PDA

View Full Version : ذاكرة في مهب الريح



ضيف الله
14-08-2009, 01:14 PM
ذاكرة في مهب الريح


تعبرني نسائمك، فينساب في داخلي ماءٌ زمزميّ الرائحة، فأبدأ في العدو على رمل ذاكرتي حينما كنا أنا وأنت والعراء، كطفلين غار منهما الفراش، لم تكن حينها الدنيا في أعيننا سوى لعبة رمل، ولم يكن يعنينا ما يحدث في هذا العالم، طفلين يجمعهما الرمل، نصنع بيوتا، ونجمع أعواد الثقاب لنغرسها بالحلم ذاته ، فأقول لك :
هذه عساكري ، ذات الرؤوس الحمراء. سأجمعها في باحة قصرك الرمليّ، ليوفروا لك الحماية في غيابي!
تضحكين، ثم تخطفين عساكري من يدي وتهربين، لتقولي: لا أحد يحرسني غيرك.
أركب حصاني القصبي وأطاردك عبر زقاق الحيّ ، ذاك الحصان المطهم الذي كثيرا ما كنتِ تنعتينه *بعود باخوالي* ، أصهل داخلي اليوم، وأنا على مشارف الأربعين، أبحث عنك فلا أجد سوى الريح محملا بحبات الرمل، أخطو في فراغ روحي، أتتبع بعيناي سقوف المنازل التي كانت طينا جميلا برائحة البساطة التي اختلطت بأجساد المتعبين الذين كانوا يتجمعون في مواسم التويزة، كيما يبنوا بيتا جديدا لعروسين جديدين من الحي ، كنت أنا وأنت نقف شادين قلبينا من الخجل، هل كنا نذكر حينها أن هذا البيت يشبه بيتنا الذي بنيناه على جانب الساقية ونحن نغني أهزوجة الفرح ؟
كنت لحظتها تتفننين في بناء بيتنا بطين الساقية، حينما كنت أنا أكتفي بإحضار عيدان العريش اليابسة، لنبني منها سقفا لنا، ها هو اليوم طين الساقية وكلّ الطين وحتى حطب العريش يصير مهملا و يعاب على الذين لازالوا يصرون على بقائه في بيوتهم ، ليمله الناس مستبدلينه بالاسمنت والحديد الذي صار يكبس على أنفاس المدينة.
لم تعد المدينة بحسها البسيط ذاك ولم تعودي أنت امرأة كما كنت في ذاك الزمن الجميل ، لقد استبدلوا كل شيء، كما استبدلوا قلبك، ولم تعودي تلك الطفلة التي أعرفها كما أعرف أنفاسي، ولم أعد أنا ذاك الفارس الذي كنت تحبين أن يبقى مستيقظا طول الليل ليحرسك من الغول.
كبرنا وكبر همنا ، وكبرت المدينة من حولنا وتغير الحي، لم تعد له نكهة مواسم التويزة، ولا نكهة تلك الأفراح التي اختلطت بذاك المذاق الطيني الذي امتزجت به كرياتنا الدموية، حينما كنا نتنافس في جلب أحسن نوعية منه لشيخنا في الكتاب، لنمحي به ألواحنا التي كانت تكبرنا حجما ، لحظتها لم تكن هناك فوراق، لا بين بنات الحي ولا أولاده، ولا بين كل أهل الحي.
كل الأطفال كانوا حفاة مثلي، لكنهم كانوا سعداء، يلعبون ، يتكتلون في جبهات كجيوش حقيقية ليعلنوا الحرب على أطفال الأحياء المجاورة، كنا نصنع جبهات قتال ونتنافس أيضا فيما بيننا ليتوج الفائز منا بالأميرة الجميلة، ولم تكن هناك أميرة جميلة سواك.
ولكنهم الكبار ياحبيبتي ،
فرقونا ونحن لا ندري و لا نعرف ما كانوا يفكرون به ، نهرك أبوك ودفعني حينما كشرت بساعدي الصغير في وجهه، وهو يحاول أخدك للبيت بالقوة ، كان لحظتها يراك أنثى، ويراني ذكرا، ومن غير المعقول أن يجتمع الذكر والأنثى دون أن يكون ثالثهم الشيطان. كان يراك امرأة ناضجة وأنت لا تتجاوزين السادسة من العمر، وأنا الرجل الذي عليهم أن يبعدوا كل نساء الحي عنه، كانت ذاكرتهم تخبئ عطبا ما لم نكن ندركه حينها.
أما اليوم فقد تبدل كل شيء، ها أنا أعود إلى المدينة وها هي المدينة لا تعود لي ، لم تعد المدينة نفسها التي عرفتها ولعبت بنزقي فيها ، وها أنت أيضا سراب في طريقي ، لا أحد يعرف لك مكانا، قالوا أنك تزوجت وغادرت المدينة ، وقالوا أيضا أنك أصبحت اليوم مطلقة، ولكنك لم ترغبي بالبقاء في المدينة، هاجرتِ........
لكنني وحدي الذي يعرف أنك لا زلت هناك تطلين مع ضوء القمر على تلك الساقية. هاأنذا اليوم أنام بجانب الساقية نفسها أنتظر طلتك ، كما انتظرت نسيمك ذاك اليوم الذي لا زال يعبق أنفي حتى اللحظة

أنستازيا
14-08-2009, 06:43 PM
ضيف الله :rose:

الله عليك ..
رائعة هى ذاكرتك وما تحمل من صورٍ جميلة.


ربي يحفظك

shahrazed
14-08-2009, 07:48 PM
كيف ليمكن لذاكرة كهذه أن تقف في مهب الريح .. دون أن تتشظى نسيانا .. أو تُخدش يأسها
يا لها من ذاكرة متخمة بالأمل...!

راقت لنبضي

ضيف الله
16-08-2009, 01:58 AM
ضيف الله :rose:

الله عليك ..
رائعة هى ذاكرتك وما تحمل من صورٍ جميلة.


ربي يحفظك

الله علينا كلنا
رائع أكثر حضورك في صفحتي
شكرا

ضيف الله
16-08-2009, 02:00 AM
كيف ليمكن لذاكرة كهذه أن تقف في مهب الريح .. دون أن تتشظى نسيانا .. أو تُخدش يأسها
يا لها من ذاكرة متخمة بالأمل...!

راقت لنبضي

وكيف يمكن للمهب
يمر على جذور الذاكرة
رغم العاصفة
مازلنا نقف
ومزال الأمل في الوقوف في المهب

شكرا لنبض ردك العبق