PDA

View Full Version : وجاءَ العيدُ يا ولدي/ يا وجعي ..



أسمر بشامة
18-09-2009, 11:47 PM
مساءٌ أنيق , تكبيراتُ المآذنِ ..
جلبة البهجة تشقُّ السكون , ضحكات الأطفال المُترفة/المُمزقة ..
نعم اقتربَ موعدُ العيد ..!
العيد هو الفرح , يجيء مُعلناً البهجة في الأمكنة ..
وكذلك في ذاتِ اللحظة يُعلنُ ضمورَ آلافِ الزوايا ..
مثلهُ كمثلِ الأشياءِ التي تأتي على غير عادتها كثيراً من الأحيان ..!
فرحٌ يمشي الهوينى فوقَ البقاع ولا يُثمر , فقط يسقي جذور العجز داخلَ جدرانٍ أربعة فتستطيل بفجور ..
فرحٌ فيه من العبء ما هو أشدُّ مضضاً وأطغى منَ زهوةِ الثيابِ الجديدة ..
..
.
هو العيد , وهذا أبو محمود ..
تتسارعُ في رأسه دورة الأفلاك ..
وأهازيجُ صوتٍ محبوس في العراء ..
وأفكار تُرهقُ الأخماس والأسداس باحتمالاتها ولا مناص ..
في هذهِ الفترة من كلّ عام يعتريهِ هذيانٌ ينهشُ الخلايا وينحرُ الأوردة ..
يداهُ ترتعشان برغمِ أنهار العرق الساخن التي تنزُّ من أعلى جبهتهِ المُستباحة ..
وتتقافزُ في ذهنه عمليات حسابية تفوقُ احتمالات ارتطام نجمٍ سيّار بالمريخ بعد عشرات السنين الضوئية ..
هو لا يُريدُ أن ينقضَ نظرية أنشتاين ولا يقلقه المُفاعل النووي الإيراني ..!
جُلَّ ما برأسهِ (( حياةٌ )) يتناوشُ عظمتها سطوةُ الانكسار , ويأكلها الصدأ ..
فيسترّبُ من شقوقها المهملة أرقُ الموتِ الأخير ..
..
.
يطوي الغرفة جيئةً وذهاباً , يخنقهُ طنينُ صمتهِ الذي يصفعُ الجدران بصداه ..
ويملئ المكان بالأشياء المُرتابة , وأشياءٌ أخرى أشدُّ إرهاقاً تطوفُ في الأجواء الكئيبة ..
قوتٌ لا يموت / إيجار المنزل / فاتورة الكهرباء / الهاتف الذي يستخدمه للضرورة القصوى / ضنك العيش / الأولاد , والعيد والدنيا ..!؟
دُنيا يجري فيها ككلبٍ مسعور لا بل إنّ بعضَ الكلابِ أكرمَ منهُ وأعزُّ نفيرا ..!
يجلسُ مُترنّحاً على كرسيّهِ القلق مثلهُ ..
يضربُ بخفّةٍ مُضطربة على طاولةٍ قديمة خدشها التعب ولا زال ..
يعتصر المستحيل بأناملهُ علّه يساعد على اقتباسِ فكرة أو استجداء حل ..
يفركُ جبينهُ بأصابعهِ المُتشنّجة وتنهيدةٌ من عميق الصدر ترجو نسيان هذا السيل الجارف من الهمِّ برمته ..
لكنّه لا يستطيعُ ..
لا يستطيعُ أنْ ينسى براءةٌ / رجاء / أمل رقراق بعيونُ أطفاله الثلاثة هذا الصباح الدامي ..
لا يستطيعُ تجاهلَ نظراتهم التي يرتجفُ انتظارها وخوفها من أنْ تُخرسَ أمانيها وتُشرّد أحلامها الخيبة ..
تلكَ التي اعتادوا عليها في مثل تلك الأيام ..!
ولا جديد إلّا هي – الخيبة - المعتادة / المُفاجئة , تردُّ البصر خاسئاً وهو حسير ..
وحرمانٌ جديدٌ / قديم يفتكُ بموعد الأراجيح ...
يُحسُّ أنّ الوجود يلفظ روحَه بغيٍّ بالغِ الأسى , ويُحيله إلى شبحٍ سقيم ..!
تجتاحهُ دوامةُ الحيرة العاصفة ..
فتؤتي ثمارها برتابة ويتنامى بصدرهِ حنقٌ يشوبهُ حزنٌ عميق ويطغى رويداً رويداً ..
حنقٌ على وطنٍ أخذ أكثر مما أعطى ويزيد ..
وطنٌ يمتصُّ السنين من عمرهِ ليفسحَ مجالاً واهناً لخطواتهِ الميتة أنْ تحثو فوق ترابه ..
وحزنٌ على أطفالٍ يعتريهم الذبول في لحظاتِ فرح الآخرين ..
لا بل و يُحيلُ أجنحتهم الغضة إلى أعذاقَ نخلٍ خاوية ..
تفشل محاولات أبو محمود - كالعادة - في تبريره لذاته أنّه قام بما يتوجب عليه ..
ويتبدّى له خذلانه الذي خبأه بين ظله والكراسي القديمة ..
فيهيمُ كـ مجذوب / حكيمٍ فقد حلمه / مجنون زاده هاجسهُ جنوناً ..
يركلَ الطاولة أمامه وقد احمرّ وجهه و برزت عروقَ صدغه ورقبته من الغيظ وراح يشتم / يلعن / يصرخ .. محاولاً تحطيم الدنيا حوله ..
ويذوي مُضرّجاً بوجعهِ وهو يستغفرُ ربّه ..
..
.
دخلت أمُ محمود على صوت الارتطام والصراخ ..
وقفت فوقَ بقايا الطاولة المُحطمة , هيَ الأخرى اعتادت على فقدان شيئاً من أثاثِ منزلها في العيد ..
كان أبو محمود جاثياً على ركبتيه ومسيلُ دمعٍ حفر على خديهِ مجرى يسعى لمصيرٍ مجهول ..
انحنتْ تُلملم قطع الخشب الصغيرة المتناثرة والتي سقطت على بعضها قطراتٌ من دموعها ..
لمْ تنبسْ ببنتِ شِفة ..
فهي تعلم بأنّ القهر المزروع منذُ سنين حانَ موسم حصاده دموعاً وانكساراً ..
..
إنهُ موعدُ العيد .. العيد يا ولدي / وجعي ..
..
.

بيلسان..
18-09-2009, 11:58 PM
إنه موعد جميل يستحق أن نكون معه على الموعد
وحديث رائع يستحق أن نسمعه
تحياتي
وكل عام وأنت بخير

أنستازيا
19-09-2009, 12:35 AM
مرحباً أسمر بشامة :rose:

إنه موعد العيد / حرفك !

تكتب بريشة منزوعة من الضلوع وترسم بالحرف الموجوع أرقى الصور .!

سلم القلب واليراع أخى ..


أطيب الأعياد ، عيدك :rose:


ربّى يحفظك.

حد الجنون
19-09-2009, 01:51 AM
وهكذا هو العيد .. 1- عيد فرحه و...
2- عيد ترحه ... قلبه البعض دماراً فلاعيد ولا ورود ولا فرح !
بل عيد وجع .. عيد أحزان ,,
( أبداع )

المها الحربي
19-09-2009, 02:17 AM
تصوير بديع
قصة ماتعه على مافيها من ألم
أسلوبك راقني كثيرا..بالتوفيق

wroood
19-09-2009, 12:46 PM
اعرف ابو محمود آخر يشبه أبو محمود قصتك يا أسمر
في ليلة العيد تجتمع انكسارات السنة بأكملها في قلبه..
ليس أولها كرامته التي تكسرها يديه وهي تمتد الى احدهم لتأخذ فطرة رمضان وصدقات رمضان..
وليس آخرها عجزه عن شرح الفقر بخيوطه ولغته المتشابكة المتناقضة الواضحة،لأطفاله الذين لا يستوعبون بعد معني "ما معي اشتريلكم ثياب العيد"..فهم لا يريدون ان يفهموا أي لغة اخرى تقنعهم أن العيد لا يعني ثياب وأحذيةوحلوى جديدة..!
فلا يكون أمامه في هذه الحالة الا الصراخ وسن القوانين الصارمة بالكف عن البكاء والنق في الطلبات ، ويختم كل ذلك بكلمة انتهى..
لا أدري ان كانت كلمة "انتهى" يرميها في وجهه في المرآه ، أم في قلوب صغاره الذين لا ينفكون أبدا عن المقارنة بينهم وبين اصدقائهم الآخرين..
فقد كان عندما ينتهي من كل هذا يذهب الا غرفته ويغلق الباب وراءه ،وعندما يخرج تكون عينيه قد عملتا اللازم.. ثم يغسل وجهه ويبدأ بمصالحة هذا وذاك من اطفاله..
وتطييب خواطرهم بالكلام الشجي الحنون كالفقراء..

وأهلاً بك يا عيد!

لقد أيقظت الكثير يا أسمر..
تثبيت وتحية لك..

>.

ايـمي
19-09-2009, 01:19 PM
لم أكن بحاجة لمثل هذا .. والعيد الذي يأتي ثقيلا تجب فيه الفرحه ياأسمر
كـل عـام وأنت أفضل ..

عابـ سبيل ـر
20-09-2009, 12:05 AM
.
.
.
ستجعلني أشعر بالذنب وتأنيب الضمير لمجرد أني سأقضي العيد كماهو المفروض أن تقض مناسبة مثله -إن شاء ربنا عز وجل-
بعرضك لهذه المآسي في هذا الوقت ستوجد نسخا كثيرة من ابو محمود بدون

قوتٌ لا يموت / إيجار المنزل / فاتورة الكهرباء / الهاتف الذي يستخدمه للضرورة القصوى / ضنك العيش / الأولاد , والعيد والدنيا ..!؟

.
.
.
.
المهم :حاول أن يكون عيداً سعيداً

أسمر بشامة
20-09-2009, 11:27 PM
إنه موعد جميل يستحق أن نكون معه على الموعد
وحديث رائع يستحق أن نسمعه
تحياتي
وكل عام وأنت بخير

ويستحقّ أنْ نقف عندهُ طويلاً كذلك أختي الكريمة عيدكِ سعيد و مكلل بالخير والبركة

أسمر بشامة
20-09-2009, 11:43 PM
مرحباً أسمر بشامة :rose:

إنه موعد العيد / حرفك !

تكتب بريشة منزوعة من الضلوع وترسم بالحرف الموجوع أرقى الصور .!

سلم القلب واليراع أخى ..


أطيب الأعياد ، عيدك :rose:


ربّى يحفظك.


أهلاً بكِ أختي أنستازيا ..
بالله عليكِ أليسَ هُناكَ أشياء في الحياة تستحق أنْ تكتب بريشة منَ الأضلاع والمدادُ دم .. ؟
المسألة التي تدور في خلدي هي أنني لا أستطيع أنْ ألتزم بنفسي فقط كحياة مستقلة وحولي هذا الكم منَ النبض الصارخ ..
هوَ ليس نوع منَ المثالية لا والله ولكنّهُ همٌّ يطيبُ لنفسي حمله ..
وبالمناسبة أحبّ انْ أستشهد بمقولة لصديقي الغالي ابراهيم طيّار بمعرضِ حديث - مُشابه - دارَ بيننا حيثُ قال ..
( لا أستطيعُ أنْ أُمسك قلماً لأكتبَ عنِ الحياة وأتجاهل بأننا نعيشُ تحتَ خط الفرح ..! )

كلّ عام وأنتِ بخير يا أُختاه ..
بارك الله لكِ والعائلة وأحبابكِ بالعيد
عساكم من عوّاده ..
:rose:

أسمر بشامة
20-09-2009, 11:47 PM
وهكذا هو العيد .. 1- عيد فرحه و...
2- عيد ترحه ... قلبه البعض دماراً فلاعيد ولا ورود ولا فرح !
بل عيد وجع .. عيد أحزان ,,
( أبداع )

طهّر الله قلبك , وكثّر أحبابك , وجعل الأفراح ثوبك ..
كل عام وأنت بخير

أسمر بشامة
14-11-2009, 01:14 AM
الطيبة / المها الحربي ..
شكراً لمرورك أختي الكريمة
دمتِ بخير وعافية ..

الطيبة / wroood ..
لقد أفضتِ منَ المغزى الكثير ..
بوركتِ يا أختاه ..
دام الخير بأيامك مشرقاً
لك كل الشكر ..

الطيبة / ايمي ..
جميعنا لسنا بحاجة لتلك الأشياء ..
ولكنها موجودة وقد نكون أسباب لتواجدها ..
طبتِ ودكتِ بخير أختي الكريمة

الطيب / عابر سبيل ..
دمتَ بكلّ الخير يا أخي ..
أشكرك لمرورك ..
.
.

وما زال أبو محمود ينتظر هذا العيد أيضاً ..
وهناك الكثير ..

ساخر ربما
20-11-2009, 10:45 PM
إنه العيد ،،،
جميل جدا هو على كثير من أحواله ،،
مؤلمٌ فرحه ؛ عند تلك اللحظة التي ندوس فيها على كل الآلام لنمارس تقليد الفرح
عندما نبتسم لمجرد التقليد يتراءى لأذهننا مدى سخافة بؤسنا حين نبتسم ونطرحه خلف تلك الابتسامة الصفراء ،،،
لعل صاحبنا أحسن حال ممن يكذب على نفسه ،، ولعله أحسن حالا منا - على الاقل أنا - حين نتشدق بمدى ألمه بعبارات مجلجلة وأكبر من أن نفهمها ، مدّعين بشكل ما أننا نحن من يشعر به ، لعلكم أفضل حالا من حالي - ربما -


سؤال : هل فعلا تتأنق / تكفهر المساءات لتستقبل الايام السعيدة/الكئيبة ؟؟؟
استغرقني ما كتبت فشكرا لك

عائدَة
04-12-2009, 02:37 PM
شُكراً جزيلاً لكَ يا أسمرْ ، مواجِعُ النّاسِ متى ما تكاثفت ، فلا بُدّ لها أن تهطِلَ على أرضٍ/وجهٍ ما،
كالمساءِ الأنيقِ العبِقِ بحكايانا ، كانَ نصّكَ ، أنيقاً بحُزنهِ جداً . إلى مشاهِد رائعة ، وشُكراً أُخرى.