PDA

View Full Version : نـزيفٌ من مِحـْـبَـرة الـبَـوْح



محمود الحاج محمد
10-09-2009, 11:33 PM
نزيفٌ من محبرةِ البوح *




النصّ الذي ألقيتهُ ضمنَ فعاليات الملتقى الخامس لشعراء وأدباء الحكايا في مدينة الياسيمن .. دمشق






وجِـئْـتُ يومـاً إلى الأشعارِ أسألها
عنْ لُـعبةِ الطِّفلِ بينَ العُشْبِ والزَّهَرِ


عنِ الحدائقِ مَنْ أضْـنى مَراجِـحها
عنِ البَراءَةِ ... إيـقاعٌ بـِلا وَتـَرِ


عنِ الَّليالي .. وسُـهْدٍ في جوانِحها
عنِ القديمِ ، وماضٍ يقْـتَفي أثَـري


سألتُ لوحَ جِداري ، وانحناءَتَـهُ
كيفَ ارتويتَ بطبْشوريْ ، وبالفِكَرِ ؟


ذكرتُ _ يومَ أتاني الوَحْيُ _ يلْفحُني
بردُ النُّبوءَةِ ، لم أُرْعَشْ ولمْ أَثُـرِ !


كانَ الأديمُ يغنِّي للخَضارِ : ( أنا ..
أنـا الجَّمالُ بوجْهٍ باسمٍ نَـضِـرِ )


وكانتِ الشَّمسُ مِن شبَّاكِ منـزلها
_ خلفَ الغُيومِ _ تنادي صَيْحةَ المطرِ


والعِطْرُ يعبَقُ بالأجواءِ مُنْـتَشِـيَاً
والفُـلُّ ينْـعُـسُ فوقَ الظِلِّ والنَّهَرِ


مازلتُ أذكُرُ كُرْسيَّـاً بمدرستي
آوي إليهِ رضيعَ الشِّعرِ من صِغري


يختارُني الَّليلُ صِنْواً لاِسْتِـفاقَتِهِ
_وقْتَ الظَّلامِ _ وكُلُّ النـَّاسِ في خَدَرِ


مَحارةُ الرُّوحِ قدْ راحَتْ بلؤْلُؤها
إلى البِحارِ ، وها عادتْ بلا شَـذَرِ


بحرُ الخلودِ أذابَ المِلحُ شاطِئَـهُ
ولْـم يَعُدْ بجيُوبِ الرَّمـلِ من قَمَرِ !


دربُ العذابِ طويلٌ لاانْـتـهاءَ لهُ
والصَّبرُ ينفدُ ..كالظَّلماءِ في السَّحَرِ


فكيفَ يرسِمُ طِفلٌ فوقَ دفترهِ
حُلْمَ الرُّجولةِ ..؟ والأقلامُ من شررِ !!


وكيفَ يقْضِمُ تُفَّاحاً ويأكُـلُهُ ؟
والسُّمُّ يَـنْـبُتُ بالأشجارِ كالثَّمرِ


**
يا حاملَ الكأسِ! دهْراً قد شربتَ بهِ
مرارةَ الموتِ ، هل مازلتَ في وَطَرِ ؟؟


منابعُ الزُّهدِ غِيْضَتْ ، وانتهى زمَنٌ
بهِ التصوُّفُ ميراثٌ على البـَشَرِ


إنِّـي أُحِـبُّ لِسانيْ حينَ يفْضحُني
يَـتْـلوْ عليَّ أنينَ الشِّعْرِ والسُّوَرِ


إنِّـي أُحِـبُّ خَيَاليْ لا خيالَ لـهُ
فوقَ المجرَّةِ يـمْـشي دونما حَذَرِ


غُصْني طريٌّ ، وقدْ يَلْويهِ بعضهمُ
فـيُخْضبُ الكفُّ منهُ بالدمِ الهَمِرِ !!


غُصْني طريٌّ ، إذا ما اجْتـُثَّ في مَهَلٍ
...يميدُ طيْباً ، وتَـهميْ للثَّرى دُرَرِي


لِـيْ بالحُليِّ طَوَابِـيْـرٌ أسدُّ بها
جوعَ البحارِ لتَلْقى تـُربَتي جُـزُرِي!!


فأَعْتلي وطناً قد شِيْدَ من قـدَرٍ
تـمْـشي عليهِ جثامينٌ مِـنَ القَدَرِ !


أنا البلادُ جميعاً ..لا يُـفرِّقـني
خطٌّ ، جدارٌ ، ولا تعريفةُ السَّفَـرِ


فجُرحيَ النـَّهرُ والأوجاعُ هِيْ لُغتي
والخيرُ بابيَ والتـَّاريخُ مُفْـتَـخَري


صُنْدوقُ كَنْـزيَ بادٍ ، لنْ يُعَفـِّرَهُ (1)
خوفُ السِّنينِ ، ولا إغْـراءَةُ العُمُرِ


عِنْدي جَمالٌ ..إذا ما جئتُ أُظهِرُهُ
تغارُ ( هِيْرا ) لهذا الحُسنِ والحوَرِ (2)


**
يُرَتـِّقُ الشَّكُّ ظِلاًّ _ خلفَ أسئلةٍ
لتَحْـتويهِ بِـها ( بَصَّارةُ الغَـجَرِ )(3)


يدغدغُ الضَّوءُ في عَيْـنيَّ صورَتهُ
فيشربُ الدَّمعُ بعضاً من دمِ الصُّوَرِ


مِلحُ المسافةِ أنسى الشَّوقَ نكهتَهُ
بينَ المنـافي .. وبينَ البدوِ والحَضَرِ


جُزَّ النخيلُ وها صارتْ صحائفهُ
بساطَ راحٍ لبعضِ الـرُّومِ والـتَّـتَرِ


والعمرُ أضحى سهولاً جدُّ موحِلةٌ
بالخوفِ ، بالذُّعرِ ، بالإرهابِ ، بالكَدَرِ


قارورةُ النِّفطِ ..!! قد باعتْ ضمائرنا
بِـبعضِ يومٍ .. ببعضِ العُـهْرِ والقذَرِ


فما تقولُ بشيخٍ ..؟ يعْـتَـلي عرباً
و يَـطْرُقُ الكأسَ كأساً ليلةَ السَّـمَرِ


ياحاديَ العُربِ ..! مهلاً ، لا تبِعْ وطناً
عِندَ الإلَـهِ رفيْـعُ القَـامِ والأثـَرِ


ياحاديَ الغـُرْبِ .. مهلاً ، إنَّنا عربٌ
فاْسألْ _ هُديتَ _ عنِ البحَّارةِ السُّمُرِ


إِسألْ كتاباً بحبرِ الدَّهرِ قد كُتِـبَتْ
صفْحاتهُ البِـيضُ عنْ أيـَّامِنا الغُـرَرِ


صفحاتُ عزٍّ بها (القعقاعُ) مُنْصَلِتٌ
كَسَيفِ (هِـرْقِلَ ) في كفٍّ وفي ظفَرِ(4)


ليلُ الـتَّرقُّبِ نامتْ بعضُ أنجمِهُ
والنُّورُ يصحو بُـعَيْدَ السُّهْدِ والسَّهرِ


فلا الغُيومُ بغيمٍ حينَ تـُمْـطِرُنا
ولا السَّرابُ بماءٍ لحَـْظَـةَ النـَّظـرِ


بعضُ الأسودِ تنامُ العُـمرَ أكمَلهُ
وظفرها إنْ نَـوَتْ من لاهِبِ السَّـقَرِ






..
13/3/09
( حلب )








الهوامش :
1_ عفَّرَ الشيءَ : مرَّغهُ بالتُّراب ..و أيضاً دسَّهُ بهِ فخالطَ الشيءَ التراب .
2_ إحدى شخصيات الميثولوجية الإغريقية ، وتـُشتهرُ بالغيرة الشديدة من جمال غيرها .
3_ بصَّارةُ الغجر : وهيَ امرأةٌ ، تكسبُ رِزقها بكشفِ طالع الناس ( التبصير لهم ).
4_ القعقاع : هوَ القعقاع بن عمرو .. الشاعر الفارس الشجاع ، وأحد أبطال الجاهلية ..
وهوَ الذي يحمل سيفَ ( هرقل ) " ملك الرُّوم " ويتقلَّدُ دروعَ ( بهرام ) ملك الفرس
في معاركه ، كانَ شاعراً فحلاً عاشَ الجاهلية وعاصرَ الإسلام وكانَ على رأسِ كل فتحٍ دائماً
إذا قالَ فيهُ (أبو بكر )" رضيَ الله عنهُ " ( صوتُ القعقاعِ في الجيشِ خيرٌ من ألفِ رجل ) .
منصلتٌ : الرجلُ الصَّلتُ : هوَ المنجرد الطويل القامة ، المقدام .. وكذا السَّيف .

إبن محمود
11-09-2009, 02:45 AM
لله درك من شاعر مبدع اجتمع لديه جموح الخيال وجزالة اللغة ورهافة الحس وصواب المقصد.

ألف تحية وإلى المقدمة يا محمود

عيسى الأشول
11-09-2009, 04:26 AM
خرافي ..

غير أني أظن أنها كتبت في أوقاتٍ متفرقه

ولكنك بالغ في الشعر بلوغ التوتر والتشرد من قلبي
صباحكَ / مساءك كهذه التي في الأعلى

شكراً كثيراً يا صاح

قس بن ساعدة
11-09-2009, 05:55 AM
لو لم تكتب الا هذه لكفاك وكفاني



مازلتُ أذكُرُ كُرْسيَّـاً بمدرستي
آوي إليهِ رضيعَ الشِّعرِ من صِغري

من ابلغ ما قرات منذ ايام

تحياتي لك
ونصك غاية في الروعة

مستقلم
11-09-2009, 12:57 PM
أتخلف عن أفياء دهراً فأعود إليه لأنتعش بصولات حرفك وجولاته.
شكراً لأنك تكتب

أسمر بشامة
11-09-2009, 06:21 PM
وها أنتَ من جديد يا محمود ..
أنت رائع ..
والله وددتُ لو أنّ الأمر بيدي
لأنصفتك بأقل ما تستحق هذه الرائعة ..
ولكن حتى حروفي عاجزة ..

تمنياتي لك بالتوفيق ..
كن بخير ..

أخوك فيصل ..

هناك في السماء
11-09-2009, 10:41 PM
من أجمل ما قرأته في هنا :)

شكرا كثيرا

في أمان الله

عبدالله بركات
12-09-2009, 01:39 AM
ذكرتُ _ يومَ أتاني الوَحْيُ _ يلْفحُني
بردُ النُّبوءَةِ ، لم أُرْعَشْ ولمْ أَثُـرِ !



كانَ الأديمُ يغنِّي للخَضارِ : ( أنا ..
أنـا الجَّمالُ بوجْهٍ باسمٍ نَـضِـرِ )



وكانتِ الشَّمسُ مِن شبَّاكِ منـزلها
_ خلفَ الغُيومِ _ تنادي صَيْحةَ المطرِ



والعِطْرُ يعبَقُ بالأجواءِ مُنْـتَشِـيَاً
والفُـلُّ ينْـعُـسُ فوقَ الظِلِّ والنَّهَرِ



مازلتُ أذكُرُ كُرْسيَّـاً بمدرستي
آوي إليهِ رضيعَ الشِّعرِ من صِغري



يختارُني الَّليلُ صِنْواً لاِسْتِـفاقَتِهِ
_وقْتَ الظَّلامِ _ وكُلُّ النـَّاسِ في خَدَرِ



مَحارةُ الرُّوحِ قدْ راحَتْ بلؤْلُؤها
إلى البِحارِ ، وها عادتْ بلا شَـذَرِ



بحرُ الخلودِ أذابَ المِلحُ شاطِئَـهُ
ولْـم يَعُدْ بجيُوبِ الرَّمـلِ من قَمَرِ !



دربُ العذابِ طويلٌ لاانْـتـهاءَ لهُ
والصَّبرُ ينفدُ ..كالظَّلماءِ في السَّحَرِ



فكيفَ يرسِمُ طِفلٌ فوقَ دفترهِ
حُلْمَ الرُّجولةِ ..؟ والأقلامُ من شررِ !!



وكيفَ يقْضِمُ تُفَّاحاً ويأكُـلُهُ ؟
والسُّمُّ يَـنْـبُتُ بالأشجارِ كالثَّمرِ




خيو محمود
كم أنت مبدع ..........................
شاعر بحق

محمود الحاج محمد
14-09-2009, 04:33 AM
لله درك من شاعر مبدع اجتمع لديه جموح الخيال وجزالة اللغة ورهافة الحس وصواب المقصد.

ألف تحية وإلى المقدمة يا محمود



أخي الكريم !

ذكرتَ أغلب مقومات الشاعر هُنا ، لكنّ الأهمّ إبداعيا ، هو اللاوعي الجنوني ، وأشكر الله أنني أمتلك هذا الإحساس آن الكتابة ،

لكَ شكري

ودّ

..

محمود الحاج محمد
16-09-2009, 05:25 AM
خرافي ..

غير أني أظن أنها كتبت في أوقاتٍ متفرقه

ولكنك بالغ في الشعر بلوغ التوتر والتشرد من قلبي
صباحكَ / مساءك كهذه التي في الأعلى

شكراً كثيراً يا صاح



أخي عيسى !

لا أظنّ النصّ يمشي في سمت النصوص الخرافية ، لا أنكرُها ، لكنّ هذا النصّ تحديدا لا ينتمي لها ، لو انتقيتَ من نصوصي موت أوّل ، لكنتَ أصبتَ ، لكن هذا لنصّ فأنتَ تقف في الطرف النقيض للصواب ،

بخصوص كتابة النص في أكثر من جلسة ، فأنا لا أكتب العمود متقطعا كما التفعيلة ، أكتب العمود في جلسة واحدة ، ولا أحبّ الكتابة تقطيعا ، أقول الكتابة ، وليسَ التعديل .. فجميعنا بضطر للتعديل ويعود لنص ما لذلك ،

أخيراًَ أشكركَ

ودّ

..