PDA

View Full Version : من ذاق طعم // اللغة عند المتصوفة (صالون الساخر)



محمد العدوي
14-11-2009, 08:37 PM
من ذاق علم ومن لم يذق حرم
اللغة عند المتصوفة


الألفاظ ذائعة الشهرة والاستخدام يصعب الحديث حولها؛ لأنه بقدر ما يجعلها الانتشار معروفة للجميع يجعلها غامضة غير واضحة. ذلك أن توهم المعرفة الذي يصاحب كثرة استخدام مصطلح ما يصرف غالبا عن البحث وتتبع الحدود المخصوصة للكمات والأشياء.

لعل أكثر الكلمات شيوعا والتي يمكن أن نطبق عليها هذه الفكرة هي كلمة الحب الصغيرة. وليس شيوع الكلمة وحده هو ما يجعلها تقع في هذه المنطقة. بل لأن الحب عاطفة تتصل بجميع البشر دون النظر إلى مكانهم من خريطة المعرفة أو الدراسة أو التفكير. وهي بذلك ملك للجميع ولا يُقبل أن يدّعي أحد امتلاكه وحده المعرفة الكاملة فيه. أو يرى تجربته أولى بالتعميم والاتباع.

الحب إذا تجربة خاصة يختلف منهجها باختلاف أقطابها وظروفهم. بل وتختلف معاني النتائج فيه أيضا. مقدماته المتشابهة لا تنتهي إلى نهايات متشابهة. ثم هي نتائج بالغة الخصوصية في العادة لا تمس إلا القائمين بالتجربة، وإن تعدتهم فبالقليل.

أبدأ هذه البداية لتنقلني إلى كلمة أخرى أكثر مسا وشيوعا وجدلا هي "الدين والتدين". ووجه الشبه هنا هو الشيوع أولا، ثم هو خصوصية التجربة للفرد. غير أن تجربة الدين ليست مطلقة المنهج، حرةً في دروبها كما هو الحال مع تجربة "الحب" من حيث هو عاطفة بين البشر، لا في الذين يدينون بالأديان السماوية ولا عند من يتبعون مناهج بشرية موضوعة.

الدين تجربة معلومةُ الخطوات والحدود، والمساحة المتروكة للتجريب الحر فيه ليست واسعة في العادة. وكلما قرُب الدين من تحقيق التوازن بين الرغبة الكامنة في البشر للمعرفة والتجريب وبين حدوده الصارمة الموضوعة لهم كان أكثر قبولا في النفس محققا لها الأمان الذي تنشده.

وعليه فإن البشر جميعا مشتركون في هذه التجربة على اختلاف معطياتها وخطواتها وما يتوقع أن تنتهي إليه في كل جهة من جهاتهم المختلفة. هذا الاشتراك يجعلنا نضع سؤالا هاما هنا: إلى أي مدى يحملنا التشابه في العلة والاسم ونحن ندرس هذه التجربة، وهل يصح التعامل معها جميعا بقيم واحدة ثابتة؟
لكي نجيب هذا السؤال نضع سؤالا آخر أولا: من أين ينبت الدين في النفوس؟

سأتجاوز كل النظريات التي وضعت في ذلك، إلى الاعتقاد الذي ندين به نحن المسلمون. وهو: "وإن كانت الحاجة للتدين فطرة وإن كنا نؤمن بأن البشر قادرين بهذه الفطرة على الاستدلال إلى ما ينبغي عليهم عمله إلا أن المناهج السماوية التي وصلت إلينا عن طريق الرسل لا يمكن إهمالها أو التعامل معها كأن لم تكن." وهي العبارة التي يقصر الحديث هنا عن إثباتها أو التدليل عليها اختصاراً.

ونحن بهذا نجمع كلا النهجين في التفكير في هذه القضية، المادي القائل بأن الدين غريزة موجودة بالفطرة والغيبي القائل برسالة سماوية هي الدليل وهي المنهج. الدين إذا تجربة معلومة الخطوات والحدود.

أقول كل ذلك لأنتهي إلى أن تجربة التصوف في الإسلام تجربة خاصة به وإن تشابهت مع تجارب إنسانية أخرى فلا يمكننا وضعها معها في نفس المنطقة أثناء دراستها والتعامل معها. فلا المعطيات ولا الخطوات ولا الغاية منها واحدة.

لقد قام التصوف في الإسلام على أنه تجارب روحية خاصة غايتها الوصول إلى الله من طريق الله. ولعل أبرز العبارات التي ينبغي التوقف عليها هي قول ابن خلدون في المقدمة:


"هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين، طريقة الحق والهداية، وأصلها الوقوف على العبادة والانقطاع إلى الله والإعراض عن الحياة الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والإنفراد عن الخلق بالخلوة وكان هذا عاماً في الصحابة والسلف فلما فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وجنح الناس إلى حب الدنيا اختص القائمون على العبادة باسم الصوفية" انتهى
إنها تجارب قامت بمعدلات محسوبة في ظروف معلومة لم يتعد فيها منهم أحد وقد قال القشيري في أول رسالته:

"اعلموا، رحمكم الله، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم. وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم.

لكننا مع ذلك نجد فيما وصل إلينا أحوالا عدها الفقهاء شططا وصل أحيانا إلى التكفير. ولعل في حديث ابن طفيل وهو يبدأ رسالته "حي بن يقظان" شيئا يعلل ذلك:


"غير أن تلك الحال لما لها من البهجة والسرور واللذة والحبور لا يستطيع من وصل إليها وانتهى إلى حد من حدودها أن يكتم أمرها أو يخفي سرها، بل يعتريه من الطرب والمرح والسرور ما يحمله على البوح بها. فإن كان ممن لم تُحذقه العلوم قال فيها بغير تحصيل، حتى إن بعضهم قال في هذه الحال: "سبحاني ما أعظم شاني"، وقال غيره : "أنا الحق" وقال غيره: "ليس في الثوب إلا الله". وأما الشيخ أبو حامد الغزالي فقال متمثلا عند وصله إلى هذا الحال بهذا البيت :

قد كان ما كان مما لست أذكره // فظن خيرا ولا تسأل على الخبر
فإنما أدبته المعارف وحذقته العلوم" انتهى.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما وقع للناس من استغلاق الفهم لحديثهم في وصف أحوالٍ لم يعاينها الناس، واستخدامهم لغة لم يعهدوها. فتجد حول شخص واحد مثلا كتابين "تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي" للبقاعي، و "تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي" للسيوطي.

يصف ابن خلدون ذلك في المقدمة:

"ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم. إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه. وصار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك. "

التصوف ذوق، لذلك قالوا: من ذاق علم ومن لم يذق حرم. وحين حاولوا وصف ما ذاقوا أكسبوا اللغة صورة عذبة حية. مسوا منها الخفي من أنفاسها وكوامنها. وهو ما أتمنى أن نبحث فيه معا متذوقين مستمتعين.

حول هذه اللغة وما اعتراها ومقامات أهلها .. سنكون هنا


من المطابع :

أحلى قصائد الصوفية (http://alsakher.com/vb2/showthread.php?t=116472)

الغيمة
15-11-2009, 11:47 AM
ونحن متابعون
فأكمل..

Ophelia
15-11-2009, 09:16 PM
من التيارات الأدبية إبان الغزو المغولي، التيار الديني والزهدي
وبما أن حديثك هنا عن الصوفية فسأضع ما جاء في الكتاب حول هذا الموضوع هنا..

عزف بعض الشعراء في فترة الغزو المغولي عن التيار السلبي تيار اللهو والمجون الذي انغمس فيه كثير من الشعراء، بينما كان شعراء التيار الديني والزهدي في معزل عن قضايا عصرهم منزوين في صوامعهم وكأنهم في عالم آخر غير عابئين بما يجري حولهم. واختاروا لأنفسهم مجالاً يربطهم بخالقهم بعد أن يئسوا من السلاطين الأعاجم والأمراء المهملين وبعد أن توالت النكبات عليهم.
على أن فكرة الشعر الديني نبعت منذ مطالع القرن السادس، وهي التي غذت معاني الشعر في أيام الجهاد ضد الصليبيين، ثم تعمقت أيام الهجوم المغولي. وتسرب الشعر الديني كذلك إلى العلماء والأطباء والمؤرخين وغيرهم من أصحاب الاتجاهات العلمية والأدبية ولم يكونوا شعراء.

أما المنحى الصوفي مع أنه كان كالشعر الديني معروفاً قبل القرن السابع إلا أنه غدا من الأغراض المهمة في هذا القرن، وحظي باهتمام بالغ لدى الأمراء. ولقد لقي المتصوفة في العراق تشجيعاً كبيراً من قبل الأمراء المغول، ولا سيما في مرحلة الأمراء المسلمين منهم. كما لقي كبارهم في مصر والشام التقدير البالغ من قبل سلاطين المماليك لإحساسهم بأن الشعب يهتم بهم ويستجيب لهم. وقد استطاعوا أن يؤثروا في المماليك، ويوهموهم قدرتهم على معرفة الأسرار والمغيبات. فاحتفلوا بهم، وبنوا لهم الخانقاهات، ليعتزلوا فيها، ويدربوا الفقراء على التعبد عن طريق التصوف والقناعة. لكن المتصوفين استغلوا اهتمام المماليك بهم فتمادوا في تدخلهم في أوضاع البلاد. حتى كان بعضهم يرافق المماليك في حروبهم ضد المغول، وذكروا في أثناء حروبهم. فقد كان الظاهر بيبرس يعتقد كثيراً بالشيخ "خَضر" لأنه بشره بالسلطنة قبل وقوعها، فكان ينزل إلى زيارته ويستصحبه في أسفاره ويقربه.

إلا أن فئة منهم تمادت في الطريق السلبي المعادي للحكم على الرغم من الانتصارات التي تحققت في زمانهم. وتبعتهم فئات كثيرة على الطريق. ومن أبرز أعلام الصوفية المعاصرة: أبو الحسن الشاذلي، والسيد أحمد البدوي والششتري وابن سبعين والخيمي وتقي الدين السروجي.
وكان من أكابرهم أكارم ينطوون على دين وتعبد وتصون وتصوف، كقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الكناني الحموي فقد تولى قضاء مصر ثم قضاء الشام وفي نهاية عمره عزل نفسه لثقل سمعه.
واحتفى بهم الشعراء احتفاء الشعب بهم، ورغبوا في كسب عطفهم. قال التلعفري في التوبة:
أحب الصالحين ولست منهم... رجاءٌ أن أنال بهم شفاعهْ
وأبغض من به أثر المعاصي... وإن كنا سواء في البضاعة
على أن فئة من هؤلاء الصوفية اتبعت طريق المجون وإشباع الملذات متخفين بخرق الصوفية. فيلوذون بخانقاهاتهم ويتسترون وراءها، حيث يقضون فيها أوطارهم. وقد فضح أمرهم لما عم فحشهم حتى غدت نوادرهم على ألسن الشعراء.
ومال شعراء الصوفية إلى الغموض في تعابيرهم والإيهام في أقوالهم، لجذب انتباه الشعب. وقد أدرك عدد من الشعراء مقاصدهم من الغموض، فقلدوهم في تعابيرهم ساخرين منهم كقول أمين الدين الحوباني:
متُّ في عشقي ومعشوقي أنا ... ففؤادي من فراقي في عنا
غبتُ عني فمتى أجمعُني ... أنا من وجْديَ مني في ضنَى
أيها السامعُ، تدري ما الذي ... قلتُه؟ واللهِ ما أدري أنا

السيد خرافة
23-11-2009, 11:08 PM
التصوف فكر يحتاج الدراسة فعلا وخصوصا جانبه الباطني
كالإتصال مع الباطن والغيبوبة .
يستهويني كثيرا فهم وإكتشاف هذا الإتصال
رغم أني ضد التوصف جملة وتفصيلا
تحية لك أخي على هذا الموضوع الجميل والمثير
في إنتظار المزيد
تحياتي

dektator
23-11-2009, 11:17 PM
الحديث عن اللغة لدى المتصوفة ، وإن كان هناك حديث عن نشأتهم فينبغي أن يكون عن الجزئية التي أثرت
في مسألة اللغة لدى المتصوفة وإتخاذها هذا اللون المـائل إلى الغموض الغارق في مسألة حب الذات العليّة.

قد يكون مفيداً إن أُشبع فهماً قبل الشروع به وقد يكون ضاراً جداً ، فالحذر الحذر .

الغيمة
24-11-2009, 11:13 AM
ومال شعراء الصوفية إلى الغموض في تعابيرهم والإيهام في أقوالهم، لجذب انتباه الشعب. وقد أدرك عدد من الشعراء مقاصدهم من الغموض، فقلدوهم في تعابيرهم ساخرين منهم كقول أمين الدين الحوباني:
متُّ في عشقي ومعشوقي أنا ... ففؤادي من فراقي في عنا
غبتُ عني فمتى أجمعُني ... أنا من وجْديَ مني في ضنَى
أيها السامعُ، تدري ما الذي ... قلتُه؟ واللهِ ما أدري أنا
ويربط أدونيس بين الغموض في شعر المتصوفة بغموض المذهب ذاته فيقول:
"التصوف مرتبط بما هو خفي، هذا الخفي لا يمكنه إلا أن يأسرنا لخفاه، و لا يمكن إلا أن يشوقنا لبعده و احتجابه، خصوصا إذا ما تم ربط هذا الخفي بخفي آخر، و هذا المحتجب البعيد بمحتجب بعيد آخر ألا وهو الشعر "

إنسان مسلم
28-11-2009, 01:16 PM
الأخوة المشرفون الكرام
كانت لي مداخلة هنا ولم أرها.
عسى المانع خيراً؟
أنتظر جوابكم أيها الكرام.

محمد العدوي
01-12-2009, 10:05 AM
هذا عرض لكتاب فوائح الجمال وفواتح الجلال للعلامة الشيخ نجم الدين كبرى، كتبه للباحث الأستاذ: أحمد ممدوح المصري القاهري الشافعي، وهذا البحث نشره أخونا الحبيب في العدد الأول من مجلة البحوث والدراسات الصوفية، الصادرة عن المركز العلمي الصوفي بالعشيرة المحمدية (يسر الله صدورها مرة أخرى، ودفع عنها كل سوء):

قال سيدي الأستاذ أحمد ممدوح، نفعنا الله به:

------((فوائح الجمال وفواتح الجلال ))------


يعتبر كتاب فوائح الجمال وفواتح الجلال (1) هو أشهر مؤلفات الشيخ نجم الدين كبرى وأكثرها استيعابا لحياته الروحية تحدث فيه عن شتى الموضوعات الصوفية وذكر فيه العديد من الوقائع والتجارب الروحية التي عاينها في خلواته ومارسها خلال صحبته للمشايخ .
ولا يوجد أدنى شك في نسبة هذا الكتاب للشيخ نجم الدين بل يعد الكتاب بمثابة تصوير لتجربة شخصية في السلوك والعروج الروحي.
وكلمتي فواتح ومفاتح من الألفاظ ذات العبق الصوفي وقد استخدمهما غير واحد من المؤلفين في عناوين كتبهم منهم: السندوبي في فوائح عرف الصفا في مدائح السيد أبي الوفا ، وكمال الدين الحلبي في فوائح المسك العبوقي في لوائح السلك الدسوقي، وابن بشاشة في الفوائح المكية والروائح المسكية، وأخيرا مولانا الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم رضي الله عنه في فواتح المفاتح .

مؤلف الكتاب:
ومؤلف الكتاب هو مولانا الشيخ أحمد بن عمر بن محمد نجم الدين كبرى الخوارزمي الملقب بصانع الأولياء (2)
قال ابن نقطة: هو شافعي المذهب إمام في السنة(3).
وقال ابن الحاجب: طاف البلاد وسمع واستوطن خوارزم وصار شيخ تلك الناحية وكان صاحب حديث وسنة(4).
يقول الذهبي: نجم الدين الشيخ الإمام العلامة القدوة(5).
استشهد الشيخ نجم الدين كبرى -رضي الله عنه- بخوارزم في فتنة التتار سنة 618هـ، يقول ابن العماد الحنبلي: "لما دخل الكفار البلد نادى الشيخ وأصحابه الباقون الصلاة جامعة ثم قال قوموا نقاتل في سبيل الله ودخل بيته ولبس خرقة شيخه وحمل على العدو فرماهم بالحجارة ورموه بالنبل وجعل يدور ويرقص حتى أصابه سهم في صدره فنزعه ورمى به نحو السماء ، وفار الدم وهو يقول: إن أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق ، ثم مات ودفن في رباطه رحمه الله تعالى" . (6)

أسلوبه:
يتميز أسلوب مولانا نجم الدين كبرى بتلقائية وعدم حرص على استخدام الغريب من الألفاظ ، وأسلوبه يجعله وكأنه يكتب مجموعة من الخواطر كلما سنح له شيء كتبه فنجده يكتب في أمر ثم يعرج على آخر، وهذا الأسلوب نجده عند مثل ابن الجوزي في صيد الخاطر على اختلاف في التناول والعرض.
وكلام نجم الدين كبرى مفعم بالتضمينات القرآنية وضرب الأمثال، وضرب الأمثال كما يقول الغزالي يقصد به تقريب المعنى من الأذهان (7) أو كما يقول المناوي: "وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني" (8) ، فنجد ها الأسلوب منتشرا في كتب الصوفية الذين مارسوا التربية لحرصهم على إيصال المعنى على أكمل صورة في ذهن المريد .
والشيخ كغيره من الكاتبين في التصوف يتمتع أسلوبه بقدر من الرمزية على طريقة الصوفية في الإشارة، لكنه لم يتقيد بالمصطلحات الصوفية تمام التقيد، ومن ذلك تعبيره عن المريد بلفظ "السيار"، واستخدام ألفاظ وتعبيرات خاصة "كالجمود والخمود" (9).
ويستخدم الشيخ في خطابه للمريد لفظ: "يا حبيبي" وهو نداء خاص به كما اختص نداء "يا غلام" بسيدي عبد القادر الجيلاني ،ونداء "أي سادة" بسيدي أحمد الرفاعي(10).
ومن الظواهر الأسلوبية عنده استخدامه الأسلوب الإضافي لتحقيق المعنى في ذهن السامع أو القارئ فإذا استخدم كلمة الوجود راح يضيف إليها ما يوسع معناها ، وهذا الأسلوب نجده عند ابن عربي المتأخر قليلا عنه م 638هـ(11).

عرض لبعض مباحث من الكتاب:
يذكر أهل الله أن للذكر نارا تذيب شحومات الغفلة من على القلب ، ويأتي الشيخ نجم الدين كبرى ليفرق لنا بين هذه النار ونار الشيطان فيقول: "الفرق بين نار الذكر ونار الشيطان أن نيران الذكر صافية سريعة الحركة والصعود إلى الفوق، ونار الشيطان في كدر ودخان وظلمة وكذلك بطيئة الحركة .
الذكر نار لا تبق ولا تذر فإذا دخل بيتا يقول أنا ولا غيري .. فإذا كان في البيت حطب أحرقه فكان نارا وإذا كان في البيت ظلمة كان نورا فأفناها ونور البيت وإذا كان في البيت نور لم يكن ضدا له بل ذلك النور أيضا ذكر وذاكر ومن المذكور فيصطحبان جميعا نور على نور" (12).

ثم بعد ذلك يشير إلى أهمية الشيخ في الطريق إلى الله فيقول: "إذا خطر خاطر بقلبك أو فضاء بصدرك فشاور فيه الشيخ فإذا قال هذا خاطر الحق فاعلم أنه كذلك وهذا ضابط لك ما لم تصل إلى الذوق فإن وصلت إلى الذوق ذقت الخاطر فعرفته وميزته عن غيره بالذوق أما بالعبارة فيصعب نوع صعوبة فإنك تقول في الفرق ذاك حلو وهذا مر ثم يقال ما الحلو وما المر فلا تقدر أن تكشف عن حقيقة الحلاوة والمرارة سوى ان تذكر علاماتهما وثمراتهما"(13).
وتأتي أهمية الشيخ عند السادة الصوفية من أنه بمثابة الدليل الذي سلك تلك المسالك الوعرة من قبل وسبرها فيأخذ بيد المريد ليجنبه المهالك والطرق الوعرة حتى يصل إلى مطلوبه.
يقول الإمام الشعراني في لطائف المنن: "ولو أن طريق القوم يوصل إليها بالفهم من غير شيخ يسير بالطالب فيها لما احتاج مثل حجة الإسلام الغزالي والشيخ عز الدين بن عبد السلام أخذ أدبهما عن شيخ ..وقد سلك الإمام الغزالي على الشيخ أبي محمد البازغاني وسلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام على الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله يقول كثيرا :
لا تسلكن طريقا لست تعرفها بلا دليل فتهوي في مهاويها ". اهـ بتصرف (14)

والشيخ عند الصوفية له شروط يجملها الشيخ عبد المجيد الخاني بقوله:
"اعلم أن الشيخ الكامل هو الذي توفرت فيه شروط التربية والتزكية والإرشاد والإمداد وشهد فيه أهل الكمال بأنه بلغ مبلغ الرجال، وسرت فيه آداب المشيخة سريان الروح في الجسد بحيث ظهرت عليه صبغة الواصلين إلى الله تعالى". (15)
وعلى المريد –كما نص عليه السادة- أن يقصر اعتقاده على شيخه جازما بأنه لا يحصل مطلوبه إلا على يد هذا الشيخ فإذا تشتت نظره إلى شيخ آخر حرم نفع الأول وانسد عليه باب الإمداد الإلهي. (16)
وفي آخر كلام مولانا نجم الدين فائدة أخرى وهي أن الأذواق والمواجيد قد تضيق عنها العبارة، وهذا سر في بعض التجازات الموجودة في تعبيرات الصوفية، فالصوفي الذائق يحاول التعبير عن وجدان معين فتقصر العبارة عن التعبير عنه فيقع الوهم واللبس.
يقول الإمام الشعراني في اليواقيت: "وأما علم الأحوال فلا سبيل إليه إلا بالذوق ولا يقدر عاقل على وجدانه ومعرفته البتة كالعلم بحلاوة العسل ومرارة الصبر ولذة الجماع ونحو ذلك." اهـ . (17)
تأتي بعد ذلك قضية يثيرها كثير من أعداء التصوف وهي قضية سقوط التكاليف عن الأولياء، ولا شك أن دعوى وجود منزلة معينة من بلغها سقطت عنه التكاليف، ولم يعد مطالبا بأداء العبادات هو انسلاخ من ربقة الدين بالكلية، ولكن الشيخ معنا يقرر إمكانية سقوط التكليف عن عباد الله الخواص ولكن ليس على هذا المعنى المطرح بل على معنى آخر رائق مستقيم فيقول :
"هل يسقط التكليف عن عباده الخواص ؟ نعم
بمعنى أن التكليف مأخوذ من الكلفة وهي المشقة فيعبدون الله تعالى بلا مشقة وكلفة بل يتلذذون بها ويطربون" اهـ. (18)
يقول الشيخ فتح الله بناني: "فأهل الولاية لما كمل فناؤهم في الله وبقاؤهم بالله كانت أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم جارية على قوانين الشريعة المحمدية في كل لمحة ونفس بكرة وعشيا وامتزجت أنوار المتابعة بدمهم ولحمهم وعظمهم وصارت لهم طبعا وديدنا في سرهم وجهرهم ولم تبق لهم مشقة في ارتكابها بل صارت لهم أحلى من الزبد بالسكر والعسل وانتفى عنهم فيها الكسل والفشل وتعجبوا من التخلف عنها في حال أو مقال ..وقالوا أيضا كما قال متبوعهم إمام أهل الفضل والكمال صلى الله عليه وسلم وآله: أرحنا بها يا بلال .
وبعد الفنا في الله كن كيفما تشا***فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر
وهذا معنى قول بعض الكبار يصل العبد أي الكامل في المعرفة إلى مقام يسقط عنه فيه التكليف أي مشقته لا نفسه فافهم وشد يدك على هذا المذهب" اهـ(19).

ثم يحدثنا الشيخ نجم الدين كبرى عن مراتب النفوس حديث الخريت الماهر الذي خبر هذه الدروب واجتاز تلكم المفاوز، فيقول: "النفوس ثلاثة النفس الأمارة بالسوء وهي نفس العامة تكون مظلمة فإذا وقع الذكر كان الذكر مثل السراج الموقد في البيت المظلم فحينئذ تصير لوامة؛ لأنها تبصر أن البيت ملآن من نجاسة وكلب وخنزير وفهد ونمر وحمار وثور وفيل، وكل شيء مذموم في الوجود .
ثم تجتهد في إخراجهم عن هذا البيت بعد أن تلطخت بأنواع النجاسات وتجرحت من أنواع السباع فتلازم ذكر الحق والإنابة حتى يظهر سلطان الذكر عليهم فيخرجهم .
ثم تقرب من المطمئنة فلا تزال تجتهد في جمع أثاث البيت حتى يتزين البيت بأنواع المحمودات فتتحلى بها ويصلح البيت لنزول السلطان فيه فينزل، فإذا نزل فيه السلطان وتجلى الحق اطمأنت" اهـ(20).

ويستطرد الشيخ نجم الدين استطرادا حسنا في تحقيق معنى الخلوة (21)، فقال: "لابد أن يرى صاحب الخلوة والانقطاع إلى الله كل من عاشره خارج الخلوة بالوهم والمشاهدة في الحضور والغيبة يدعونه إلى ما كان عليه فيما سلف فإن كان ضعيفا جذبوه وأخرجوه إلى اللهو واللعب فلعبوا به كما كانوا ييلعبون به وأهلكوه كما أهلكوا أنفسهم ، وإن كان قويا انقطع عنهم بقدر قوته .
فإن تمت له الخلوة علم أنه أقوى من الكل وإن لم تتم له الخلوة علم أنهم أقوى منه .
وفي الأول تكون قوته بالشيخ فإنه صبي بعد فإن حن إليهم وخرج عن الخلوة كان ذلك من ضعف الشيخ وتقصيره حيث أدخله الخلوة وما قطع عنه الجاذب الذي يستجذبه.
إلا أن الشيخ قد يدخله الخلوة لأجل إتمام الأمر عليه وقد يدخله لأجل فائدة ما وذلك أن المريد لا يخلو من دفين مذموم في باطنه والشيخ لا يقدر على قطع ذلك إلا بواسطة صفع الخلوة .
ولا يأنس السيار إلى الخلوة حتى يحاربه كل من عاشره وصاحبه ورآه وملكه وإنما يحاربه لأنه كان إلهه قبل الخلوة فلما أن خلا بالله وأعرض عن كل شيء جاءه كل شيء يدعوه أن يعبده من دون الله …ثم لا يزال يكون مستأنسا بالذكر والخلوة حتى تنقطع عنه الأضداد والآلهة بالكلية وذكرها البتة فيكون أنسه حينئذ بالحق وذلك نهاية ميدان الخلوة ومن ثمة بداية خلوة المعنى فيكون بصورته مع الأغيار وبمعناه مع العارف.
قال الجنيد قدس الله روحه لمريديه أصحاب الخلوات: إن كان أنسكم في الخلوة بالخلوة ذهب أنسكم إذا خرجتم منها وإن كان أنسكم في الخلوة به استوت عندكم الصحاري والخلوات" اهـ(22).

وقد عد أهل الله فضول الخلطة من أعظم مفسدات القلب، قال الشيخ شمس الدين بن القيم في شرح المنازل: "فأما ما تؤثره كثرة الخلطة فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما وضعفا وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء اسوء وإضاعة مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم". (23)
وفي الحكم العطائية: متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به. (24)
وهذه المرتبة التي أشار الشيخ نجم الدين أنها منتهى السالك يعبر عنها غيره بقوله: "الخلوة في الجلوة"، فيكون السالك مع الناس بجسمه معتزل لهم بقلبه .
ومن هذا الباب قول رابعة العدوية:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي***وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس***وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

محمد العدوي
01-12-2009, 10:06 AM
وعن التصدر للتربية والمشيخة يقول الشيخ نجم الدين كبرى: "لا تصح التربية والمشيخة إلا لمن سلك الطريق وأبصر المذموم والمحمود في الغيب وقاسى بلاء هواجم العظمة من الهيبة والموت والفناء، ولا يصح للمجذوب فإن المجذوب وإن ذاق المقصود ولكن لم يذق الطريق إلى المقصود فلم يصلح للتربية والمشيخة لأن التربية والمشيخة هما الدلالة والخفارة في الطريق" اهـ(25).

وهو في كلامه هذا يفرق بين السالك والمجذوب فالسالك حتى يصل إلى الله سلك لهذا الطرق القفار وعاني أنواع المجاهدات فعرف أما المجذوب فله من اسمه نصيب فقد اصطفاه الحق لنفسه وجذبه إليه ففاز بجميع المقامات والمراتب بلا كلفة المتاعب(26) ، فلم يصلح المجذوب للتربية لجهله بالطريق -مع وصوله للمقصود-.

وهناك مرتبة أخرى ذكرها أهل الله وهي مرتبة المجذوب السالك وهو وإن كان يعبر على المنازل لكنه يشهد الأشياء بالله تعالى وهذا أعلى ممن يشهد الله تعالى بها، ولذلك قيل إنه أفضل من السالك المجذوب؛ لأن الأخير ينتهي إلى الفناء، وذاك ينتهي إلى البقاء والصحو بعد الفناء، وهذا أكمل من الأول؛ لأنه مقام الأنبياء ووارثيهم من المرشدين المكملين ؛ إذ مقام الإرشاد لا يصح ولا يصلح إلا لمن تحقق بالبقاء بعد الفناء(27).

ويحدثنا الشيخ نجم الدين أن الشيطان الرجيم تحايل عليه في خلوته بحيل وتشويش ليخرجه عما هو فيه، فأنقذه الله تعالى منه بقوة الرابطة الروحية بين الشيخ نجم الدين كبرى وشيخه.
يقول:
"كنت منقطعا إلى الله في الخلوة مواظبا بذكره فجاء اللعين وأكثر على الحيل ليشوش الخلوة والذكر فظهر في يدي سيف الهمة مكتوب عليه من ذؤابته إلى قبضته الله الله ، فكنت أنفي به الخواطر المشغلة عن الله فخطر على قلبي أن أصنف كتابا في الخلوة أسميه حيل المريد على المريد، فقلت لا يصح إلا بإذن الشيخ .
فشاورت الشيخ في الغيب فسمعت كلامه لصحة رابطة كانت بيني وبينه أن أنته عن هذا الخاطر" اهـ(28).

والرابطة الروحية مما اتفقت عليه جميع طرق أهل الله ، يقول الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي:
"الرابطة عبارة عن ربط القلب بالشيخ الكامل الواصل إلى مقام المشاهدة الإلهية المتصرف بقوة الولاية المشهود له بالكمال من كمل الرجال وحفظ صورته بالخيال ولو عند غيبته أو بعد وفاته ولها صور أهونها أن يتصور المريد صورة شيخه الكامل بين عينيه ثم يتوجه إلى روحانيته في تلك الصورة ولا يزال متوجها إليها بكليته حتى يحصل له الغيبة أو أثر الجذبة فبعد حصول أحد الأمرين يترك الرابطة ويشتغل بالأمر الحاصل بالجذبة أو الغيبة وكلما زال عنه ذلك الحال عاد إلى الرابطة حتى يرجع ذلك إليه وهكذا يداوم على الرابطة حتى يفنى عن ذاته وصفاته في صورة الشيخ فعند ذلك يشاهد روحانية الشيخ مع كمالاته في صورة نفسه لأن الكمالات لا تفارق الروحانية فتربيه روحانية الشيخ بعد ذلك لى أن توصله إلى الله تعالى ولو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب فالرابطة يستفيض الأحياء من الأموات المتصرفين والشيوخ من الشبان الواصلين" اهـ(29).

والحقيقة أن من أهم مقاصد الرابطة الروحية –خاصة عند متقدمي النقشبندية- قطع مادة التشبيه من ذهن الذاكر؛ لأنه حال الذكر قد يتسارع إلى ذهنه تصور للمذكور، فالرابطة تصرف ذهنه عن هذا التصور(30).

ولمولانا الشيخ خالد النقشبندي رسالة في تحقيق الرابطة-مخطوطة- يقول فيها: " وهو أمر لا يتصور جحوده إلا ممن كتب الله تعالى في جبهته الخسران واتسم والعياذ بالله بالمقت والحرمان؛ لأنه إن كان ممن يعتقد بالأولياء فقد صرحوا بحسنها وعظم نفعها، بل اتفقوا عليها كما لا يخفى على من تتبع كلماتهم القدسية واستنشق نفحاتهم الأنسية، وإلا فلابد أن يعتقد بكلام أئمة الشرع وأساطين الأصل والفرع؛ فقد قال بها من كل مذهب من المذاهب الأربعة أئمة تصريحا " اهـ.

ويشير الشيخ إشارة لطيفة إلى أن بعض الأحوال التي تعتري بعض السالكين ليست علامة كمال بل قد تكون علامة نقصان ، فيروي عن الجنيد أنه كان يوما في سماع لبعض الإخوان وقد طاب لهم الوقت وقاموا للرقص، والجنيد قاعد لم يتحرك فحسبوا أن الرقص عنده حرام فسألوه عن ذلك فقال: { وترى الجبال تحسبها جامدة}..الآية
قال الشيخ نجم الدين كبرى تعليقا: "فالراقص يستولي عليه البسط فيملكه والشيخ لا يملكه شيء وإنما هو يملك الأحوال" اهـ (31).

والحقيقة أن أكابر الأولياء من الصحابة ومن بعدهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم، أو يحصل لهم غشي أو صعق أو سكر، وإنما كان مبادئ هذه الأمور -كما يقول ابن تيمية (32) - في التابعين من عباد البصرة فإنه كان فيهم من يغشى عليه إذا سمع القرآن، ومنهم من يموت (33)، كأبي جهير الضرير، وزرارة بن أوفى قاضي البصرة(34).

وعن أهمية الوقت عند الصوفية يروى أن الإمام الشافعي صحب الصوفية فقال: إنه استفاد منهم حرفين: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن شغلتها بالحق وإلا شغلتك بالباطل(35).
ويعتبر الصوفية أن من نعم الله تعالى على العبد نظره إلى الوقت الذي هو فيه دون الماضي والمستقبل؛ فإن الماضي قد ذهب بما فيه من خير أو شر وختم على صحيفته، والمستقبل لا يدري العبد ما الله صانع فيه، وما بقي إلا الحالة الراهنة، ولا يخلو العبد فيها من أن يكون مخاطبا فيها بأحد ثلاثة أمور : إما أمر يمتثله، أو نهي يجتنبه، أو قدر يرضى به. (36)
وفي هذا المعنى يقول الشيخ نجم الدين كبرى: "الصوفي ابن الوقت؛ لأنه يدور مع الوقت كيفما كان ولا ينظر إلى ما مضى ولا إلى المستقبل لأن نظره إلى الماضي والمستقبل يضيع عليه الوقت"(37).

وحفظ الوقت أو حفظ الأنفاس -كما يعبر عنه بعضهم- هو رأس مال طالب الآخرة، حتى إن الهروي في منازل السائرين عد من أنواع التوبة توبة الخواص من تضييع الوقت .
ويقول الشيخ محمد بن عبد الله الخالدي النقشبندي في كتابه البهجة السنية في آداب الطريقة العلية: "أهل التصوف على ثلاث طبقات : مريد طالب ، ومتوسط سائر ، ومنته واصل فالمريد صاحب وقت والمتوسط صاحب حال والمنتهى صاحب نفس وأفضل الأشياء عندهم عد الأنفاس" اهـ(38).

وكتاب فوائح الجمال وفواتح الجلال عامر بغير ذلك من الفرائد والفوائد والنفائس التي دبجتها يراعة مولانا نجم الدين كبرى بما لم يشتمل عليه كتاب مثله مما لا تتسع هذه العجالة لعرضها جميعها،رحم الله مولانا نجم الدين كبرى ونفعنا به وبعلومه في الدارين .. آمين.

محمد العدوي
02-12-2009, 11:08 PM
خصائص الشعر الصوفى

ظلَّ الشعرُ دوماً ، مَعيناً يرده الصوفية للارتواء من نبعِ التعبير الصادق ، وأداةً مناسبة لتصوير أدق حقائق الطريق .. تلك الحقائق التى تلوح لقلوب أتقياء هذه الأمة فى ارتحالهم الذوقى لمنابع النور الإلهى ، سيراً بأقدامِ الصدق والتجردُّ عن الأكوان وطيراً بأجنحة المحبَّة ، لاختراق سماوات الأحوال والمقامات .. حتى تحطَّ عصا الترحال والسفر ، عند خيام القرب من الله .
وكناَّ قد انتهينا من النظر فى الآثار الصوفية ، إلى القول بأنَّ هناك ثلاثة أشكالٍ رئيسة ، عبَّر خلالها أصحاب الطريق الصوفىِّ عن أدقِّ رقائقهم وحقائقهم، وعَبَروا بها تلك الإشكالية الكامنة فى عجز اللغة العادية وقصورها عن ترجمة هذه المعانى بدقة ، فكانت هذه الأشكالُ التعبيرية : الكتابة النثرية بألفاظٍ اصطلاحية موغلة فى الاستغلاق ، القصص الرمزى المفعم بالتلويحات ، الشعر الصوفى.
وتأتى ضرورة بحث هذه الأشكال التعبيرية الثلاثة ، من كونها السبيل الوحيد لفهم التصوف وطريق الولاية بعمق ، وإن كانت للشعر أهمِّيته الخاصة بين هذه الأشكال الثلاثة .. فهو من حيث طبيعته ، وبما يتميز به من ايجازٍ لفظىٍّ ودلالةٍ رحبة ، خليقٌ بأن يُلْمَحَ به الصوفىُّ إلى مكاشفاتِ الوصول ومشاهداتِ الولاية، دونما إسهاب من شأنه أن يوقع أهل التحقيق فى مزالق اللغة ومضايق الفهم ومشانق الفقهاء القشريين ! ومن هنا قال الصوفى فى شعره ، مال لم يقله فى كلامه لأهل زمانه .
ولما كان الشعرُ الصوفىُّ فى أبياته القصار وقصائده المطولة على هذه الدرجة من الأهمية ، ولما كان الصوفية قد ارتضوه قالباً تعبيريّا منذ فجر التصوُّف وحتى اليوم ، ولما كنَّا بصدد تقديم نموذجٍ منه فى هذا الديوان ، ولأنه فى خاتمة المطاف : نمطٌ مستقل من الانتاج الشعرى ، فالمقام يقتضى أن نتوقَّفَ حِيناً لتحديد الخصائص العامة التى يتميز بها هذا اللون الشعرى :
إن أولى خصائص الشعر الصوفى وأبرزها ، هو ما يتعمده الشاعر فى سلوك سبيل الرمز والكناية وضرب الأمثال ، ليحمل البيت الشعرى بين طياتِ تفعيلاته ، ما لاحصر له من الدلالات الخاصة ، وهذا ما يصرِّح به شعراء الصوفية أنفسهم ، فنجد منهم عبد الكريم الجيلى يفصِّل الأمر بقوله :


مَفَاتيِحُ أَقْفَالِ الغُيُوبِ أَتَتْكَ فـىِ
خَزَائِنِ أَقْوَالِى فَهَلْ أَنْتَ سَـامِـــعُ
وَهَـا أَنَا ذَا أُخْفِى وأُظْهِرُ تَـارَةً
لِرَمْـزِ الهَــوَى مَا السِّرُّ عِنْدِىَ ذَائِعُ
وَإيَّـاكِ أَعْنى فَاسْمعِى جَارَتىِ فَمَا
يُصَرِّحُ إلاَّ جَــاهِلٌ أَو مُخَــادِعُ
سَأُنُشِى رِواَيَاتٍ إلى الْحَقِّ أُسْنِدتْ
وَأَضْرِبُ أَمْثَـالاً لِـمَا أنَـا وَاضِـعُ

ورموز الشعر الصوفى ، هى ذاتها تلك الاصطلاحاتُ التى تواضع القومُ على التحدُّث بها لكشف معانيهم لأنفسهم ، والتى عنى بعض مشايخهِم بالكشف عن دلالاتها للمريدين خلال قائمةٍ طويلة من المؤلَّفات فى هذا الباب ، كالرسالة القشيرية ، واللمع ، وكشف المحجوب ، وكتابىْ (اصطلاحات الصوفية) لابن عربى والقاشانى .
وأبرزُ هذه الرموز وأكثرها وروداً فى الغالب الأعمِّ من شعر الصوفيةِ، هو إشاراتُهم للذَّات الإلهية بمحبوبات العرب المشهورات ، مثل ليلى وهند وسلمى ولبنى .. وغيرهن . فمن ذلك ما نراه عند عفيفِ الدين التلمسانى حين يريد التعبير عن رؤيتِه لآثار جمال الذات الإلهية فى الكون ، فيقول :


مَنَعَتْهَا الصِّفاتُ وَالأَسْمَــاءُ
أَنْ تُرَى دُونَ بُـــرْقُعٍ أَسْمَــاءُ
قَدْ ضَلَلْنَا بِشَعْرِهَـا وَهْوَ مِنْهَا
وَهَــدَتْنَا بِهَــا لَهـَا الأَضْـوَاءُ
نَحْنُ قَـوْمٌ مِتْنَـا وَذَلِكَ شَرْطٌ
فِى هَـوَاهَـا فَلْييْــأَسِ الأَحْيَاءُ

وهذا الاشتقاقُ الرمزىُّ يرجع فى المفهوم الصوفىِّ ، إلى كَوْنِ كلِّ مظاهر الحسنِ فى الوجود ، إنما هى تجلياتٌ للجمال الإلهى الذاتى ، فتلك المحبوبات العربيات لايتعدَّين كونهنَّ إشارةً حسِّية باهتةً للجمال الأزلى ، هذا الجمال الذى اشتركْن فيه بحسنِهنَّ ، وتواضعهنَّ عنه بتعالى جمال الذات عنهنَّ علوّاً كبيرا . يقول ابن الفارض :


وَتَظْهَـرُ لِلْعُشَّاقِ فِى كُلِّ مَظْهَرٍ
مِنَ اللَّبْسِ فى أشْكَـالِ حُسْنٍ بَدِيعَـةِ
فَفى مَرَّةٍ لُبْنَــى وَأُخْرَى بُثَيْنَةً
وَآوِنَـــةً تُـدْعَـى بِعَـزَّةَ عَزَّتِ
وَلَسْنَ سِوَاهَا لاَ وَلا كُنَّ غَيْرَهَا
وَمَـا إنْ لَهَا فى حُسْنِها مِنْ شَرِيكَةِ

إلا أنَّ هذه الرموز ليست بحالٍ من الأحوال مسوِّغاً للوقوف عند هذه المظاهر والوجود المستحسنة ، وإنما هى محضُ تلويحاتٍ يوهم بها الصوفىُّ العامَّةَ بأنَّ محبوبه إنسانىٌّ ، صوناً لسرِّ محبته من الشيوعِ فى غير أهله ، وإشفاقاً على السامعين من أهل السلامة أن يفتتنوا بصريح أقواله . وعلى الحقيقة، فليس للصوفى توقف ولا كلام ، إلا فى محبة مولاه عز وجل ، ولهذا ارتاع ابن عربى حين سمع من مريديه أن ديوانه (ترجمان الأشواق) حمل على المعنى الظاهر ، وأنه اتُّهم بغزل ابنة شيخه تصريحاً .. فشرح ديوانه شرحاً ذوقيّاً ، منه قوله :


كُلُّ مَـا أَذْكُــرُ مِنْ طَلَـلٍ
أَوْ رُبــوُعٍ أَوْ مَـغَـــانٍ كُلُّ مَا
وَكَذَا إنْ قُلْتُ هِى أَوْ قُلْتُ هُو
أَوْهُمـوُ أَوْ هُــنَّ جَمْعــاً أَوْ هُمَا
كُلُّمَا أَذْكُـــرهُ مِمَّا جَـرَى
ذِكْرُهُ أَوْ مِثْلُـــــهُ أَنْ تَفْهَمَـا
مِنْهُ أَسـْرَارٌ وَأَنْـوَارٌ جَلَـتْ
أَوْ عَلَــتْ جَــاءَ بِهَا رَبُّ السَّمَا
فَاصْرِفِ الْخَـاطِرَ عَنْ ظَاهِرِهَا
وَاْطُلبِ الْبَـــاطِـنَ حَتَّى تَعْلَمَا


وإن كان الشيخ الأكبر قد أسهب فى هذه الأبيات وأطال ، كعادته دوماً! فإنَّ ما أراد قوله هنا ، قد ورد فى بيتٍ شعرىٍّ مفردٍ يتداوله الصوفية، يقول:


عِبَارَاتُنَـا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ
وَكُــلٌّ إلَى ذَاكَ الْجَـمَالِ يُشيرُ

والخاصية الثانية فى الشعر الصوفىِّ ، تبدو فى هذ القدرِ من التهويل والمبالغة، اللذين نجدهما فى الأبيات التى يعبِّر فيها الصوفىُّ عن الأحوال غير العادية التى يعايشها ، والأمواج العالية من الأنوار التى يعاينها . وتظهر تلك الخاصِّيةِ بأوضح ما يكون ، حين يحكى الشاعر الصوفى عن محبته وما يلاقى فيها من وَجدٍ وشوقٍ واحتراق :


وَطُوفَانُ نُوحٍ عِنْدَ نَوْحِى كَأَدْمُعىِ
وَإيقَـادُ نِيراَنِ الخلِيــلِ كَلَـوْعَتِى
فَلَوْلاَ زَفيـرِى أَغْرَقَتْنَى أَدْمُـعِــى
وَلَوْلاَ دُمُـوعِـى أَحْرَقَتْنِـى زَفْرَتِـى
وَحُـزْنِىَ مَـا يُعْقُـوبُ بَثَّ أَقَلَّهُ
وَكُلُّ بَــلاَ أَيُّــوبَ بَعْضُ بَلِيَّتِى

ومن هذه المبالغة ، ما نجده فى تلك الرباعية الصوفية التى كان الشبلى والجنيد كثيراً ما يستنشدان المنشدين إياها فى مجالس السماع الصوفىِّ ، والتى لاتخرج عن الإطار العام لتهاويل الشعر الصوفى :


فَلَوْ أَنَّ لِـى فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةِ
ثَمَانِيــنَ بَحْــراً مِنْ دُمُوعٍ تُدْفِقُ
لأَفْنَيْتُهَا حَتَّى ابْتَـدَأْتُ بِغَيْرِهَا
وَهَذَا قَلِيــلٌ لِلْفَتَــى حَينَ يَعْشَقُ
أُهِيمُ بِهِ حَـتَّى الْمَمَاتِ لِشَقْوَتِى
وَحَـوْلِى مِنَ الْحُبِّ المبَرِّحِ خَنْــدَقُ
وَفَوْقِى سَحَابٌ يُمْطِرُ الشَّوْقَ والْهَوَى
وَتَحْـتِـى عُيُــونٌ لِلْهَوَى تَتَدفَّقُ

وعلى هذه المحبَّةِ ، يجعل الصوفية من الموتِ عنواناً . فيكثرون فى شعرهم من ذكر موتِ المحبِّين عشقاً ، قاصدين الموت فى مفهومه الصوفىِّ -(إماتة تعلُّقات النفس) وفى مفهومه العام . ومن هنا قال ذو النُّونِ المصرى فى مطلع إحدى قصائده :


أَمُــوتُ وَمَا مَاتَتْ إلِيكَ صَبَابَتِـى
وَلاَ قُضِيَتْ مِنْ صِدْقِ حُبِّكَ أَوْطَارِى

ولاقتراب الطائفتين (الصوفية - العذريون) فى هذا الموضوع ، فقد أُعجب الصوفيةُ دوماً بالعذريِّين من الشعراء ، وتمثلوا فى شرح أحوالهم بأبيات الشعر العذرىِّ التى تفيض رقةً وتذوب حبّاً ، خاصةً أن الشعر العذرىَّ تندر فيه الصور الحسية الفجة ، التى تندر أيضاً فى شعر الصوفية .. اللهم إلا ما نجده عند عبد الغنى النابلسى ، الذى عمد فى بعض الأحيان إلى إغراق شعره فى الرمز الحسِّى ، بحيث وقف بأبياته على أبواب الشعر الصوفى ، ولم يتسام بها لِتَلَج فيه .
وللشعر الصوفىِّ خاصيةٌ تتعلق بعدد الأبيات ، فباستثناء بعض القصائد الصوفية المطوَّلة التى ابتغى أصحابها ترجمة التجربة الروحية بأسرها، كالتائية الكبرى، والنادرات العينية ، وأشعار العطار والرومى الفارسية ، .. وهى قصائد تُعدُّ أبياتُها بالمئات. فإنَّ الأغلب الأعمَّ من شعر الصوفية يأتى على هيئة أبياتٍ قصار، تُلُمح كل مجموعة منها عن لطيفةٍ ذوقيةٍ مفردةٍ ، أو بضعة لطائف سرعان ما يحجم الصوفىُّ عن الإسهاب فيها ، بحيث يقف بقصيدته عند أقل عدد من الأبيات .. ولهذا فإنَّ العديد من الدواوين الشعرية لكبار الصوفية ، تشتمل على مقطوعات شعرية لاتزيد أبياتها عن الخمسين ، بل تقف أحياناً عند بيت أو بيتين فقط ! والمثال على ذلك تجده فى دواوين الحلاَّج والشبْلى وابن عربى والتِّلْمسانى والشُّشَترى وعبد الهادى السُّودى اليمنى .
ومن الناحية العروضيَّة وعيار الشعر ، جاءت أغلب أشعارِ القوم من البحور المشهورة المتداولة ، كالطويل والوافر والكامل . لما تتميَّز به هذه البحور من اتِّساعٍ يعطى للشاعر خلال كمية كبيرة من السواكن والمتحركات ، إمكانية وافية للتعبير عن أغراضه . ومع ذلك ، فقد كان الصوفية كثيراً ما يضيقون بقواعد الشعر باعتبارها قيوداً ، فيكسرون جدران التفعيلات فى بعض أبياتهم، دون التفات إلى المباح وغير المباح للشعراء - مما يُغضب أهل العروض كثيراً - وقد عبر عن هذا الضيق بقيود بحور الشعر ، شاعرٌ صوفىٌّ لانظير له، أعنى مولانا جلال الدين الرومى فعلى الرغم من أنه وضع ديوانه (المثنوى) على قاعدة النظم الذى يعرف فى العربية بالمزدوج ، والذى يعتمد فى التقفية على توحيد القافية بين شطرى كل بيت ، بحيث تتحرر المنظومة من القافية الموحدة ؛ إلا أنه يعود فيضيق بتحكم التفعيلات فى آفاق النقش بالكلمات ، فيقول :
إِنَّنىِ أُفَكِّرُ فىِ القَافِيَةِ ، وَحَبِيبِى يَقُولُ : لاَ تُفَكِّرَ فىِ شَئٍ سِوَاى !
ويقول :
المعْنَى فىِ الشِّعْرِ ، كَحَجَرِ المِقْلاَعِ ، لَيْسَ لَهُ اتِّجَاهٌ مُحَدَّدٌ
ويقول :
مُفْتَعِلنْ مُفْتَعِلُنْ مُفْتَعِلُنْ .. قَتَلْتنـىِ .
وبطبيعة الحال ، فالشاعر الصوفى لم يكن ليلجأ إلى المهجور من البحور الشعرية ليعبّر بها ، فذلك بالنسبة له تكلف لاطائل تحته . فالصوفى لايرمى إلى الإِبهار اللغوى ولزوم ما لايلزم ليُسعد به الفصحاء ، وإنما هو فى نهاية الأمر يترجم بالأبيات معنىً عاينه عند فيضان الوجد .
وأخيراً ، فثمة خاصية يمكن اعتبارها سمة مميزة فى الشعر الصوفى ، تتمثَّل فى هذا الحشد الوافر من الأبيات المجهولة المؤلف . ففى الكتب المتون التى أرخت للتصوف ورجاله فى القرون الأولى ، تتوالى المقطوعات الشعرية المجهولة المؤلف، مسبوقة بكلمات مثل : وقال بعضهم ، وأنشد فى معناه ، ولله در القائل ، وقيل .. إلخ بل نراهم أحيانا ينسبون عددا من الأبيات لغير واحد من أهل الطريق . ومن أمثلة ذلك ، الرباعية الشهيرة (أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ ..) التى نسبتها بعض الكتب إلى رابعة العدوية ، وذكرتها كتب أخرى عند تَرجمة صوفى متأخر عليها بسنواتٍ عِدَّة، هو ذو النون المصرى .. ومن الأمثلة أيضاً، تلك الأبيات الرقيقة التى لم يُعرف حتى اليوم مؤلِّفها :


قَوْمٌ هُمـومُهـمُ بِاللَّهِ قَدْ عَلَقتْ
فَمَا لَهُمْ هِمَــمٌ تَسْمُوا إلىَ أَحَدِ
فَمَطْلَـبُ القَوْمِ مَوْلاَهُمْ وَسَيِّدَهُمْ
يَا حُسْنَ مَطْلَبِهِـمْ لِلْوَاحِد الصَّمَدِ
مَـا إنْ تَنَازَعَـهُمْ دُنْيَا وَ لاَشَرَفٌ
مِنَ الْمَطَـــاعِمِ وَاللَّذَّاتِ وَالْوَلَدِ
وَلاَ لِلُبْسِ ثِيَـــابٍ فَائِـقٍ أَنِقِ
وَلاَ لِـرَوْحِ سُرُورٍ حَـلَّ فى بَلَدِ
إلاَّ مُسَـــارَعَـةً فِى إثْرِ مَنْزِلَةٍ
قدْ قَارَبَ الْخَطْوَ فِيهَـا بَاعِدُ الأَبَدِ
فَهُمْ رَهَــائِنُ غُـدْرَانٍ وَأَوْدِيَةٍ
وَفِى الشَّوَامِخِ تَلْقَاهُمْ مَعَ الْعَدَدِ

تلك هى الخصائصُ العامة للتراث الشعرىِّ الذى تركه الصوفية ، وإذا كانت هذه الخصائص عامة ، فإنَّ من ورائها بعض السمات المميِّزة لكل شاعرٍ صوفىٍّ على حِدَّة . كهذا الولع بالتصغير والجناس الذى نجده فى شعر ابن الفارض وجمود اللفظ وتوالى المترادفات عند ابن عربى والخيال الواسع ورقة التصوير عند عفيف الدين التلمسانى والتدفق الإبداعى عند جلال الدين الرومى.. وغير ذلك ؛ إلا أن هذه السمات الخاصة بأبيات كل شاعرٍ منهم ، لاتخرج عن الخصائص العامة للشعر الصوفىِّ ، وإنما تنضاف إليها.

محمد العدوي
06-12-2009, 02:25 PM
الكتابة الصوفية: المقام والثقافة


تقوم الكتابة الصوفية كغيرها من الكتابات على قواعد علمية ومصطلحات تقنية تمثل أسس منهجها الخاص ، وقد تولدت هذه القواعد والمصطلحات في مبناها ومعناها ، نحتا واشتقاقا و مجازا وتشبيها من صميم هذه الكتابة الصوفية المتميزة . واستقلت بقدر استقلالها بتجربتها الوجدانية الخاصة والمتفردة بالمواجيد والأذواق القلبية ، في إطار ثوابت إيمانية أصولية ، مبنية على القرآن والسنة ويقينية إحسانية شهودية باعتبار ما يصل إليه الصوفي من العلم الذي هو كهيأة المكنون مصداقا لما قاله سيد أهل الشهود صلى الله عليه وسلم " إن من العلم كهيأة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا قالوه لا ينكره عليهم إلا أهل الغرة بالله " وهذا الذي جعل ثمرات هذه التجربة أكبر بكثير من أن تستوعبها العبارة الصريحة وذلك عند حصول الترقي الروحي وما يرافقه من أحوال ومواجيد . وقد نبه أبو حامد الغزالي رحمه الله على هذه المسألة بأنه متى عبر الصوفي عما يجده في قلبه فقد غلط غلطا لا يمكن الاحتراز منه وقد قال في بيته الشعري معبرا عن نفسه :
كان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسل عن الخبر
إن الصوفي هنا ليس متمردا على اللغة بل يلاطفها ويتعرف لها بما هي عليه من الوظائف ، وما تقدر على حمله من معان . لكنه يحتفظ لنفسه بالمدلول الحقيق لها الذي يترجم أحواله ومقاماته ، وقد يعمد الصوفي إلى التبسيط إذا تعلق الأمر بإرشاد العامة أو ترشيد الخاصة .

مما سبق ذكره نجد أنفسنا أمام بعض التساؤلات :
ـ ما منابع الكتابة الصوفية ؟
ـ ما هي خصوصياتها ؟
ـ وكيف يمكن التمييز بين الكتابة الصوفية الوجدانية وبين ثقافـة التصوف ؟

قبل الشروع في طرح الإجابات الممكنة لإشكالات هذا العرض ، ودرءا منا لكل التباس أو سوء فهم يمكن أن يتبادر إلى ذهن المتلقي بخصوص ما يقال عن كونية التجربة الصوفية ، وعالميتها وبلوغ أهلها إلى درجات عليا في الصفاء الروحاني في كل الأديان سماوية كانت أم وضعية ، لا بد من تحديد ما نقصده بالتصوف من جهة ثم الصوفي من جهة ثانية .
يذكر الشيخ أحمد زروق في كتابه قواعد التصوف عدة أقوال في أصل التصوف فمنها ما يرد المصطلح إلى الصوفة ، لأن الصوفي حسب هذا القول كالصوفة المطروحة لا تدبير له . ومنها ما يرجع بالمصطلح إلى الصفة إذ جملة التصوف هنا هو الاتصاف بالمحاسن وترك الأوصاف المذمومة . بينما أرجعه قول إلى الصفاء . يقول أبو الفتح البستي رحمه الله :


تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وظنه البعض مشتقا من الصـوفي
ولست أمنح هذا الاسم غير فتـى صافا فصوفي حتى سمي الصوفي


ويحدد الجنيد رحمه الله أصول التصوف في سبعة أشياء وهي : التمسك بكتاب الله تعالى والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأكل الحلال وكف الأذى واجتناب المعاصي ، والتوبة ، وأداء الحقوق.
وجاء في كتاب التعريفات للجرجاني أن الصوفية هم القائمون مع الله تعالى بحيث لا يعلم قيامهم إلا الله
وقالوا الصوفي من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه ظاهر الكتاب والسنة ، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله جاء في موسوعة الكسنزان أن الصوفي من صفى قلبه فصفا ، وسلك طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ورمى الدنيا خلف القفا ، وأذاق الهوى طعم الجفا .
وتأتي نتيجة هذه المجاهدة الشرعية بما ضمنه الحق تعالى في قوله في سورة البقرة " واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم " . وكذا قول الصادق المصدوق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم " من اخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه "
وتتباين الكتابة الصوفية بالنظر إلى جوانية المعرفية التي يتلقاها الصوفي ، وإلهية مصدرها بتباين أحوال ومقامات أصحابها ، وهو ما يقتضي من متلقي الخطاب الصوفي أهلية وكفاءة روحانية تذلل أمامه ما قد يبدو لغيره من (علماء الرسوم) غموضا والتباسا وهلوسة في أحيان كثيرة . أما أهل الفهوم فقد ضبطوا هذا الأمر بقولهم " لا يفهم عنك إلا من أشرق فيه ما أشرق فيك " .
وبيان الفرق بين الحال والمقام عند الصوفية أن الحال يسمى حالا لتحوله . والمقام مقاما لثبوته واستقراره . قال أبو حامد الغزالي رحمه الله :" وقد يكون الشيء بعينه حالا ثم يصير مقاما مثل أن ينبعث من باطن العبد داعية المحاسبة ، ثم تزول الداعية بغلبة صفات النفس ، ثم تعود ثم تزول . فلا يزال العبد حال المحاسبة يتعاهد الحال ثم يحول الحال بظهور صفات النفس إلى أن تتداركه المعونة من الله الكريم ويغلب حال المحاسبة وتنقهر النفس وتنضبط … وتتملكها المحاسبة . فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه ، فيصير في مقام المحاسبة ، بعد أن كان له حال المحاسبة ثم ينازله حال المراقبة … " وهكذا دواليك في جميع الأحوال والمقامات .
وباختصار فإن المقام هو استيفاء حقوق المراسم ، فإن لم يستوف الصوفي حقوق ما فيه من المنازل ـ وعددها عند بعض الصوفية عشرة مثل ابن عربي ـ لم يصلح له الترقي إلى ما فوقه . كما أن من لم يتحقق بالقناعة مثلا حتى تكون له ملكة لم يصلح له التوكل ، ومن لم يتحقق بحقوق التوكل لم يصح له التسليم وهلم جرا في جميعها … ويسمى مقاما لإقامة السالك فيه .

منابع الكتابة الصوفية :

إن الكتابة الصوفية إذن هي عبارة عن تعريف لمقام الصوفي مهما اختلف مما ينفي عنها بكل حال من الأحوال أن تكون لسانا مترجما للمخزون الثقافي الذي يكون قد اكتسبه الصوفي نفسه من سابق مطالعاته في شتى صنوف المعرفة ، فالكتابة هنا ليست تنميقا للأسلوب أو تعملا للإبداع أو اختيارا عقليا للألفاظ والصيغ مما يقدر عليه الفكر، بل هو إملاء إلهي ، يقول الشيخ الأكبر و الكبريت الأحمر مؤكدا بجزم قاطع : فو الله ما كتبت منه ـ يقصد كتابه الفتوحات المكية ـ حرفا إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني
وجاء في كتاب جواهر المعاني لسيدي أحمد التيجاني رحمه الله أن أبا يزيد البسطامي رحمه الله " كان يخاطب علماء عصره قائلا : أخذتم علمكم عن علماء الرسوم ميتا عن ميت وأخذنا علماء عن الحي الذي لا يموت".

ومثاله قول الشيخ الأكبر في فتوحاته ، وقد كان في واقعة : رأيت الحق فيها يخاطبني … وسماني باسم ما سمعت به قط إلا منه تعالى في تلك الواقعة وهو نرديار فسألته تعالى عن تفسير هذا اللفظ فقال ممسوك الدار
كما قد يأخذ الصوفي عند عروج روحه والتقائها بروحانية بعض الأنبياء علوما ومعارف خاصة تمده بها مثلما وقع للشيخ الأكبر مع روحانية سيدنا هارون عليه السلام حيث قال له : يا هارون إن أناسا من العارفين زعموا أن الوجود ينعدم في حقهم فلا يرون إلا الله تعالى ولا يبقى للعالم عندهم ما يلتفتون به إليه في جنب الله تعالى ، ولا يشك أنهم في المرتبة دون أمثالكم وأخبرنا الحق أنك قلت لأخيك في وقت غضبك فلا تشمت بي الأعداء ( سورة الأعراف ) فجعلت لهم قدرا ، وهذا حال يخالف حال أولئك العارفين ، فقال : صدقوا فإنهم ما زادوا على ما أعطاهم ذوقهم ولكن أنظر هل زال من العالم ما زال عندهم ؟ قلت لا ، قال فنقصهم من العلم بما هو الأمر عليه على قدر ما فاتهم ، فعندهم عدم العالم . فنقصهم من الحق على قدر ما انحجب عنهم من العالم . فإن العالم كله هو عين تجلي الحق لمن عرف الحق.
كما يمكن لروح الصوفي أن تلتقي في معراج معنوي بأرواح بعض الأولياء الذين قضوا في الأزمنة السابقة فتفيدهم علوما يرتقون بها إلى مقامات لم يتسن لهم إدراكها أثناء وجودهم في دار الدنيا ، مثلما وقع لذي النون المصري مع الشيخ الأكبر ، حيث يحكي لنا بقوله : رأيت ذا النون المصري في هذا التجلي وكان من أظرف الناس ، فقلت له يا ذا النون عجبت من قولك وقول من قال بقولك : إن الحق بخلاف ما يتصور ويتمثل ويتخيل ثم غشي علي ثم أفقت وأنا أرعد ثم زفرت وقلت كيف يخلى الكون منه والكون لا يقوم إلا به ؟ كيف يكون عين الكون ؟ وقد كان ولا كون ، يا حبيبي يا ذا النون أنا الشفيق عليك لا تجعل معبودك عين ما تصورته . ولا تخلي ما تصورته منه ، ولا تحجبنك الحيرة . فقل ما قال ، فنفى وأثبت : " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " ليس هو عين ما تصور ولا يخلو ما تصور منه فقال ذو النون : هذا علم فاتني وأنا حبيس . والآن قد سرح عني . وقد قبضت على ما قبضت . فقلت يا ذا النون ما أريدك هكذا . مولانا وسيدنا يقول عن الله تعالى : " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " والعلم لا يتقيد بوقت ولا بمكان ولا بنشأة ولا بحالة ولا بمقام . فقال لي جزاك الله خيرا . قد بين لي باب الترقي بعد الموت . وما كان عندي منه خبر . فجزاك الله عني خيرا".
من خلال هذه الخلال الحية التي توثق لمنابع الكتابة الصوفية نتساءل الآن عن خصائصها .

خصائص الكتابة الصوفية :
* الخصيصة الأولى : الاهتمام بنتائج المقام والحال :
إن هذه الكتابة لا تتوجه إلا عند الحاجة بسؤال يقتضيه الحال أو المقال فتكون الإجابة بإذن ولغرض شرعي لا طبعي ولإقرار الديني لا الطيني كما لا تكون الإجابة عن ما هي الشيء بالحد الذاتي كما هو ديدن الفلاسفة والعلماء بل يجيب الصوفية " بما ينتج ذلك المقام فيمن اتصف به . فعين جوابهم يدل على أن المقام حاصل لهم ذوقا وحالا . وكم من عالم بحده الذاتي وليس عنده منه رائحة . بل هو عنه بمعزل بل ليس بمؤمن رأسا وهو يعلم حده الذاتي والرسمي . فكان الجواب بالنتائج والحال أتم بلا خلاف " وهذا هو الغرض من المقام .
حكاية عبد الكريم الجيلي لما جاه الشيطان ووسوس له بكتابة مداخله عليه
* الخصيصة الثانية : الرمزية والسرية .
جاءت في القرآن الكريم والحديث النبوي ما يؤكد على وجود الرمزية كما هو الشأن بالنسبة للحروف المقطعة في أوائل السور أو بعض الآيات التي تفيد استعمال الرمز والإشارة . ثم قوله صلى الله عليه وسلم متحدثا عن علم الباطن : " علم الباطن سر من أسرار الله تعالى يقذفه في قلب من شاء من عباده" . وقد كان الصوفية من هؤلاء العباد .
وصونا للحقائق التي يمكن أن تذاع والنفوس حتى لا تباح فقد استعمل الصوفية الرموز والإشارات في عباراتهم ، ونحتوا مصطلحات أملتها عليهم الحضرة وأصبحت من أعراف كتاباتهم وخصائص لغتهم . تفصح عن المشروع وتحجم عن الممنوع . إذ لا بد للحسناء من نقاب ، قال بعضهم :

ألا إن الرموز دليل صدق على المعنى المغيب في الفؤاد
وكل العارفين لها رمـوز وألغاز تدق على الأعـــادي

ومن بين هذه المصطلحات وعلى سبيل التمثيل نورد رمزين هما الكأس والخمرة .
فالكأس كما يعرفه مولاي عبد السلام بن مشيش رحمه الله :
مغرفة الحق يغرف بها من ذلك الشراب الطهور المحض الصافي لمن شاء من عباده المخصوصين من خلقه ، أما تلميذه أبو الحسن الشاذلي فيقول الكأس هو اللطف الموصل للنور الساطع عن جمال المحبوب إلى أفواه القلوب
وعن الخمرة يقول الشيخ أحمد بنعجيبة رحمه بأنهم( أي الصوفية )يطلقونها على الذات العلية قبل التجلي وعلى الأسرار القائمة بالأشياء بعد التجلي فيقولون الخمرة الأزلية تجلت بكذا ، ومن نعتها كذا . وقامت بها الأشياء تسترا على سر الربوبية وهي التي يشير إليها ابن الفارض في خمريته :

شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن تخلق الكرم

الخصيصة الثالثة : اعتماد الحيل اللفظية .
قال أحدهم :

بذكر الله تزداد الذنـــوب وتحتجب البصائر والقلوب
وترك الذكر أفضل منه حالا فإن الشمس ليس لها غروب

ومعناه أنه تعالى متى غاب حتى يذكر! ؟ فهو دائم الحضور عند أهل الحضور . وقال عبد الله الهروي رحمه الله :

ما وحد الواحد من واحــد إذ كل من وحده جاحـد
توحيد من ينطق عن نعتـه عارية أبطلها الواحــد
توحيده إياه توحيــــده ونعت من ينعته لاحــد

فالموحد هنا يثبت لنفسه إنية وكينونة ووجودا مع وجود الحق تعالى وكل ما خلا الله باطل ، فكيف يستقيم التوحيد بإثنينية ذاتين ذات الموحــد وذات الموحد! ؟
فإذا فهم هذا المعنى زال الغموض من كلام الحلاج الذي قال من وحد الله فقد أشرك به .

* الخصيصة الرابعة : اعتبار الحروف أمة .
أن الصوفي لا تقتصر عنايته بالعبارة أو الكلمة بل يتناهى به الأمر إلى اعتبار الحرف واستنطاق مخزونه الخفي بإظهار نوره وسره وحقائقه . يقول الشيخ الأكبر متحدثا عن الحروف معتبرا إياها أمة من الأمم :

" اعلم وفقنا الله وإياكم أن الحروف أمة من الأمم مخاطبون ومكلفون وفيهم رسل من جنسهم ولهم أسماء من حيث هم ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقنا . وعالم الحروف أفصح العالم لسانا وأوضحه بيانا . فالألف يشار به إلى الذات الأحدية أي الحق من هو أول الأشياء في أزل الآزال ، والباء يشار به إلى أول الموجودات الممكنة وهو المرتبة الثانية من الوجود ".

وقد حدد لكل حرف عمله ووظيفته مثل لام ألف ففيه " علم نسبة الكون إلى المكون "ولا يتسع المجال للتفصيل في هذه الجزئية ، وقد عدد ابن عربي فصول حروف المعجم فوجدها تزيد عن خمسمائة وكل فصـل مراتب كثيرة .

الخصيصة الخامسة : اللجوء إلى الحوار : الفعلي و الافتراضي :
ـ الحوار الفعلي : مثال : ابن عربي وابن رشد .

" ولقد دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به علي في خلوتي فكان يظهر التعجب مما سمع فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي فإنه كان من أصدقائه وأنا صبي ما بقل وجهي ولا طر شاربي فعندما دخلت عليه ، قام من مكانه إلي محبة وإعظاما فعانقني وقال لي : نعم قلت له : نعم فزاد فرحه بي لفهمي عنه ، ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك . فقلت له : لا فانقبض وتغير لونه ، وشك فيما عنده وقال : كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي هل هو ما أعطاه لنا النظر ؟ قلت له نعم لا وبين نعم و لا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها ، فاصفر لونه وأخذه الأفكل وقعد يحوقل وعرف ما أشرت بــــه إليه …" إلى أن قال عن أبي الوليد الفيلسوف " إنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي ، فشكر الله تعالى الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا وخرج مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة . وقال هذه حالة أثبتناها وما رأيت لها بابا فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أرباب الفاتحين مغالق أبوابها . والحمد لله الذي خصني برؤيته . ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية . فأقيم لي رحمه الله في الواقعة : في صورة ضرب بيني وبينه فيها حجاب رقيق أنظر إليه منه ولا يبصرني ولا يعرف مكاني وقد شغل بنفسه عني ، فقلت إنه غير مراد لما نحن عليه . فما اجتمعت به حتى درج وذلك سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة مراكش ونقل إلى قرطبة و بها قبره . ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة جعلت تآليفه تعادله من الجانب الآخر وأنا واقف … وقال أبو الحكم بن برجان ( صاحبي ) ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه ؟ هذا الإمام وهذه أعماله يعني تآليفه فقال له آخرون وابن جبير يا ولدي نعم ما نظرت لا فض فوك ، فقيدتها عندي موعظة وتذكرة رحم الله جميعهم .

الحوار الافتراضي :

ويكون من مخيلة الصوفي ومن باطنه . وسنقتصر على حوار جد مختصر وفيه ما فيه .
قيل للشبلي أنت الشبلي ؟
فقال أنا النقطة التي تحت الباء .
ونورد مثالا شعريا من هذا الحوار يقول أحدهم محاورا فقيها من علماء الرسوم لم يفهم مراد القوم من الخمرة …

أفتني أيها الفقيه وقل لـي هل يجوز شربها على عرفات
فأجاب الفقيه إن كان خمرا عنبا فيه شيء من المسكـرات
شربه عندنا حرام يقينــا زائد فيه شيء من الشبهــات
آه يا ذا الفقيه لو ذقت منها وسمعت الألحان في الخلـوات
لتركت الدنيا وما أنت فيه تعيش هائما إلى يوم الممـات

هذه بعض من الخصائص التي تحاول أن تنظر للكتابة الصوفية وتبرز بعضا من أعرافها ، وذلك باعتبارها مادة لتجليات مقام الصوفي وليس لثقافتــه و مجهوداته الفكرية.
وهكذا تبدو هذه الكتابة منفلتة من كل زوايا النظر المنهجية رافضة كل أشكال التنميط اللغوية ، وإن كانت هناك إمكانية الحديث عن طبيعة هذه الكتابة الصوفية ، فستكون حديثا بعقل التمييز ( الفلاسفة والباحثين ) لا بعقل التخصيص و التبريز ( الصوفية ) أهل العناية الخاصة . ذلك ـ كما أسلفنا ـ إلا أنها كتابة إملاء وليست كتابة إنشاء. ولهذا – وفي إطار النقد الذاتي باعتبار ما توضح في التناول تحليلا ومناقشة- يمكن تعديل عنوان هذه المداخلة بالتحقيق الصوفي بأنه: الكتابة الصوفية: المقام والحال. وهو تعديل جاء من حضرة من الحضرات..