّر أن الأنثى أقوى من الذكر، لذا انتهى بالاعتقادِ أنه مزيجٌ من الاثنين، ذكرٌ وأنثى، مع طُغيانٍ يسير من الذكوريّة لا أكثر، فضحكَ بصوتٍ عالْ، لقد تذكّر قومَه الذين يئدُونَ الأنثى حتى يكادُون يرون أن امتيازهم بالذكورة نعمة، وكيف هي الحال في وطنه، وفي الأيديُولوجيّاتِ التي يعيشُون.
لقد بدأ أصحابه الذين ما عاد يدري إن كانوا هم أصحابٌ حقًّا أم من صنع تخيّله، يبتعدون عنه؛ لأنه ما عادَ كالسابق، يجرُّ نفسه وراء التقديس المُعتاد، والنفحِ عن، والغضبِ لـِ، والفخرِ بـِ، والاعتقاد بالامتياز المُستحق للكونِ فقط مسلمًا، على الرغم من الابتعاد الكامل عمّا يُثبت ذلك، فأدركَ أن اللهَ أرحم الراحمين، إذ تكفي الشهادةُ النجاةُ من عذاب الجحيم، إذ قالَ النبي عن ابن اليهوديّ: الحمدُ لله الذي أنقذه من النار.
فعادَ به التفكيرُ في نفسهِ أكثر، وهو يزمع الآن في الكفِّ عن الكلام، فقط سيظلُّ مُستمعًا حتى يأتيه الموتُ بغتةً، فهو دائمًا ما يندمُ بعد تحدثه أن تحدّث.

لست من اهله
29-07-2009, 03:06 PM
كن على هدى وامض نحو الأفضل...

لاتتمزق فالأمر أقل من ذلك بكثير,,

|||لست من اهله|||

صدى ظله
29-07-2009, 03:22 PM
حاول أن تبحث عن أي مخرج. .

حتى ولو "شطرطون".

رُبَمَا
30-07-2009, 02:18 AM
لست من أهلِه

شُكرًا لنُصحِكَ، واكتراثِك.


صدى ظلّه

سأتّبعُ نصيحَتَك، سأبحثُ عن مخرج
وقد أقنتعُ بالشطرطون! فشُكرًا لك

غيد
02-08-2009, 01:42 AM
حاول .. !!!

رُغمَ أننا كـُلنا مثلُ " هكذا "

ممزقون ومَن أفتى بغير ذلك .. !!

فهو يُحاول مجاملة ذاته , أو نحوه ,

ربما ....!!!!!!
كنتُ قريبة مِن حيثما ومثلما !:cd:

بود :rose:

غيـد

رُبَمَا
03-08-2009, 02:54 AM
لابد أن نُجاملَ ذواتنا يا غيد. _______ألا تعتقدينَ ذلك؟
وأهلًا بك

غيد
05-08-2009, 07:34 AM
لابد أن نُجاملَ ذواتنا يا غيد. _______ألا تعتقدينَ ذلك؟
وأهلًا بك
قـدْ .......:cd:

ربما ... يحدث قليلاً " وجِداً "

ربما ...!!!
وبِكَ أيضا :rose:

غيـد

جَمْرَة..!~
11-08-2009, 01:06 AM
هي العادة فقط..
من تجعلنا نعرف نُسيّر أفكارنا..
جميعنا لدينا طريقان أحدهما مؤسف والآخر لا بأس به..
لكن نظرتنا التي تقبع على أي الطرق هي الأساس..
إن أعتدنا على إجتياز كل ماسقط منا..وَ لو بالقليل..
حينها فقط سنعرف كيف ننظر للجانب المعقول.!

ربما..
ولربما تغير الحال بعد حين..
هذا ما أعيش لأجله..
كن بخير ..:rose:

shahrazed
11-08-2009, 11:07 AM
الأمر لا يستحق كل هذا ..
حاول أن تلملم شظاياك الممزقة لتواصل ثلاثة و عشرين سنة أخرى
أطيب المنى

بياع كلام
11-08-2009, 11:11 AM
كلما ازددت علما .. كلما ازددت حزنا ..

احيانا يكون الوعي هو سبب الحزن وخاصة اذا كان الوعي مرتبط بقيم شريفة .. وليس الاستغلال ..

خيل وليل وبحر
11-08-2009, 03:41 PM
ممكن ... :2_12:

قس بن ساعدة
11-08-2009, 07:12 PM
يا صديقي لا تحزن
المكان هنا يعج بالممزقين
كلنا كذلك
ابتسم
تحياتي

الأمير نزار
12-08-2009, 03:39 PM
إذن فأنت عضو جديد في الكوكبة....
ونستمر .......
الأمير نزار

عرق طاهر
16-08-2009, 10:03 PM
رائعه

شكرا لك ربما

ساخر ربما
17-08-2009, 07:01 PM
يا صديقي الـ ربما ،،
أهلا بك صديقا جديدا في الساخر وقديما في الألم أو التمزق كما حلا لك أن تسميه ،،
في كل مرة أزعم أن لدي مزقا خاصا بي وجرح قد قطع بزاوية لم أعلم من ذاقها قبلي كذلك يلوح لي من مكان جديد شخص انزوى بتلك الزاوية مبددا حداثة النزف ،،
سنونك الـ 23 تلك - ربما - كانت غير كافية لتؤدي الغغرض كما لم تفعل سنوني الـ 25 بحثا عن ذات الفهم ،،
نعم يا صديقي ربما يلوح له بوسوسة من نفسه التي ما تصالح معها يوما أن يصمت حتى يأتيه الموت أو أن يندم على أن باح بما اكن يبخل بالبوح به استخفافا بمن حوله - ربما - أو خوفا مما يخيفه منها - ربما أيضا - ....
تأملت ما لديّ من أشياء في أشيائي الداخلية وسألتها إن كان هذا ما نحن - انا وهم - فيه أم أن هذا مقال من غيرنا جرى على ما جرينا عليه ..
لست أدري هل أشكرك أم ألومك أم حتى أمارس دور الواعظ الحكيم الذي سيموت من ذات المرض الذي تعاني منه متملقا لك بأنه يملك دواءً - لا تستمع لي فلو أنني وجدت شيئا من ذلك لعالجت به نفسي - ......

مُرررة
18-08-2009, 03:34 AM
رُبَمَا ..
إن هناك أوراقاً في حياتنا مزقناها بأيدينا بعد أن خطتها أقلامنا ورسمنا فيها صوراً وقربناها إلينا
ربما شغلت بالنا وأفكارنا ..
لكن .. إن كل مايدور في أذهاننا ومايتعل صدورنا ليس بالضرورة أشياء يمكننا احتوائها لعلنا لم نستطع مجاراتها بالعطاء والمشاركة ولم نزل ذاك الرماد في حروفها
فعشنا في ظلال الطفولة ندون هواجسها لتصبح ذكرى ومسلمات لافرار منها طريقها طريق فناء ..
فناء يؤدي الى الموت .. وفناء يؤدي الى الحياة ..
......
ثم إنه سلامي لك ..

تشي
20-08-2009, 10:16 PM
:peace:
ديكارت ع الخفيف

هادئه
23-08-2009, 06:03 AM
(فهو دائمًا ما يندمُ بعد تحدثه أن تحدّث. )

متى عندما لا ينفع الندم؟!

افضل دائما ان ابقى صامته واحتفظ بالكلمات لنفسي

فلو خرجت تلك الكلمات لم تعد ملكي بل ملك للاخريين

صحيح يوجد من المواقف مايجعلنا نخرج عن السيطره على انفعالاتنا

وهروب تلك الكلمات المتاججه في صدورنا

لتكون في الغالب ضدنا رغم انها كانت في لحظه هدوئنا عونا لنا لا معينا علينا

في هذه الحاله افضل بكثير ان اتمزق الى ان اتلاشئ ولا ان يمزقني الاخريين.

شكرا على ماكتبت

الحـ روح ـياة
29-08-2009, 05:06 PM
كلمات جميلة...
ونهاية أردت أن تكون كذلك !!

همسة: أن تتكلم عنه أشد تأثيرًا من أن تنقل كلامه !

دام للقلم مداده

رُبَمَا
01-09-2009, 04:56 AM
جمرة
مُمتنّ لما كتبتِ وما شاركتِ به إيّاي
أهلًا بك


شهرزاد
هنا المُشكلة يا شهرزاد.. إننا أحيانًا نشعُرُ أنَّ ما يُصيبَ الآخرين من تحوّلات وتقلّصات عاطفيّة أو فكريّة إنما هو أمرٌ عادي، لكنّ الأمرَ ليس كذلك أبدًا، خاصَّةً في مسألةِ الفِكْر، فأن تبدأ في الاختيار والتهادي، هذا أمرٌ شاق، والآراءُ في الساحةِ كثيرةٌ جدّاً فتعجزُ بذلكَ عن إيجادِ ضالَّتِكَ التي تنشُد، وهذا -يسطُلُكَ- إلى حدٍّ ما أو تمامًا ..
شُكرًا لك ِلطيبِ ما تمنيَّتِ به لي


بيّاع كلام
جميل. فأنتَ لم تصف دواءً ولم تُحاولَ أن تعالجَ جُرحًا، إنما أتيتَ تدعمُ برأيٍ، هذا حقّاً أسعدني، ورسمَ الابتسامةَ على شفتيّ، :)


خيل وليل وبحر
كلُّ شيءٍ مُمكِنٌ، وآخرُ الممكناتِ التي كنتُ أظنُّها ستحدُثُ.. أن أتمزّقَ!


قس بن ساعدة
ارتحتُ قليلًا بما كتبتَ يا قس..
وتحيّةٌ لك أبُثُّها طاهرةً


الأمير نزار
لا أدري بما أجيبُك


عرق طاهر
وشُكرًا كذلك لك


ساخر ربما
ردُّك أعجبني. وأجدُ قولي هذا كافٍ.
*بالمُناسبة؛ الناسُ رزقٌ، وأنتَ أحدُ الذينَ رُزقتُهُم، أو إن شاءَ الله ..


مُرة
وسلامي لك
شُكرًا لما كتبت


تشي
الحقيقة لا أملُكُ نَفَسًا للمُشكاسة يا تشي، فدعكَ منّي فأنا طيّب ..:)
وأمّا كَوْنيَ ذا شَبَهٍ بفلسفةِ ديكارت؛ فذلكَ أمرٌ عليّ جديد، فما أحسبُني إلّا إنسانًا يكتُبُ ويتخبَّطُ في السُّطُورِ حتى لإنني أؤمنُ أنني أصيبُ البعضَ بالدُّوارِ حينَ يقرأ لي!
حيّاك الله


هادئة
وشُكرًا لكِ لما أضفتِ يا هادئة


روح الحياة
ودامَ للرُّوحِ زهرُها
مُمتنٌّ