PDA

View Full Version : بداية / نهاية الأشياء .. ~



م.مَاجد بن محمد
22-08-2009, 11:13 AM
http://th04.deviantart.net/fs35/300W/f/2008/292/d/c/dc4ca504449fd71efcc30ec905a43772.jpg


يتراءى للناس بصفةٍ دائمة أن نهاية بعض الأشياء ، تعني نهاية الأحاسيس البشرية التي أستشعرناها مع تلاشي ذلك الشيء في علاقة طردية من صُنع الإحساس ( نهاية أكثر من شيء تزيد من نهاية أكثر من إحساس ) ، إذ نقوم باستهلاك الكثير من الطاقة الفكرية و العاطفية في تسيير أمورنا بكافة المجالات المُحيطة من حولنا ، و نعيش بسعادة دائمة بجوار أمرٍ أعتدنا أن نرى حياتنا بداخل إطاره ، كالسُكنى في مكانٍ مُحدد أو ود شخص مُقرب أو ما شابه ذلك من الصُور المُلازمة في حياة الإنسان .

استمرارية هذه الحياة تُعطينا انطباع قاسي بأنه لا يُوجد هنالك ما يُوقف سيرها مهما أسرفنا في استهلاك أحاسيسنا ، مهما تدفقت بنا المشاعر ، مهما بلغنا من الأسى في وصف فقدنا ، ستظل هذه الحياة قائمة ، و سيظل التاريخ سارياً في أنهار هذه الدنيا حتى يُوقفه الله من لدنه ، و نركد في بركةٍ لا يعلم مكانها إلا هو .

لنُؤمن بأن " نهاية شيئاً ما تعني بداية شيءٍ جديد " ، تلك الفلسفة التي تُغرقنا بالعديد من الأسئلة الذاتية : كيف يبدأ شيء من نهاية شيء ؟ و هل ستبقى مشاعرنا كما كانت ؟ و هل هنالك سلسلة تطويرية للمخ في الاستناد على أحاسيس قديمة ؟ و هل تصلح مشاعرنا الباهتة في بناء مشاعر جديدة ؟ و الكثير من الأسئلة التي قد تجدوا لها جواباً في هذه المقالة .

حياتنا أشبه بسلسلةٍ طويلة ، حيث تبزغ شمس حلقتها الأولى منذ ولادتنا في هذه الحياة ، و تستمر في النمو إلى الحّد الأقصى الذي قدّره الرب لطولها، قد نُواجه في هذه السلسلة فقد لإحدى المكّونات التي ساعدت على متانتها و قُوتها في الارتباط بالحلقة الأخرى مِما يُؤدي إلى كسرٍ قد يُفقدنا الرغبة الحقيقية في إكمال ما تبقى من حياتنا ، شُعورٌ مُخيف يُمسك بأيدينا لندخل في غياهب ظلام لا ينتهي ، شُعورٌ بفُقدان الشهية تجاه الأشياء ، انحباس فكري عقيم و رغبة بأن نُلقي حياتنا في اليّم لنضع حداً لها . هذا الشُعور قد يتوّلد مُنذ اللحظة الأولى من حدوث ذلك الشرخ ، و قد يتراكم الضغط الذاتي ليوّلد انفجاراً قد يكون أسوأ بكثير من شرخ أولى اللحظات .

نحتاج إلى إيمان تام بأن حياتنا لا تتكئ على أحدٍ بعينه ، هي تُشبه كوكب الأرض في هذه الناحية ، يدور حول نفسهِ دون أن يلجأ إلى شيءٍ يُساعده على الدوران ، و يطير في هذا الكون دون اللجوء إلى جناحين قد يُكسرا في يومٍ ما .

يبدو أن التشّبه بالكرة الأرضية أمرٌ مُثير إن وضعنا في الاعتبار أنه لا يُوجد شخص بإمكانه إيقاف تسلسل حياتنا طبيعياً ، لكنه من المُحتمل أن يصنع لنا ذكرى بين الفراغات التي تفصل ما بين سلسلةٍ و أخرى ، يجب أن نُؤمن بروحنا كثيراً لكي نتمكن من إعطاءها حقها في السير على طُول دربها الذي ستعيشه في هذه الدنيا ، هذه الروح لها الحق الكامل بأن تعيش في أمان بدلاً من وضعها في مستوى متدني لا يوازي بياضها ، هذه الروح لا تستحق أن تخمد بذات الطريقة التي تُخمد بها النار ، هي لا تستحق أن ينطفئ نُورها بظُلمة شيء أراد أن ينتهي أو يُنهى جبراً ، لماذا نضع أنفسنا تحت ظلالهم و هذا الكون مُنيرٌ بأكمله ؟

يُوجد هنالك عُمر افتراضي لكل شيء في هذه الحياة ، قد نتمكن من وضعه بأنفسنا و قد لا نتمكن من ذلك ، القدر وحدهُ هو القادر على معرفة العُمر الافتراضي لكل الأشياء التي تُرافقنا بسلسلة حياتنا ، لا يُوجد هنالك علاقة أو ابتسامة دائمة ، كُل الأشياء مُعّرضة لأن تختفي بأي لحظة تحت الظروف التي تُخلق بنمط حياتنا .

كُل شخص يملك سلسلته الخاصة ، و مكانها الخاص ، و سُمكها و بيئتها الخاصة ، قد لا يتمكن شخصٌ من الأشخاص بالعيش في البيئة التي يعشيها الشخص الآخر ، هذا الأمر يظل نسبياً من شخصية لأخرى ، إذ تلعب البيئة دورها الفعّال في إنشاء تلك السلسلة ليقتبس صاحبها الظروف التي ترعرع من حولها .

واستناداً على الحديث المذكور أعلاه ، تلعب العلاقة دورها الكبير في تكوين طبقة غشائية مابين سلسلة و أخرى بناءاً على الثقافة و الفِكر اللذان يتجّسدا بكلٍ منهما ، قد تكون العلاقة ما بين شخصين من ذات القبيلة أكثر عُمراً و عُمقاً من غيرها و ذلك لأن نشأتهم البيئية قد تكون على ذات السياق الذي يسمح لهم بالتفاهم بشكلٍ أسرع و بثّ رُوح الألفة فيما بينهم ، و على النقيض تماماً إن كان الأمر بين أشخاص لهم ثقافات مُختلفة ، حيث ستدخل هذه السلسلة باشتباكات عنيفة تؤدي إلى قطعها في آخر المطاف .

إن نظرنا بعُمق إلى حالات تكسير الروابط ، سنجد أنها ناتجة عن عدم وُجود توافق يُؤهل إلى صُنع أرجوحة لتتأرجح عليها علاقتنا ، ذلك التكسير عبارة عن اشتباك معقّد جداً ما بين فكرين غير متوازيين لا ينتج من خلالهما سوى العُقد النفسية و المشاكل التي لا تنتهي ، و لهذا قد يكون فصلَهما حلاً مثالياً لهما و إن صنعنا أرجوحة قديمة في بداية علاقتهما ، لكنهما سيكونا مُجبرين تماماً على إسقاطها في منظر قَد يُحزنهما كثيراً ، خُصوصاً و أنها قد أرجحتهما بأفراحٍ و أحزان كانا سوياً بها .

نحن بحاجة إلى مرحلة انتقالية جادة في الخطوة الأخيرة من نهاية كل شيء ، نهاية الطريق السريع لا يعني عدم وُجود مخارج على جوانبه و إن كانت طُرقها وعرة ، لا بأس بالسير على دربٍ وعر بحثاً عن طريقٍ قويم يقبع في الضفة الأخرى بدلاً من الجلوس و البُكاء على عتبة النهاية ، نحنُ لسنا مُجبرين على اتخاذ مقعد في المنعطف الأخير لنتغنّى على ذكرياته الجميلة ، هذه الأغنية قد تكون وضيعة بما يكفي لفتك ما تبقى من ملامحنا .

الانطلاقة الجديدة قد تكون أكثر جمالاً من الانطلاقة القديمة . تقديس اللحظات الماضية لا يُعتبر دائماً صُورة من صُور الوفاء لأصحابها ، و أخص بالذكر أولئك الذين تنازلوا عنّا قبل أن ينتهي العُمر الافتراضي فيما بيننا ، من لا يُريدنا لا نُريده ، من يُريد إنهاء شيء ، سأبادر بإنهائه قبل أن يُنهيه ، أتساءل كثيراً : كيف نُجّرع أنفسنا مرارة الفقد على أفرادٍ هم أرادوا التخلي عنّا ؟

الثقة بالنفس و معرفة أهدافنا الحقيقية تُعتبر بمثابة بلسم لتهذيب تناثر شَعر هذه الحياة ، نحتاج إلى حياكة ثوب الثقة بأنفسنا من جديد في حال انكسارها ، فهذه الحياة أشبه بطعامٍ بلا ملح و قهوةٍ بلا سكر إن فقدنا شخصياتنا الواثقة من نفسها ، و حينها سنعيش حياة كئيبة لروحٍ لم تُؤمن بأن هذه الحياة تجربة واحدة ، و أنها لن تتكرر أبداً .


1 رمضان 1430 هـ

lady -jan
23-08-2009, 03:34 AM
جميل ما هنا أخ م.ماجد...

في الداخل ...ما بين بداية ونهاية الأشياء التي أشرت إليها هناك ملامح لما يسمى بالعلاج المعرفي

وهو أحد المدارس لعلاج أحد أهم أمراض العصر الحديث وهي علل المزاج مثل الإكتئاب والقلق..

شكرا لك

هادئه
23-08-2009, 05:09 AM
( تقديس اللحظات الماضية لا يُعتبر دائماً صُورة من صُور الوفاء لأصحابها ، و أخص بالذكر أولئك الذين تنازلوا عنّا قبل أن ينتهي العُمر الافتراضي فيما بيننا ، من لا يُريدنا لا نُريده ، من يُريد إنهاء شيء ، سأبادر بإنهائه قبل أن يُنهيه ، أتساءل كثيراً : كيف نُجّرع أنفسنا مرارة الفقد على أفرادٍ هم أرادوا التخلي عنّا ؟)


م.مَاجد بن محمد


راقني جدا ماكتبت

انا من الناس الذينا يقدسون الذكرى

ويستشعرون الماضي بكل ما كان فيه من حلو ومر

لا احبذ النهايات المفتوحه

الثقه بالنفس هي احترام الاخر على اي قرار.


شكرا لك

بيلسان..
23-08-2009, 11:36 AM
نحن بحاجة إلى مرحلة انتقالية جادة في الخطوة الأخيرة من نهاية كل شيء ،
نحن كذلك فعلاً..
لكن النهاية غالباً ما تكون قاتلة...
ترمي بنا إلى أقاصي الحزن والكآبة..
فلا نقدر بعدها على شيء...


الانطلاقة الجديدة قد تكون أكثر جمالاً من الانطلاقة القديمة .
ليس دائماً يا م.ماجد..فإن العلق الذي نقتات عليه في بوادئ الأمور ينسنا أي حلاوة قد نصطدم بها فيه..


تقديس اللحظات الماضية لا يُعتبر دائماً صُورة من صُور الوفاء لأصحابها ، و أخص بالذكر أولئك الذين تنازلوا عنّا قبل أن ينتهي العُمر الافتراضي فيما بيننا ، من لا يُريدنا لا نُريده ، من يُريد إنهاء شيء ، سأبادر بإنهائه قبل أن يُنهيه ، أتساءل كثيراً : كيف نُجّرع أنفسنا مرارة الفقد على أفرادٍ هم أرادوا التخلي عنّا ؟

قوي يا م.ماجد..قوي جداً..أحتاجه في جميع مراحل حياتي...
ومع كل من أعرف..ومن عرفت...

تحياتي...

نوف الزائد
24-08-2009, 05:13 AM
ومقال ثري جداً وأثار في نفسي أكثر من سؤال .إذا سمحت ,,
أخبرتنا أن " نهاية شيئاً ما تعني بداية شيءٍ جديد " وهل البداية تعني بداية جديدة جيَّدة ..؟
"
حياتنا لاتتكئ على أحد ما ..لكن أحد ما قادر على إعادة تدويرها ..؟ كيف نوفق بين هذا وذاك ..؟
"
لماذا نضع أنفسنا تحت ظلالهم و هذا الكون مُنيرٌ بأكمله>>في إعتقادي أننا مسيرون في هذا لامخيرون , فقد نرى نور العالم أجمع من حولنا دونهم ظلمة وعتمة وفي ظلامهم نور وشروق والتخلص من هذه التبعية أمر مكلف للغاية , إعادة هيكلة حياة وفقد للذاكرة ..
"
تقديس اللحظات الماضية لا يُعتبر دائماً صُورة من صُور الوفاء لأصحابها " في نفس الوقت الذي نوصم به بالخيانة في حال محاولة التجديد وركل الماضي بعيداَ عنا " في أكثر الاحيان قد نصل لحقيقة واحدة أن الأخرون هم من يرسم طريق حياتنا ويتحكم بنا بطريقة مباشرة او غير ذلك , عن طريق تعلق او ربما عداوه وكره ..
"
كيف يمكننا حياكة الثقة ..؟ فنحن بحاجة إلى ذلك ..

.

وأخيراً عذراً على الإطالة ولكن كما أسلفت موضوع مثير للأسئلة ,,

.

**بسنت**
24-08-2009, 04:33 PM
لمْ نختر البداية يا ماجد لذا ؛ لن نكون موفقين في اختيار نهاية ذي الحياة

شكراً جزيلاً .

م.مَاجد بن محمد
24-08-2009, 08:56 PM
lady -jan

العلاج بجميع أنواعه بحاجة إلى النيّة و الثقة اللتان تكفي لأن تشفي المريض نفسياً قبل ان تشفيه جسدياً ..
شُكراً لحضورك يا آنسة ..

م.مَاجد بن محمد
24-08-2009, 09:04 PM
هادئة

إن وُجد إحترام القرار للجانب الآخر في شخصياتنا ، فهذا يعني اننا نتمتع بقوّة / قسوة هائلة في أرواحنا ، و هذا الأمر لا يبدو جيداً إن قُمنا بإحترام كلّ القرارات بما فيها تلك التي تتعمّد أن تصيبنا بمكروه ..

شُكراً لكِ ..

لم تكدر
25-08-2009, 02:41 PM
م.مَاجد بن محمد..

انا أؤمن بان النهايات دائماً -أوفي الأغلب- تصنع منـَا شيئاً جديداً..مختلفا عن ذي قبل
ونحن من نحدد ذلك..
.
.
وكما قلت..

نحتاج إلى إيمان تام بأن حياتنا لا تتكئ على أحدٍ بعينه

همـ جـاردينياـس
25-08-2009, 08:46 PM
لو اهديتك عقدا من الزمرد حباته بعدد كلماتك لكنت بخيلة اما هذه العبارات الرائعة
دمت بهذا الابداع

م.مَاجد بن محمد
26-08-2009, 05:01 PM
بيلسان


ليس دائماً يا م.ماجد..فإن العلق الذي نقتات عليه في بوادئ الأمور ينسنا أي حلاوة قد نصطدم بها فيه..

لو آمنا بأن ما رحل لن يعود أبدا ، سنُوقن - و لو على إجبار أنفسنا - بأن الإنطلاقة الجديدة يجب أن تحمل شيئاً جميلاُ يُضاف لسجل حياتي بدلاً من إتلاف أعمارنا بلا مسوغ حقيقي لذلك .

ممتنٌ لحضورك ..

سراديب
27-08-2009, 04:10 AM
كيف نُجّرع أنفسنا مرارة الفقد على أفرادٍ هم أرادوا التخلي عنّا ؟


رائعة،معبرة ومؤثرة..
جميل ما كتبته في المقالة.. كلمة قوية وحرف نابض..لا فضّ فوك!

م.مَاجد بن محمد
04-09-2009, 06:41 PM
أخبرتنا أن " نهاية شيئاً ما تعني بداية شيءٍ جديد " وهل البداية تعني بداية جديدة جيَّدة ..؟

بغض النظر عن نوع هذه البداية ، البعض يفتقد الأمل ( من الأساس ) في بدء بداية جديدة ، نحن لا نعلم كيف تبدأ اشياؤنا لأنها في عِلم الغيب ، نحن فقط نحاول أن نبحث عن شرف المحاولة .


حياتنا لاتتكئ على أحد ما ..لكن أحد ما قادر على إعادة تدويرها ..؟ كيف نوفق بين هذا وذاك ..؟

و هل سيملك أولئك القادرون على تدوير حياتنا ذات القوّة حين نتكئ عليهم ؟ أنا مؤمن بأن هنالك مؤثرات قد تكون خارجة عن إرادتنا في تسيير أمور حياتنا ، لكني واثق بأنها لن تكون بذات الدرجة من التأثير إن قُمنا بالإعتماد على أنفسنا في تسيير خطواتنا .


كيف يمكننا حياكة الثقة ..؟ فنحن بحاجة إلى ذلك ..

الثقة ذاتها بحاجة إلى ثقة أخرى لتبرز ملامحها ، الإقدام على ثقة سيجعلنا نشعر بالثقة يا صديقة ، إيماننا بأنفسنا و قُدراتنا و بأرواحنا سيجعلنا بلا شك تحت إطار الثقة التي نحاول أن نزرعها بأنفسنا . ألا تجدي أن متطلبات الحياة الشاقة بحاجة إلى ثقة لكي نتمكن من التسّلل إلى مكنونها ؟

ممتن لحضورك القّيم عزيزتي :rose: ..

عائدَة
10-09-2009, 01:09 AM
ما العُمرُ الافتراضيُّ للخيبَة ؟.

إن قُدِّرَ لي ، أعودُ ، وإن لا .. فربَّما أفعلُ في مكانٍ آخرْ.
شُكراً لكَ يا ماجِد ، الأشياءُ القيِّمة تذهبُ لجداريات. وهذا قيِّمٌ وجميل.