PDA

View Full Version : نماذج للقراءة السريعة ..



لحظة فرح
27-09-2009, 02:10 PM
"نموذج 1"



مختلفٌ هذا الصباح عن بقية الصباحات الأخرى . اختلفت الأفعال ومشاعرها عليّ : أنا الآن أوقظهم ليس لأنهم سيأخروني عن المدرسة ، لكن أوقظهم ، كيلا يتأخروا هم عن المدرسة ، هذا يعني أني لست مضطرة إلى استعجالهم المؤدي إلى ارتفاع ضغطي واقتراب إصابتي بأمراض القلب . ويتبقّى لي عناء بعثهم من مراقدهم فقط ، الذي يخيل إلي ؛ أن النوم عندهم عبارة عن طبقات متتالية ، وعند إيقاظهم أنتشلهم من طبقة إلى طبقة حتى يصلوا إلى مرحلة الوعي الكامل بأنه نهار مدرسي جديد ، في قواميسهم: "غثيث" . ثم تبدأ مرحلة طبقات الأخلاق النزقة : بعضهم عند الإفطار يسترجع أخلاقه المعتادة، بعضهم في السيارة والبعض الآخر ينزل منها وهو لما ينتهي الخروج من طبقات أخلاقه ، وأرثي لحال الذين سيلقونهم بهذا التجهم وحدّة اللسان . أيضا لن أضطر إلى مناداتهم ـ من الدور الأسفل وهم في الدور الأعلى أسمع خطواتهم المتثاقلة ـ بـ "يالله" عشرات المرات، وهيهات أن تحرك من الأمر شيئا. ثم حين يرتفع معدل استظرافهم في أوقات أخرى ـ غير الصباح طبعا ـ يسخرون من هذه الكلمة ، ولا مانع لديهم من الاختلاف أمام مرأى من عيني أني دجاجة أم ديك مثلا .


ولأن الرغبة بالانتقام غريزة إنسانية قليل من يستطيع أن يتخلى عنها ، كنت أنا من الكثير الذين لم ينالهم فضل التنزّه منها ، فانتقمت منهم ، انتقمت لأوقاتي التي ذهبت هدرا في إقناعهم بالاستيقاظ ، وانتقمت لمزاجي الذي عكروه عليّ كل صباح ، وانتقمت لاحترامي الذي ضاع بشتيمة في غمرة من الطبقة المتوسطة غالبا. فأخبرتهم أنهم صغار جدا لم يبرحوا المدرسة ، وأن عهود المدرسة انتهت في العصر الحديث ، والتوجه العالمي في هذا القرن نحو الجامعة ، ولكلٍّ منهم حسبت لهم السنوات البعيدة التي تفصلهم عن الجامعة ، وهزأت من حقائبهم ، ومن الفطيرة التي يأخذونها ، ومن مصروفهم القليل بالنسبة لمصروفي الجديد ، وناديت كل منهم بسنته الدراسية، إمعانا في إشعارهم بصغرهم ، رافقتهم حتى الباب وزودتهم بالنصائح الدقيقة التي تذكرهم بتفاصيل كرههم للمدرسة ، فهم في الإجازة يكرهون أن تذكر سيرة المدرسة ، فما بالكم بهذه : احجز مكان في الصف الأول بجانب الباب ؛ لكي يرسلك الأستاذ دائما ، احرص على المقاعد القريبة من المكيف، رددوا النشيد الوطني معهم بحرارة، وحاولوا أن تسارعوا بالوطن أنتم ـ لا الأهازيج ـ إلى المجد والعلياء ، فهو لم يسارع ـ حسب ظني ـ ، فعندما سمعنا نصرخ فيه بالمسارعة كل يوم ، ولم يرانا نسارع به ، أبى إلا أن يستلقي ، عفوكم عنه ، مزاجه حارّ .


ثم أغلقت الباب وراءهم، وزالت رتوش التشفّي منهم، وحزنْت، سأفتقدهم، أحقّا لن أذهب معهم مرة أخرى؟،

أحقا أن الأيام القادمة لن أكون أنا من يهتم بأمرهم ، وبعد اليوم لن أقف معهم عند المخبز لنشتري الخبز الساخن لأمي، ولن يقولوا لي: "نسّميه"، لأنه يأتي منفوخا، وحدث مرة أن ضغطته بقوة فخرج بخارا كثيرا، فلم تفتأ تلك الحركة تضحكهم ، ثم بعد ذلك يصل أحد الأقراص لأمي على شكل قمر مخسوف خسوفا جزئيا ، الوصول إلى مدرسة هو من يمنع الخسف الكلي له . وفي أحيان يحدث أن الذي أعطته أمي ريالين الخبز ينسى إخبار السائق بالوقوف عند المخبز ، ثم عند الظهر يخبرنا عن سعادته بالمفاجأة التي وجدها في جيبه ، وهي غنيمة على كل حال ، والسائق الذي يرفض رفضا قطعيا إعطاء ريال واحد لو أرادت أمي الخبز بعد انطلاقنا ، بحجته أبد الدهر "مافي جيب فلوس" ، وأتساءل أنا متى سنظفر بيوم تحضر نقودك فيه ، يقوم بطريقة تثير العجب يعرف أن أحدا لن يبخسه حقوقه ، لكن لماذا يضع حقوقه في موضع للأخذ والعطاء ثم يكلف نفسه المطالبة بها ، وهي طريقة ناجعة ربما ، أحتاج لدراسة جدواها ليقوم بها من يُكثر أن يطالب بحقوقه ، كالمرأة في كل الأحيان . أما الذي تكرم بدفع مبلغ الخبز من مصروفه ، يبالغ عند الظهر في الصراخ بسرعة تقديم الغداء وإظهار سحنة إنهاك الجوع على وجهه .



( منذ أن قالت المرأة لأنكيدو تطلب منه التحول إلى حياة البشر : الخبز مادة الحياة ؛ والخبز مادة الحياة . أن في يدك قطعة خبز ، أي أن هذا كان ما يد البشر من آلاف الأعوام ، من الهكسوسي الذي رأى فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ، إلى حيثما يعلم الله بأخذ البشر من الأرض ، على اختلاف الأعراق واللغات والأديان والطبقات . اليوم الذي سيتوقف المخبز عن الخَبز ؛ ستضطرب الحياة ، وسيتضح زيف متاجر الأغذية الأخرى . الخبز صديق الشعب ، أنّى اختفى ، سيُخنق آكله ، ولأن انطوانيت غبية ، لم تفهم عقيدة الخبز ، قالت : "فليأكلوا البسكويت" ، فعلقها الشعب على الحبل ، الذي يفهم معاني الكسرة اليابسة ، والأخرى المخبأة في الجيب . تكذب كل موائد المشاركة في الطعام ، وتصدق اللحظة التي تقتسم فيها الرغيف . كل صرخات المآسي ستبدو صغيرة وخافتة ، عند الذي يصرخ يريد خبزا )



وغير ذكريات الخبز أشياء كثيرة كانت لا تسرني في وقتها لكن هي الآن من الماضي الجميل. الذي اتخذ طريقه في سرداب الذكريات.

الذكريات ، ذلك المستودع الذي تدخل فيه البضائع موثّقة بالصوت والصورة، إلا أن مسؤول المستودع مصاب بفشل أبدي عند التحكم بدخول البضائع جيدها من رديئها .

لحظة فرح
27-09-2009, 02:21 PM
"نموذج 2"


"مقابلة شخصية" تركيب يوحي بشيء من الفزع ، يدل على أن ثمة أحد سيقابل شخصك ويسألك وأنت ستجيب ، وهو بدوره سيسبر أغوار شخصك ، ومن يدري ربما يكشف مجاهل ظلماتك ، وأحراش أفكارك . صديقتي تتصل تريد اطمئنانا منّي بشأن المقابلة ، ولأني لا أحب دور مطمئن القلوب ، أخبرتها بطمأنة والدي: "صديقتي يؤسفني أني بدأت أشك في أمر اجتيازك له ، فهو معدّ للتأكد من سلامة النطق والسمع للمتقدمات" .

وحان صباح المقابلة ولتفادي الانفجار الطالباتي الذي لابد حاصل ؛ كان أن ذهبت مبكرا ودخلت المبنى الذي خيل إلي أنه لم تطأه قدم آدمية هذا الصباح ، الأبواب المقفلة والأنوار المطفأة تشي بأني بالغت كثيرا في أمر التبكير ، وجلست في الكراسي الخارجية إلى أن بدأت الوفود تأتي ومن بينهن صاحبتاي ، أخبرتهن أن لا داعي لأمر استكشاف المبنى فأنا قد دخلته ولم يحضر أحد والمقابلة في العاشرة والنصف ، من قبيل أسبق منك بدقيقة أعرف منك بكل شيء في الحياة ، ومسَكنا أوساط الحديث إلى أن لاحظنا أن الكثير يدخل ويخرج وبيده بطاقات صفراء ، كان هذا في العاشرة ، أخبرتنا إحداهن أنه من الصباح قد ابتدأ توزيع الأرقام في الدور الثاني ، شخصت أبصارنا وتصنعت دور البريئة التي لم تضلل أحدا ، ثم انبعثنا من غفلتنا ، ووجدنا المكتب المزعوم ، أقنعتهما بالدخول قبلي وأني سأدخل مباشرة وراءهما ، فدخلا ولم أدخل ـ أكره الخيبات ـ ثم إن كثيرا من الطرق لم تُمهد لأن البلدية مهدتها ، لكن لأن هناك سيارات تطوعت بالمرور منها أولا فكانت الطريق ممهدة وسالكة للعابرين ، وما إن خرجتا والأرقام في يدهما حتى دخلت ـ لا أحب نظرات الاتهام بأي شيء ـ وخرجت ، وسألتهما عن أرقامهما، فكانت أولاهما 79 وثانيهما 80 ، وهزئت من سخرية أقدارهما لأن رقمي 17 وعندما هممت بالتشمت وأن سيطول المكوث بهما لانتظار دورهما ، أتت إحداهما بصمت رهيب لتقلب الرقم الذي في يدي ، فإذا هو بقدرة قادر قد تحول إلى 81 ، عرفت عندها أي سرعة جنونية تتحول فيها الضحكة غصّة، وشدة التفاعل الشعوري الناتج من الانقلاب من شامت إلى مشموت به.

أما المقابلة التي كان من أجلها كل هذا، فهي لا تستحق أن يقال عنها شيئا، ولو علمت بمبلغ بساطتها لم أجعلها من الأشياء التي تحظى بالخطور في بالي، التي أجرتها قامت بسؤال أحسب أنها ستظيفه في سجلها المهني لإثبات أن لديها تفوّق في الملاحظة وقدرة بارعة على استنباط أسئلة المقابلات . لاحظتْ أن في الأسماء التي أجرت معها المقابلة اسم قبلي من قريباتي ، فبادرتني: "ليه دخلتوا القسم نفسه؟" ، "ما كنت أدري أصلا عنها" ، فأحسست أن ليس لديها رغبة جادة في سماعي، وسؤال آخر: "طيب عرفيني عن نفسك" ، الله وحده يعلم ماذا حصل من الاضطرابات في تلك اللحظة ، ماذا؟! ، أنا أعرفك عن نفسي! ، من أين أبدأ ومن أين أنتهي، لو تعلمين أن هذا السؤال سيضطرك الجلوس لسماعي حتى تتنمل أطرافك ، ماذا نفسي تريدين أن أخبرك ، أنا سليلة المجد ، علامة الزمان، برهانة الدين، سراجة العلم، أمّ النجابة والنجباء أبنائي ولابد، ماذا أتريدين فجيعة الحمداني بسؤال اللعوب يتكرر في شخصي : تسائلني من أنت وهي عليمة ... وهل بفتى مثلي على حاله نكر .

حسنا ، الكذب سيء ، لابد من الاعتراف أنه لحظة طرح السؤال أحسست بلساني قد ربط وتحولت بكاملي إلى تمثال من الجليد ، وفراغ قد عصف بي ، وبصري على حافة المكتب قد ثبته، ولو سقطت إبرة بداخلي لسُمع صوتها ، وإن كان من صوت سيخرج من سقوطها ، فهو قولي :"من أي ناحية يعني؟" ، قالت: "اسمك، من وين تخرجتي، نسبتك" . سامحها الله هي لا تعلم ما الذي ألم بي بسؤالها المرهق .


( المبالغة في ردات الأفعال أسوأ من الكذب بمراحل، الكذب قد يكون مساويا للأمر المكذوب عليه كردة فعل، أما المبالغة فهي الابن الأكبر من أبناء تجاوزات الحقيقة ، وهو التجاوز البغيض الذي يرضي الكثيرون تجاوزه ، تأتي وهو متعممة بالصدق ، وقليلا ما تكشف . بل يكثر لها الهتاف ، أما ترى أحدهم يكيل أحدهم آخر بمديح وكأنه أوجده من العدم لمجرد أن أعطاه دابة مثلا ، من خلف الكواليس . )


وهناك مبالغة محمودة في ردات الأفعال ليس بوسعنا نكرانها، كمثل أن تتحرز من مباغتات الآخرين بأسئلة فظيعة ثم تجد أنهم يريدون الحد الأدنى من الكلام . فتقطر عليهم مرادهم وتحتفظ بهطولك عندك ـ بغض النظر صدقه من كذبه .

وانسكب الحبر
27-09-2009, 02:27 PM
نموذج (1)

ياه
جُرعة ذكرى تخط على التجاعيد ابتسامة

:1))0:

سأكون هنــا

لحظة فرح
27-09-2009, 02:29 PM
"نموذج 3"


نظرة الحماس والتوقد هي النظرة التي لا تُخطأ ، فلها ذاك البريق المشعّ في العينين الذي يكاد يضيء . هذا ما كنت أتفرسه في أعينهن عند بدء أول محاضرة جامعية ، فبعد كل الخيبات من الانتظارات التي لا تثمر ، كانت هذه أول دكتورة تحاضر لنا ، وتروي غليل الطالبات المتلهّفات اللاتي يحملن دفاتر كبيرة يبدو أنها مختارة بعناية ، في مادة الدراسات الإسلامية . جلستُ في مكان قصيّ حيث أشرف على الجموع بعناية ـ وهذا لا يتأتّى من الأمام طبعا ـ أمارس عادة جميلة قل ممارسوها بسببٍ من الإغراق في المدنية الحديثة ألا وهي : التأمل ـ وهي لا تتأتى إلا من المراقبة طبعا ـ لا للمراقبة المجرّدة فقط ، لكن التفاصيل الصغيرة من سلوك إحداهنّ قد تمدني بالكثير .

فلم أرى أشد من هذا الحماس في الأجوبة ، الذي يفوق حماس أول حصة دراسية في المدرسة ، فما إن تذكر الدكتورة أمرا إلا وتهوي الرؤوس المنتصبة إلى دفاترها لتدوينه بغض النظر عن أهميته أو لا ـ كفانا الله شر الحماس . كان منظرهنّ جميلا يحدقن باهتمام نحوها وتركيز كأن على رؤوسهن الطير ، ثم فجأة تطير الطيور لانحناءتهن المُفاجأة ويبقى هناك رأس في الأخير لم ينحنِ ، وأصبح ظهوره واضحا جدا بينهن ، يتبادل النظرات مع تلك التي تقف في الأمام لا هو يكف حياءً ولا هي تكفّ استغرابا ، ثم تنتهي النظرات حين عودة الطيور سريعا إلى أعشاشها . ويكْملن مع الدكتورة كلامها ، مثلا تقول : هل كان الصحابة بحاجة إلى تفاسير ، يعني هل كانوا يفهمون القرآن أم لا؟ ، فترتج القاعة: يفهمون . فقطعت يقينا في نفسي أنهن مصباح سوف يطفو وجذوة نشاط سوف تخبو ، فالجدة في الشيء تبعث اتقاد كبير نحوه : الفرحة بالمولود الأول لا تقارن بفرحة المولود العاشر ، السلوكيات التي مُورست نحو شيء في أول مرة ستملّ ـ وربما تُسبّ ـ في عاشر مرة . ولو أنهن استمررن هكذا ـ أُفكّر ـ لن يكون هناك وجود لكلمة جيد جدا في النتائج ، فضلا عن دونها ، ولأصبحت جامعتنا في قمة هرم الجودة الأكاديمية في التحصيل الدراسي ، والذي يشاع حول تفوق طلاب جامعات عريقة مثل هارفارد وأكسفورد ، سيصبح مثار أضحوكة بالنسبة لمتفوقي جامعتنا ، الذين يصرخون بأصوات عالية لأجوبة مشتركة ـ والحمد لله ، تمنع سماع ما إذا سيارة ضربت بوقها في الخارج . وأحشو رأسي أني لن أُظهر نفسي إلا بعد تجاوزهن هذه المرحلة الوقتية ـ التي ستبرى قريبا ، عندها سأنبري كرَمية سهم ، فأنا ابنة أبي وحالة المسائل متى أقدم الإجابة تعرفوني .

أصواتهن بدأت تتحول فيزيائيا من ذبذبات مرتفعة من أشخاص مختلفين يطلقون بدويّ : "مكة ـ لاااا ـ بعد الهجرة ـ ليلة القدر" ، إلى شرارات كهربائية تستقر في رأسي ، محدثة نوبات صداع ، تجذب أسراب الأخلاق "القافلة" حولي .

فاصلة
27-09-2009, 10:23 PM
يا حلوك يا لحظة فرح !
بسيطة وعفوية ، وسريعة فعلاً ..
أذكر أنني كتبت شيئاً يشبه مضمون نموذج (2) ..
في حينه طبعاً الله يحسن لنا الخاتمة ! :D


ثم أن اسمك جميل ، وأنا أهتم بالاسماء المستعارة كثيراً .. وأقيس عليها ( الله يرفع عنّي)

بارك الله فيك :)

لحظة فرح
28-09-2009, 09:09 AM
"نموذج 4"


أن تطاردك الشمس في كل مكان : الممرات ، بين المباني ، أماكن الجلوس ، الأفنية ، هذا يعني أنك في نطاق جامعتنا الحبيبة ، هذا أيضا نذير بأنك ستغدو متفحم البشرة سمراءها . لي محاضرات لا تبدأ إلا بعد الثانية عشرة ظهرا ، أي في قمة شباب توهج الشمس ، مما يضطرني إلى المشي السريع ، للاتقاء من شرها ، "ربعنا" يعدّون هذا النوع من المشي مبالغة في السرعة ويطلقون عليها تشبيهات لوسائل النقل الحديثة ، أقدّرُ موقفَهم ، العرب كائنات زاحفة ، ما الذي يدعوهم للإسراع في حياتهم أصلا ، ثم إنها الشمس ، فليتقوا الله في أنفسهن ، إنها تساعد في إفراز كمية كبيرة من الكولاجين ، مما يعجل بظهور التجاعيد المبكرة ، ثم إن مثل هذه المستحضرات غالية جدا ، واستخدامها لابد وأن تصحبه حالة نفسية سيئة ، مَن امرأة تحاول تخفي أحافير الزمان في وجهها ما لم تشتم الأيام التي استقرت بقاياها فيها ؟ ، وتكذب الدعايات حين تصور مستخدماتها وهنّ في قمة البهجة بحلّ فوري يعيد إليهنّ طيش شبابهن . والأدهى أن أشاهد جماعات تتحدث وتضحك تحت اللهيب ، والظل لا يبعد إلا متر عنهن ! ، إحداهن حذرتها من مغبة التباطؤ في المسير تحت الشمس على بشرتها ، فما كان منها إلا أن رددت "هي خاربة ، خاربة ......" ، وأتحفظ على السبب الذي دعاها لقول مثل ذلك .

سواء كنت مادة تندر أم لا ، لن أعبأ بهن ، ربما أفيدهن في إطلاق بعض التراكمات النفسية داخلهن من أشياء أخرى فيخرجنها في قالب مزاح ، وسأكفّ أنا عن التضجر ، البقاء فيه طويلا مضرّ ، ولن يغير من الأمر شيئا . وهو سلوك عربي ـ أيضا ـ نتقنه نحن العرب بحذاقة ، ردة فعل لأشياء سيئة تمارسنا ولا نفعل حيالها شيئا إلا الكلام فيها والإخبار بسوئها من يصادفنا ، لكنه التنفيس ، بدونه سنختنق .

هناك توجد مظلة بائسة ، عمودان حديديان يتوازى كل منهما مع الآخر ، فوقهما رميت ألواح خشب وقد جُعلت بينها مسافات كبيرة تكفي لوضع لوح خشبي آخر ، تتسلّل الشمس منها بأريحية دون أن تشعر أن هناك أحدا قد قصد من هذا الشيء القائم الحماية منها . وأتساءل : هل كان حقا من المكلف سد هذه الفراغات لنطلق على الشيء المنتصب ذاك مظلة ، من دون أن نسيء إلى الاسم ذاته ، أم أنه خوف الإسراف في استخدام خشب الغابات ، وكثرة استهلاكه المؤدية إلى التصحر ؟ . من أجل حالة الكوكب الرديئة سأرضى بتلك المظلة الجميلة .

يفترض بالإنسان الذي لديه مثل شمسنا ، ويعود من عمله منهكا أشد ما يكون الإنهاك ، قد أخذ الحر منه كل مأخذ ، ويجد كل ما حوله مصطبغ بصبغة الحرارة : بدءا من مياه الصنابير الحارقة ومرورا بمقابض السيارات والأبواب ثم انتهاء بهبة من الهواء اللافح العليل آن الخروج من مكان مكيف ، أن يكون خاشعا طائعا ، حر جهنم يشغل قدرا كبيرا من تفكيره ويدخل في أخص ممارساته ، لكن الحال لا يبين كذلك ، ولا أعتقد أنه ينظر له من هذه الزاوية ، رغم أن بعضا من هذا الحر يأتينا فعليا من جهنم ، كما في الحديث الصحيح : (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم ، واشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا ، فأذِن لها بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير) . في كثير من الأحيان لا يتاح لنا ذلك التفكير فنحن منفصلون عن بيئتنا أكثر ما يكون الانفصال ، وقليلو الاحتكاك بها ، لكن تلك الجامعة تحاول أن تعيدنا إليها ، من خلال الشمس التي توقع عقد انتشار معها في ربوعها .

إن آسى شيء يحصل مسببا لي انهيارات عصبية ؛ حين تبقى خطوة على الخط الفاصل بين الظل و وحر النور ، الذي أطلق فيه الدعوات "اللهم لا تجمع علينا الحرين" ، وقبل أن ألحقها بـ " اللهم ولا تجمع لأحد بردين" ألاحظ أنها دعوة ذات حقد ، فأكفّ .

wroood
30-09-2009, 01:58 PM
ما هنا جميل يا لحظة..
أرجو ان تكون لي عودة..

والمشهد يرحب بهكذا نصوص..فإلى هناك مع التحية.

مضيع طريقه
30-09-2009, 04:17 PM
هل قلـت نمـاذج!
بنت فكري تقول لك كل النماذج تابعة لبنت فكري

لحظة فرح
01-10-2009, 10:38 AM
"نموذج 5"


معبّر وجميل لقاء من غابوا عن ناظريك لسنين ، جمعتكم مقاعد الدراسة وذكرياتها الجميلة ، وذهلت لمرآهم وقد صاروا كبارا بعد أن كانوا في ذاكرتك أولئك الصغار ، وبمجرد التعرف عليهم وإراقة النظر فيهم للحظة تكون تلك الصورة الصغيرة لهم القابعة فيك قد أخذت طريقها للتلاشي .

لكن مهلا ، أولئك الذين فرحتُ بهم ، قد أفسدوا حلاوة اللقاء بأول سؤال عن أحوالي ، فحين أجيبهم أني دخلت قسم اللغة العربية ، سرعان ما تتبدل الملامح وتتجهم "من جد دخلتي عربي؟" ، "والله جد" ، وبحسرة : "ليه طيب" ، وبثبات أحاول : "ميولي!" ، ويبدأن بالشفقة والترحم على حالي الضائع ، وكيف إني أسأت الاختيار ، ودوامات من المحاضرات أني لن أتوظف بعد التخرّج ، وأن هذا القسم ليس له فائدة الآن ويسردْن الأقسام اللاتي كان بإمكاني دخولها . هذه شريحة مَن تعطيني المجال لأتكلم عن سبب هذا التوجه ، هناك من لم يعطن المهلة لأجاوب ، ليبدءوا الطعن في جنابي : "ليه دخلتي ، كنتي شطّورة طيب" ، وأخرى تواسي بعد أن عقدت حاجبيها : "خلاص عادي يمكن خيرة" ، وأخرى أطلقت صوت واضعة يدها على فمها كإمعان في الاندهاش ، وأنا أنتظر أن تكتمل المشاهد الدرامية التي تحصل حال تفوهي بتخصصي بحالة إغماء ، ومسلسل الانهيارات النفسية لي أكثر من لهم يستمر خارج الجامعة ، قريبتي تقول: "حرام عليك ، ضيعتي نفسك" ، أخرى عزّت أمي: "تشد حيلها وتحوّل ان شاء الله" ، وهناك بعض آخر لم يبد كمية استياء كبيرة ، فهم يرون أن ما أفعله الآن هو إكمال لإخفاقات بدأتها حين اتخذت المسار الأدبي قبل عامين ، وأنا الآن نموذج للفرد الذي يضيع مستقبله وقدراته بيده ، ومحل عظة وعبرة لكل من تحدثه نفسه بسلوك مسلكي ، وأنكفئ داخل نفسي ، وقد هدموا جميع ما بنيت ، واهتزت ثقتي باختياري وتشققت جدراني التي حسبت أني أحكمت بنائها ، أهرب عنهم وتتسلل إحدى الدموع الداخلية الغزيرة إلى خارجي ، أحقا أسأتُ الاختيار؟ ، وفعلا أني لم أفرق بين الذي أهوى والذي أتخصص ويفيدني ، أأتوسل إلى والدي لكي يبذل جهده ويحولني إلى قسم آخر؟ ، ولماذا أحس بالنقص حين صديقاتي جاوبنني بتخصصاتهن "حاسب ، طب ، علوم طبية ، إدارة" . يا الله ساعدني ، أتهاوى في درك سحيق .

لكن مهلا ، ألستُ أنا التي غلقت الأبواب وغابت في دهاليز التفكير حتى اخترت ما أريد وعرفت ما أهوى ، ثم أنا وحدي فقط لا غيري من يعرف الذي أحب وأستطيع إكمال مشواري فيه . أصلب قامتي ، أعدّل هندامي ، أرشق الأفق بنظرة تصميم ، وأكمل إفرازات القناعة السابقة في نفسي :

نعم ، إنني فداء لما اخترت ، ماذا ؟ ، وإني ماضية في القسم حتى الهلاك دونه ، فإما تخصص يرضي طموحي وإما موت يغيظ العدا ، والهلاك لكل الهاذرات المهذارات ، اللاتي كنّ يتحلقن حولي أشرح لهن معادلة ـ في دهور بعيدة طبعا ، ثم يأتينني الآن وقد كاد أن يبيض شعري من هم الاختيار ، ليحاولن زحزحة همّة لي بثبات الجبال ـ جميل ، هيهات هيهات ، شق والله ما ترجون ، وبعُد ما تحاولون ، وإن العربية التي تحقرون ليست للكسالى اللذين لفظتهم الأقسام ولا مأوى لهم ، فإن لها أمرا خطير ، وشأنا جليل ، وإن لم تنصروها وتعزروها نصرها الله بغيركم ، وأجراها على غير أهلها ، وعوقبتم بالتأتأة والفأفأة والتعتعة على ما ضيعتم من حقها ، وفرطتم من أمرها ، والمغْبون من أهملها على حساب غيرها ، وستعلمون أي منقلب تنقلبون .

ولرفع معدل الانتشاء باختياري أزيد : إن اللغة العربية تحظى برغبة من كل مسلم في أصقاع الأرض لتعلمها ، وفي حال فشلي في أن أغدو شيء هام في فلكها ، سيكون لابد أني مسخرة لتعليمها ، ولأجل هذا سأغرز نفسي في مكان يكثر هواتها فيه ، وأنشئ أكاديمية لتعليمها ، تتبع أحدث النظم العالمية في تعليم اللغات .

والأحلام مجانا والحمد لله ، ولهذا لدي ما يربو على العشرين حلما ، تنفع حين يخفق تحقيق حلم استبداله بآخر من أنقاض ذلك الذي انهار ، خاصة وأن الأهل يحبون لعب دور القراصنة مع أي سفينة أحلام عابرة . ثم إن السلّم إذا وُضع في مكان وصُعد فيه من الصعب النزول ووضعه في مكان آخر ، وبإذن الله ليس في المكان الخاطئ وضعته ، ولا أنا بالتي نازلة حتى لو سقط السلم فجأة ، فلابد أن فوقه شيء يُتشبث فيه . وثم إن المرء الذي توكل لا ينبغي أن يقلق في ما اتكل على الله فيه ، وإلا لانتفى توكله ، وأخيرا الخطأ خطئي حين جعلت كلامهم يتوقف داخلي ولم أجعله يكمل طريقه خارجا من الأذن الأخرى .

لحظة فرح
01-10-2009, 10:49 AM
"نموذج 6"



عندما أزرع ابتسامتي بإنهاك أمامها ، وأهز رأسي باهتمام مع حديثها ـ تبا لتعليمات التعامل ـ وأرتكب تعليقات لأُشعرها أني أسمعها ؛ يصرخ السأم داخلي منها : أن كفي ، أرجوك ، ما هذا بحديث جدير بأخذ دقائق كثيرات من أعمار آدميات لن تعود أبدا ، أعرف أن الآدميات الأخريات مستمتعات بحديثك ، لكن من باب الحجر على أوقات المضيع لا السفيه ـ إن شاء الله .


أعاني من صداع كلما ألقت إحداهن عليّ شباك أحاديثها ، وهراء يستفحل كل يوم عند بدء قصة تبدأ بموقف لها ، وتنتهي بقول لابنة عم بنت خالتها . أود لو أن يصل الأدب إلى مؤشر مرتفع بحيث يُستأذن من المتحدث إليه أن يختار "الهرجة" التي يود سماعها ، أعرف لو قلّبتهن لن أجد شيء جدير بالاهتمام ، لكن سأختار أشياء مشوقة وأحداث مروعة تخطف الأبصار وتلهث وراءها الأنفاس ، أعرف أن التشوق لهذا غير مسوّل له ، لكنها أحكام الضرورات ، مثلا أود: مشاكل وثأرات قديمة سوف تثار ، وقصص عنف وأحداث محزنة وهكذا ، وسأرفض قطعيا "هروج" المساومة على لباس وتفاصيل الاتصال على السائق وما دار في تفكيرها أثناء القدوم إلى الجامعة ، وإعادة أقوال اجتماعهم العائلي الحميم وماذا قالت أمها ورد عليها أخوها ثم ضحك أبوها وعلقت أختها .


لولا أني درست مادة السلوك في الابتدائية ؛ لقلت عقب كل قصة سخيفة : "طيب ، وبعدين؟" ، لأن النفس تجهل ما الهدف من القصة السخيفة ، أو بالأصح : أجهل ما المطلوب منّي بعد حكايتها . سامحهن الله ، ما عدت أحتمل ، إحداهن كان يفترض أن ينتهي اللقاء خلال دقيقتين ، لأنها رأتني أجلس مع غيرها ، فكان أن انتهى بعد عشرين دقيقة ، حول نوعية صاحباتها وكيف هي تجيد الالتقاطات الطريفة وتُضحك صاحباتها في اجتماعهن الأخير وماذا حدث مع أخرى هزأت منها جادة لسبب ما ، وعزت ذلك السبب إلى قبيلتها ، وانتهيت من لقائها ، ووجدت رغبة عارمة بالبكاء ، كنت أنهار ، وأندكّ غما ، وحتى هذه اللحظة لا أستطيع أن أغفر لها وأمحو الحقد المتراكم جراء فعلتها بي .


أتمنى رؤية إحداهن ساكتة سكوتا محضا لا كلام فيه بأي طريقة من الطرق ، أي تترك الرسالة التي تكتبها في هاتفها ، ولا يبدو عليها التجهيز لـ"سالفة" ما ، ريثما يأتون صديقاتها من شراء طعام ما ، ولاحظت أنهن لا يُحسن أن ينصتن لبعضهن البعض : عند وجود أي طرف مشابه لقصة حدثت لها في قصة صاحبتها تقاطعها مبررة "حتى أنا والله صار لي زي كذا" وتبدأ بقصتها تاركة قصة صديقتها مبتورة ، وأيضا : علامات الانتظار تبرز كثيرا تمنيا أن تنتهي المتحدثة من حديثها لتحكي ما لديها ، والمخيف في الأمر أن تلك العلامات تبدو على أكثر من واحدة ، أحيانا أهدئ مثل هذه النزاعات بطرق سلميّة ، قبل حدوث اختناقات حديثية ، وتُسرد قصتان في وقت واحد .


كل امرأة دون أن تدري منتسبة لاتحاد الهرج العالمي ، وهؤلاء اللاتي أرى ، امتداد لمنتسبات المنظمة خارج الجامعة ، وعما قريب : خريجاتها . وإن المرأة الصامتة غدت هذه الأيام أسطورة لا محل لها إلا في الخيال ، فكثيرا ما وقعت في فخ إنقاذ صامتة ، فإذا ثلمت جدار صمتها بثلمة ، فإذا بسيل عرمرم من "الهروج" لم يذر ولم يبق ، وندمت على نيتي الطيبة في أن لا أجعلها تكتب كلاما عن الصمت :



( الصمت جريمة في شرع المتكلمين ، الصمت خيار سلمي للانسحاب من معارك الكلام ، الصمت ثرثرة عاتية لا لسان لها ، هو خطيب مفوه ، خطابه مزلزل ، ناطق أبكم ، يسمع للجميع ، ولا يحدثه أحد . لم ينجب الصمت إلا القليل ، وأنجب الكلام كثير ، جفت حناجر أبناء ذاك لم تعد تعمل ، وأترعت ألسن أبناء ذاك يسيل الحديث من أعينهم . برب الصائمين عن الكلام : متى إفطارهم ، ورب الكافّين عن الحديث : أين حاديهم . صمت الكثير كمدا ، وصمت الكثير مللا ، وصمت الكثير وحدة ، وصمت الكثير علّمهم حكيم : الصمت أعلى درجات الاحتقار. )



حسنا ، ما دام شيء لم يصح من توهماتي ، سأعتبر الذي فعلته من التفريج على مسلمة مكروبة .

لحظة فرح
04-10-2009, 01:54 PM
أهلا وانسكب الحبر بالحضور .
ممتنّة ...

أهلا فاصلة .
القياس عليها موفق دائما ، باستثناء إذا كان الاسم المسمى به ؛ قد نساه صاحبه لشهور : )
شكرا لك ...

شكرا ورود .
فكرت في المشهد مبدئيا ، لكن تراجعت حين تذكرت من يقول إن من عناصر القصة : العقدة : )
بانتظار العودة ..

حقاً ، إذاً من انتشار بنات الأفكار في رؤوس الجميع .
تماما كحين يحدث أن يسبقك الجميع على ما تودّ قوله ..
أهلا مضيع طريقه ...

لحظة فرح
04-10-2009, 02:04 PM
"نموذج 7"


بهيج هذا النهار ، التحفت السماءُ الغيم ، واحتجبت أشعة الشمس السافرة دوما ، معلنة أن احتجاب بعضها عظيم النتائج ، وكفت عن ملاحقتنا ، فانسل جميع من كان يحتمي بالجدران إلى أواسط ما كانت تحرسه الشمس من أماكن ، انسلوا في عقر حماها بشجاعة لا تظهر دوما ، لكنه انتصار الغيم لنا . وتراخى السير في حماها وتباطأ ، والبشْر والسرور قد نصب رايته ، حتى يخيل أنك ترى البهجة على محيا الشخص قبل أن ترى الشخص نفسه . كان اليوم صحوا سعيدا ، فنامت الهموم والأحزان ، واستيقظ صخب الأنس ناشرا الضحكات ، وسْم العبوس في بعض الوجوه قد زال اليوم ، وانتشر البنات كقعد نثر خرزه في كل مكان ، حتى يصطدم البصر بجدار ينتهين عنده ، ومن بعده ينتشر مرة أخرى الدر المنثور ، والدر المنظوم لحلاق الجالسات بهناء ـ أجد غصّة حين أصفهن بالدرّ .

أردد : يا رب ثبت الغيم ثبات لا يتحرك بعده شبرا ، ولا تُذهب به أبدا ، أبك السماء دائما علينا ، لتضحك الأرض لنا .

قبل اليوم لم أرى وجها رفع بصره للسماء ، اليوم كلها تصوب نحو السماء ألحاظها ، تتأمل الغيم ، وتستمتع بيوم الدجن . وكان الذي يمنع أن أصاب بجلطة سعادة من هذا الجو البهيج ، أن آتي في الغد وتكون الشمس سيدة الكون ، وما حصل بالأمس كان غفوة حارس أو غياب مثابر أو أي شيء في الحياة يأتي لنا بالشمس غدا ، وسأعرف عندها كم إني امرؤ لا تستجاب دعواته ، وسأنظر للشمس بحقد ـ كما هي العادة إن تقابلنا ـ وسأرجع من جديد أفكر باختراع حلول للتخفيف من كمية شعاع الشمس علينا ، من قبيل : بناء سقف عظيم من المواد التي تبنى منها البيوت المحمية ، فوق المدن التي تعاني من الشمس ، أو حتى تغليف الشمس جميعها به .

لحظة فرح
04-10-2009, 02:18 PM
"نموذج 8"


إلى التي ترشح نظراتها بالقلق ، حزنا ألا تجد من يرافقها :

تتشاغل بأي شيء ، وفي أي شيء ، طويلا تعبث بخصلات شعرها وتلفها حول إصبعها ، وكثيرا تُخرج جوالها كأن أحدا ما سيتصل عليها ، ومليا تنظر في ساعتها لتوهم أنها تنتظر أحدا . كل التفاصيل تصل يدها إليها ، لتشغل فلك وحدتها : تعيد عقد رباط حذائها الذي ما انفكّ ، وتعدل وضع الحزام أسفل خصرها الذي ما تحرّك ، تملي ناظريها بالمارة إذا ما أعطوها ظهورهم ، وتستغرق في منظرهم البهي الفاتن : إنهم مع بعضهم . وتشعر بأن ضياءً يلفهم .

تخرج أوراقا من حقيبتها لكي يُظن أنها ما استوحدت إلا لكي تذاكر ، ترتبك كثيرا إذا تكرر من مرّ بها وهي ما زالت ترافق وحدتها ، تذهب إلى دورة المياه وتعيد وضع ملمع شفاتها وكحل عينيها الذيْن ما خفّ رسمهما ، فقبل قليل عادوها ارتباك حملقة الاجتماعيين بها ، ولجأت إلى دورة المياه .

أحاديث لديها ولا من محدث ، في ما مضى تسخن الأحاديث في صدرها وتودّ لو أن هناك من تحدثه ، لكن الآن الأشياء تمر بها مثلُوجة ، قد ازدحمت بوحدتها .

يؤنسها ، يزيل عنها الوحشة ، أن ترى متوحدين مثلها ، تحدث نفسها : لستُ وحدي ، حين تشاهد من يمشي مع غير نفسه ، لا تريهم أنها مفتونة بمرآهم ، فهي أبدا المشغولة بسوارها وجلب خاتمها الذي أسقطته ، أما المتحدثون مع أنفسهم دون تعمّد منها تعطيهم نظرات مواسية دافئة . بعض شعاع متوحد يُمارس .

البؤس يصيّر الأشياء لصالحه ، فالكون ـ تفكّر ـ كله يمارس التوحّد ، والموجودات كلها تعيش وحدها ، ومن يجد آخر بجواره تكون تلك حالة عرضية لا تُحسب ، "الشمس تمكث طويلا في السماء بمفردها ، هل طلبت أحدا يرافقها ، هل تحتاج لأحدٍ يصادقها؟" ، وتسرّبت قطرة غرور أنها كالشمس لا تحتاج أحدا ، وحيث قطرة في الجدب لا تغني من التصبّر شيئا استدرَكتْ : "لا ، الشمسُ حارقة ، ربما تحرق الناس لأنها ملت المضي بمفردها" .
وتبحث عن موجود آخر : "إذن القمر ، صحيح القمر ، منير الدجى ومضرب الجمال للورى وحيد ، وحيد لا قمر آخر كائن معه ، استغنى عن الرفقاء بوهجه الباهر" ، وحيث لا وهج لها تُخذل : "فلأكن مثله أولا ؛ لأستغني" .

تمرّ جماعة تثير الضحكات المرتفعة ، فتشيح ببصرها عنهم تجاه الحديقة وتكمل البحث : "إذن الشجرة ، أنا كالشجرة تشق طريقها في الأرض وحيدة ، كثيرة هي الشجرات التي تعيش خارج البساتين دون أن تتذمر" ، مرّت محنة مرور الأنس بجانبها فعادت تنظر إلى حوض أزهار أمامها : "كثير من الناس يهدي وردة وحيدة دون باقة ، فمنظرها جميل وهي متوحدة" ، وتسرّ لاكتشافاتها وتعاود البحث : "أوه ، الثمرة إذا التصقت ثمرة أخرى بها عُدت فاسدة" ، تبتسم للنتائج المرضية التي وجدتها ، ثم تنساها حين ترزح الدقائق بثقلها عليها ولا تمضي ، وتسمع عصافير كثر تغرد مع بعضها ، وتغض طرفها عنها حين تحط على أشجار وحدتها .

زمانها كليل مكروب ، كسخط مريض ممرور ، ولحظاتها تمر كجثمان بعيد مثواه ، كخطوات مسن مبتورة إحدى قدميه ، تمسّ الطريق من أقصى طرفيه عابرة ، فتطؤها بقفر وحدتها غير عابئة ، لا بصر حولها يلدّ باهتمام ، ولا طرف نحوها يرتدّ بإعجاب ، واهنة محاولتها لجذب ثمة النظرات حينما غيّرت الهندام ، أنّى للخفوت أن يكسوه بروق ، والرماد أن يعاوده اشتعال.


(الوحدة حين تشق قناتها فيك افتراسا ؛ تكون قد اقتلعت كل شيء ، لا تبق ولا تذر ، تتوغل فيك كطريق لا انحناء فيه تتسلط الشمس عليه وتمر فيه الشاحنات فترتجف النوافذ . الوحدة مخلوق شرس ينشب بالأنياب والمخالب ولا يرضى الفكاك ، ولا انفلات ، ثم لا مفر من الاكتئاب . الوحدة باب موارب تتسلل منه العتمة ، تريد أن تغلقه فتجد لسانه مكسور ، الوحدة فجوة في جدار من حيث تسارع لسدها بجص ، يسقط جص آخر وتنفتح فجوة أخرى ، الوحدة منظومة ارتباك بحضرة الآخرين ، ومعزوفة فراغ حين تجد نفسك وأنت خاليا . الوحدة مرض عضال إذا جاءت من الأقدار ، واستئناس يعاوده ابتآس إذا كانت هربا بغية سعادة الانفراد ، لكن لا تجفلك الوحشة ، كانت خيارك : فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها ـ يقصد بقدوم وحشتها ، الوحدة الداء الوحيد الذي إذا شفيت منه تحنّ إليه أو تعاودك أعراضه .

أبناء الوحدة يعبؤون كثيرا بالنظرات ، يشعرون أن أنظار الكون مصوبة نحوهم ، مخطئون هم ، الكون لم يهب لهم رفيقا ، فهل تراه يهبهم نظرات أبنائه نحوهم . الوحدة إما أن تكون وحدة من وجود آخر قبالتك ، لكن الوحيد داخله أشخاص كثر يتحدثون ويضحكون ويبكون ، يتوالدون ويتكاثرون ، يضيق بهم ذرعا ابتداء ، حتى يعرفهم ويميز بينهم انتهاء ، لذا لا تعجب حين تجد وحيدا يبتسم فجأة ، وفي فجأة أخرى يقطب جبينه . وإما أن تكون وحدة برغم كثرة الآخرين ، وذلك المتوحد ، الذي يسمع ويرى كل شيء : نبرات الكلام وهمساته ، فجاجاته وسبّاته ، يصل إليه صوت الطاولة عندما يضربها كوب ، وسحاب الحقيبة عندما يؤلف بين جانبين ، وأنين المصباح عندما تسري فيه الكهرباء . ويرى القسمات التي لم يلحظ تحركها أحد ، والعيون التي تشارك الفم في الحديث . الذي يَدخل إليه الآخرون ، ولا يُدخله عنده أحد )

مضت نحو المطعم وحيدة ، وعادت وحيدة ، وجلست وحيدة ، وقامت وحيدة ، في بطن أمها كانت وحيدة لشهور ، وفي حياتها وحيدة لدهور ، لم تعرف محدثا ، ولم تعرف بهجة لقاء صاحبا ، مضت الوحيدة ، انتهى دوام الوحيدة ، ذهبت الوحيدة إلى بيتها ، تعبت الوحيدة ، وَهِنت من يومها الوحيدة ، نامت الوحيدة ..
و على الواهنين بلا صحاب سلامٌ ....

وقار
05-10-2009, 08:49 AM
هل تكتبين عن حياتي؟
أخبريني بصدق..هل تعرفينني لتكتبي هذا الكلام أعلاه...
لا أمتلك عبارات راقية وسلاسة في السرد وإلا لاعتبرت ما نثر أعلاه لي :) بكل فخر
بالنسبة للتخصص "لغة عربية"رائع أنك اخترتي هذا القسم ..
أعجبني فيك أنك عرفتي ما أردتيه واتجهتي له..
نقطة أخرى أنتي قوية فاستمري على هذا المنوال
وأمر أخير لكي لا أكثر الهرج وانتسب لمهرجان الهرج العالمي..يا سيدة اللغة أتمنى أن أرى مستقبلاً كتاباتك ..رواياتك قصصك على رفوف مكتباتنا وسأكون أول المتابعين حينها ..أعدك

غدير الحربي
10-10-2009, 10:20 PM
.

بدأت بها , وسأكملها بإذن الله , أضع توقيعي لكي لا أنسى أن أعود .
لدي حديث لك عن الكتابة يافرح .
فقط أمهليني وقتا ً ..
تدرين ؟
تقومين بعمل جيد وأنت تكتبين , صدقا ً تفعلين ياطيبة .

.

لحظة فرح
11-10-2009, 08:55 AM
"نموذج 9"


(هذه الحياة ماضية ، مضيّا لا ينتظر منتظرا ، ونفاذا لا يمهل محتارا ، وسرعة لا تسعف متباطئا ، وحزما لا يعتب راتعا ، وسيرا لا يقلّ نادما . إنها تمضي فيك منذ أول نفَس دخل جوفك ، وبدأت أنفاسك معها تمارس المضيّ ، أعر بصرك ما حولك : هل ترى شيئا لا يسير نحو الانتهاء ، وهل كل من حولك ليسوا إلا أبناء ماضين بعضهم أخذت الحياة وديعتها منهم ، والبعض الأخر الذين لم يمضوا ؛ سيمضون حتما ، فالحياة ليست كريمة بما فيه الكفاية لتتجاوز عن استرداد إحدى ودائعها .

لذا ، اترك النظر للماضي ، حول بصرك عنه ، وركزه في لحظتك ، يا صاح ألم أقل لك أنها تمضي ، فلم هذا العبأ بما مضى منها ، وأصبح في أضابير أغابيرها ، إياك بنبش الماضي ، والعثرة التي عثرت فيها ، لا تحملها معك في طريقك ، أقصد طريق المضيّ . دع الأوجاع التي مضت واستقبل المسرات التي ستأتيك .
لا تدقق في حساباتك ، نتيجتها ستظهرها لك الأيام ، المعادلة سهلة : صواب نزل بك ؛ الله أنزله ، خطأ ألم بك ، الشيطان ونفسك جلبه .

أترك نهج الخائرين الذين ما أخرّهم من علية في السماء إلى هاوية في الأرض إلا حمل صندوق ماضيهم أينما حلوا وارتحلوا .
لا تندم على خطئك ، الشمس ندمت على تركنا في الظلام فعادت إلينا بالضياء من جديد ، إذا رأيت خطأك قبالتك ؛ لا تتشبث فيه صائحا : لماذا أتيت ، مالذي فعلت؟ . بل أعطته إيماءة بكتفك وقل له : في القادمة لن أراك ، سأكون صائبا .

تفكّرْ : فتح الصناديق القديمة لا يثير غير الغبار ، الذي سيعكر صفو حاضرك ، ولن تكون واجدا فيه إلا الخُرد ، التي توهن وهج جواهر لحظتك . ومن الغباء إن تظل تندب غيمة مرت دون أن تمطرك ، ومن المحتمل أن تكون غيمات أخر في الأفق ، يستعددن للمرور بك .
ماضيك لا تقومه ، اترك عنك من يقول بمراجعة الأخطاء لكي لا تقع فيها مجددا . الحياة حين تفاجئك وتباغتك وتشهر مديتها عليك وترفع كفها للطمك ، لن يكون بوسعك التروي قبل أن تصيبك ، وتقول : "انتظري ، دعيني أتذكر هل أخطأت بشيء قريب من هذا" . إذا أقبلت بموجها المتلاطم لن تتذكر خطأك أصلا .

عش جنون اللحظة ، افرح بها ، استشعرها ، استنشق هواءها ، لا تنبش ، فتخرج حشرات الأخطاء . )



الحمد لله وصلتُ لمرحلة الاقتناع .
ما كان في السابق إرهاصات لكائن خرج من الاختبار وفي يديه كومة تربو على المائتين من الأوراق ، وعجْز نفسه أوهمه بكلام جعله يؤثر السلامة ويترك المراجعة . فتوجه إلى حاوية نفايات الورق وتخلص منها ، جذلا قد انتهى من فصل دراسي جامعي .
ومن ساءته أزمان ؛ سره زمن ! .

لحظة فرح
11-10-2009, 09:02 AM
"نموذج 10"


تخبئة الأمور هذه الأيام لم تعد تجدي ، لا على الأهل ولا على دفتر المذكرات ، كل شيء تحاول أن تدسه في الأعماق ، سريعا تجده قد طفا على السطح وأصبح عرضة لكل من لم يجد شيئا يتعرض له .

كل ما في الأمر ، أن اختبارا ما قد فاتني حضوره بسبب عدم الاعتماد على النفس في النظر إلى الجدران ، والتثبت من المواعيد بالأعين لا بألسن الآخرين . حين ظننت أنه في العاشرة والنصف جاءني اتصال في الثامنة والأربعين دقيقة (من مصدر مضلِّل) أنه قد يكون بدأ ، فلا أحد يرد على هاتف . في التاسعة تماما كنت أعبر جسر وجاءني الخبر اليقين من آدمية خرجت من الاختبار أنه فعلا قد بدأ ، عندها هممت بالانتحار من عار الفضيحة التي سيوصم بها سجل تفوقي ، ولم أنتحر ليس لأن عزيمتي وهنت ، ولكن لأن الجسر قد عبرناه ، والميتة تحت إطار سيارة غير مشرف البتة ، ليس لأنه صنعته أيادي غير مسلمة ، بل لأن أكثر من سيارة تحمل برسيما قد رأيتها تحاذينا في المسير . ووصلت إلى الجامعة ومن حسن الحظ وجدت أخرى ترزأ تحت وطأ حالتي تبكي ، فعصرت نفسي إلى أن نزلت دمعة يتيمة من عيني ، ليس لكي لا تبدو أحرص مني على الاختبار ، ولكن لأن الموقف الذي حصل لي فعلا يجعل العين تذرف الدمع . ورأيت قاعة الاختبار كانت تحوي فقط نزرا قليل من الطالبات الذين يبدو جليا عليهن أن سؤالا ما استشكل عليهن ، ولأول مرة أشعر بحب الذين يجلسن بعد مضي الوقت أكثر من ما يلزم الأمر ، كنت أدّعي أن تصرفهن هذا لا مبرر له وأنه من قبيل التمظهر بالجد والاجتهاد . وطمأنونا أنه سيعاد لنا الاختبار في الفصل المقبل ، وقررت أن لا أخبر أحدا ، ولكل من سألني عنه ـ ما أكثر الذي سألوني عنه في هذا اليوم فقط ـ أجبتهم "الحمد لله ، حلو" ليس من قبيل الكذب ولكن من قبيل الحمد عند السراء والضراء والرضا بكل مكتوب . واستعددت لاختبار الغد (ذاك الذي تركت نبشه) .
وحين غمرة من الاستمتاع بالإجازة الفصلية ، إذا بباب الغرفة يرتطم في الجدار الذي خلفه حتى كاد أن يهدمه ، وقبل أن أرحم الجدار الذي تألم إذا بأمي هداها الله تصرخ بحنق "راح عليك الاختبار ، ها؟؟" ، وازدردت ريقي "لا ، مين قال؟" ـ حيلة كل الكاذبين في الأرض أن يسألوا من الذي افترى الكلام عليهم ـ ، أخبرتني أن الكذب لا ينفع الآن : أستاذة المادة اتصلت على أبيك وأخبرته بموعد جديد للإعادة ، أبوك أخبرها بغرابة حدوث ذلك ولو حدث فإن ابنتي ستخبرني" ، وهو الآن يشتاط غضبا منك : "هذي ليه ما حطتني في الصورة" ، فما كان مني إلا أن أحوقل من شر هذا الزمان ، وقلت لها "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" ، نظْرتها قد أخذت بخناقي ورمتني أرضا ، ثم صفقت الباب خلفها ، ورحمت الباب الذي لابد تألم من قوة الصفقة .

وبعدها تذكرت صديقتي التي هاتفتني ليلة الاختبار المشئوم بعد منتصف الليل ، وأخبرتني بشكها في موعد الاختبار ، ولأني لا أستسيغ ديكارت ، سألتها : أنت من سجل الموعد؟ ، فأجابت بالإيجاب ، وأجبتها أن السداد ما قلتي . طلبت مرة أخرى التأكد مني ، ولأني لا أملك أي رقم لطالبة من الشعبة ، رواغتها بأن شكك لا مبرر له ، والحقائق لا تثبت أو تنقض لمجرد أن نلق بشكوكنا حولها ، وجرّ السياق إلى هياط لا مبرر له : أن بإمكاني إحضار كل مواعيد أبناء آدم الذين يدرسون في الجامعة ولكن لن أفعل ذلك لأني أثق بكل حرف يخرج منك يا صديقة ـ بينما الذي سيفعل ذلك يغط في نوم عميق ـ . ضحكتْ صديقتي من هذا الكذب الكبير ، ثم اتخذت المكالمة سبيلها للانتهاء .
واتخذت صروف الدهر طريقها لتصوب بنادقها على أي طير يفرد جناحيه المنتوفين بزهوّ .

لحظة فرح
11-10-2009, 09:07 AM
"نموذج 11"


بينما كنت أخلع عباءتي وأطبقها ؛ كنت أسترق النظرات من خلال المرآة إلى المخلوق الذي بجانبي والذي يعيد من وضع "ماكياجه"، ولا أدري لمَ يعيده أصلا ، كل منطقة في الوجه قد استحالت إلى لون مغاير تمام المغايرة بجانب اللون القريب منه : العينان تسبح في بحر من الزرقة ، والخدان تحولتا إلى بتلتي ورد ملتصقة عليهما ، صحيح أن هذا تشبيه شائع لخد المرأة وربما هي قصدته ، لكن ليس كذلك الأمر ، هم يقصدون لونه به مسحة من لون الورد أو يذكّرهم به ، كما أن وصفها بالغزال لا يعني أنها تمشي على أربع ، لكن حسن قوامها قد ذكرهم بحسن قوام الغزال ، وشفاتها حمراء تزعج الناظرين إلى جانب اللون الأبيض المكثف المغطى به وجهها ـ وعند الرقاب تزول الزوائف .

أقول بينما كنت أخلع عباءتي وأسترق النظر إليها ، فإذا بذاك الوجه يلتفت إلي ، ويحدثني أيضا ، يا هولي ، فاستعذت بالله والتفت ناحيتها ، وعلمت كم تكذب المرآة حين تجاملنا عندما تعكس الأشياء . وأعادت سؤالها لأني فعلا لم أسمعها : "معك فرشاة بلاشر (أحمر خدود)" ، كنت سأقول لا ، ليس لأن ما طلبت من الأغراض الشخصية التي لا يصح أن يستخدمها الآخرون ، بل لأن ما على خديها يكفيها ليومين آخرين ، أقول أني كنت سأقول لا ، ومن ارتباكي قلت "نعم" ، ولم أندم الحياة تربكنا كثيرا . وعندما أعادتها ، نظرت إلى الفرشاة وتساءلت : ما العلة التي تجعل مخلوق يضع مادة لامعة تبرق من بعيد كالتي على أقمشة المناسبات قبل أن الثامنة صباحا؟ .

لا أدري حقيقة . في المحاضرة اليوم تمثل لي شاعر جاهلي في الأفق ـ أقصد عند أعلى السبورة وأسفل زاوية السقف ـ وهو يلطم نفسه ويشق ديوانه ويبكي ويلعن حبيبته ، وتمنى أنه لم يقل بيتا واحدا إذا كانت قصائده ستشرح بهذا الشكل . وهو شعور طبيعي يأتي لمن يتكبد سماع شرح بيت واحد في خمس عشرة دقيقة ، بمعنى ثلاثة أبيات في المحاضرة الواحدة . واعتقادي أن من غير المستساغ المبالغة في شرح الأبيات والإفاضة في كل ما يخطر على البال وإسقاطه على مقصد الشاعر ، وهذا من شأنه إفساد المتعة الشخصية في تذوق الأبيات . في حين أن الأمر لا يستدعي سوى شرح الكلمات الغريبة وجمل معدودة لشرح البيت ، وتأمل النواحي البلاغية في البيت ، وسنشعر عندها بالشاعر حين يبكي محبوبته التي فارقته ، كما لو أنها فارقتنا نحن .

لحظة فرح
13-10-2009, 09:29 PM
"نموذج 12"


( إذا ترك الإنسان القول ؛ ماتت خواطره ، وتبلدت نفسه ، وفسد حسه ) . لا حول ولا قوة إلا بالله ، مالذي جاء بهذا الجاحظ من قرونه السالفة ، ليبدد سلامي الداخلي ، ويلقي القضيض في مضجع أفكاري ، أحسب أنه تعمدني بقوله ولم يدر أنه أدمى قلبي برأيه وحبس عيني على سطره ، مكثتْ طويلا لم تفارقه ، أبحث لي عن منجى من تعميمه هذا ، حاولت تجاوزه أو التظاهر بأني لم أنتبه للجملة ، لكن هيهات أن لا يثير الموجَ الحجرُ . ذلك ما حصل لي حينما كنت أتطلع في كتاب له يدرب على البيان ـ أو بشكل آخر : سلاطة اللسان .

أتمنى أن مقولته تلك لا تشملني ، كل ما في الأمر أني أترك الإجابة ، وإذا لم أتركها وتهورت أتيت بالعجائب في قولها . وصلتْ المحاضِرة بحديثها مرة إلى قضية انتحال الأدب الجاهلي وطلبت الآراء ، فكانت: "لا مو معقولة يكون كذب" ورأي آخر "يمكن يكون فيه شوية انتحال لكن كله مستحيل" ، وآراء أخرى تتشابه مع الرأيين السابقين مع اختلاف في البنية اللغوية فقط ، وعرجتْ إلى مثير القضية في العصر الحديث : من هو؟ ، فامتدت يد في الأقاصي ليتها ما امتدت : " أثارها طه حسين وكان متأثرا من المستشرق مرجليوث في كتابه : في الشعر الجاهلي وكان آنذاك أستاذا في الجامعة المصرية وقد أثار ذلك الكتاب ثورة أدبية أدت إلى" انتهى . القارئ لهذا الحديث يظن أن قوله كان بالسهولة والاسترسال التي قرئ بها ، لكن ليوافق المقال الحال ، لابد من وضع مد بالألف بمقدار ست حركات بين كل كلمة وأختها ، فشيء مهيب أن تصوب أكثر من خمسين رأس أنظارها نحوك وأنت تتحدث ، وتبرق فيها بروق الاستغراب من هذا الذي يتحدث ، ثم تضطر ارتباكا أن تنهي جملتك عند جملة يفترض أن تكمل ولا تكملها ، فيفهم أستاذك كربك ويكملها نيابة عنك ويشكرك ، وتعود الجماجم إلى الأمام مع بعض نظرات خاطفة إليك ، الله وحده يعلم مرادها.

وأخرى ، أن سأل أستاذ عن علم المناسبات ما المقصود به ، وبينما كنت أنمق الإجابة داخلي إذ بأخرى من أهل الأمام تجيب: "يعني إن الوحي لما ينزل يكون يتوافق مع الأشياء التي تصير في المجتمع" ، أتفهم وضعها أن اسمه قد يوحي بهذه الإجابة ، لكن لا يجب عليها أن تحمل هذه المعلومة من الفصل المنصرم تحت بنط: لماذا نزل القرآن منجما ، وتضعها تحت أي شيء يعنّ لها في طريقها . حسنا ، ليست بأول فرصة تذهب مع الريح نتيجة الترتيب وصفّ الكلمات الذي لا يأتي بخير .

أستاذ علم النفس ناقشنا عن مشكلة الطالبات الذين لا يجاوبن ، وسألنا عن الأسباب التي تؤدي إلى هذه المشكلة ـ في نظره ، وتلجلج في صدري أن أقول له : إن المرء لا يجب عليه أن ينتهك صمته لأي نزوة حديث عابرة ، ولإجابات غير ذات أهمية ، باستطاعة الجميع أن يعفُ الجميع عنها . لكن هناك أشياء كثيرة تمنع من قولها فكففت عن ترتيبها للاستعداد لقولها ، غير أن الصفوف الأمامية قد شرعت بتحليل وتشخيص الحالة ، قبل أن يطرح السؤال أصلا .


( من قال إن المتصدرين في الأمام خير من القابعين في الخلف؟ ، أولئك معرضون للكشف ، للغبار ، لسبر الأغوار ، عقولهم في سيماهم ، وسيماهم في لحنهم ، في الخلف أنت هناك سلطان بلا عرش ، يسوس الرعية ، ويصدر الأحكام ، ويكيد المؤامرات ، تركل الذين في المقدمة ؛ لتسوق النور للضفة المظلمة في مقولة : "إذا رُكلت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة" ، وتنتصف من التاريخ لهم ، ويسقط المزكون أنفسهم في الهاوية ، ضريبة المقدمة . أفكارهم كأماكنهم ، لا تأتي من الأعماق ، أفكار الأعماق أربابها هناك ، عند أولئك ، حكام الظل ) *


وحول موقف الإسلام من الشعر سألت أستاذة ، وخاض الكثير في الأمر ، وطلبَت المزيد ، فحدثت نفسي ، أن لا يصح أن يوسد الأمر لغير أهله ، فأجبت : "الإسلام عدّ الشعر كالحديث فحسنه حسن ، وسيؤه سيء ، أي أن موقفه منه كان على التحادي" . أحسست أن كلمة ما ليست على ما يرام ، فقطعَتْ تفكيري : "نعم ، موقفه منه كان على الحياد" ، وصمْت لفّ المكان ، وتضاءلت في مكاني ، ورأيت وجهي قد فرّ من الباب .



* ذات حقد طبعا .

لحظة فرح
13-10-2009, 09:36 PM
"نموذج 13"


لابد أن أفتح مكتب استشارات عاطفية في الجامعة ، هذا الكمّ من المشاكل الذي عرض عليّ هذا الأسبوع يجعلني أفكر جديّا باستخراج تصريح لهذا المكتب ، أو على الأقل الانضمام للجنة إصلاح ذات البين .
صديقتي تشكو من تدخل أعمامها وجدتها في شؤونها رغم وجود والدها ، ويسعون بكل جهدهم ليفضوا خطبتها من شاب ليس من قبيلتهم ، رغم أن الشاب لا تعيبه عابئة ، بحجة ولد عمها موجود لها ، وأبصرت نظرات الكره في عينيها حين تتحدث عنه وأنه يكبرها بسنتين فقط ، ثم تنفرج منها ابتسامة ساخرة من قول جدتها محاولة للتحبيب فيه "تخصصكم مثل بعض" ، وعندما طلبت رأيي ، قدحت شرارة تحريض في عيني "لا تتنازلي عنه ، وأخبريهم أنهم لن يربطوك بصغيرهم ما لم يكن الرجل الأخير المتوفر في الكون ، وأن حياتك أنت ستعيشينها وليس هم ، وحذارِ أن تتركي أحدا يقرر لك أمرا ، سيحسدونك على حلوه إن كان ، وستغصين بمره وحدك ولن يكونوا معك عندها ، وربما هم أول من يلومك ، وتوكلي عند من لا يخيب عنده المرتجون ، وقولي لأبيك كلام بما معناه أن : ما توقعتها منك " ، بعد أيام لقيتها بوجه مشرق وعلى محياها السرور ، وأخبرتني أن المشكلة سويت باجتماع عائلي .

وزميلة أثناء إخبارها لي بمعضلتها ، مع كل مشهد وخبر كنت أرى فيهما قيس وليلى جديدين ، القصة مفادها : ليلى تحب ابن جارها قيس ، وقيس يحبها ، وتقدم لخطبتها ، أبو ليلى رفض ، وطرد قيس وأباه من منزله بسبب مشاكل قديمة وزيادة على معرفته بالعلاقة ، قيس لم يصبر على بعد ليلى ، فعاود الاتصال بها ، وجازف أخرى ، وتقدم أخرى ، وطُرد أخرى ، وليلى الآن تعاني من الهجران والحرمان ، والذهول والشحوب . وبعد أسابيع هذه المرة جاءت نصائحي الذهبية موافقة للنتائج الحاصلة : قيس ترك ليلى ، فكرامته مرغت في التراب في سبيلها ، وموضوع الكرامة إذا دخل أسقط كل الأشياء التي كانت قريبة من حافة السقوط . وسبب محرض آخر لفتح المكتب .

وصديقة أخرى أخبرتني بحيرتها : هل تقبل الخطيب القريب ، والذي إذا وافقت عليه ؛ سيصطحبها إلى دولة بعيدة لسنوات ، ومبلغ خوفها من هذا السفر ، فما كان منّي إلا أن نصحتها ـ وبمفردة أخرى زمجرت عليها ـ بـ : لا مشكلة ، وماذا يعني أنك ستذهبين ، الكثير ذهب وهم أصغر منك سنا وأقل تفتحا ومعرفة بالحياة ، ثم ماذا الآن ؟ زيادة خبرة من صقل الغربة ، وتعلم في جامعة أفضل ، والمزيد من الشتائم المبطنة بالنصح وحب الخير لها ، وبعد مدة قصيرة أصبحت لا تجلس معنا كثيرا في الأوقات الفارغة ، لأنه انتهى من يومه الدراسي ويكلمها من ليله .

وحدث في فترة لاحقة بينهما مشكلة ، ففاجأتني بقولها "فكينا خلاص" ، وكدت أصاب بانهيار من الخبر وأبكي : "فليخرب البناء والمال والأعمال ، لكن الحب لا" ، وعند الاستفسار لكمتها بالشتائم المبطنة بالنصح وحب الخير لها ، كانت تبالغ فقط ، وبدأ عرق الإصلاح يضرب الدم فيه ، فضربتها على وتر حساس : "خلاص يشوف غيرك هناك" ، وحدثت تحولات فيزيائية في وجهها من قبل النصح ومن بعد الوتر المضروب . ومن باب أن الله يساعدني فيما أقول ، إذا برسالة تصل منه وردت عليه بلهفة ، ثم رد ، ثم ردت ، ولكي لا تكون غبية "وميتة عليه" كما تزعم كانت تتأخر عمدا في الرد لدقائق .

لقد مللت القصّ ، وبدأت أشعر أني أحكي فقط ، ثم أربط النتائج بنصائحي التي لم أقلها ، ولن أقول قصة الصديقة الأخرى التي جاء خطيبها عند بوابة الجامعة ولوح كل منهما للآخر ، وأتفهم حركات المحبين الصغيرة وإن بدت للآخرين محض حماقات ، ثم مسكه الأمن ، وفرّ منهم ، وهما الآن تحت مظلة القلق ، ماذا لو مسكوا به ، ثم حين يسأله عمه ـ أبوها ـ الذي سيخرجه لماذا كنت عند الجامعة . بغض النظر عن أني استخدمت ولية صالحة في الموضوع ، وطلبَت مني الدعاء لها .

أعتقد أني حكيت القصة . سأترك الحديث عن قصص أخرى ، وخاصة التي رأيتها اليوم في الممر مكتفة يديها ، وتقف غارزة نفسها كالوتد ، وهي هيئة مَن يقاوم ، وعلى محياها ابتسامات تصدي من الشخص الآخر الذي في الهاتف ، وعندما اقتربت سمعت : "معليش لا تحاول" ، "قلت لك معليش" ، "انتهينا" ، وعندما مررت وأصبحت خلفي : "ممكن أقفل" ، "ممكن أقفل" . تمنيت أن الممر لم ينعطف ، ولو لا يبد شكلي غبيا ، لتظاهرت بإسقاط الحقيبة ، وعند جمع الأشياء المتساقطة منها أعرف هل ثبتت وقفلت أم لا ، لكن تصرف مثل هذا سيكلفني انكسارات السقوط المكلفة كمحمول مثلا ، إلى جانب أن الحقيبة المثبتة على الكتف لا تسقط ، وإذا سقطت لن تكون هناك أشياء متناثرة وهي مغلقة .
البشر هم الذين إذا سقطوا ، ينثرون كل خيباتهم حولهم ، وشحيح منهم جامعها ، ومعدّها مادة خصبة لاستعادة وقوفه .
مكتب استشارات إذاً ...

لحظة فرح
13-10-2009, 09:43 PM
"نموذج 14"


لكل مقام لباس :
القميص الرياضي غير مناسب في الجامعة . بغض النظر عن أنه غير لائق بفتاة ويتخذ معنى السخافة والسطحية في التفكير ، ومدعاة للاستهجان بالنظرات غير المصدقة لهذا المرأى والتي كادت أن ترمي أمامها كرة لترى الاستجابة للعدو ورائها ، أو اتقاء شر الألسن المنادية باسم اللاعب الذي يتوشح ظهرها لرؤية كم ثانية يستغرق انتباهها لهذا العزيز على قلبها .


النظافة أولا ثم الزينة :
بغض النظر عن أنها أشغلتني عن رؤية الجدول ـ الذي بدأت أتابعه ـ بسبب جفنها ، الأصفر والأسود كقميص لنادي ، ووضعته بطريقة تجعل من إحضار تماثيل الشطرنج ، وبدأ اللعب عليها ، شيئا ملحّا ، وإذا تقلصت الشفتان عن الفم ؛ "خلص" ، صديقتي تستعجلني : "طوّلتي" .


الجميع له مطلق حريته في ممارسة أفعاله الخاطئة :
بتركيز النظر أن هذه الممارسة طبيعيا تكون بتعتيم ، ومن غير الطبيعي أمام هذا الجمع على المرآة أن تعيد ماكياجها بهذا القلق والتوتر ، وإعادة النظر في عباءتها كل حين من الأمام والخلف ، ثم حين تستعجلها صاحبتها بهدوء ، تصرخ : "لحظة ، هذي فرصة العمر" ، وبعد قليل خرجت ، ودخل في بالي : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) .
أتذكر الآن كلاما لإحداهن حول أن هذا من النفاق أن تخفي سيئاتك عن الناس وتظهر بالصلاح أمامهم ولا تتحدث عن الأشياء التي تفعلها ، وهي خاطئة كثيرا ، الإسلام لا يستهدف صلاح الفرد دون المجتمع ، فللمجتمع كرّه المجاهرة بالذنوب ، وأن يحدث المرء الآخرين بذنوبه التي سترها الله عليها ، ليكون سمته سمتا إسلاميا يخشى من إظهار الذنوب فيه ، وتكون من الأمور التي يستحي صاحبها أن يتحدث فيها ، ولا يستهدف صلاح المجتمع دون الفرد ، فأصّل مفهوم المراقبة تأصيلا قويا ، فالله بصير بكل شي ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وليس بغافل عما تعملون ، ولا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء ، وقرر في كثير من الآيات خشية الله بالغيب . ثم للموازنة بين النوعين ، كان لابد أن ستكون حالة صالحة ظاهره ومقيمة شعائرها أمام الناس ، والتي إذا خلت بمحارم الله انتهكتها ، جاء الوعيد بأن تكون حسناتها تلك هباء منثورا يوم القيامة .


إذا كان هناك هاجس ثقافي في هذا المجتمع ؛ فإن وجوده سيكون بعد أن تموت مئات الهواجس التافهة والتي لا تشكل من الفائدة شيئا :
لا أرمي بمسامعي وسطهن كثيرا ـ وإذا رميت بحسن النية طبعا ، للاستماع إلى إذاعة : صوت الشعب ـ ، إلا أن لفظة معرض الكتاب انتشلتني من أفكاري ، ومابين السرعة المستغرقة في إلقاء أجهزة التصنت إلى وصولها تحول موضوع حديث الإذاعة عن "سيتي ماكس" ، حسنا لملمت أجهزة التصنت التي ألقيتها ، بعد أن رمقتها بنظرة استحقار جراء انقلابها من الضحك ، وزاولت الانهماك في الرواية .
بغض النظر عن أني تركت الآن قراءة الروايات أثناء المحضرات المملة ، وأفضل وسيلة لطرد هذا الملل من جذوره هو امتطاء صهوة رواية ، ولم أكن أعبأ بالنظرات الغازية من الميمنة والميسرة ، وأعظم من ذلك نظرات كتيبة المقدمة ، أما الخلف فأمنت ظهري من أي استطلاع قادم ، إلا في حالة كان الجدار قد اكتسب عادة التطلع فيما لا يعنيه . بعض هذه النظرات كانت تستوقفني : "ايش تقري" ، "رواية" ، "حقيقية يعني ؟" ، فأسهم إلى أن أجد إجابة : "من الواقع يعني" ، "آه" . ثم تركتُ هذه العادة لأسباب لا تحصر ، وبعد فترة قابلت إحدى السائلات وأحيانا المزعجات التي تكثر علي : هل هي جميلة ، من مؤلفها ، عن ماذا تحكي ، ألا تملّي يبدو أنها طويلة ، وهي لطيفة على كل حال . أقول أني قابلتها في المكتبة الجامعية تصور أوراقا ما ، فقالت لي "الله يقطعك صرت أحب القصص" ، فبادلتها ضحكة ظاهرها المبادلة ومن دونها الفزع من الدعوة .


اللغة ضيقة ، من يقول بغير ذلك؟! :
"الشباب حلوين" ، "لا مو حلوين" طرف معارض ، طرف ثالث : "لا حلوين" ، الطرف الثاني : "صدقيني مو حلوين" ، طرف متفهّم : "مو كلهم" ، طرف مؤازر للرأي السابق : "صح ، في بعضهم حلوين مرة" ، الطرف المثير للمشكلة : "بس كثير الحلوين اللي يسوون مسؤوليات لأهلهم" . قبل هذا الرأي كنت أحسب أن الحوار يدور حول الوسامة من عدمها .

لحظة فرح
13-10-2009, 09:48 PM
"نموذج 15"


صباح هذا اليوم ؛ أي الصباح الذي يمتثل فيه الشعراء في أفق القاعة ، رأيت كثير من الإجابات تنساب منّي إلى الصفوف قبالتي ، فأخذت ألعب مع العفاريت التي تنقلها ؛ أن تنقلها بنفس مبناهم لأنها تأتي بنفس معناهم . لكن عند الظهيرة بعد العودة إلى الجامعة مرة أخرى ، نظرا لفراغ أربع ساعات هائل وقلة الأمكنة المعدة لقضاء لحظات ، كانت العفاريت الناقلة قد قيّلت ، واستغللت غيابها فأخذت أنطق الإجابات من لساني ، لكن هيهات ، المحاضرة بواسطة الشبكة ، والإجابة قد تصل وقد لا تصل ، وفي حين أن يسأل المحاضر "رقم كم" استفسارا عن تلك الإجابات الطائرة ، يكون الأوان قد فات ، فالإجابات ملقاة في الطريق ، يأخذها النائم والمستيقظ ، وبمجرد قولها تفقد حقوق ملكيتها ، وتصبح سبيل للجميع .

حسنا ، سُرقت إجابة وسُر بها المحاضِر ، وأيضا أثنى عليها ، لا يهمّ ، لكن عرفت جذور السرقة المتأصلة في الشعراء وقابليتهم لسرقة المعاني بسرعة فظيعة دون أن يلحظهم أحد ، وإضفاء صوت مؤثر عليها ـ كما عادتهم ـ كأنهم مستخلصوها ، ولا أدري حقيقة شاعريتها ، لكنها عُرفت بذلك بين القوم ، وحدسي يقول بأنها شويعرة على كل حال .

وبمناسبة الشعراء الذين أراهم في الأفق ، كان ضيف هذا الأسبوع أبو ذؤيب الهذلي ، رأيته قد ندم أن ذكر زوجته في مطلع القصيدة وهي تسأله عن حاله ، ولو علم أن ذكرها سينحي به منحى المرأة المثالية التي تحسن بدء الحديث مع زوجها وتسأله عن أمور مختلفة لكي لا تجرحه وتذكره بالسؤال عن الحزن الذي تعرف مبعثه فيكون هذا تسرية عنه لكي يجيش عما في صدره . ومن يدري أنها خافت قلة المال فسألته عن سبب شحوبه رغم وجود ماله . أقول لو علم لما ذكرها أصلا ، بينما القصيدة لا تحتاج غير أن نفتح قلوبنا لحزنه على فراق أبنائه الأربعة الذين فجعه الدهر بهم ، وغيبتهم الأرض عنه ، وغدا غريبا بدونهم ، بقوة أبيات وسبك كلمات ، ورصف عبارات رنانة تميل إليها القلوب قبل الأسماع ، وتتفطر الأكباد إلى بيته الذي لا يقوله إلا عظيم بعد هذا الرثاء : وتجلدي للشامتين أريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع .

هذا ما كنت أريد أن أصل إليه للتنبيه من تشويه القصائد ، وإسقاط كل ما يخطر على البال عليها ، ما كنت أريد الحديث عن الإجابات الطائرة ولا عفاريتها ، فتبسمي للسارقين أريهم ، إني لنحل القول لا أتململ .

لحظة فرح
13-10-2009, 10:12 PM
أهلا بك وقار ..
حسنا إذن ، كنت أظن أن مشاهد حياتي فريدة لا تحصل لأحد .
وشكرا على الظن الجميل في القسم وفي أمر المؤلفات .
صحيح أني تخيلت أن يحدث لي مثلما حدث لبراون في روايته الأخيرة ، لكن مع نفسي يعني ، ومن غيري أشعر أن في الموضوع سخرية على نحو ما ..
ليس بوسعي إلا أن أشكرك مرة أخرى ..


مرحبا غدير مرة أخرى ..
سعيدة كثيرا بك هنا مثلما هناك ..
وأنتظرك لتحدثيني عن الكتابة ، أنا فعلا أتوق لذلك ، أشعر في ما هنا أشياء غير جيدة كثيرة ، أم أنها برأيك قليلة فقط ..
أحاول جاهدة أن أنتهي منها ، لأجلك أسرعت كثيرا ، وأنت تعرفين منهج توثيق المخطوطات التاريخية كيف هو شاق ومتعب ..

ابوالدراري
14-10-2009, 12:11 PM
بخصوص الفصل الذي يتكلم عن أهمية الخبز في حياتنا اليومية ..
هل يمكن لأحدهم مساعدتي في هذا السؤال الذي يجهدني ..

كيف أمكن لعقل الانسان البدائي تصور فكرة أن يضع القمح على النار ..
ليتمتع بالخبز الذي تعتمد عليه أغلب الحضارات والمطابخ في يومنا هذا ؟

ساكون ممتناً .. بقدر امتناني للحظة فرح وانسياب حروفها المفعم جمالاً .

ابوالدراري
14-10-2009, 12:18 PM
بخصوص الفصل الذي يتكلم عن أهمية الخبز في حياتنا اليومية ..
هل يمكن لأحدهم مساعدتي في هذا السؤال الذي يجهدني ..

كيف أمكن لعقل الانسان البدائي تصور فكرة أن يضع القمح على النار ..
ليتمتع بالخبز الذي تعتمد عليه أغلب الحضارات والمطابخ في يومنا هذا ؟

ساكون ممتناً .. بقدر امتناني للحظة فرح وانسياب حروفها المفعم جمالاً .

لحظة فرح
17-10-2009, 08:39 PM
"نموذج 16"


حسنا ، السماء التحفت بالغيم وانتصرت الشمس لنا ، والهموم نائمة والسعادة مستيقظة ، والسرور فرش لنا بساطا نمشي عليه ، وهب الأنس مع النسيم البارد ، وكل ما يمكن أن يقال في سيمفونيات الغيث ، لكن بحق الله ما هذا ، هل السماء حين أمطرت ؛ أمطرت بناتا معها؟ ، ونقّبت القطرات المتساقطة عن بنات أخريات ، وهل البركات المتجمعة من أنابيب التصريف جمعت من شقوق النوافذ وغياهب المباني والأروقة بناتا جددا ؟ .

تكشّف لي معنى جديد من آثار نزول الماء على الأرض ، ربما ليس اخضرار الأرض بعد شحوبها ، وارتواء الأشجار بعد جفافها فقط . بل عن مخلوقات أخرجتها قطرات الماء عندما اهتزت ذرات التراب منها ، حتى أني شغلت عن تأمل السماء والاستمتاع بنسيم الهواء وصوت الماء وتمايل الأشجار ، عموما شغلت عن استغلال مضاحكة الكون قبل أن يعبس غدا بالتأكيد بتأمل هذه الجموع الغفيرة . المرة السابقة لم أشغل بحكم كوني حديثة عهد بالمكان وكل الأوجه في عمومها جديدة ، لكن هذه المرة ظننت أن كثيرا من الأشكال قد مرت عليّ ، وأنا أعرف الوجه الذي فتحت عيناي غلافه من الذي لم تفتحه ، فعرفت أني لم أفتح سوى أغلفة كيس واحد لامرأة تبضعت بعربيتين استعدادا لرمضان ، صحيح أن بوادر مثل هذا الشعور قد ظهرت لي مسبقا حين أضطر للذهاب إلى دور في مبنى معهود ، لا محاضرة قريبة به ، كنت ألاحظ أن الكل جديد ، لكن اليوم مختلف جدا لدرجة لا تكاد تستوعب ، من بعده وأنا أجزم أن خلف كل عمود إنارة ، وتحت كل حجرة ، وعند كل نافذة ، وداخل كل سيارة يوجد بنتا ولابد ، والأمر عظيم لو تذكرنا أن هناك فروعا أخر للجامعة ربما تحوي مثل هذه الأعداد ، وهناك معاهد ، وهناك من لم يتاح لهن الدخول ، وهناك من تخرّجن ، وهناك من سيأتي في الأعوام القادمة . أوه ، إني أصاب بالدوار ، ماذا سيفعل بهذه الجموع في الدولة بعد دراستها ، الانتظام في سلك التدريس؟ محال ، إلا في حالة أن يجعل لكل طالبتين معلمة . طبّ؟ ، وإن يكن ، هل يعقل أن مئة متخرجة يتوظفن في سنة واحدة ، إلا في حال مساعدة من منظمة ماسونية تدس مسببات الأمراض لنصف الشعب ليتسنى الاستعانة بهن في علاجه ، والإبقاء على النصف الآخر لتدريسه . والأهم من سيتزوجهنّ ، ونسب مواليد الإناث تفوق الذكور ، ثم بعد ذلك وفيات الذكور أضعاف وفيات الإناث ، ثم أسباب كغلاء المهور والدراسة معوقات في سكة قطار الزواج ، ولأن عرض المشاكل بدون التفكير الجدي بحلها ؛ مشكلة أخرى ، فهناك حلان لا ثالث لهما لمواجهة الانفجار الإناثي ، إما أن يصدرن للخارج ، للدول التي تحتاج نساء ، مع مراعاة توفر الشقر فيها ، فنساؤنا أثبتن ولعهن بهم في فترة قريبة ، إلى غير الأسباب الخفية التي تجعلنا نكسب مسلمين جدد ، فهن في هذا ما عليهن كلام وسنتغاضى عن عيب إنجابهن المولعين بالكلام ، وإما الحل الآخر الذي لا يغضب الرجال كالسابق ، أن يتزوج كل رجل أربع نساء ويتسرى بأربع . الرجال راضون أخال ، النساء ساخطات أتيقن .

أشعر أن شطر الطلاب مختلف تماما عنّا ، ففي الوقت الذي تكون فيه أروقة مبانينا مزدحمة وطاغية بالمارات وحالات من الاختناقات المرورية والمزاحمات بالمناكب ، تكون أروقة مباني الطلاب هادئة وهناك في آخر الرواق طالبان يتهامسان قد انعطفا للرواق الآخر ، فتلحق بهما فتجدهما قد دخلا قاعة ، وتعود للرواق فتجد طالبا يمشي في نهايته ، فتسارع لتلحق به ، فإذا هو قد اتخذ طريقه خارج المبنى ، وفي الوقت الذي تحضر فيه الطالبات كراسي إضافية للقاعات لنفاد المقاعد ، وتسد الممرات في القاعة كلها ويستحال عندها فكرة الخروج ، أشعر أن قاعات الطلاب تكون على شكل ثلاثة صفوف أمامية ممتلئة ، ثم يتناثر الطلاب بعدها إلى أن نصل إلى الأربعة الصفوف الأخيرة وهي فارغة تماما . وفي الوقت الذي يكون مركز التصوير مكتظا بالطالبات ومن الصعب الخروج قبل خمس عشرة دقيقة من دخوله ، والكل يرفع رايات الأوراق ويصرخ "لو سمحتي" استجداء للعاملات ، يكون مركز تصوير الطلاب هادئ ، عند الزاوية هناك طالب بدأ العامل بتنفيذ طلبه ، وعند المقدمة القريبة من الباب طالب يشرح له ما يطلب ، وطالب آخر ينتظر أن يفرغ من طلبه ؛ ليطلب ما يريد .

لحظة فرح
17-10-2009, 08:46 PM
"نموذج 17"


المخلوق الذي في اختباره لا يدري ما القوم يصنعون ، ويقلب النظرات في الورقة دون أن يتبين شيئا ، وإن أجاب بـ أ أو ب فالأمر سيان ، لأنه لا شك لديه البتة في أن تكون واحدة آكد من الأخرى ، ليس لشيء ، فقط لأنه ردد داخل نفسه "مادة تربية إسلامية؟ ، وهل كانت تربيتي مسيحية مثلا" ، ثم آثر التقليب في مكتبة الكتب المستعملة ، وظنّ ـ والظن أكذب الحديث ـ أن المذاكرة في السيارة تغني عند الحلّ شيئا .

هذه المخلوقات لا ذنب لها في الكوارث التي تحدث لها أثناء توزيع الأوراق ، بل ذنب واضعي الأوراق في ارتطامات الظنون وأهوال الصدمات أن السؤال التالي كالذي قبله لم يمر آن المذاكرة على مذاكرِه . الروح البشرية تحتاج إلى كثير من الرفق في التلقي ، لا هكذا بإحداث ثقوب في جدار الثقة النفسية وفجوات ندم عند الرب خبرها ، ثم الكثير من الحسد للذين لم ترتفع رقابهم عن أوراقهم ولا تبد عليهم أمارات الخيبة ، بعكس الذين انتبهوا أول مرة للسقف وتوزيع الإنارة فيه ، وانتبهوا لمصباح الزاوية المحترق ، وللشعور الجافة والمنهوكة ، ولمسّاكاتها التي عند أختهم مثلها .

ثم ما هذا بحقهم؟! ، ما إن يعلن أحدهم عن اختبار ؛ حتى يعلن الجميع كشائعة تتلقفها عجائز الحيّ ويلكنها طويلا ، أثناء تقليدهم لأول معلن عن امتحانه كسرب يلحق بقائده ؛ يعلن المشرع الأول عن اختبار دوري ثاني ، فما يفتأ السرب حتى يلقي علينا باختباراته . فاليوم اختبار ، وفي الغد اختبار ، وهذا لا يمنع أن الأمس لم يكن فيه اختبار ، وأن الأسبوع الذي قبله كان يرزح بعدة اختبارات ، بالإضافة إلى أن السبت اختبار ، ومن غده اختبار أيضا ، والسبت الذي يليه اختبار نهائي ، ثم قطيع من الاختبارات بعده .

لكن ما أسهل تخويف القطيع ، أظهر فقط أنك ستنطلق جاريا نحوه ، ضاربا بقدمك الأرض دون أن تنطلق ، حتى ترى القطيع بأسره قد ولاك دبره ، بما فيهم قائده ، وانبجست قلوبهم خوفا منك، فهكذا نرعاها .

وهكذا يجب توعية طلائع الجيل الجديد بحقيقة غيبوها عنّا ـ كما حال كثيرها ـ أن الاختبار لم يسمّى اختبار لأنه يختبرك في المادة التي درست ، حفظا أن نسيانا ، انتباها أم سرحانا ، استيقاظا أم نعاسا ـ أحايين شحيحة نوما ـ ، اجتهادا أم إهمالا ، وإنما لكي يختبروك في إمكانية مزاولة الأشياء التي تحب بانحراف يسير في وتيرتها لا يكاد يُلحظ ، هل ستتراجع عنها؟ ، هل ستخذلها بتركها أسابيعا ، هل ستتخلى عنها حين تفاجئك الشدائد ، لكن أين وفاؤك؟ ، بل أين حبك؟ ، كذبْت حين زعمت أنها هوايتك ، منذ متى يترك الهاوي مهويه؟ ، يا لكذبات المحبين ، وانتكاسات المحبوبين حين يُتركون عند أول محكّ ، حين تُعرف في الرخاء ، وحين فقاعات الشدائد : "لا ، الحين اختبارات مو وقته" .

لحظة فرح
17-10-2009, 09:07 PM
"نموذج 18"

تعالي يا صديقة ، أداوي خيباتك الصحيحة .
أريحي بكفي كفك المرتجفة ، ولنترك السقوف والكراسي الملتصقة الكئيبة ، ولنجلس على رصيف العابرة .

امسحي الدمعة المترقرقة في عينيك أولا يا صديقة ، أعرف أن أحزان الليل التي لا تبددها مسرات الصباح هي أحزان أليمة ، لكن هوني الأمر عليك ، لا نحن باقون ، ولا هذه الأحزان باقية ، فلم كل هذا العبأ؟ . أترين ذلك الصدّاح فوق الشجرة ، وهذه الشجرة الخضراء التي تعانق السماء ، وهذه السماء الصافية الزرقاء ، وأشعة الشمس المبتهجة بانتصارها على انتشار الليل ، انتصرتْ يا صديقة ، كل يوم نشهد انتصارا عظيما لا ننتبه له ، فلتنتصري أنت أيضا ، انتصري كل صباح ولتتركي أحاديث الليالي التي أثقلتك همّا ، وتأملي هذه الوجوه العابرة التي تهذر وتضحك ، ألا تدخل عليك ولو قليلا من التسلي؟ ، وانظري لهذا القط المضحك كيف يحاول اصطياد العصافير المتحلقة حول بركة الماء ، اقترب ، لكن طارت العصافير على الشجرة وأكملت شدوها غير مبالية ، ما رأيك لو كنت عصفورة الآمال تطير من قط الأحزان كلما فكر بالانقضاض؟ ، تضحكين يا صديقة ، لا تضحكي ، هذا الكون كله لنا ، أتدركين؟ ، ليس لمواد سكننا وأكلنا وشربنا فقط ، لكن لنجعله مثار تأملاتنا وتملياتنا وأغنياتنا .

يا صديقة ، افتحي يديك وعدي على أصابعك النعم التي حولك ، ثم أعيدي الكرة لكن بعدّ مآسيك ، أتلحظين؟ ، آه تشيحين ببصرك عني وتلتمسين الخلاص بالنظر هناك ، وهذا درس أن تنظري هناك في الآفاق الأخرى كلّما اكفهرّ أفق لك ، لو عددنا نعمك السعيدة لاحتجنا إلى أصابع المارة مع أصابعك وأصابعي ، لكن المبائس كفك وحدها كافية ، أرأيت؟ إنه النسيان يا صديقة . احزمي أمتعة خيالك ولنسافر هناك ، هناك يا صديقة حيث الأسوار العنيدة تحيط بمدينتك ، المدينة بأسرها ، أي إنهم لا يفكرون في المصيف ، وحيث أبسط الأشياء التي لا تستشعري وجودها يعدونها هناك أحلاما بعيدة ، سافرتي ؟ ، حسنا ، استحضري النسوة الذين ما انفككنا صغارا ونحن نراهم يصرخن بكاء ، لا تسأليني عن أسبابهن فهي كثيرة ، لتأيمهن لترملهن لفقد إخوانهن لموت صغارهن ، أنا لا أعرف ، نحن من خلف الشاشة حينما نأكل لا نعقل إلا هذه الأسباب ، لكن أنت أيتها المرفهة المنعمة التي ترتدي أجمل الملابس ، والتي تترك الأكل لأن ليس لها نفس فيه ، ما أسباب هذا الحزن الكبير؟ ، سأعفيك من الإجابة يكفيني هذا التقلص الكبير أيضا في ملامحك .
يا صديقة خذيها من التي عركها الزمان وعركته صغيرة ، رغما عن ابتسامتك الماكرة ، لن أخبرك كيف كنت أتدبر أمر مواساة نفسي خلف الخزانة ، حسنا كفي عن الابتسام ، أقول لك : إذا وجدت من بإمكانك أن تجدي العزاء لنفسك من بلاياه فأنت في خير عميم ، ولن تعدمي أبدا من بلواه عزاء لك إذا ما بلوى بنفسك حلّت . والحقيقة أنه ليس في حقيبتي خريطة ، لأريك مواطن بائسة بالفقر والجهل والمرض كبيرة .

_
تقولين يا صديقة أنك ضقت ذرعا بمن حولك ، ووطدوا الضيق بصدرك ، يوخزك تعليقهم ، ويجرحك قولهم ، يكدرك قربهم ، لكن ماذا أفعل بشأنهم؟ ، هل أرسل لهم كتاب الأخلاق الفضيلة كيلا يؤذوا هذه الصديقة ، لكن سأقول لك أن سيسعدك بعدهم ، جربي وستربحي ، نعم ، لماذا أتحتي لنفسك كل هذا القرب منهم ، ذاتك يا صديقة سيخدشونها ، ولن يعبئوا إذا ما اخترقوها ، انئي بنفسك عنهم ، آثري الراحة ، الطرق المزدحمة يبتعد الناس عن السكنى بجوارها ، مزعجة يا صديقة ، لكنهم سيعودون حتما ليعبروها ، فيش بعض الأجهزة لا يعمل إذا أدخلته بكامله في المقبس ، جربي أن تبعديه قليلا سيعمل مباشرة ، تخيلي لو أن هذا الجهاز كان مكنسة ، فإذا صوتها القوي يبدأ ، طربا بقليلٍ من البعد ، تجاوزي تشبيهاتي السخيفة ، لكن لا تغامري بالدخول مع أوغاد المعاملة ونبضك سيوافيك كالمكنسة تماما .

سرا سأخبرك ، لكن لا تنزعجي ، أولئك الذين ابتعدت عنهم من إرباكهم لك ، إذا عدت إليهم ـ حال احتياجنا للطرق المزدحمة ـ لن يختلف إرباكهم كثيرا ، فقط سيصبح مركّزا أكثر ، والحقد متراكما فيه أكثر ، وفي الماضي كان خفيفا متصلا ، وماذا تفضلين يا صديقة ، أن تفاجئك الثمرة الفاسدة بنتن فتلفظيه من أوانه ، أم تتركي نتنها عالقا في فمك إلى أن يسمح الذوق بإخراجه ، عرفت خيارك ، حصيفة أنت يا صديقة .

-
تقولين بمخاصمة والدك الشديدة ، حقا أنا آسف لك منه ، لا تجزعي سيؤوب لرشده صدقيني ، نزوة غضب عابرة فقط ، لأجلي انسيها له ، وتذكري جمائله لك ، أعرف أن فعلته لمن في سنك قاسية ، لكن يا صديقة تذكري أن لن تعدمي عزاء لمن هم دونك ، أنت الآن كبيرة ، ونفسك أيضا ، تستطيعين تدبر تفهيم نفسك بنفسك أنه بالغ في ردة فعله ، وإيهام نفسك بكبر خطئك ، لكن ماذا إذا كنت صغيرة يا صديقة ، وضربتي بدون خطأ فقط اتهاما ، وتُدفعين على كرسي ، وتسقطين وإياه أرضا ، لا تدرين من آلم الآخر أكثر من الثاني ، وتبكين وحدك وتسقط معك الأشياء الكثيرة ، وأنت صغيرة لا تحسني وضع الأشياء بأماكنها الصحيحة . وخذيها من التي لا علاقة لها أبدا بالزمان لترضين : ربّ ضرب يبرح الأجساد ولا يمسّ النفوس ، وتعرفين عكسه يا صديقة .

-
تتوجدين على الذي تركك يا صديقة ، بعدما علقك حولا ، اقسي على قلبك كثيرا ، تقولين كيف؟ ، سأقول لك إن حبات القلوب هذه عجائب ، مضغ اللحم تلك حالها غرائب ، لكن سأعللك ، علّه يذهب بعض ما بك ، ركزي تفكيرك وعقلك أنه تركك ، أنه تحول عنك ، أنه انصاع لأمه ، أنه لا يريدك ، ثم يشجيك فراقه ، أوه إن هذا في شخصك يا صديقة ، سامحيني أن شددت شعرك ، لكن تستفزني طيبتك ، أتمنى أن يبرز بإزائه جانب حقدك ، وإن لم تنسي ، سينسيك الغبار الذي يصيب كل الأشياء التي لا تحرك ولا تمسّ ، أدعوه أن تهب على قلبك عواصف غبار الصيف ، ثم إذا اغبرّ ، حافظي عليه ، أبعدي كل محاولات التنظيف عنه ، لا يأخذه أحد ، إنها تعود ممزقة دائما يا صديقة . أعرف أنها أحيانا تسرق ، لكن الأمن يعيد المسروقات دائما إذ لم يكن في بلادنا ، يا صديقة أشعر أن قلبك يهدد عقلك من كلامي بوقف ضخ الدم له ، فانتهره عقلك قائلا :"ليس الأمر إليك ، من هنا كل الأوامر صادرة" ، فأجابه القلب :"ولكن صاحبتنا أنثى" ، وتدخلت المعدة قائلة ، تضحكين من قولي يا صديقة ، لا لن أكمل ، أنا حقا لم أكن أدري بماذا كانت ستجيب .

قبل أن نقوم يا صديقة ، يؤلمني أن أخبرك ، أن لا تنتظري دائما من يوسد حزنك وتبثي له همك ، هناك أيام لن نجد فيها كل الجدران قائمة ، ولا كل الأبواب مشرّعة ، وسنعدم الأيادي التي على الأكتاف مربتة ، عندها ؛ عندها يا صديقة ليس لك إلا الذي هناك في الأعالي ، الذي لم يتركنا لحظة واحدة ، الذي يذكرنا وننساه ، ويرزقنا ونجحده ، عندها اتصلي به ، وسيتصل عندها النقص بالكمال ، والضعف بالقوة ، والفقر بالغنى ، والفناء بالأبد ، وسيغشاك عندها نوره السرمديّ .


هذا المقهى جميلا يا صديقة ، فلنأخذ منه شطائر وعصائر .
ما عاد في العمر للهموم متسع ، وبعدها دونك الدرب هذا ، وكل منّا لدربه ماضي .

لحظة فرح
18-10-2009, 10:31 PM
"نموذج 19"


كنت اليوم أجلس والقاعة أشبه ما تكون بالفارغة أنتظر صديقة ، ليس بالمعنى الحرفي للانتظار ، أي أن الدقائق كانت ترزح بثقلها عليّ ولا تمرّ ، لكن كان قدري أني أنتظرها هكذا وأأرجح بعض الأفكار ، حتى إذا تدللت سحبت مقعدها وعفرتها في التراب ، وقبل أن أغريها بالرجوع إلى مقعدها ، إذا بفتاة تجلس في المقعد الذي بجانبي ، ومن شدة السرعة التي جلستْ فيها لم ألحظ إقبالها ، ولما التفت ناحيتها رشقتُ المكان بنظرة أتأكد من أنها لم تجئ على ظهر مكنسة ، وتمسك بهاتفي المطروح على الطاولة وتشير أنها ستتكلم به ، وتجدر الملاحظة إلى أنها لم تكن تستأذن ، الأمر انتهى ، قالت كلاما ولم أسمعه فبادرتها بـ"ايش؟" ، وهذه عادة سيئة أن الغرباء لا ألقط ما يقولون من المرة الأولى ، لكن هذه كانت حالتها خاصة لسرعة الأشياء التي فعلتْها في لحظات ، فسمحت لها طبعا ولما انتهت كنت أسمع أنات جهازي العتيق الذي قاوم كل موجات الحداثة يئن تحت أصابعها من قوة الضغط . ولتفادي أي حادث سألتها عن مصيبتها ، فقالت : "مو عارفة أشيل الرقم" ، فضغطتُ على الزر الأحمر ، فقالت: "لا ، قصدي امسحه" ، وبعفوية طرحته مجددا على الطاولة ، فقالت: "امسحيه" ، فدهشتُ " "ليه؟" ، ردت: "عشان ما يكون عندك" ، هنا كدت أن أمسك بتلابيبها وأحشرها في الزاوية وأسألها : "اش قصدك؟" ، لكن فضلت الحِلم والسماحة فقلت لها : "طيب" ، وقبل أن تنصرف : "امسحيه لا تنسين" ، وفي الوقت الذي كنت أستعد لسماع عبارات الدعاء والثناء عليّ إذا بخطواتها أسمعها منصرفة .

لا يهم ، الهامّ أن اليوم وقعت جريمة تزوير أدبي ، وتلفيق قصة ما أنزل الله بها من سلطان ، مفادها : أراد المحاضر أن يشرح لنا علاقة الشكل الجميل والقبيح بالتعامل في الصف ومؤثراته فأراد أن يضرب مثلا ، فقال : "الجاحظ كان أكبر مثال على ذلك ، إذا جاء في أخباره ، أن امرأة أمسكت بيده في السوق وقالت له تعال ـ والعياذ بالله ـ وذهبت به إلى الصائغ وقالت له : سوي لي خاتم على شكل هذا ، لكي أخوف به أطفالي حين يغضبونني . أرأيتم كيف تأثير الشكل .... إلخ" ، والخبر من مصادره الأصلية عن مخبره : "ما خجلتني إلا امرأة، حملتني إلى صانع فقالت: مثل هذا؛ فبقيت مبهوتاً، فسألت الصائغ فقال: هي امرأة استعملتني صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوره، فأتت بك فقالت مثله" وكدت أن أتصل على الأمن لهذا التحوير الكبير ، لولا أني تذكرت أنهم لا يعنون بجريمة تزوير الأخبار الأدبية كما السلطانية ، وهدأت ثائرتي وسكنتها بأن هذا وقع في غابر القرون أفلا يقع في غاشمها .

لا يهم أيضا ، الهام أن اليوم آخر يوم دراسي لهذه السنة ، وهو افتتاحية الإجازة الصيفية الصغرى ، الممهدة للكبرى طبعا ، عشرة أيام لن أرى الجامعة ولن تراني ، واشتريت مؤونة غذائية ترفيهية كاملة من أفرع التموينات المنتشرة بكثافة في الجامعة ، والتي تجعل من أمر عدم افتتاح سوبر ماركت مدعاة للاستغراب ، وسأمارس فيه ما يحلو إلى أن يتبقى نهار ونصفه على الاختبار وإلى حينه ؛ أمر الله من سعة .

لحظة فرح
18-10-2009, 10:52 PM
"نموذج 20"


الاختبار في القاعة ذاتها ، لابد أن شؤما ما سيحصل . في اختبار الدوري الأخير انتبهت أن إجابة التي بجانبي كانت خاطئة ، فلم أتمالك نفسي وقلت لها: "منى إجابتك الأولى غلط" ، فإذا بصوت يصرخ من الأمام ، بدد كل السكون الذي كان يلفّ القاعة :"أم طوق أبيض تعالي قدام" ، بغض النظر عن أن طوقي لم يكن أبيضا ، لكن عرف المريب نفسه دون أن يقول خذوني ، وأخذت طريقي إلى الأمام ، أعبر الصفوف التي تحدق فيّ ، والتي أنعكس داخل رأسها على منظر غشاش دنيء ، يكتم ضحكة من سخرية الموقف الذي وقع فيه ، ثم تبًا للمراقِبة لم تقدّر النوايا الطيبة ، وسأترك أنا كل محاولات الغش ، منذ اليوم الأول الذي مارسته في الابتدائية وأنا أثبت فشلي فيه ، عندما نسيت الأجزاء التي تتكون منها النبتة ، فاستطعت التقاطها من ورقة التي أمامي ، ثم خاب الانتصار عندما عرفت بضلالية الإجابة المأخوذة ، وهذه نتيجة طبيعية لمن يسرق من أحد كان يعيد السنة الدراسية نفسها للمرة الثانية ! .

الشهادة لله ، أن معصمي قد تمزقت أربطته ، وظهري ما عاد بظهر ، إجابة تستغرق صفحة كاملة وطاولة الكرسي على جهة اليمين ، ولسوء الحظ أكتب باليسار ، والحالة مزرية ، لابد أن أميل على الطاولة وأنسى أن خلفي متكأ ، وعندها لا مانع من أن تأتيني مراقبة تحسبني أتحين الفرصة لألتهم ورقة من بجانبي ، فتأمرني بتعديل الجلسة ، وأشتم حينها كل من لا يعتني بذوي الاحتياجات الخاصة ، وأرضي نفسي أن هذا ديدن عظماء اليسار الذين يشغلون 5% من هذا العالم ، وأعد نفسي من جملة عمر بن الخطاب ونابليون ودافنشي ، صحيح أن الصدفة مرة قادتني إلى الجلوس في مقعد إضافي ، فلما هممت بوضع الحقيبة على طاولته لم أجدها ، هنا أغمضت عيني ولم أكن أجرأ على تحمل مثل هذه المفاجأة ، طاولة على اليسار؟! ، إن هذا ما لم أراه من قبل ، وفتحتها حقا لقد كانت على جهة اليسار ، وفرحا بهذه المناسبة ، قررت أن أكتب معهم المحاضرة . ثم لم أرى مثل هذا الكرسي مرة أخرى أبدا .


اليوم آخر يوم قد طل بعد طول انتظار ، ولو علمت أن سيكون بالبرودة هذه لما فكرت بانتظاره ، ورقة اختبار بياضها الفسيح يوحي أن كاتبها قد نسي كتابة الأسئلة ، مراقبات من المعيدات يشعرن بأنه لولا تنظيمهن للخروج من الاختبار لانحلّ النظام الجامعي ، اعتراني شيء من الحماس وأنا أقف أمام حاوية الورق ، أن الآن لحظة الفرح الكبير بالانتهاء ، أخرجت كومة الأوراق التي جمعتها استعدادا لهذه اللحظة ، ولم أرم أية ورقة طيلة فترة الاختبارات ، ألقيتها حتى وصلتْ آخر الحاوية ، ولم أشعر بشيء ، رغم أني توقعت أن أحظى بشعور المنتصرين عندما يلقون جثث الأعداء في الحفرة . عندما ركبت السيارة تصنعت أني أثبت نظري في بوابة الجامعة وألصق وجهي في زجاج الباب ، لكن ذلك لم يجد نفعا أيضا ، فأيقنت أن الفرحة ستكون عند وصولي للبيت ، ولم يتغير من البرودة شيئا ، عرضت على أمي حالتي الكئيبة ، فأخبرتني أن الأيام الطويلة من الراحة حالت دون تذوق هذا الشعور ، فصدقتها طبعا ، وتوجهت لدفتري أكتب هذا الشيء وأغلقه ، ولن أفتحه إلا حين أقدم من أول يوم دراسي للسنة الثانية ، بُعد نظري يخبرني بما سأكتب ذلك اليوم ، فالحياة في مجموعها مشاهد مكررة : عادت الوجوه التي فرقتها شهور الصيف ، الجميع يسلم على الجميع ، وكم كان سداد رأيي حين سطحت العلاقة مع شعبتي ولم أجعل بيننا حب وشعير ، واضطررت الآن إلى مصافحة وتقبيل العشرات منهن ، والمؤسف أننا مجتمع يضاعف عدد القبلات بعد فترات الغياب إمعانا في الشوق إلى اللقاء ، حتى لو كان الشخص المسلَّم عليه مجرد شخص لقيته وسألته عن المحاضرة موعدها ، فرد عليك ثم رددت عليه برد يقلص الحديث ويمدد فرصة الهروب ، فتجده يسلم عليك ويسألك بلهفة عن أخبارك التي لم يعلمها يوما . ثم سأتحدث عن المستجدات : أوه ما أكثر المستجدات ، يا لحماستهنّ ونظرات النشاط واستكشاف المكان البادية في أعينهن ، وما أكثر السائلات عن المباني منهن ـ وأفكر جديا من الآن هل أتبرع وأشرح موقع المكان أم لا ـ ، وملابسهن توحي بأن هذا من تنسيق طويل لما سيلبسن في أول يوم ...
حسنا ، هذا استباق للأحداث غير مقبول ، ولن يدع لي فرصة لأقولها في ذلك اليوم ، بغض النظر عن أن مخيلتي جيدة وتمدني بأحداث لم أعشها ، أو المبالغة في أحداث عشتها ..



ــ

"اللهم إنها تمّت"

عائدَة
04-12-2009, 11:32 AM
.. كيفَ حالُكِ ، فرح ؟. ( :
العُمقُ المختلطُ بالمُباشِر شكّل مزيجاً جميلاً في بعض المقتطفاتِ هُنا ، شيءٌ -من بين أشياءَ أخرى- كان يجبُ أن أخبرك به قبلَ اليوم ، ولم يحدُثْ. ثمّ إن لديكِ قدرة جميلة على الصياغةِ بحيثُ تظهرينَ الأشياءَ بحيادٍ حتّى وإن كانت تمسّ روحَكِ أنتِ ، لتصل إلى القارئِ مجرّدةً كما هِيَ ، وبصفاتها الحقيقية التي لم تلبَس مشاعر الكاتِبِ، حتى وإن كان صاحب إحساسٍ عالٍ كأنتِ ، فرح .

ثمّ إلى الروائِعِ ، هذهِ النماذج المحبوكة ببراعة. شُكراً كثيراً لكِ .