PDA

View Full Version : شهرزاد المغرب



Ophelia
03-01-2010, 03:32 PM
يا شهرزاد غني الهوى غني الليالي فالشوق عاد
يا شهرزاد و للنوى قصر ببالي رغم البعاد
و أعيدي و أعيدي وأعيدي يا شهرزاد
ما للأغاني عادت بنا صوب المغاني التي لنا
يوم الصبايا زهر العشايا و للحكايا عطر يعاد
و أعيدي و أعيدي وأعيدي يا شهرزاد
أنا شهرزاد القصيدة و صوتي غناء الجراح
أنا كل يوم جديدة أهاجر عند الصباح
و كان شهريار يبدد النساء
يبدد الأشعار و الناس و الأسماء
رأيت دموع العذارى سمعت بكاء السنين
و كيف تضيع العذارى بقصر الضنى و الآنين


...


بماذا تحلم الصبايا عادة؟
بالحب؟
لعل معظمهن يفعلن هذا!
لكنني كنت أحلم بالأضواء.
كانت السينما حبي الكبير، ومحط آمالي.
بدأ حبها يتجذر في قلبي منذ الطفولة،
عندما كنت أعيد تمثيل المشاهد التي تأثرنا بها في الأفلام
التي نكون قد شاهدناها أنا وللا مينا وزميلاتنا في الثانوية الملكية.
كان كل ما أصبو إليه هو أن أصبح نجمة.

كان حلمها أن تصبح نجمة وتسلط عليها الأضواء فقضت عمرها في ظلام السجن وعتمة التغييب.. رغم انحدارها من أصول نبيلة وحصولها على كل ما يمكن أن تحلم به فتاة بعمرها من ثياب وحلي وعطور وقصور وخدم.. إلا أن روحها كانت ترفض كل ذلك وتحلم بالانتماء لعالم آخر خال من كل تلك المظاهر الكاذبة والنفاق والرياء الذي يحيط بها.. تحلم أن تعيش في بيت صغير متواضع خال من الأثاث الأرستقراطي الفخم الذي تصر والدتها على اقتناءه، وتستبدله بأرخص ما يباع في أسواق الأثاث المستعمل وتستبدل الأثواب الحريرية بجينز وتي شيرت يحولها من أميرة أرستقراطية تعلمت اللغة الفرنسية والألمانية وركوب الخيل والعزف على البيانو وأصول اللياقة الاجتماعية في التحدث والأكل والجلوس والوقوف والمشي على أيدي مربيات ألمانيات وفرنسيات برجوزايات يعتبرن الضحك ملء الرئتين والقلب والروح أمر خارج عن اللياقة والتهذيب، إلى فتاة يسارية كادحة تعيش وسط باريس وتحيا الحياة حتى آخر نقطة فيها، تحلم أن تعيش الحياة الحقيقية بكل تهور وجنون حتى وإن أدى ذلك إلى حادث سير شوه وجهها.. حتى وهي راقدة في المستشفى بعد الحادث لن تتمنى لو أنها بقيت في القصر الملكي تتنقل بين أروقته وحدائقه رافلة بثوبها الحريري برفقة صديقتها ابنة الملك.. لن تندم أبداً على قرارها بترك القصر الذي كانت تعيش فيه مرفهة مدللة مقابل أن تتخلى عن الحرية والحياة الحقيقية خارج أسواره..

فهي لم تكن من أولئك النساء اللواتي لديهن روح الجواري.. يرضين بكل ما يقدم إليهن طالما أنهن لن يحركن ساكناً ولسن مطالبات بشيء غير بعض الحيل والأساليب النسوية لمحاولة البقاء والتفوق في عالم الجواري، كان لديها روح بوهيمية متمردة لا يرويها إلا البحر ولا يرضيها العيش في حوض أسماك الزينة المصغر..

"قبل أن أترك القصر، حاولت عدة مرات أن أتحدث مع الجواري لأفتح أعينهن على واقعهن الأليم، وقدرهن الغاشم. بدلاً من أن يفكرن ملياً بما ألفتهن إليه، كن يضحكن ويهزأن بي. تلك النسوة لم يكن غبيات لكن لا حاجة لهن بهذا. إنهن يعرفن جيداً ما هي الحياة التي أضعنها، وما هي تلك التي يكسبنها في المقابل الآن".

كانت مليكة أوفقير شهرزاد المغرب حقاً، فهي كشهرزاد كانت ابنة رجل سياسي ومقرب من قصر الملك. وكشهرزاد أيضاً يطلب الملك التحاقها بالقصر لا لتروي له القصص والحكايا قبل أن يصدر حكمه بإعدام والدها ثم الحكم عليها بالموت البطئ سجناً.. وإنما لتكون صديقة لابنته المدللة الوحيدة التي قرر أن يحضر لها صديقة بعمرها تلازمها كأي حيوان أليف يمكن أن يجلبه أب لابنته، ولا بأس إن كان هذا الحيوان الأليف بصورة إنسان انسلخ عن عائلته وحضن أمه وهو في الخامسة من عمره ليسلي ابنة الملك!

(كنت أصغي إليها وأنا في حالة انبهار، فمليكة راوية من الطراز الأول، وتنتسب بلا أدنى شك إلى سلالة شهرزاد. طريقتها في السرد شرقية بامتياز. تتكلم ببطء، بصوت لا تتبدل نبرته، مستعينة أحياناً بحركة يديها الطويلتين لتدعيم قصتها. عيناها بالغتا التعبير وهي تنتقل بلا استئذان من الأشجان إلى المرح، فهي في اللحظة عينها طفلة فمراهقة فامرأة ناضجة، تعيش مليكة جميع الأعمار معاً لأنها في الحقيقة لم تعش أياً منها حقاً.)

"تبناها الملك محمد الخامس وهي في الخامسة من العمر، وترعرعت مع ابنته الأميرة أمينة لتقارب عمريهما. وحين توفي العاهل المغربي أخذ ابنه الحسن الثاني على عاتقه تربية البنتين وكأنهما بنتاه. أمضت مليكة أحد عشر عاماً من حياتها في القصر، وراء أسوار قصر قلما خرجت منه، أي أنها كانت منذ ذلك اليوم سجينة الترف الملكي، وحين سمح لها بمغادرته أمضت عامين من مراهقتها في كنف أهل متنفذين ومتمكنين.
حين وقع الانقلاب تيتمت مليكة مرتين، إذ فقدت والدها الفعلي وعطف الملك، والدها بالتبني. هنا تكمن مأساة مليكة أوفقير وحدادها المزدوج وسؤالها الكبير عن الحب والبغض. فهل للحياة معنى حين يحاول أعز من عندها (والدها الحقيقي) قتل والدها بالتبني (الملك)؟ وكيف يتحول والد بالتبني إلى جلاد بلا رحمة؟ عظيمة كانت محنة مليكة، هذه المأساة هي جوهر الرواية".

"كيف أنسى الطريقة الفظيعة التي اقتادوني بها من منزلنا، ووضعوني داخل سيارة انطلقت بي إلى فيلا ياسمينة، مقر للا مينا ومربيتها جان ريفل. عندما انتزعوني من حضن أمي، جردوني للأبد من الطمأنينة والسكينة، وهجّروا طفولتي، وأطفأوا في عيني بريق البهجة والفرح. قاومت بكل ما أوتيت من قوة، بكل ما تبقى لدي من أسلحة طفولتي المغتصبة والمقهورة: بكيت.. صرخت.. ركلت.. رجوت.. ناديت أمي بحرقة.. لكنها كانت أبعد من أن تسمعني."

"مع مرور الوقت، أصبح هذا الانسلاخ أمراً واقعاً. تقبلته رغماً عني واللوعة تغمر قلبي. وماذا عساي أفعل؟ هل من أحد يقيم وزناً لرغبتي ومشاعري؟ ومن تراه يهتم إذا كنت قد عانيت كثيراً لابتعادي عن أمي؟ ومتى كنا لا ننحني أمام رغبات الملوك ونزواتهم؟ أليست رغباتهم أوامر ونزواتهم مقدسات؟!"

بدأ سجن مليكة أوفقير الفعلي وهي في الثامنة عشر من عمرها، أما معاناة السجن والاحساس باحتجاز الحرية فقد بدأ منذ كانت في الخامسة من عمرها، لم تكن المعاناة أمراً جديداً عليها، طيلة حياتها تعودت أن تعيش ضمن دائرة رسمت حولها وحددت خطواتها ومنعت من تجاوز حدودها.. وعندما يحصر الإنسان ضمن دائرة واحدة لا يهم إن كانت هذه الحدود هي أسوار قصر عاجي أم جدران سجن مظلم..

"أعيش في برج مصنوع من العاج لا يمت إلى الواقع بصلة، غارقة أنا في بحر من الأبهة والفخامة، ولا أحتك بتاتاً بالناس العاديين، ولا أعرف أي شيء عن أعرافهم وعاداتهم، وحياتهم اليومية.

كنت أعيش في تخبط وحيرة، ومشاعري المتضاربة كانت تنغص حياتي. إذ كيف يمكنني الادعاء أنني حزينة وتعيسة، وللا مينا تحبني وتعاملني كأخت لها. كل أهل القصر قاطبة: الملك، الملكة الأم، للا بهية، الجواري، جميعهم كانوا يكنون لي العاطفة. كنت أعرف هذا مع أنهم نادراً ما أظهروه لي. كل ما يمكن أن يحلم به طفل أو يرغب به ويشتهيه كان موجوداً بين يدي ورهن إشارتي، وطوع بناني. لقد واساني هذا بعض الشيء ولكنه لم ينسني أهلي الذين ما برح شوقي للعودة إلى كنفهم يؤلمني ويكويني.

كنت أحب الأميرة وتحبني. وفي القصر كانوا يظهرون لي الكثير من العاطفة والاهتمام. ولكن هذا ما كان ليعوض النقص الذي كنت أشعر به من جراء ابتعادي عن أهلي. كان من الصعب علي أن أعيش بلا ماض، وأن أقتلع ذاكرتي وأرضى بأن أكون مجرد رقم يضاف إلى كل تلك الأرقام.
أمرّ ما في التبني أنه يجتثك من جذورك، ويجردك من هويتك الحقيقية، ويحرمك من حقك في الحرية والاختيار!

كان البلاط الملكي يغص بعدد هائل من نساء مجهولات الهوية. أما أنا، فقد كان لي أب، وأم، وعائلة. يمكنني لو سمح لي أن أجتمع بهم وأراهم. وهذا ما كان يحز في قلبي ويعذبني.
في الليل، وأنا مستلقية في سريري، كنت أحلم بالحرية، أستعيد المشاهد السينمائية المؤثرة، كنت أتخيل أن هنالك عالماً آخر، أخترع قصصه وأضعها بنفسي. كنت أقص فصولها على صديقاتي في عتمة الغرفة. وإذا كنت قد تأقلمت بسهولة مع واقع السجن فلأنني كنت معتادة عليه منذ طفولتي الباكرة. عرفت دائماً كيف ألزم الحدود التي ترسم لي مهما كانت ضيقة وخانقة. إنها مفردات أليفة لم تكن لتخيفني بل كنت أستأنس بها".


***

"في فيلا ياسمينة كانت المربية تعطينا دروساً في آداب السلوك. تعلمنا كيف نجلس على الطاولة، وفي الصالون، وأصول الضيافة، وكيف نستقبل ونودع، ونطهو، كيف نفرض احترامنا، وكيف نصبح فتيات عصريات قادرات على التصرف في كل المجالس والمناسبات. أما في القصر الملكي، فقد تولوا تعليمنا كيف نصبح نساء منذ اللحظة الأولى لبلوغنا. علينا التقيد بالبروتوكول:
- ممنوع علينا بعد اليوم الخطأ.
- علينا عدم تجاوز عتبة البلاط، وملازمة جناح الحريم.
- علينا ارتداء الزي المغربي الطويل.
- علينا الخضوع، والانحناء، والسجود، والطاعة.
للأسف كانوا يولون جل اهتمامهم إلى النواحي السطحية وإلى القشور التي تهمش المرأة وتحولها إلى مجرد أداة للمتعة ووسيلة للولادة ليس إلا، وتقتل في داخلها أي ملامح فكر أو إبداع.
كانوا يجبرونها على التخلي عن شخصيتها، ويعلمونها كيف تتعبد في محراب الرجل آناء الليل وأطراف النهار.
لكن عزاءنا أن هناك نساء مسنات كانت حالهن أكثر سوءاً بكثير من حالنا. وأي طالع أشد سوءاً من أن تكون امرأة في مجتمع لا يقدس إلا الفحولة ويقود بالعصا قطيع النساء.
تعلمت متى أتكلم ومتى أصمت، وكيف أقرأ ما بين السطور، لقد تعلمت أن أستعين على قضاء حوائجي بالكتمان الشديد، وأن التحفظ والحذر قاعدة ذهبية لا بديل لها.


***

دخلت مليكة السجن في شهر كانون الأول من العام 1972 يوم كانت في الثامنة عشر والنصف من عمرها هي وخمسة من أشقائها وشقيقاتها ووالدتهم سجنوا طوال عقدين كعقاب على الانقلاب العسكري الذي نظمه والدها. ففي السادس عشر من شهر آب من العام 1972 حاول الجنرال محمد أوفقير، الرجل الثاني في النظام يومها، اغتيال الملك الحسن الثاني. فشل الانقلاب وأعدم الجنرال أوفقير فوراً بخمس رصاصات استقرت في جسده. يومها قرر الملك إنزال أبشع العقوبات بعائلة الجنرال المتمرد، فذاقت العائلة أقسى ألوان العذاب في معسكرات الاحتجاز والسجون والمطامير، يومها كان عبد اللطيف، الأخ الأصغر، لا يكاد يبلغ الثالثة من العمر.

"عندما أستعيد الآن ذلك الماضي البعيد، أشعر بالتسلية والمرح وأضحك من نفسي كثيراً. كنت فتاة مدللة تغرف بدون حساب كل ما كانت تمطرها به الحياة من رغد وخيرات. ترى إلى أين كانت ستقودني تلك الدروب المعبّدة بالورود والرياحين؟!
إلى الزواج الميسور؟ إلى العز والجاه؟ إلى الضجر والملل؟ أم إلى الخيانات، والخواء العاطفي؟ إلى الاكتئاب والخيبات؟ إلى عدم الرضا والأمان والاطمئنان؟ إلى الهرب من كل هذا بالانغماس في حياة المجون وفي إدمان شرب الخمور وتعاطي المخدرات؟ أعرف أن حياتي كانت ستكون مليئة بالمطبات الكثيرة، وستكون حافلة بالعصيان والتمرد والتعاسة، مما كان سيجعلها تغدو جحيماً لا يطاق. هذا الوصف ينطبق أيضاً على حالات معظم فتيات الأسر الغنية في المغرب.
لقد نجوت شخصياً من هذا القدر الأسود. لا أنكر أن الثمن الذي دفعته لا يقل سواداً وقتامة. لكنه على الأقل كان مشرفاً لأنه صقلني، وأظهر خامتي التي كان يحجبها الصدأ والصديد. تلك السنوات من عمري التي أضعتها تعلمت منها الكثير الكثير. لقد عدت إلى الحياة في اللحظة التي وطئت فيها قدماي عتبة الشيخوخة، إن هذا يقتل الروح ويدميها. علمتني الحياة أننا لا نبني الكون ونعمره بالتصنع، والتملق، والزيف، والنفاق، ولا بالمواقع، والمراكز، والمال والغنى، فكل هذا زائل وفانٍ لا محال.
رحلت عن هذه الفانية، المأسوف على شبابها، سليلة الحسب والنسب، وربيبة الجواري والقصور، بعد أن احتضرت طويلاً بين جدران زنزانتها المظلمة. لم يشارك في جنازتها أحد سواي. كنت الشاهدة الوحيدة على نهاية تلك الصبية المدللة التي تقاذفتها رياح الأقدار العاتية.
كان لا بد أن تموت هي كي أحيا أنا.
أنا الآن امرأة جديدة أخرى، ولدت للتو من رحم المأساة والأحزان".



...



كان هذا القسم الأول من رواية شهرزاد المغرب
عن سجنها الأول في القصر الملكي
والقسم الثاني سيكون عن سجنها الثاني في الجحيم

(نجاة)
04-01-2010, 01:39 AM
إنها في مكتبتي تنتظر أن أمنّ عليها بنظرة قراءة..
هذا الفصل أوجد لي الرغبة ثانية، ومع ذلك.. ليس الآن..
ثم إنه شكرًا :)

Ophelia
05-01-2010, 01:11 AM
لا أنصحك بقراءتها يا نجاة
أنت قلبك أبيض ولن يحتمل السواد الموجود فيها
وبحال ما سمعتي النصيحة وقريتها وقعدتي تشوحي وتنوحي ترى أنا مالي علاقة حذرتك
لكن إذا تعرفي حدا معنجك ومو عاجبته عيشته خليه يقراها
يا هلا فيك

Ophelia
05-01-2010, 01:18 AM
هذا ما كنت أقوم به ليلة بعد أخرى، وعلى مدار إحدى عشرة سنة وأنا حبيسة بين جدران السجن. لقد غدوت "شهرزاد الحزينة" بين ليلة وضحاها.



أعتقد جازمة، بعيداً عن الادعاء والغرور، أن الحكاية أنقذتنا جميعاً من براثن الفراغ، والفوضى والعبث والوحدة والصمت وخصوصاً من سيف الرعب الذي كان مسلطاً فوق رؤوسنا كظل ثقيل، ولا نعرف ماذا نفعل حيال الطوق الخانق الذي ضربوه من حولنا بدون شفقة أو رحمة. بهذا السلاح الوحيد قهرنا الصمت، والوقت والملل والروتين والخوف والعتمة واستعدنا زمام الأمور بعض الشيء.

لولا ذلك المتنفس لأصبنا حتماً بالجنون. عندما كنت أغوص في وصف الأماكن والأشياء من حمامات البلاط إلى الفساتين المرصعة باللؤلؤ والمزينة بالدنتيل والتفته والحلي إلى العربات وبذلات الضباط العسكرية والكونتيسات الجميلات اللواتي كن يرقصن الفالس على وقع أنغام الفرقة الموسيقية المليكة، كنت أحاول أن أحملهم وأهرب بهم بعيداً إلى عالم آخر ليس فيه براغيث، ولا أزمة فوط صحية، وبرد وجوع وقذارة وماء ملوث وتيفوئيد والتهات أمعاء. أردتهم أن ينسوا آلامهم وألا يستسلموا للقنوط واليأس.

مرة ثانية وجدت نفسها في دور شهرزاد ولكن لا لتنقذ ابنة الملك من الملل والضجر والوحدة وإنما لتنقذ إخوتها من الجنون والعتمة والوقت.. ولأنه ليس لدي ما أعلق به على هذه المأساة.. سأدع شهرزاد بنفسها تروى بعض ما حدث..



عشرون عاماً خارج الزمن

كنا مساجين بلا كتب ولا دفاتر ولا ورق، لذلك توقفت عن التدريس، غير أن الفتيات كن يتحرقن فضولاً لمعرفة الحياة. كن دائماً يسألنني إن كنت مررت بمغامرة عاطفية، وكذلك عن قبلة الفم وبعض جوانب العلاقة الجنسية. كنت حريصة على إعطائهن إجابات شافية تناسب أعمارهن، مستعينة على ذلك ببعض ما قد قرأته في الكتب عن هذا الموضوع الحساس.

فجأة أتاني إلهام داخلي كبير، ورحت أقص عليهم إحدى القصص. من خلالها كنت أحدثهم عن الحياة والحب وأحلق بهم بعيداً.. حيث كانوا يضحكون ويبكون ويتألمون ويحلمون ويسافرون.. وكنت أضمن السرد الكثير من الوقائع التاريخية والجغرافية والأدبية. كنت أنقل إليهم كل ما أعرفه.. والباقي كنت أختلقه من مخيلتي.

في البداية كانت الحكاية تستمر حتى الساعة الثالثة فجراً، ثم ما لبثت أن تقدمت نحو الرابعة وبعدها صارت تمتد حتى الساعة الثامنة صباحاً، موعد مجيء الحراس لإيقاظنا.
ما إن أبدأ بالكلمة الأولى حتى تكر السبحة، ويأخذ الأشخاص أشكالهم وأسماءهم.. وتتحدد الأماكن والأزمان. وتتشكل الروابط والعلاقات.. لقد أنجزت مئة وخمسين قصة شيقة، كل واحدة منها تختلف عن سابقتها. كنت أصف شكل الأبطال الخارجي ثم مواصفاتهم الشخصية، والحياتية والمصيرية. وأخترع لهم ماضياً وأصلاً وسلالة عائلية، كان الصغار يصرون على معرفة كل شيء عنهم، ويغمرونني بأسئلتهم.


***

روح التهكم والسخرية سمحت لنا بالبقاء والصمود، خصوصاً أنها كانت تتجلى في أقصى لحظات الفجيعة والألم. وكلما اجتاحتنا المآسي والأحزان ازدادت هذه الطبيعة فينا تجذراً وحضوراً. أصبحنا على هذه الشاكلة منذ اللحظة التي توفي فيها أبي. لا نجد وسيلة أخرى نعبر فيها عن خيبتنا، وحزننا وألمنا ومعاناتنا إلا الضحك، والتهكم والسخرية.
كنا نتلذذ بالسخرية من كل شيء، من مصائبنا ومن هموننا ومن الآخرين ومن أنفسنا. التهكم والسخرية كانا ردنا الوحيد على الظلم والقهر والجور والتعنت وتكالب الزمان علينا.. باتت لنا لغة خاصة مليئة بالغمز واللمز والإشارة والرموز. لا أحد يفهمها غيرنا. هذا التواطؤ فيما بيننا أردنا من خلاله أن نحمي ساحتنا، ونفرض طوقاً دفاعياً حول أنفسنا يقينا من كيد المعتدين وشرهم.


***

بفضل المذياع الصغير، كنا على علم بكل ما يجري حولنا من أحداث. رؤوف الذي كان يستمع إليه طوال النهار، كان يزودنا بكل المستجدات العالمية. كان يمضي ساعات بكاملها وهو ينقل إلينا كل ما التقطته أذناه من أنباء عبر التمديدات التي وضعناها، كنا نستمع نحن كذلك لكل برامج البث الإذاعي الأدبية والأخبار السياسية المغربية والفرنسية. كنا نتابع محطات راديو فرنسا الدولي وفرنس أنتر، وأوروبا الأولى.

بمرور السنوات، أصبح المذياع بدوره أيضاً مصدر للألم والمعاناة، عندما كنت أسمع أنه تم إخراج فيلم ما، كنت أقول لنفسي بتحسر: ربما كان يمكنك أن تحصلي على دور، لو...
عندما كنت أسمع المذيعين يتحدثون عن الاختراعات الحديثة، عن التلفزيون الملون، والشرائط الممغنطة، وآلة الفيديو، والكومبيوتر، وطائرة الكونكورد، أو قطار السرعة القصوى، كانت هذه الأنباء تذكرني بمصيبتي الكبيرة، وبمدى تخلفي وابتعادي عن عجلة الحياة التي كنت أعيش على هامشها.

كنا نوهم أنفسنا بأن كوكب الأرض، لدى خروجنا من هناك، سيكون بأبهى حلله، وسيمكننا أن نحقق ما نشاء من رغباتنا بكبسة زر، كما يحلو لنا، وبدون عناء نحصل على الفطور والعشاء وننجز أشغالنا اليومية. كنا نستمتع كثيراً في رحلة الخيال والهذيان.
ولكن ما إن نصحو من تلك الأحلام، مع انتهاء البرنامج الإذاعي، حتى نجد أنفسنا مدفونين أحياء بين أربعة جدران مدلهمة تحت الأرض السابعة. كل شيء في الكون يتغير ويتبدل إلا مصيرنا وقدرنا.

كانت مناسبة عيد ميلادي مثل خنجر ينغرس في قلبي. وعندما بلغت الثالثة والثلاثين، شعرت باليأس والاستسلام. لأنني لن أعيش أبداً أي قصة حب كبير، لن أبني عائلة، ولن يحتضنني أي رجل بين ذراعيه، ويقول لي أحبك، هل تقبلين الزواج بي؟ كنت أجن وأذوي مثل حبة فاكهة ذابلة. في الليل كنت أحلم بفارس يخطفني على حصان أبيض يهيم بي حباً، يتزوجني ويسعدني ، يسمعني كلاماً جميلاً، ويعانقني.

لماذا أعذب نفسي بمثل هذه الأوهام المستحيلة؟ قررت أن أضع لها حداً. تعلمت كيف أسيطر على نفسي، وأخنق هذه الأفكار في مهدها، لأنها كانت تضاعف ألمي وتدمرني. إن ما لدي من مصائب ومتاعب يكفيني، ولا أحتاج إلى المزيد منها. دأبت بكل جوراحي على وأد مشاعري وأحاسيسي، كانت حرب إلغاء ضد الرغبة والجوع والبرد والعطش.. حولت نفسي إلى امرأة بلا عاطفة.. امرأة من ورق..


***

بدأت رحلة سجنهم في واحة آسا قرية منفية في قلب الصحراء كانت في زمن الانتداب ثكنة ينفى إليها السياسين والمعارضين. ثلاث نساء وستة أطفال من بينهم طفل عمره فقط سنتان ونصف..

ما أقسى هذا التغيير، وما أشد وطأته. بين ليلة وضحاها، ننتقل من العز والجاه، إلى الفقر والبؤس. هذا التحول صدمني وأفجعني. مع أن هذا كان منتهى الترف والدلال، بالقياس مع ما سينتظرنا لاحقاً.
يالسخرية القدر، فتاة مثلي لا تطيق شظف العيش، ولا تحتمل منظر البشاعة والوساخة، تنتهي إلى هنا، إلى هذه القاذورة التي تثير التقزز، وتبعث الرغبة في التقيؤ. لا مناص من استخدام هذه الأغطية العسكرية البالية، والتي كسبت لونها مما علق بها من أوساخ. كيف أنام على هذا الفراش الإسفنجي؟ إنه وكر للرمل والغبار. هذه الحيطان السوداء المتشققة تدب الرعب في القلوب!يبدو أن هذا مقرنا الجديد لأنهم أحضروا لنا حقائبنا، ورموها فوق الأرضية الرملية لهذه العلبة الصغيرة التي علينا بدءا من الآن أن نعتبرها مقرنا الإلزامي لا الاختياري، وما بين الأول والثاني موت وحياة.
تمكنا أن نحضر معنا حوالي العشرين حقيبة ممتلئة بملابس من أفخم الماركات العالمية، مثل فيتون، غوتشي، وهرمس، كانت جميعها مزدحمة بالأشياء الجميلة.كل هذا يبدو فجأة تافهاً ومثيراً للسخرية.
حاولنا جاهدين خلق جو مقبول. ووصل بنا الأمر إلى أن نربي العقارب كي ننظم لها لاحقاً سباقاً فيما بينها. إنه الفراغ اللعين. عشت قصة خيالية بالمقلوب. الأميرة التي كنتها تحولت بالعنف إلى سندريلا. تدريجياً، ابتدأت أتخلى عن عاداتي: أرتدي ملابس قديمة، تتشابه يومياً، لأنني لا أغيرها، ولم هذا العناء. السراويل والقمصان النظيفة ستذكرني كثيراً بالماضي. أما الصحراء فتعلم التصحر.
كما في طفولتي التي قضيتها في القصر، الليل يفاقم همومي ومعاناتي. صلتي الوحيدة مع الحياة هي الراديو الذي يتحول أحياناً إلى أداة تعذيب. كل أغنية أسمعها منه تذكرني بلحظة سعيدة كنت قد عشتها في الماضي. أفكر في كل شيء مضى، وفي أصدقائي. تعلمت أن الحنين مدمر وقاتل.
مع حلول فصل الصيف. كانت الحرارة ترتفع في النهار لتصل إلى الستين درجة مئوية في الظل. كانت الشمس تخترق السقف بسهولة. وفي الليل، كانت الحرارة تنضح من الرمل، ومن الصخور التي كانت قد امتصت الحرارة في النهار وخزنتها. أما فوق رؤوسنا فكان السقف يتمدد بأصوات مريعة. كنا نختنق في الداخل وكأننا في فرن مشتعل.

خلال فصل الجفاف كانت تهب رياح الصحراء عنيفة، فيتحطم زجاج النوافذ من جراء قوتها.وكان التراب يدخل ويتغلغل في كل أرجاء المنزل، ويغطي وجوهنا وأجسادنا. وكان يجر معه العناكب الضخمة السامة والمؤذية، حاولنا مراراً تجنب العقارب التي كانت تخبئ تحت الأسرة، وعلى الحيطان، وفي شراشفنا وأغطيتنا.

لتقصير النهار، كنا ننام طوال فترة الصباح، ونسهر ليلاً حتى طلوع الفجر، كنا نضحك، ونلعب، ونروي قصصاً وحكايات. عندما كان الطقس يتحسن قليلاً، كنت أنظم بعض الألعاب لتسلية إخوتي الصغر. اختلقت قرية صغيرة، ووزعت الأدوار على كل واحد منهم. استعدت ما كنت أفعله في القصر. وبدأت أمثل الأدوار التي يمنعونني من ممارستها في الواقع.

نجحت بتحمل عشرين سنة من السجن أفضل من أخوتي. ربما لأنني كنت متمرسة وصاحبة تجربة وخبرة في هذا المجال، أعرف ماذا تعني الوحدة، وماذا يعني الهجران. ليس هذا هو كل ما يؤلمني ويمزقني. كل شيء يمضي ويمر، إلا أن يكون عدوك جزءاً لا يتجزأ منك. وتلك هي المصيبة والهزيمة.

كم كان رهيباً وموجعاً أن يكون من رباني هو جلادي، وأن تعصف بي بلا رحمة أو هوادة مشاعر متضاربة من الحب والكراهية نحوه. منذ البداية كانت مشاعري النفسية حيال الملك معقدة وشائكة، ومن الصعب بمكان تحديدها وبلورتها. لقد حاول أبي أن يقتل أبي بالتبني مما أدى إلى قتله. كانت كارثة وقعت على رأسي أنا.

أحياناً أضيع ولا أعرف على من أبكي، وعلى من أتحسر. كنت ثمرة تربية القصر، كل ما كنت عليه أدين به أولاً لمن رباني ولكنني كنت أحب أبي كثيراً. هذا التنازع الروحي أرخى ثقله علي كعذاب الجحيم. أعود دائماً إلى الوراء. أبحث دائماً عن جواب يخلصني من كابوس التساؤل، الذي يلاحقني ويطاردني ليلاً نهاراً. هل كان بمقدوري أن أفعل شيئاً لتفادي ما حصل؟ هل أنا المذنبة؟ إذا كنت أحترم دائماً الحسن الثاني باعتباره أبي بالتبني، فإنني كنت أكره فيه الظلم والعسف اللذين أنزلهما بنا بدون رحمة. أكرهه لحقده علينا، أكرهه لما ألحقه بأمي وأخوتي من أذى لا يحتمل. ضاعت طفولة أخوتي إلى غير رجعة. عانت أمي الأمرين، وأنا تحطمت حياتي. كيف طاوعه قلبه على ارتكاب هذه الجريمة بحقنا، وعلى قذفنا عشرين عاماً في أتون السجن المحرق؟


***

في بداية سنة 1978
يوم عيد ميلاد رؤوف العشرين، احتجزوه في زنزانته، وفرضوا عليه العزلة الكاملة. لم يعد له الحق بالخروج أو برؤيتنا. لاحقاً بعد عدة أيام أتى دورنا، بحجة أننا تجرأنا وطالبنا بزيادة عدد قوارير الغاز الصغيرة لأننا كدنا نموت من شدة البرد.
صرنا سجناء ليلاً نهاراً، أقاموا الحواجز بيننا، منعونا من أي اتصال، وأخذت معاملتهم تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، انتزعوا منا بصيص الضوء الأخير، حرمونا من تواصلنا ولقائنا العائلي، أصبحنا مجرد أرقام ليس إلا. أضحت الزنزانة عالمنا النهائي المفروض ومقرنا الوحيد الإجباري. حتى مقاييس الزمن تغيرت، لم يعد هنالك أي قيمة للوقت. إنها مرحلة الفراغ والعدم.

كانت حملتهم الشعواء مركزة على رؤوف وأمي وعلي. أرادوا تحطيمنا أولاً وكسر شوكتنا بالكامل. أمي لأنها زوجة الرجل الذي يكرهونه. أنا، لأنهم يعرفون تأثيري الكبير على أفراد العائلة في أمور الحل والربط. أما رؤوف فلأنه ابن أبيه وأنه ربما سينتقم له من جلاديه. في أذهانهم فكرة واحدة، ألا وهي كيف يحولون بينه وبين ذلك. كان رؤوف أكثرنا معاناة واضطهاداً. لقد ذاق الأمرين.
حفاة الأقدام، بأثواب رثة، كنا نرتعد من شدة البرد شتاء ونختنق من حدة الحر صيفاً. لم يعد لدينا ممرضة ولا أدوية انتزعوا منا الساعات والكتب والأقلام والأشرطة وألعاب الصغار. كان لا بد من الاستجداء والتسول، كي ننال بركات وحسنات السجانين.

كانت الأيام تمر ببطء لا ينتهي. عدونا الرئيسي كان الوقت، كنا نراه ونشم رائحته ونشعر به ونلمسه لمس اليد. إنه وحش مخيف وخطير. كم كان يصعب علينا ترويضه. خلال النهار، كان يكفينا أن نتنسم بعض الأثير المتسلل من الكوة كي نتذكر أنهم دفنونا أحياء في هذا القبر.
فقدت الأشياء دلالتها واختلطت الصور والأشكال والأصوات. نسينا الضجيج في المدن، والأزقة والساحات. نسينا حركة مرور السيارات وتدفق البشر وتدافعهم في الشوارع، وتجمعهم في الأماكن العامة والمقاهي ، نسينا كيف يتحدثون ويتسامرون ويضحكون كيف يعملون ويخططون وينجحون كيف يحبون ويحلمون ويتزوجون . تبلدت أحاسيسنا وتخدرت، كمريض خرج لتوه من غرفة الجراحة ومازال تحت تأثير البنج.


***

تباً للجوع، وسحقاً له! كم يذل الإنسان ويحط من قدره. إنه ينسيك أهلك، وعائلتك، وأصدقاءك، ويجردك من كل قيمك ومبادئك. وينتزع منك كرامتك وإنسانيتك. إذ يحولك إلى وحش بشري لا يأتمر إلا بغريزته. وهذا ما أصابنا نحن. لقد كنا نرزح دائماً تحت نير الجوع الدائم. ولم نشعر يوماً بالشبع. أما التخمة فقد امحت منذ زمن سحيق من قاموس تداولنا. نحن بالكاد نجد ما نسد به الرمق.
لم نعرف أثناء احتجازنا في بير جديد ماذا يعني البيض الطبيعي. كانت القشرة الخارجية خضراء اللون، وفي داخلها سائل أسود اللون أيضاً تنبعث منه رائحة كريهة تشمئز منها النفس. كنت أضعها في وعاء بعد أن أكسرها، وأتركها طوال الليل لتهوئتها، وفي الصباح كنت أخفقها مع قليل من السكر. أغمس قطع الخبز في المزيج ثم أقليها بالزيت. وتصبح جاهزة للتوزيع، ما إن تزول الرائحة حتى تعم البهجة والسرور من زنزانة إلى أخرى. مزجها بالخبز أضاع طعمها الرديء إلى حد ما. وأصبح بإمكاننا ازدرادها كي نسد بها جوعنا.

بتنا خبراء في فن التوفير والتدبير. لم نأنف من التهام الخبز المبلل ببول الفئران وقذاراتها. كانت تجوب الزنزانة من زاوية لأخرى طوال الليل. وكأن ميمي ما زالت ماثلة أمام عيني وهي جالسة في سريرها تنظف قطعة الخبز بأطراف أصابعها من بعر الفأرة الأسود، ثم تضعها في فمها. كل ما لدينا من خبز كان دائماً ممهوراً بقرض الفئران.

لقد ساهم حسن التصرف والتدبير بشد أزرنا ومنعنا من الاختصام فيما بيننا. كم كنا نتلذذ بأحلام اليقظة التي كانت تدور حول قطعة من اللحم. وكم كان يسيل لعابنا عندما تتسلل إلى أنوفنا رائحة الطاجين المخصص للحراس. أصبحنا مهووسين بالطعام الذي بتنا نفكر فيه ليلاً نهاراً. كم كنا نحتقر أنفسنا ونخجل من تصرفاتنا التي انحطت إلى هذا الدرك الوضيع.

من الصعب بمكان رؤية طفل جائع أو مكتئب. إنه منظر فظيع تقشعّر له الأبدان.

Ophelia
05-01-2010, 01:25 AM
إن توفرت لديكم أي معلومات عن عائلة أوفقير أو أخبار حول حادثة الانقلاب ضد الملك ومقتل الجنرال أوفقير
سيكون من الجميل والمفيد إضافتها لهذا الموضوع
شكراً لكم

أنستازيا
05-01-2010, 01:53 AM
لا أنصحك بقراءتها يا نجاة
أنت قلبك أبيض ولن يحتمل السواد الموجود فيها
وبحال ما سمعتي النصيحة وقريتها وقعدتي تشوحي وتنوحي ترى أنا مالي علاقة حذرتك
لكن إذا تعرفي حدا معنجك ومو عاجبته عيشته خليه يقراها
يا هلا فيك

Ophelia
:y:
وتنشرينها وأنا أنتظرها !!

أكمل قراءة ؟ ولا ايه؟

بس أنا عاجبتني عيشتي :biggrin5:

لك :rose:

Ophelia
05-01-2010, 02:56 PM
أهلين بأنستازيا
كملي قراءة ولا يهمك
أساساً البنات بين كل فترة والتانية ضروري يعملو أجواء دراما وبكبكة ونهنهة ليحسوا أنهم موجودات تعاني وتشعر وتتألم :171:
أهلا وسهلا فيك

...

وبالمناسبة
وقبل أن تصلني الرسائل الخاصة لتسأل إن كنت مغربية أم لا
فأنا ورغم كوني عربية للأسف وغير حاملة لأي جنسية أجنبية ولكن لا مانع لدي طبعاً من الحصول على أي شيء أجنبي ولا سيما أني بحاجة حالياً لبطارية لابتوب من نوع ديل
على العموم لست مغربية ولكننا هنا في سادنات القمر حيث تجتمع كل النساء، مغربيات أو حتى أفغانيات، من مقهورات ومقموعات سواء كان لديهن قضية أو بدون قضية كأغلب نساءنا طبعاً..

..

هذا لقاء مع مليكة أوفقير وجدته في موقع الجزيرة
لكنه لا يختلف كثيراً عن ما جاء في كتابها "السجينة" وكل الأسئلة تدور حول عملية الهروب والسنوات التي قضتها في السجن مع عائلتها وكانت الإجابات مشابهة تماماً لما روته في الكتاب
لكن ما أبحث عنه هو مدى مصداقية روايتها وشخصياتها وهل يمكن أن نعتبر هذا الكتاب سيرة ذاتية موثقة فعلاً بالتاريخ والأحداث أم مجرد رواية اختلط فيها الخيال مع أسماء وتواريخ وشخصيات حقيقية فكان لا بد لبعض المبالغة فيها؟؟

Ophelia
05-01-2010, 03:00 PM
مليكة أوفقير
مقدم الحلقة
سامي كليب
ضيف الحلقة
مليكة أوفقير، إبنة الجنرال المغربي الشهير محمد أوفقير
تاريخ الحلقة
10/01/2000
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2000/9/25/image_personal1081_3.jpg
سامي كليب:
ضيفتنا اليوم في زيارة خاصة ترعرعت بين الملوك والأمراء، وعاصرت كبار نجوم الفن والسينما في حياتها قبل أن تنتقل من ضوضاء الحياة إلى غياهب السجون، في السجن عاشت ما يقارب العشرين عاماً، أشرفت على تربية عائلتها، واخترعت لها ألف وسيلة ووسيلة لقتل الوقت، إنها مليكة أوفقير ابنة الجنرال المغربي الشهير محمد أوفقير، الذي كان أقرب الناس إلى الملك الحسن الثاني قبل أن ينقلب عليه، ويموت في ظروف -لا تزال حتى اليوم- غامضة.
رحلة مؤثرة وصعبة، هي التي تنقلنا فيها اليوم مليكة أوفقير، لكنها -في الوقت نفسه- رحلة من الموت إلى الحياة.
إذن نبدأ من البداية، من الدخول إلى القصر الملكي، كيف كان؟ ولماذا تم اختيارك للدخول إلى القصر؟

مليكة أوفقير:
زيارتي إلى القصر كانت صدفة، وكانت المرة الأولى التي أرافق فيها والدتي إلى القصر الملكي، خلال هذه الزيارة تعرفت إلى الأميرة الصغيرة (للامينا)، وككل الأطفال بدأنا نلعب سوياً، وتآلفنا، وخلال اللعب تشاجرنا -ككل الأطفال- وعندما شتمتني لم أتردد في الرد عليها، مما أثار استياء أهل القصر كيف أني تجرأت. لكن فيما يخصني أنا -كطفلة- لم أكن أعي بعد أهمية أصول التعامل مع أسرة العرش، فقد كانت الأميرة بالنسبة لي مجرد طفلة صغيرة، حينها تدخل الملك محمد الخامس فأخذني في أحضانه، وسألني ما بي، أجبته بأني حزينة، لأنها شتمت أبي، فسألني بما أجبتها أنا، قلت إني شتمت والدها، وهكذا.
وهكذا بعد تلك الحادثة سأل الملك والدتي أن يتبناني، كي أكون رفيقة لُعب وحياة للأميرة، وبما أنه كان من الصعب على والدتي أن ترفض، فطلب الملك شرف كبير للعائلة، تم بين ليلة وضحاها انتقالي إلى القصر، وقد عشت ذلك بشكل قاسٍ جداً، بسبب انتقالي فجأة من حياة إلى أخرى.

سامي كليب:
هل كان أهلك قادرون على رفض طلب الملك؟
مليكة أوفقير:
لا، مستحيل لا -كما قلت- كان ذلك بمثابة شرف للعائلة، بالطبع تألم والداي إذ كان عمري يومها خمس سنوات فقط، لكن كان الرفض مستحيلاً.

سامي كليب:
تم قبول تبنيك، وذهبت إلى القصر، أول المجيء إلى القصر هل كنت تشعرين أنك فعلاً في البيت، أم كانت غربة، وكنت تفضلين أن تبقي عند الأهل الحقيقيين؟
مليكة أوفقير:
الطفل لا يطلب سوى البقاء مع عائلته، لقد ظلت هذه الحادثة في ذاكرتي تشبه عملية اختطاف، بما أنّي انتزعت من أهلي، وعندما أقول أهلي أعني والدتي بالذات، أكيد أن حياة أخرى انفتحت أمامي، ولم تكن من اختياري، خلال تلك الحياة عشت طفولة سعيدة، انتقلت منها إلى سنوات المراهقة والشباب، لكني بكيت مراراً خلال كل تلك السنوات لابتعادي عن والدتي.

سامي كليب:
طيب، السيدة مليكة حصل ذلك في خلال عهد محمد الخامس، هل لكِ أن تشرحي لنا كيف كانت حياة القصر آنذاك؟ وكيف كنت تعيشين تلك الطفولة مع أبناء الملك؟
مليكة أوفقير:
ما عدا ظروف الحياة في القصر وضمن الحريم، عشت طفولة سعيدة بشكل كامل، وكان الملك الحسن الثاني بمثابة أب لي بعد وفاة محمد الخامس.

سامي كليب:
كم عام بقيت مع محمد الخامس؟
مليكة أوفقير:
عامين، ولدى وفاة محمد الخامس تبنَّاني الملك الحسن الثاني، قلت إذن إلى جانب تميز الحياة في القصر، فأنا لا أحتفظ سوى بذكريات الطفولة، كان لدي أب استثنائي بالطبع، فقد كان أباً وملكاً في آن واحد.

سامي كليب:
هل كان بالنسبة لك -تحديداً- الأب، أم كنت أيضاً تشعرين أنه -فعلاً- هو الملك، ويجب أن تخافي منه وأن تحترميه، أم كنت تعامليه كأب فعلاً وحقيقي يعني؟
مليكة أوفقير:
لقد كان الأب، وكنت أحبه كثيراً، لكني كنت أعرف من خلال نشاطاته الرسمية ومجمل حياته اليومية أنه كان -أيضاً- الملك وصاحب القرار، كنت أخشاه بالطبع، كما يُخشى أبٌ حازم.

سامي كليب:
هل كان هناك فروق كبيرة بين محمد الخامس والحسن الثاني في معاملتك؟
مليكة أوفقير:
لا، أبداً، ذكرياتي عن الملك محمد الخامس هي ذكريات الطفولة، إذ لم يكن يتجاوز سني الخامسة، وقد كانت وفاته بالنسبة لي حدثاً مفصلياً وصدمة كبيرة، أما من حيث أصول التربية فلا أعتقد بوجود فرق بينهما، ربما كان الملك محمد الخامس أكثر تواجداً من الملك الحسن الثاني.

سامي كليب:
يعني تقولين في الكتاب الذي وضعتيه في فرنسا مع الكاتبة (ميشيل فيترسي) أنه كان أكثر حضوراً بشكل يومي، وأنه كان يأتي إلى الدراسة، ويلعب معكما من وقت إلى آخر أكثر من الحسن الثاني.
مليكة أوفقير:
أجل، كان أكثر تواجداً في حياتنا اليومية، أي أنه كان يوقظنا صباحاً عند السادسة والنصف، كان يتناول معنا الفطور، يغادرنا، ثم يعود عند العاشرة، لكي يحضر أحد الدروس التي لم نكن متقدمين فيها، مثلاً دروس اللغة العربية التي كان يحضرها دوماً، وكان يشاركنا اللعب أيضاً، أما الملك الحسن الثاني فكان متواجداً، ولكن بقدر أقل.

سامي كليب:
سيدة مليكة ألاحظ أنك تفضلين الحديث طبعاً باللغة الفرنسية، هل كنت تتحدثين مع الملك محمد الخامس، ثم مع الملك الحسن الثاني بالفرنسية أم بالعربية؟
مليكة أوفقير:
لا، بالعربية، لأن الفرنسية كانت ممنوعة في القصر، على كل حال أول صفعة تلقيتها كانت بسبب تعليق قلته بالفرنسية، وربما أن الملك كان يعرف.

سامي كليب [مقاطعاً] :
الحسن الثاني.
مليكة أوفقير [مستأنفةً] :
أني أجد صعوبة في التعبير بالعربية، صفعني لأنه كان قد نبهني مراراً إلى ضرورة التحدث بالعربية، صحيح أننا كنا نملك حظ تعلم اللغتين العربية والفرنسية، ولكن بما أننا كنا نمضي معظم أوقاتنا مع مربية ألمانية تفرض علينا التحدث بلغتها، كنا نتكلم غالباً الفرنسية والألمانية.

سامي كليب:
كان أهلك يأتون لزيارتك بشكل يومي، أسبوعي، أم كانوا يتأخرون، وكانوا بالأحرى ممنوعين من المجيء في كل وقت؟
مليكة أوفقير:
ممنوعين لا، لكن كانت والدتي تزورني مرة في الشهر، وتمضي معنا وقت الغداء، غير أن الغداء كان يدور في جو رسمي، وبحضور المربية التي لم تكن تفطن إلى أني أحتاج إلى جلسة حميمة مع والدتي، وأني كنت بحاجة لأن تأخذني في أحضانها، وهذا كان ممنوعاً منعاً باتاً، إذن كنت أراها خلال ساعتي الغداء، أعود من بعدها إلى متابعة الدروس، أخواتي وأخوتي لم أكن أراهم إلا نادراً، مرة واحدة في السنة.

سامي كليب:
هل شعرت في لحظة معينة أن الحسن الثاني وزوجته قد حلا -فعلاً- مكان الوالدين، وأصبحت تشعرين بالنسبة لهما بنفس الحب؟
مليكة أوفقير:
الحديث عن كل هذا الماضي يوقظ مشاعر منسية، ويجعلني أكتشف أني غير قادرة على التخلص من عاطفة الحب التي ربطتني بهذه العائلة، عندما أفكر وأستبق أسئلتك حول المرحلة المؤلمة، أجد صعوبة في فهم أو قبول عاطفة الحب هذه.

سامي كليب:
طبعاً قرأنا في الكتاب الكثير من الأشياء عن الحياة داخل القصر، ولكن من الأشياء الأكثر مثاراً للغرابة هو الانقطاع بين الخارج والداخل، هل كنت تعلمين ما يحصل خارج القصر الملكي؟
مليكة أوفقير:
لا أبداً، أبداً، كنت أحيا داخل بوتقة، على كل حال لم أحتفظ سوى بذكريات الانتقال من قصر إلى قصر، وخلال كل مسافة الانتقال في السيارة كنت أبقى ملتصقة بالنافذة، كي أرى قليلاً كيف هي الحياة في الخارج، أو ما كانت تعنيه الحياة، والحرية خاصة.

سامي كليب:
تقولين الحرية، هل كنت تشعرين فعلاً أنك داخل سجن في القصر؟
مليكة أوفقير:
نعم، كانت لدي حاجة كبيرة إلى الحرية، أي أني كنت أحسد الناس خلال اللحظة القصيرة التي كنت أراهم -عبر النافذة- جالسين في المقاهي، أو متجولين -ببساطة- في الشوارع، بالنسبة لي كانت فرصة الذهاب لشراء الصحف المدنية -مرة في الأسبوع- تمثل فسحة كبيرة، بالرغم من أننا كنا ممنوعين من مغادرة السيارة، والتطلع حولنا، وكنت الوحيدة التي تجرؤ على ذلك، وعندما تعود المربية بالصحف كل هذه الصحف الممنوعة عليَّ، كان مجرد رؤيتها يمثل الحرية بالنسبة لي، لأني كنت أشعر أني منعزلة.

سامي كليب:
بعد القصر الملكي ذهبت إلى وسط العائلة، كيف كانت نظرة الناس إلى مليكة أوفقير الخارجة من القصر، وابنة محمد أوفقير؟
مليكة أوفقير:
عدت إلى منزلي مع شوق كبير لاستعادة حياة طبيعية، واكتشفت تدريجياً أنها ليست الحياة الطبيعية التي أنشدها، أمن مشدد، الكثير من البروتوكول، حراس أمام كل الأبواب، حراس في الداخل، هي تفاصيل ثانوية ربما، لكنها كانت مهمة جداً بالنسبة لي، ولم أكن أحتمل ضرورة المرور ببدالة للاتصال خارج البيت، إذن كان ذلك يمثل لي -مرة أخرى- حاجزاً بيني وبين الخارج، لكن -لحسن الحظ- كانت لدينا حياة عائلية، حيث كانت الأسرة تجتمع حول المائدة بحضور الوالد، والأخوة، والأخوات.

سامي كليب:
طيب، في المدرسة هل كان التلامذة الذين كانوا معك في الصف نفسه أو في المدرسة نفسها ينظرون إليك نظرة كُره -مثلاً- لأنك تمثلين -أولاً- السلطة، ثم لأنك ابنه محمد أوفقير الذي كان -طبعاً- غير محبوب من كل المغاربة؟
مليكة أوفقير:
الكره لا، الغيرة بالأحرى، وهو شعور يواجهه كل إنسان في لحظات من
حياته، أعرف أنهم كانوا يحسدونني، كوني ابنة أوفقير، يحسدونني لأنني حسنة المظهر، وهذا ما كان يؤدي إلى التنافس بين الرفيقات، وكنت شابة تفرض وجهة نظرها، كنت أدافع عن رأيي، ولا أتراجع بسهولة، مرة واحدة -فقط- شعرت بحقد الآخرين، ولم تكن كراهية -حتى- بل حقد، وذلك في يوم كنا في ساحة المدرسة، ونعتني إحدى الطالبات بابنة القاتل، لقد آلمني ذلك كثيراً، وبدأت أطرح على نفسي أسئلة، لماذا قالت إني ابنة قاتل؟ ولماذا هذا الاتهام؟
طرحت السؤال من حولي، وعلى أصدقائي، وسمعت أحاديث غامضة عن قضية ابن بركة وكنت في القصر حين بدأ الحديث عن قضية بن بركة التي نتج عنها تشديد الحراسة، وكان يحدث أن أستمع في الإذاعة إلى أخبار عن بن بركة مقترنة باسم والدي دون أن أفهم الصلة.

سامي كليب:
طيب، حول القضية نفسها -لو سمحت- حيث حصلت الحادثة في
فرنسا، واختفي المعارض المغربي الشهير، واتهم -طبعاً- محمد أوفقير والدك بأنه أحد المنظمين لذلك، هل سألتيه -مباشرة- عن هذه القضية؟
مليكة أوفقير:
لا، لم أطرح عليه السؤال أبداً، أعرف أني لو فعلت لكنت جرحته، وأعرف أنه كان كتوماً فيما يخص هذا الموضوع، وكل المواضيع التي تتعلق بمهامه.

سامي كليب:
في السجن كانت المرحلة الأصعب والأقسى، عشت هناك مع العائلة حوالي 15 عاماً، ثم 5 أعوام في الإقامة الجبرية، وكان ذلك بسبب التهمة التي ألصقت بالوالد بأنه كان وراء عملية (سخيرات) عملية الانقلاب الشهيرة ضد الملك الحسن الثاني، وكنت -آنذاك- في فرنسا، كيف -أولاً- تلقيت نبأ تلك المجزرة التي حصلت؟
مليكة أوفقير:
لم أكن في فرنسا حين حدث أول انقلاب، بل في المغرب، وكان ذلك بمثابة زلزال في حياتنا، وأعتقد أننا لسنا الوحيدين الذين تلقوا هذه الصدمة، بل البلد بأكمله، والذي ارتج بفعل هذا الحدث، لأنها كانت المرة الأولى التي يتم فيها التعرض للعرش، وبالتحديد من قبل قوة عسكرية كبيرة تتضمن العديد من الجنرالات الذين حاولوا زعزعة النظام.

سامي كليب:
بعد حادثة (سخيرات) بدأت العلاقة بين الملك الحسن الثاني، والوالد محمد أوفقير يشوبها الشك، بعد كل الإخلاص، بالرغم من أنه بعد العملية -مباشرة- تولى محمد أوفقير مهمات جديدة، أصبح وزيراً للدفاع، رئيس..قائد الفرقة البحرية -إذا صح التعبير- أو الجوية أيضاً، يعني عملياً قائد كل القوات
المسلحة، وأصبح هو المشرف الوحيد على أمن الملك، كيف تم إدخالكم إلى السجن، في أي مرحلة بالضبط، ما الذي حصل تحديداً؟
مليكة أوفقير:
هذا السؤال بلا جواب، لا يوجد جواب على هذا السؤال، حتى اليوم لا أستطيع تفسير ما حدث لنا لاحقاً، بعد محاولتي الانقلاب، صحيح -كما ذكرت- بعد محاولة انقلاب (سخيرات) حصل -لا أقول- تنافس على السلطة، بل صارت هناك علاقة احتراس بين الرجلين اللذين كان سابقاً متفقين ومجتمعين على خدمة المملكة، والذين تحولت العلاقة بينهما فجأة إلى صراع وانعدام ثقة.

سامي كليب:
ولكن -بالتفاصيل لو سمحت- لو في البداية بعد حادثة (سخيرات) هل كنت تشعرين مثلاً أن والدك بدأ يكره الملك شخصياً؟
مليكة أوفقير:
بعد محاول انقلاب (سخيرات) بعد تنفيذ حكم الإعدام بالجنرالات الذين كانوا جميعاً من أصدقاء والدي، يمكنني القول إنها كانت بداية النهاية بالنسبة له، تحول إلى رجل فقد الرغبة بالعيش.

سامي كليب:
كنت آخر من اتصل أو تلقى اتصال من الوالد، هل كنت تشعرين بأنه متجه إلى الموت، وأنه خائف من الموت، أو إنه قد يقُتل مثلاً؟
مليكة أوفقير:
كنت أشعر أن موته صار حتمياً، دون أن أعرف شيئاً عن تفاصيل الوضع، عندما حدثني على الهاتف كان صوته صوت رجل قد انتهى، عندما تأكدت من خطورة الوضع، وأنها كانت لحظة وداع تقريباً، لأنه -كما ذكرت سابقاً- لم يكن من طباع والدي إبراز مشاعره أو التعبير عنها بالكلمات، كان يعبر عن عاطفته بحركة، بإشارة، بقبلة، ويومها كان مختلفاً إذ كلمني أنا ابنته، وقال لي أنا أحبك، وأثق بك، وأقدرك، وأريد أن تكوني عوناً لوالدتك، وأن تكوني حاضرة دوماً لمساعدة أخوتك وأخواتك، وأن تصري على كرامتك، هكذا عرفت أنها وصية ميت.

سامي كليب:
طيب، حتى اليوم -يعني- لم تعرف كل التفاصيل، البعض يقول أنه
انتحر، البعض الآخر يقول إنه قُتل، البعض الثالث يقول إنه -ربما- لم يقتل بشكل مباشر، ولكن حصل اشتباك قتل فيه، ما هي الحقيقة؟ هل جمعتم المعلومات حول موته؟
مليكة أوفقير:
لا، لا نملك أي دليل عما حدث، الدليل الوحيد هو جثته المرمية بالرصاص خمس طلقات، أعتقد أن اتصاله بنا وبأمي أيضاً -قبل مقتلة- برهانُُ على عدم انتحاره، أنا أقول إنه رجل اختار موته، اختار الساعة واللحظة، وأعتقد أن وجوده في القصر، بل اختياره الذهاب إلى القصر هو في حد ذاته قرار بعدم الهروب، وإنما بالتفاهم مع الملك وجهاً لوجه، هذه هي رؤيتي الشخصية
للأمور، وربما كانت أدبية، أو رومانتيكية بعض الشيء، لكن من قام بقتله فهذا ما لا يمكنني الإجابة عنه، لأننا لم نحصل على أي دليل، كل ما حصلنا عليه هو الجثة.

سامي كليب:
كنت -آنذاك- في فرنسا حين اتصل بك؟
مليكة أوفقير:
لا، في المغرب.

سامي كليب:
في المغرب، طيب بعد موته، بعد الإعلان عن مقتله، هل اتصلت بالملك؟ أو هل ذهبت إلى القصر لتعرفي الحقيقة؟
مليكة أوفقير:
لا.

سامي كليب:
لماذا، خصوصاً أنك تربيت في القصر يعني؟
مليكة أوفقير:
لأني كنت أشعر بألم فظيع، كان عليَّ أن أقوم بحداد مزدوج، قد فقدت والدي وكان أمامي جثة هامدة، وفي نفس الوقت فهمت أنني فقدت والدي الآخر، في هذه اللحظة حدث شرخ عميق في حياتي، عزة نفسي منعتني من التوجه إلى الملك للاستفسار منه.

سامي كليب:
بعد مقتل الوالد -طبعاً- مرت فترة قصيرة، ثم أدخلتم إلى السجن، في هذه الفترة بالضبط -سيدة مليكة- قيل الكثير عن ردة الوالدة، وقيل أنها تعرضت لشخص الملك مباشرة، وأن ذلك كان السبب في سجن العائلة هل كان ذلك صحيحاً؟ وهل فعلاً كانت ردة فعلها عنيفة إلى هذا الحد؟
مليكة أوفقير:
مرة أخرى صحيح أنه من غير الممكن منع الآخرين من البحث عن أسباب تبرر ما حدث، نرغب -دائماً- بإيجاد أجوبة وتفسيرات عقلانية للأمور، لكن هناك أشياء تبقى بدون تفسير، وبدون أجوبة، القول بأن والدتي هي المسئولة عما حدث لنا فيما بعد خطأ تام، أنا التي تجرأت على رد وجبة الغداء المرسلة من قبل القصر، كما تجري العادة في حالات العزاء، لا أدري إذا كانت هذه التقاليد معمول بها في مجمل البلدات العربية..

سامي كليب [مقاطعاً] :
موجودة في عدة دول عربية.
مليكة أوفقير[مستأنفةً] :
عائلة الفقيد لا تهتم بإعداد الطعام، إنما هم المقربون الذين يرسلون
الأكل، وعندما قيل لي أن الطعام مرسل من القصر رفضت، وقلت يستحيل أن أقبل، لا أستطيع أن أتناول الطعام من يد الذي يفترض أنه وراء مقتل
والدي، اليوم مع انقضاء الزمن، ومع النضج والخبرة أعترف بأن ردة فعلي لم تكن لائقة، وأنها أغضبت الملك، لكن كان عليه هو أيضاً أن يتفهم تصرفي حياله لا كملك، وإنما كأب، ربما أنه آلمني، اخترت هذا الأسلوب لإيلامه، إذن أن يتم النظر إلى سلوكي هذا كحجة أو كسبب يبرر الفظاعة التي ستحدث لاحقاً فهذا ما أجده مجحفاً.

سامي كليب:
طبعاً تجربة السجن كانت تجربة طويلة جداً، وهي بحاجة -ربما- إلى ساعات وساعات للحديث عنها، ولكن سوف نمر بشكل -يعني- سريع مع بعض التفاصيل المهمة التي حصلت في السجن، وكيف استطعت أنت -تحديداً- وليس فقط الوالدة تربية كل العائلة، كنتم 6 أولاد -أولاد أوفقير-واستطعت في الواقع أن تقتلي الوقت، وتخترعي أشياء كثيرة في السجن وهذا مهم جداً، ربما في هذه التجربة الطويلة المرحلة الأولى في السجن -منذ البداية- كانت صعبة جداً، يعني نود أن تروي لنا -منذ البداية- كيف دخلتم السجن؟ وكيف كانت المعاملة المباشرة لكم؟
مليكة أوفقير:
البداية كانت صعبة جداً، بمعنى الانتقال القاسي من حياة طبيعية مترفة، وسهلة خالية كلياً من عقبات الحياة، وإذا بك بين ليلة وضحاها في الجهة الأخرى، إذن تلك كانت الصدمة الأولى، وعندما وصلنا إلى المعسكر الأول، واستقبلنا آمر المعتقل وهو يشير بإصبعه -باحتقار- إلى قطع الخبز وعلب السردين، الدخول إلى هذا المكان المقفل من غير نوافذ، الخالي من الأثاث والمياه، في هذه الحالة يستمر المرء بالتعلق بمكتسبات الماضي بترف الماضي، وبكل ما يشكل مقومات
إنسانية، هنا كان يجب التأقلم أولاً مع المحيط الجديد، ومن ثم كان يجب التأقلم مع قسوة المناخ، ستة أشهر صيف ملُتهبة، انتشار العقارب في العواصف الرملية.

سامي كليب:
هل كنت تعتقدين أنت أو العائلة أن مرحلة السجن ستسمر طويلاً؟
مليكة أوفقير:
أنا أجل -للأسف- أنا كنت أعرف ذلك، وكنت أشعر بذلك، وهذا ما قلته لصديقة كانت حاضرة يوم أتوا لأخذنا، وأعطتني أغراضي ومجوهراتي، قلت لها لن آخذ شيئاً، فأجابتني لن تتركيها في البيت، فقلت لها خذي كل شيء، إذا سنح لك الحظ يوماً برؤيتي، قالت لي هذا مستحيل، الأوامر تقول بأنكم ستغيبون 15يوماً، على كل حال أخذت معي كل أغراض أخوتي الصغار، قالت لي والدتي لا، نحن راحلون لـ 15يوماً فقط، فأجبتها أمي نحن راحلون، وربما لن نرجع أبداً، إذن أنا كنت واثقة من أننا كنا راحلين لمدة طويلة جداً جداً.

سامي كليب:
وفجأة انقطع الاتصال، فجأة انقطع الاتصال مع الخارج نهائياً، يعني مُنعت الزيارات، ومنُع الاتصال بالأهل أيضاً.
مليكة أوفقير:
في لحظة معينة بفضل تعاون الشرطيين استطعنا أن نتصل بعائلتنا، للأسف تم التبليغ وعلى إثر ذلك اختلفت شروط اعتقالنا كلياً، الأكل أصبح محدوداً، أو بكميات صغيرة جداً، منعت الكتب، جهاز الراديو نجحنا في الاحتفاظ به، لأن الحراس قاموا بتنبيهنا، وهنا أخذونا إلى معسكر..معسكر حقيقي حيث قاموا بفصلنا، وبتوزيعنا على زنزانات، فلم نر بعضنا خلال 8 سنوات.

سامي كليب:
حين كان أحد أفراد العائلة يمرض كيف كانت تتم معالجته؟
مليكة أوفقير:
بالصلاة، كانت والدتي تصلي، وكنا ننتظر، ولم يكن لدينا ما نفعله سوى الانتظار، وما يفوق الاحتمال، ليس الانتظار فقط، بل هو رؤية الآخر يتعذب.

سامي كليب:
هل كان الذين يتولون الحراسة والذين يبقون معكم من الجنود المغاربة، هل كانوا في لحظات معينة يتعاطفون مع العائلة مثلاً..كانوا كل الوقت؟
مليكة أوفقير:
لا، لا لم يكن ذلك ممكناً بالنسبة لهم بسبب ظاهرة الرعب، من حين لآخر وجُد واحد أو اثنان منهم قالوا لنا، وذلك لأنني رجوت..وكنت أرى حالة أختي
مريم، وكانت تنزف بشكل يومي، فكنت أريهم كل الأوعية التي كانت تملؤها بدمها كل يوم، رجوت ذلك الحارس، قبلت يديه، وقلت له أرجوك قرص أسبرين، إنه سهل الإخفاء، ولن يراه أحد إذا وضعته في يدي خفية، والجواب كان تريديني أن أفعل ذلك أنا لكي يعدمونني فوراً، إذا كنتم أنتم وبالرغم من أهميتكم وموقعكم في البلاد، لا أحد يذكركم اليوم، أما أنا فما الذي سيحدث لي ولأطفالي إذا قمت بمساعدتك؟!

سامي كليب:
طيب، السيدة مليكة -طبعاً- أنت أشرفت على تربية العائلة، وكان -دائماً- الأمل موجوداً لديك، ولدى الكثير من أفراد هذه العائلة، ولكن في لحظات معينة فقدتم الأمل -يعني- أنت -تحديداً- حاولت حتى قتل أختك حين وصل الأمر إلى اليأس المطلق، هل فعلاً كنت ستقتلينها؟
مليكة أوفقير:
أعتقد أني كنت فعلت ذلك لو توافرت لي الإمكانية، بعد خروجي من ظروف تلك اللحظة، قد يبدو ذلك جنونياً غير قابل للتفسير، أنا أيضاً أطرح السؤال على نفسي هل كنت سأمضي في فعلتي إلى النهاية؟ هل كنت سأفعل ذلك حقاً؟ ولكن عندما باشرنا بذلك كنا مصدقين فعلاً، كان ذلك نوعاً من التحرر، من الذي سيؤمَّن للأخر التحرر لكي يتوقف عن العذاب؟ لأننا كنا وصلنا
إلى مرحلة .. حيث كنا نشعر بأننا نفقد أكثر فأكثر كبرياءنا وكرامتنا.
كان هناك الصراع اليومي ضد الجوع، البرد، جسدياً ما عدنا نتحمل شيئاً، لأننا كنا منهكين، معنوياً كان اليأس كاملاً، لأنه قبل محاولة الانتحار، يجب الإشارة إلى أننا كنا في مرحلة أدي إليها الإضراب عن الطعام خلال 47 يوماً، ومنذ شعرنا وفهمنا بأن النية كانت في تركنا نموت، وصلنا إلى لحظة يأس أسميها أنا ليلة الانتحار، حيث سقطنا كلية في الجهة الأخرى، كان الأمر شبه
جنوني، وكان في الوقت نفسه دليل حب أن نتمكن من مساعدة الآخر على الموت.
قمنا بسحب القُرعة، لنعرف من التي سيأتي دورها أولاً، إذن القول أنني كنت سأمضي في ذلك حتى النهاية أعتقد أني كنت سأفعل، وأن الذي منعني هو عدم توفر الوسيلة، إذ لا يمكننا الانتحار بواسطة إبرة حياكة، أو بقطعة من علبة سردين صدئة، في النهاية كل التحضيرات التي ترافق الفعل نفسه هي المؤذية، وأن نحتفظ في ذاكرتنا..أن أحتفظ في ذاكرتي بصورة شقيقتي التي استيقظت، ونظرت إلي غاضبة وهي تقول ماذا فعلت؟ ولماذا مازلت حية؟
أخي -أيضاً- حاول وضع حد لحياته، ولكن بطريقة أكثر عنفاً بما أنه كان يملك أداة قاطعة كانت في..بحوزته طوال الوقت، وقد أراد الحظ أن ينجو، ولكنه ظل مصاباً بشلل الدماغ خلال 4 أيام، في تلك اللحظة تشجعنا، وقررنا الاستمرار بالعيش.

سامي كليب:
طيب، ما هي اللحظات الأكثر صعوبة في كل هذه التجربة في السجن؟
مليكة أوفقير:
إنها مجموعة من الأشياء، الأمر الذي كان أكثر إيلاماً هو ماذا هو الوقت؟ هو الصمت، هو الاختناق، هو الصراع المستمر، العراك المستمر بين جسدك وأفكارك، هو التمكن من ترويض كل حيوية الجسد الفتي جداً بمتطلباته
ورغباته، وأنت مجبر لا على كبت ذلك كله فحسب، بل على قتل جسدك، إذن عليَّ قتل كامل الانفعالات، لكي لا يعود هناك مشكلة سوى مع عقلك، وهذا كان تمريناً على مدى سنوات طويلة، ولكن مقابل أي ثمن لأنك تقتل، وليس من السهل قتل هذه المشاعر، وليس من السهل –أيضاً- إعادة إحيائها.
إذن كان العذاب أن تستفيق كل عام، وأن تقول لنفسك لست –فقط- أقل شباباً، بل أنا حتى أشيخ، وليس لي حظ أن أكون امرأة ككل النساء، وأن أكون امرأة –بالنسبة لي شخصياً- هو أن أعطي الحياة، هذا هو دوري، ومقدر لي أن أفعل هذا، إذن اليوم، وفي مواجهة كل هذه المشاكل والآثار يجب أن أتعايش مع ذلك، أن أتخلى عن هذه الفكرة.
أعتقد أن كل شيء موجود لكي يمنعك من الاستمرار في الحياة، لكن لحسن الحظ أن الحب كان موجوداً بيننا بحيث أن كلاًّ منا وهب حياته للآخر، وأقول لك –بكل صدق- أننا إذا بقينا جميعاً أحياء، فبسبب رغبة كل منا بالتوفير على الأخر، وإلا كان التخلص من الحياة أكثر بساطة.

سامي كليب:
في أي لحظة فكرتم بالهرب، وبدأتم الإعداد للهرب؟
مليكة أوفقير:
الهروب كان..الهروب فكرة والدتي، كما قلت لك بعد محاولة الانتحار، بعد إضراب عن الطعام، بعد كل هذا اليأس -في النهاية- قالت لي نحن أغبياء، إننا ميتون لا محالة، ألا يجدر بنا أن نحاول شيئاً ما، هكذا على الأقل نكون قد قمنا بالاختيار..

سامي كليب [مقاطعاً] :
عفواً -فقط- سؤال التفكير بالهرب جاء بعد أنكم أنتم أرسلتم رسائل عديدة إلى الملك تطلبون العفو؟
مليكة أوفقير [مستأنفةً] :
كل عام، وليس هذا العام -فقط- في كل عام كنا نكتب رسالة إلى الملك، أكان ذلك في 3 مارس بمناسبة عيد العرش، أو عيد ميلاده، أو بمناسبة الأعياد
الدينية، كل المناسبات كانت جيدة لنا لكي نذكره بوجودنا لطلب العفو، وفي النهاية طلب السماح دون أن نكون قد ارتكبنا أي خطأ.

سامي كليب:
بماذا حاولتم فتح النفق؟ بأي أدوات؟
مليكة أوفقير:
كان في حوزتنا ملاعق صغيرة، علب سردين قديمة، كان معنا قضيب حديدي كبير، كان أخي الصغير قد سرقه منذ السنة الأولى، كان لدينا بقايا بعض القضبان، تعرف القضبان التي كانت موجودة في السرير، وكنا نملك أذرعتنا وأيدينا، وخاصة الإرادة بالخلاص.

سامي كليب:
طيب، بعد 15 عاماً قررتم الهروب، خلال الـ15 عاماً لم تفكروا ولا مرة أخرى بأن تهربوا مثلاً؟ وهل كنتم تعلمون أنه مر 15 عاماً؟
مليكة أوفقير:
أعتقد أن فكرة الهرب فكرة موجودة لدى كل سجين، خاصة عندما يكون الحكم الصادر في حقه عشوائياً، هذه الفكرة رافقتنا خلال كل تلك
السنوات، لكن أعتقد أن اليأس والشروط التي فرضوها علينا من جوع وأمراض وعزلة هي التي هيأتنا بأفضل ما يكون للهرب، وسمحت لنا أن ننجح في تنفيذ مشروعنا كنا درسنا، وحللنا، وفكرنا طويلاً جداً بالهرب، مما جعلنا ننجح في تنفيذه من دون ارتكاب أخطاء، الشيء الوحيد الذي لم نفطن له أننا هربنا يوم عطلة، كانت فيها السفارة الفرنسية التي أردنا اللجوء إليها مقفلة.

سامي كليب:
طيب -طبعاً- نحن سمعنا كثيراً عن سجناء أمضوا معظم حياتهم في
السجن، والشروط الصعبة التي عاشوها، ولكن -ربما- هذه التجربة الوحيدة حيث نرى عائلة بكاملها في السجن، حيث أصبحتم معزولين الواحد عن الآخر كيف كان يتم قتل الوقت بشكل يومي؟
مليكة أوفقير:
قتل الوقت كان يتم من خلال مراقبة نملة مثلاً، متابعة لعب الفئران، تدجين الصراصير، رؤية كل العناصر التي كانت تحيط بنا، تعيش من حولنا، لكي نوهم أنفسنا بأننا نحن -أيضاً- كنا نعيش.

سامي كليب:
كيف بدأت عملية حفر النفق؟
مليكة أوفقير:
على أثر محاول الانتحار أولاً، خضعنا لعملية تفتيش، وتم الحجز على كل الأغراض التي كانت بحوزتنا، حتى الأكواب الصغيرة، السكاكين، كل
شيء، حتى الزجاج الذي كان في النافذة الصغيرة انتزع، في زنزانة والدتي كان يوجد سلم صغير يفضي إلى غرفة واطئة السقف، كنا نضع فيها كامل
متاعنا، وأغراضنا، وفي اللحظة التي وقعت فيها -إذن- محاولة الانتحار جاءوا وأخذوا كل شيء، خلعوا السلم، ألغوا الباب وسدوه بحجارة الطوب.
والدتي ما أن انتهوا، حملت أخي على أكتافها، وطلبت منه أن ينتزع حجر طوب قبل أن يجف الإسمنت، من هنا جاءت فكرة النفق، ذلك أن مشكلة التي كانت مطروحة علينا خلال تلك السنوات هي أننا لم نكن نعرف أين نخبئ التراب والحجارة التي سنستخرجها من حفر النفق، كان يجب -أولاً- تحديد الزنزانة التي سيجري منها الحفر، وقررنا أن تكون زنزانتنا نحن البنات، نزعنا
البلاطات، وتطلب ذلك منا 15 يوماً من العمل البطيء والدءوب، وإنما يجب -أيضاً- إعادتها إلى مكانها كل صباح.
فيما بعد كان ينبغي نزع طبقة الإسمنت التي كانت تحتاج إلى لترات كثيرة من المياه التي كنا نتركها ليلاً لكي يلين الأسمنت، فيما بعد جاء دور الحجارة، صنعنا فتحة تحت سريري بين زنزانتي وزنزانة والدتي، ومن هنا كنا نخرج
الحجارة، فكانت والدتي ترفع أخي الصغير الذي كان يرميها في تلك الغرفة.

سامي كليب:
لم يلاحظوا أي شيء خلال الإعداد للنفق؟
مليكة أوفقير:
لا، أبداً، وبالرغم من أنهم كانوا يقومون بعمليات التفتيش، ويضربون البلاط بأحذيتهم العسكرية بقوة، لأنهم كانوا يخشون محاولة الهروب، كنت أراقبهم وأنتظر، لكن لم يتفطنوا لشيء أبداً.

سامي كليب:
طيب، يوم الهروب ذهبتم -أولاً- إلى أي منطقة؟ بعد الخروج كيف حصل –يعني- خرجتم إلى..أولاً اخترتم ثلاثة فقط للهروب من بين كل العائلة؟
مليكة أوفقير:
أربعة.

سامي كليب:
أربعة، من الذي هرب بداية؟
مليكة أوفقير:
رؤوف الذي كان كبير الصبيان، عبد اللطيف، وكذلك مارية، سكينة لم تتمكن من مرافقتنا لأنها كانت المسؤولة عن إعادة إغلاق النفق، لأنه كان ينبغي إغلاق النفق بعد خروجنا، والدتي لم تتمكن من الهرب لأنها بعد إضرابها عن الطعام ومحاولة الانتحار كانت سيئة الصحة، ومريم كان ذلك مستحيلاً، لأنها كانت مريضة، وكانت تنزف يومياً فهربنا أربعتنا.

سامي كليب:
أخوك الصغير كانت المرة الأولى التي يخرج فيها إلى الحياة، هل فوجئ بما شاهد في الخارج؟
مليكة أوفقير:
عندما اتوجد في قرية (بير جديد) ذلك الصباح وكانت الساعة السادسة والنصف، شعر بتراكم الصدمات، وهو شخص -كما يقال- يعود إلى
الحياة، حياة لم يعتادها -قبلاً- لدرجة أنها شلته تماماً، إذن كان مصدوماً، زائغ العينين، ومن دون أية ردة فعل.

سامي كليب:
وصلتم إلى السفارة، أمام السفارة الفرنسية كان يوم عيد، السفارة مقفلة، ذهبتم إلى سفارة أخرى، وسفارة ثالثة، ثم مررتم عند بعض الأصدقاء قبل الذهاب إلى إحدى المناطق المغربية، والاتصال بإذاعة فرنسا الدولية، وهناك بدأت سلسلة القرارات الدبلوماسية، وصل المحامي الفرنسي، اتصلتم به، وبعد ذلك اختفى، ثم تم القبض عليكم مجدداً، ووضعتم في الإقامة الجبرية، لماذا كل هذه الفترة، خلال السنوات الخمس المحامي الذي تم توكيله من قبلكم،لم يفعل أي شيء لإطلاق سراحكم، هل حصلت ضغوط عليه، هل علمتم بذلك بعد إطلاق سراحكم؟
مليكة أوفقير:
تطرح سؤالاً مهماً، لماذا لم يستمر في العمل على إطلاق سراحنا؟ لماذا هذا الصمت الذي استمر أكثر من خمس سنوات؟ اسمع أنا تعلمت شيئاً واحداً، وهو أول الدرس التي استخلصتها من هذه التجربة، لم أعد أعتمد على أحد، أخذ أو أتلقى ما يعطونني، لكني لا أنتظر الشيء الكثير من البشر، بالطبع ظن المحامي أنه تصرف بشكل جيد، وأنه عمل باتجاه العدالة، لكن أعتقد أن هناك الكثير من الأشياء التي تتجاوزه، وتتجاوزني، وتتجاوزنا جميعاً.
هناك المصالح الموجودة بين الدول، تفوق السياسي على الإنساني، فوز الاقتصادي على كل ما تبقى، وربما كان أفضل أن يتم الحديث بقدر أقل عن قضية
أوفقير، لأن ذلك لم يكن لمصلحة أحد، وقعنا مرة أخرى في النسيان، اضطررنا مرة أخرى إلى انتزاع حريتنا بحسب إمكانياتنا، وبفضل هروب مارية، التي لولاها أعتقد أننا ما كنا لنكون هنا اليوم، والتي من دونها ما كنت تمكنت من تأليف هذا الكتاب، إذن من علامات فخرنا -أيضاً- أن نقول بأننا لا ندين لأحد بشيء.

سامي كليب:
هل اليوم بعد كل هذه التجربة القاسية، وبعد أن أمضت العائلة الجزء الكبير من شبابها خصوصاً -بالنسبة لكم- الأولاد في السجن، هل هناك نوع من الحقد على من وضعكم في السجن، أم أن هناك أولويات أخرى بالنسبة للحياة؟ وكيف تعيشون حياتكم اليوم؟
مليكة أوفقير:
لا، لا يمكنني أن أشعر بالكراهية، لكن هذا لا يعني أني لم أحس
بالكراهية، مررت بلحظات من الكراهية، لحظات من الغضب والحقد، هناك أوقات أشعر فيها بعذاب فظيع، عندما أرى أفراد أسرتي، وأرى حياتهم مُدمرَّة إلى الأبد، لكن أقول لنفسي لا يحق لي ذلك، وكما كانت تقول أمي خلال تلك السنوات كونوا على مستوى العذاب الذي تعيشون.
إذن هذه هي ميزة العذاب الوحيدة، أن تتخلص من الكراهية، ومن كل تلك المشاعر التي تصنع الإنسان، ولكن أنا كان لدي الحظ بعدم الشعور
بالكراهية، وإحساسي بأنني صافية تماماً، وفي النهاية أقول لنفسي أننا كنا
ضحايا، وبشكل ما شهداء، بحيث أني أفضل أن أهب كل مسيرتي، كل ما خسرناه، وكل ما عشناه إلى وطني.

سامي كليب:
سيدة مليكة شكراً لك.

تفتا
06-01-2010, 03:25 AM
.

حين قرأت السجينة أول مرة كما الجميع أُعجبت بها وبالكثير من مواقف مليكة ، وبعد ان ذهبت الخمرة وجائت الفكرة بدأت أنظر لها بنظرة مغايرة فبعض المبالغات بدت واضحة ولأنها مذكرات فلم أقبل ان يكون في الأمر خيالاً لكاتب ، إلى هنا أتقبل العمل لكن توالت إصدارت أوفقير كعائلة والكل يصدر كتاب مع وجود بعض التضاربات جعل المسالة بالنسبة لي تجارية بحته ، المشكلة لدي أني لا أقبل أن يتاجر أحدهم بالآمه وعذاباته وقضية عمره خصوصاً فيما يتعلق بالأوطان . عذاباتنا أسمى من المتاجرة بها . الأم تصدر كتاب " في حدائق الملك " وهناك بعض التعارض كما ذُكر لي بين مذكرات الأم والأبنة والأخ يصدر كتاب و و و كل هذا جعلي أعزف عنن هذه الأعمال .
ربما لو توقف الأمر على الغريبة والسجينة لمليكة لتقبلت ذالك لكن توالي الأصدات للعائلة مسّ المصداقية والمعنات التي ولا شك أن الأسرره عانتها بالنسبة لي ، لو عادت بي الأيام للخلف لما قرأت السجينة سأكتفي بقراءة تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جلون عن سجون المغرب ومعانات السجناء .
دمتي بود أولفيا .

سمية الاديب
06-01-2010, 08:55 PM
هل تصدقين يا اوفيليا انني مغربية ولاول مرة اسمع بحكاية مليكة هته؟

اسمع حتما بانقلاب عائلة اوفقير لكن قصة شهرزاد لم اسمع بها الا من خلال نصك

يا لضحالة سقافتي :king:

نوف الزائد
08-01-2010, 12:02 AM
مميزة كما هي عادتك أوفيليا *
شكراً كثيراً..

.

كاريكاتيرست
08-01-2010, 12:09 AM
أود ان أقول شكراً

وأيضا ..

هذا الموضوع هو من شجعني على الإشتراك حتى أتمكن من الرد ..

لا أخفيك سرا ..

بأن هذه المقدمة فقط جعلتني غريق الحزن ليوم كامل ..

وقد تمكنت من العثور على الرواية من الأنترنت ..

ولكني لم أجروء على قرائتها بعد ..

الآن فقط أدركت .. أن الأساطير لا تحكي إلا جزء بسيط من الواقع ..

Ophelia
08-01-2010, 11:36 PM
تفتا

أهلا بك
صحيح وهذا ما حدث معي بعد القراءة شعرت بتعاطف كبير معها ثم ترددت حول مصداقيتها
ولكن لو نظرنا للكتاب على أنه رواية فلا أعتقد أبداً أن أحد سيندم على قراءتها
نحن عادة حتى عندما نقرأ رواية أو قصيدة نميل لفكرة أن الأحداث المتخيلة في الرواية ربما جرت مع كاتبها مع أنه يعترف بأنها مجرد رواية
ولا سيما إن كانت تحتوي على قصة حب أو أحداث مثيرة فنرفض فكرة أن تكون مجرد خيال ورواية
بينما هي هنا تحكي عن طفولتها ومعاناتها وهذا ما لا شك فيه أبداً، أنها عانت فعلاً وضاع عمرها في عتمة السجن بغض النظر عن التفاصيل وبعض الحبكات التي لا تقدم ولا تؤخر ولا تعيد العمر للوراء
أهلا بك يا تفتا


سمية الأديب

بسيطة حصل خير
تصير بأحسن العائلات



روح وبوح

العفو
أهلا وسهلا فيكي


كاريكاتيرست

أهلاً بك في الساخر
يؤسفني تعكير يومك بالموضوع
ويؤسفني أكثر ما سيعتريك من كآبة بعد قراءة الكتاب
لكن ما نشعر به من تلذذ بالاستماع لمعاناة الآخرين سيعوضك عن ذلك
أهلا وسهلا بك

وهذا رابط الكتاب لمن يود قراءته
هنــا (http://www.4shared.com/file/21793914/a6afbd4c/_password____itharcom__.html)

محمد مالك بنان
11-01-2010, 01:07 PM
استمتعت يا أخت أوفيليا بهذا السرد الماتع عن الرواية وبإضافة المقابلة من قناة الجزيرة ....
لا أعتقد أن مغزى تلك الروايات تجارية ، لكن الغريق يتعلق بقشة كي يخرج من ذكرياته ، والقشة هي الأعلام المأجور ، مطابع ، راديو ، تلفاز ...
شكراً مرة أخرى يا أخت أوفيليا على هذا الموضوع الجميل .....


....

الغيمة
20-01-2010, 05:17 PM
عرض منهجي..ومتميز يا أوفيليا..
كما اعتدنا دوما..
كوني بخير..وألف شكر لك يا عزيزتي..

صَبا
05-02-2010, 12:21 AM
رواية مرة تجنن قريتها قبل أربع أو خمس سنوات ...

كبرياء امراة
27-04-2010, 01:11 AM
اي روعة هذه اي ابداع هذا رواية ممتعة دفعتني لقرائتها كاملة استمتعت لأخذها البعض من وقتي

السفييررر11
07-07-2010, 11:21 AM
أول مرة أقرأها ...

للأسف أكتشفت أن ثقافتي ضحلة جداً جداً

كل الود