PDA

View Full Version : الجملة القرآنية .. وبناء العقل العربي



محمد العدوي
01-09-2009, 08:03 PM
الجملة القرآنية وبناء العقل العربي

>>>>> ما الدين إلا النظرة المثلى للخلق والخالق. وحين يرسل دين جديد إلى قوم لم يعتادوا البحث سوى بأنظارهم المجردة في كل ما يحيطهم من رسائل كونية فلا يكفي أن يكون قادرا على إجابة الأسئلة التي لديهم عن كل هذا الكون بعلاقاته الواسعة بل يلزم أيضا أن يعد نفوسهم لتكون صالحة لتلقي رسائل الله في كل ركن من أركان الكون حولهم. وإلا انهارت الفكرة سريعا في نفوسهم وخصوصا عندما يواجهون أقوامهم وقد حملت كلها عليهم تريد إثناءهم.

مهما تكن الحجج مرتبة في النص فلن تكون قادرة على إقناع قوم ما على ترك دينهم. لأنك هنا لا تحاور منطقا فيهم فقط. بل تحاور شهوات نفس ورغبات مُلكٍ ورياسة وسطوة نفوذ .. بل وضعفا وخوفا من قوى ألفوا سيطرتها الدائمة.

فمهما كان موضع الشخص المتلقي للرسالة الجديدة فلن تكفي الحجة إذا للقيام بذلك. وإن حدث فسيكون تلقيه لها سطحيا دون إعمال عميق في الفكرة التي تحتويها، يجعله قريب الانفلات، وهو ما لم يحدث أبدا في كل من تلقى هذه الرسالة الجديدة.

يقول الجاحظ في وصف العقل العربي قبل القرآن: "وكل شيء عند العرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليس هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر، ولا استعانة، فما هو إلاّ أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود، الذي يقصد، فتأتيه المعاني أرسالاً وتنثال الألفاظ انتثالا .. ليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، لم يحفظوا إلاّ ماعلق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهـــم، من غير تكلف، ولا قصد، ولا تحفظ، ولا طلب"

"والجابري يورد قولاً للشهر ستاني يصف فيه العقل العربي بقوله إن العرب والهنود أكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية، أما العجم ( الروم والفرس ) فأكثر ميلهم إلى تقرير طبائــع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات، واستعمال الأمور الجسمانية." وطبائع الأشياء هي منطق السببية الثابت أما الاعتماد على خواص الأشياء فهو النظر فيها بصفاتها الظاهرة.

ما أردت قوله أن الجملة القرآنية التي نزلت بلغة العرب قد صاغت في نفوس متلقيها الأُوَل نظام تفكير كامل قائم على أركان قوية فوق ما ابتنته لهم من نظم أخلاقية واجتماعية ظاهرة. هذا النظام الفكري الجديد هو ما جعل العرب قادرين على استيعاب هذه الرسالة. ثم هو ما أعدهم بعد ذلك لتحمل الإرث الإنساني الواسع من المعارف الذي انفتحت لهم حين فتحت أمامهم بلاد الشرق والغرب كلها.

ولو فتح العرب العالم قبل ذلك مهما كانت لهم القوة والخشية من غيرهم لما استمر لهم الأمر سنوات معدودة لأن تلك العقول كانت لتذوب سريعا فيما حولها قبل أن تتمكن من استيعابها

إن العقل اليوناني بني على ثلاث مراحل استغرقت من عمر الزمن قرونا تصل إلى الثمانية. لكن بناية العقل العربي الذي استوعب هذه القرون الثمانية وغيرها من فكر الشرق أيضا لم يستغرق إلا ثلاثا وعشرين سنة ونصا واحدا محكما ورسولا يشرح ذلك كله.

اللغة جسد الفكر:


كلما اتسعت معرفة الإنسان بلغات عديدة كان أقدر على التفكير وصياغة المشاكل في عبارات والتعامل معها. وكلما اتسعت مساحة لغة ما كانت على ذلك أيضا أقدر مما سواها.

اللغة عند جون لوك هي علا مات حسية معينة تدل على الأفكار الموجودة في الذهن و عند ميرلو: " إن الفكر لا يوجد خارج العالم وبمعزل عن الكلمات"، و يقول لافيل: "ليست اللغة ثوب فكر بل هي جسده".
وعليه فإن أول أساليب صناعة العقل العربي الجديد كانت هي اللغة التي نزل بها القرآن. واللغة التي نزل بها القرآن وإن كانت العربية التي تكلموا بها والتي حملت آدابهم المتمثلة في شعرهم وأمثالهم وقصصهم فإنها على مستوى الكم لم تمثل إلا مقدار الزكاة من المال. فعدد جذور اللغة العربية ثمانين ألف جذر، لم يستخدم النص القرآني منها إلا ألفا وثمانمائة فقط في سبع وسبعين ألف كلمة أي ما نسبته خمس جذور من كل مئتين. جاءت ألف وستمائة كلمة مرة واحدة لم تتكرر.

كانت الآداب التي انتهت إليها العرب قد انقسمت إلى قسميها الكبيرين بين الشعر والنثر ولم يكن للنثر اهتمام بالغ وكان أكثره ارتجالا فلم يخرج عن الخطبة والوصية والنصيحة ، والمثل والحكمة والمنافرة والمفاخرة ، وسجع الكهان والأسطورة والقصة و كان أكثره ارتجالا فغابت عنه الثقافة الواسعة والفكرة المضيئة. ووقف الشعر عند القصيدة الغنائية بشكلها المعروف وأغراضها الضيقة.

والذي وصلنا من الشعر يتخطى الأغراض المعروفة من المديح والفكر والهجاء إلى الحكمة والنظر في الكون وتتبع أسراره ومحاولة الوقوف على خفاياه قليل في نسبته.

جاء القرآن بصور أدبية جديدة لم يعتدها العرب "فلم يكن شعرًا ولا سجعـًا ، ولا مزاوجة ، ولا نثرًا مرسلاً ، ولا خطابة ، ولكنه جاء على مذهب غير معهود عندهم ، يتصرف في وجوه مختلفة ، من ذكر قصص ومواعظ، واحتجاج وحكم وأحكام ، وإعذار وإنذار ، ووعد ووعيد ، وأوصاف وتعليم ، وسير مأثورة ، ويتردد بين طرفي الإيجاز والإطناب"

يصور الحياة الإنسانية في تاريخها وما يقبل عليها. ويصف النفس الإنسانية في لهوها وجدها. في إيمانها وكفرها. حين تأمل وترجو وحين تخاف وتعجز. حين تتجبر وحين تخضع.
وهل يمس الإنسان الأدب إلا حين يشعر أنه يعبر عنه هو هو بذاته لا أحد غيره. حين يجد دقائق نفسه منثورة تفصيلا فيه فيراها أوضح ما يراها.

رأى العرب أنفسم في القرآن بوضوح لم يعهدوه في كل ما كان لهم من آداب. رأوا النفس على حقيقتها ورأوا الصور المثلى التي ينبغي أن تكون عليها. ربما كانت هذه إحدى الصدمات التي نبهت وجدان العربي لتلقي النص الجديد.

إنه كتاب سيحكمه. سينظم معارفه ولغته. وإذا لم يجد فيه شيئا قويا يربطه به ويجعله منساقا برضا فسيظل متوترا وإن اتبعه لأغراض مادية ظاهرة.

الوسطية حتى في الغيبيات:


إن أول وصف في القرآن للمعنيين بالحديث الوارد فيه هو إيمانهم بالغيب. " ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب" .

والغيب في أمة تؤمن بالأساطير والجن وتعتبر الشعر وحيا منها يفضي إلى الشطط في التفكير. فالله أراد أن يقول لهم إن أشياء في هذا الكتاب فوق العقل وإن كانت لا تخالفه. وهذه الأشياء ينظم الإيمان بها الصلاة والإنفاق وهما التربيتان الكبيرتان اللتان انتهجهما الإسلام بعد ذلك. "الذين يؤمنون بالغيب ويمقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون"

الوسطية بين الإفراط في تصديق الغيبيات وردها. ثم الوسطية في السلطة بين الحكم المطلق لنص قاس أو عقل فرد قاصر وبين شعبوية الحكم في عقول كثيرة متعددة الأهواء. " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك.

التدرج في التفكير:


فبين الأسئلة التي تضع المتلقي على حافة التوجس فلا هي تملؤه شكا يحجزه عن البحث ولا هي تتركه يرحل دون يقين واضح ساطع مقنع. وبين الحث الدؤوب على السؤال حتى سألوا عن كل شيء من الروح إلى المحيض.

" قل لمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون"

إن إجابتهم لسؤال واحد كهذا يضعهم أمام تفكير أكثر عمقا وشمولا. يتدرج معهم حتى يدركو الغايات التي فيه.

أما تنمية القدرة على السؤال فهي تنمية القدرة على المعرفة الحرة القوية. إن الله حكى عن نبيه إبراهيم وهو يسأل. وحكى عن موسى وهو يسأل بل حكى عن الملائكة أنفسهم حين سألوا الله "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء". ثم حكى عنهم انصياعهم حين أجابهم الإجابة المطلقة في الغيبيات التي لا يمكن لهم إدراكها : "إني أعلم ما لا تعلمون>

ليس الشك إذا إلا أول اليقين حين يحترم حدود العقل التي خلقت له. وليس السؤال إلا أول المعرفة حين يحترم المنطق الذي يقع داخل حدود هذا العقل.

هل يمكننا إذا تعداد أول عناصر الفكر العربي بعد القرآن في هذه الأمور: تتبع النفس وقيمها والوقوف متوسطين بين كل القيم دون الشطط فيها ثم الحرص على المعرفة متمثلة في القدرة على السؤال.
بهذه الجملة استطاع العرب تقبل الغيبيات واستيعاب النظريات التي سبقتهم في الحكم والسياسة بل والإلاهيات أيضا. وبنفس هذه العناصر انفصلت لديهم العلوم وقامت مناهج التجربة ومنحوا المعرفة الإنسانية نموا مميزا انتظمت فيه صافية تقوم على المصلحة والجمال.


*********

وأخيرا:
سئل أرسطو عن أقوام تخالف أعمالهم العلم الذي تعلموه: قال لأن علمهم ظني. لو علموه يقينا لعملوا به.

محمد العدوي
06-09-2009, 11:50 AM
نشرها اسلام أون لاين نقلا عن الساخر ومشيرا إليه هنا (http://www.islamonline.net/Arabic/ramadan/blogs/topic_03/30.shtml)

lady -jan
07-09-2009, 09:31 AM
موضوع جميل ومفيد جدا يا د.محمد بارك الله فيك..قرأته أكثر من مرة ..

وتمنيت لو شاركتنا بعلمك وأفدتنا في هذا المجال في هذا الموضوع:

http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=140681&page=3

لأنه يبدو وكأنه تطبيق عملي لما رميت إليه هنا في هذه المقالة الرائعة...

وتقبل شكري وتقديري ....

العابد RH
07-09-2009, 09:52 AM
منذ ذلك اليوم أردت أن أخاطبك
خشيت أن أُراسلُك على الخاص
ثم كتبت الرد رقم 26 في موضوع ألفاظ القرآن . بتاريخ 1-9-2009
رجوت الله أن تقرأه وتسامحني
ولكن لم تأتي / ولم تعقب
وها أنا أخبرك وأرجوك أن تقرأه
فأنا أعتذر لك
وليس الان بل من نفس اليوم
وآسف فعلاً لما فعلت

http://www.alsakher.com/vb2/showpost.php?p=1466129&postcount=26

محمد العدوي
07-09-2009, 06:42 PM
منذ ذلك اليوم أردت أن أخاطبك
خشيت أن أُراسلُك على الخاص
ثم كتبت الرد رقم 26 في موضوع ألفاظ القرآن . بتاريخ 1-9-2009
رجوت الله أن تقرأه وتسامحني
ولكن لم تأتي / ولم تعقب
وها أنا أخبرك وأرجوك أن تقرأه
فأنا أعتذر لك
وليس الان بل من نفس اليوم
وآسف فعلاً لما فعلت

http://www.alsakher.com/vb2/showpost.php?p=1466129&postcount=26

محصلش حاجة يا فتى ...
وأنا فعلا مرجعتش للموضوع مرة اخرى فلم اقرأ ردك الا الآن ..
حصل خير ..
وقد كان ما كان مما لست أذكره .. فظن خيرا ولا تسأل عن السبب

و مباركة طاعتك ..

Horizon
07-09-2009, 11:30 PM
مقالة رائعة والله وجدا
فيها فائدة عميقة

ماشاء الله

بوركت والله أخي الكريم على مثل هذا الطرق


جزاك الله الخير كله

.
.

ابوالدراري
09-09-2009, 05:18 AM
رائع جداً .. كتب الله أجرك

عائدَة
13-09-2009, 01:33 AM
أعيدُ قراءتهَ ، رائِعٌ جداً . لو أنَّ عددَ المُهتمِّينَ بالكتابة الأدبيَّة الجادَّة وبفنِّ المقالِة يُصبِحُ أكثر قليلاً فقط هُنا، لأصبحَ لدينا كنزٌ صغيرٌ في رصيف الغُرباءِ هذا. كنتَ قد ابتدأتَ المقالَةَ -وختمتها أيضاً- بطريقةٍ جميلةٍ وبملاحظتينِ مختزلتينِ أعتبرها قيِّمَة فعلاً كسائِرِ ما هُنا، حينَ قلتَ: البحث بأنظارِهِمْ المُجرَّدة في كلِّ ما يُحيطُ بهم من رسائلَ كونيَّة ...
.
"أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور"
.
سلِمت اليمينُ يا عدوي .