PDA

View Full Version : بين " قلب و عقل " إبراهيم سنان ..



نوف الزائد
24-06-2010, 10:28 AM
هكذا قرأت العنوان " إبراهيم سنان بين قلب عذب وعقل أجاج " , ولا أعلم السبب في ذلك هل هو النظر الذي أتمتع به والذي دائماً مايمنحني قراءة مختلفة في كل مرة بواقعية ربما , أو أنه تدخل الحدس والحاسة السادسة وقراءة الأغلفة كما قراءة الوجوه ..لكن هنا أرجح النظر ..

لا أعلم لا كيف ولا من أين أبدأ الحديث عنها , فمن الصعب جداً الحديث عن شيء تكرهه فعلاً ولكنك غارق فيه بمحض إرادتك , وعندما تكره أحدهم فيستحيل عليك مهما قاربت روحك من السماء أن تتحدث عنه بإنصاف , سيكون نوعاً ما حديث مزعج وإن كنت فيه حيادياً , ونحن لا نكره شيء في الأرض ولا في السماء ويكون السبب هكذا لأنه سيء بحت , فنحن لسنا بالضرورة جيدين كفاية للحكم من هذا المنطلق , فقد يكون سبب الكره أننا نبدو مكشوفين أمامه أكثر من اللازم أو لأنه يسلط الضوء على أشياؤنا تلك التي حرصنا كفاية على تغليفها بالعتمة والصمت..

وكذلك هي برزخ بين قلب وعقل "هي عن عالم يُعيٍشُنا فيه , يرسم لنا طريقنا قبل حتى أن نتكون , هذا طريقه معبد لأنه معبد لأسرته سابقاً وذاك طريقه وعرة لأن القدر ارتمى على كتفيه , وذاك نجاح وحظ وافر يلازمه حتى وإن اقترف الموبقات وبالغ في المحرمات , هو ليس كما عهدنا " الظالم له يوم أو أنها (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون)" .

هي حزينة ربما , أو قد تكون روح حزينة كتبتها , أو ربما روح حزينة هي من قرأتها , لكنها في كل توقف تهديني البكاء ..
بل إنها كذلك حزينة جداً وبالغة في الكآبة واليأس , غارقة جداً في التضاد , التضاد الذي ينتج عنه شرر وليس ذلك التضاد الذي يكوًن انجذاب , فيها وقار وسمت وحكمة بالغة وبلاغة أدب..
وكم يؤلمني صالح , الذي توقف عن الحياة فقط ليتمتع بمشاهدتها , وكأنه يشاهد الكون من برج عاجي , أو أن العالم كله يقطن زجاجة وهو يقطن زجاجة أخرى , ذلك المزعج بصمت بالغ , والذي يبني في داخلنا حجم الروتين والملل الذي يعاني منه , وكل أفكاره وصمته البالغ , أوراقه ودفاتره , عزلته تلك ودخان سجارته , التوحش الكلي والذي أصابه في مشاعره , كلها أشياء ستصلك بمجرد القراءة لـ"برزخ بين قلب عذب وملح أجاج " ..

صالح النافذة المشرعة التي شاهدنا عبرها أرواح وأجناس مختلفة , نفذنا منها إلى عقول وآراء وأفكار بالغة في العمق وأحيان في السطحية , هكذا وجدت صالح مجهر لنفوس البقية ..
بين سالم وسامي وناصر " اختزل فكر الشباب وتوجهاتهم " , وفي نوف "اختزل النساء قاطبة وكأنه تعمد أخذ من كل ورده عبيرها الخاص ليصنع عطراً فاخر " , كنت أبحث حتى نهاية الرواية عن حدث مثير وشيًق يُظهر سارة لنا "تلك الفتاة الجميلة في خُلقها وخُلقها , ذلك الجمال الذي يصنعه الحياء , أخت سالم " , لكنني أصبت بنوع من الخيبة أنها لم تترك أثراً بالغ في الخاتمة " , ثم جاء تعمد الكاتب إثارة الوساوس في موت أحد واتفاق القدر والألفاظ في تكراره , وهي فكرة أعجبتني عندما اتفقت في النهاية على أنه مجرد موت قلب ودخول حب برزخ وهو لم يولد بعد ..

ولا أعلم بأي لغة كتبها وكيف قرأتها , فهي بحق العاقلة المجنونة , ولولا الإسهاب في أحاديث النفس والنقاشات الداخلية التي أخذنا فيها معه بعيداً عن موقع الحدث , وممارسة المبارزة اللغوية والتي كانت واضحة جداً أنها صبغة الساخر وطبعته , لخرجت بسيطة لقراء أكثر و لكانت أجمل ..
وبعد أن استخدم الكاتب المماطلة اللذيذة وجرنا معه للأحداث بهدوء وأحيان برتابة , كانت النهاية سريعة جداً ومفاجأة أيضاً وكأن الرواية أضحت جبلاً على مزاجه وأراد فجأة الخلاص منه ..

علمت أنه عندما فتحت له الدنيا أبوابها , أو بالأصح فتح هو للدنيا بابه , أن ثمًة مفاجأة من العيار الثقيل تنتظره في الأفق , كارثة عظيمة ستعيده أجيالاً لآخر نفق حياته , بنفس القدر في الإقبال على الحياة "إقبال المحروم منها" سيكون العمق في الصدمة .
قد يظن البعض أن في هذا تشاؤم واضح , لكنه في وطني ليس سوى الحقيقة والواقع المفروض قهراً على الجميع ..

وبين " أما قبل ..وبعد " , شكراً جداً للكاتب , وأكثر من شكر لمن كانت الطريقة التي وصلت بها لها ..

ستكون لي بإذن ربي وقفات مع اختيارات قلم الرصاص الشقي , والذي للأسف لم أعثر عليه إلا بعدما أنصفت الرواية , وأعلم بذلك أنه فاته الكثير مما هو جدير بالإشارة والذي أتمنى أن لايفوتكم ..

كنتـُ هيّ ..!
24-06-2010, 02:48 PM
.

جيد حقاً يا روح (:
أذكر أني حين قرأتها لم اتركها حتى انهيتها، ربما كان طبيعياً
لأنها كانت مهرب جيد من واجبات دراسية مُعينة، أو الحقيقة أنها كانت
جاذبة إلى عدم القدرة على تركها.
صالح ذلك النافذة، نصف مفتوحة لبعض ومُغلقة أمام الكثير. يجتذب نفسه لأجله،
بقصد ودونه كان مستوراً وإن لم يُرد.

سأحاول أن أُتابع ما تُزيدين هنا.
شكراً روح .

نوف الزائد
25-06-2010, 05:35 AM
أهلاً كنت هي ..!
أود لو تضعين أيضاً انتقاءاتك منها , فأنا فعلاً أجدها زاخرة ..
ولن أتمكن من الاحاطة بها جميعاً .

وشكراً لك كثيراً يا كنت ..
.

نوف الزائد
25-06-2010, 05:49 AM
تعلم دائماً أن الأحداث تتنقل بين البشر كالكرة , ولكن على ملعب كبير مترامي الأطراف لايرى المتبارون فيه بعضهم بعضاً .

طريقنا تضيئه الأنوار الخافتة , والظلام في الأركان يطبع جسدينا بنوع من الالتصاق.رأيت نفسي أمشي رجل ميت وهو يشعر بالأمر نفسه , لم يكن مللاً ولا رتابة ولاحتى فتوراً , كان نوعاً جديداً من المشاعر , شيء لا أعرف وصفه ولكنه أحاط بنا حتى ركبنا السيارة وانطلقنا باتجاه الشقة .

فحتى الفحرة تحتاج لطاقة خاصة من التحمل , وقلباً واسعاً ترتخي عضلاته بما يكفي لتتمدد مع كمية السعادة المفاجئة , وليكون التعبير معادلاً ومساوياً لها , شيء يشبه بشكل عكسي مايحتاجه الحزن من مجهود عندما نتلقى الأخبار السيئة ..

إن الفواجع حين تحل على أحدهم تصيب من حوله بقوة ردة فعله نفسها , وتجعلهم متساوين في القدرات العقلية , لدرجة أنهم جميعاً قد يبادرون بشكل عشوائي تجاه خطوة واحدة ماكان لأقلهم حكمة أن يفكر بها في حالة مشابهة وبعيدة عن حدود تفاعله ..

الأدب يخرج عندما ينطلق الإنسان من داخل نفسه باتجاه العالم , لينظر إليه بطريقة تتناسب مع ذاته وصفاتها وظروفها التي خلقت بها , هكذا يكون الأدب معبراً وله معان كبيرة تشغل الآخرين وتدفعهم للتفكير .

نحن اليوم نعيش مشاعر شباب سكنوا قبلنا هنا , هذا ما أشعر به حين ألمس الجدران وأمرر أصابعي على الكلمات المحفورة فيها .

وجاء الإهداء :
(أهديكم بعضاً من اللاأشياء التي تراكمت في ذهني , ومن يدري ..! قد تصنعون منها مالم أستطع .
خذوها فغلوها ولاتتحدثوا عني بعد ذلك .
واقرؤوني كما لم أكن , وكونوا كما لم تقرؤوني )

ولعلي آتيكم بمقاطع أخرى , في وقت لاحق ..

طيف أنور
25-06-2010, 02:23 PM
لستُ أدري لِمَ ؟
هذهِ الرّواية جعلتني أُصاب بالكثير من الكآبة !

شُكراً بوح .

إلى آخره!
25-06-2010, 09:41 PM
سـأعود ...

إلى آخره!
08-07-2010, 08:49 PM
ثم عدت ..
اذا كان الإختيار الأمثل قابع في الإتيان على اسم مؤلف الرواية في العنوان ، فليس من التعنت المطالبة بعدم ممارسة الإجتزاء فيه، سواء منك أو منه ..
اسمه إبراهيم بن سنان اليامي

يحاول إبراهيم اكتساب حيز زماني وفكري يمحنه ما يثبت فيه ذاته وهويته بعيدا عن الإنطباع الذي يخلفه اسم عائلته واسماعيليته. يستظله ويهرب من حروره في نفس اللحظة التي لا يستعيب منها. يتواجد إبراهيم ثائرًا على كل العناوين التي أضيفت له دون أي خيار منه، حتى لو تحصّل لتلك المسميات امتيازات تاريخية واجتماعية في مكنتها الوسيلة والزلفى في الآخرة .

فعله هذا مفهوم جداً حين يتجلي في محيط اجتماعي مجحف يعمد إلى تجاهل كل كينوناته الأخرى ويحاكمه من خلال هوية طائفية . يزج بكامل هيئات ومدخرات هذا الإنسان في الجزء الذي لا يوجد ما يستدل بوقوعه فيه. يعني المحيط يفترض أن كل من تحدر من اصول شيعية فهو يتعامل مع السني على طوية "من قتل سنياً دخل الجنة" رغم أن الدشرة وعدم تمركز الدين في نفوس كثير من شباب تلك الأقلية متواردة بنفس القوة التي تتوادر لدى الأغلبية. وقد يستقطب هذا المحيط_ في سبيل تبرير تنميطه وكراهيته_ من التاريخ شواهد على وقوف هذا الإنسان أو جماعة هذا الإنسان في سرادق الذين قاموا بزفلتة الشارع أمام جيوش التتار في العهد العباسي وفي العهد البعثي الصدامي وما هو إلا من بقايا العلقميين.

هذا المحيط يتوارث الحقيقة وكذلك الأكاذيب والعداوت، هو منقسم عليه في كل ماهياته وجهوياته ومناطقياته، لكنه يسعى باقتدار إلى أوسع منظومة عقائدية خالقا منها سوراً وحدوياً يغتفر كل مادونه، ثم يحرّض تلك الجماعية _سواء في شكل الأقلية أو شكل الأغلبية _ للتحذير من الطرف "الآخر" منه، في كينونة كراهية تحت مسمى الفرقة الناجية أو الأجنبي الدخيل . ومن يستقرئ الأحداث في الذاكرة الاعلامية السعودية سيجد أن وصف "الآخر" كان مما جاء في الحوار الوطني بين جيران الوطن الواحد . فلم يكن مما استحدثه اللبراليون واستخدموه في سياق الحوار الموجه للخارج مع الآخر الغربي والآخر الإسرائيلي للتطبيع والمؤاخاة . شواهد محلية في مكنتها الإشارة إلى بؤر التخوين والمؤامرة التي تطغى على أي انتكاسة ومصيبة وفشل يمر به المواطن والمؤمن والإنسان في هذا القطر العربي مهيئا كل الظروف التي يتردد أمامها إبراهيم وغير إبراهيم .

أمكن شخصنة هذه القراءة لأنها عكست ماهية تواجدت على الأرض قبل أن تتماهى في الخيال وتحتبس على الورق، فما "برزخ" إلا صدى لذكريات في مرارتها ما يستبق المؤلف لكل ملجأ فيتبعبع لحاضره ويسرق منه المستقبل. الشخصيات والأسماء جاءت محملة بمضاداتها ، فـ ( صالح) الذي لا يصلي ولا يرخي وكاء ذاته الشابة وعنفوان مشاعره لتمددا غزلاً وهياماً في فؤاد انثى ظل "صالحا" حتى النهاية. مقاييس الصلاح على تلك الاسس التي وطد لها المؤلف ينبغي أن تكون الاستعدادات الذاتية الدافعة نحو المصارحة والاقرار بالبشرية وغيرها مما توفرت له كونه الغريب أكثر من البقية، فهادن ذاته وسالم المحيط الذي يرفض اعتباره جزءًا منهم، ظل صالحاً سواء في نظرته للأمور أو موقفه من كل ما يجري من حوله. "صالح" غريب من حيث لا يتباعد عن المؤلف اذا قررنا قياس المسافة بموقفه السلبي المتساوي تجاه الذات والاشياء. هذا الماتادور يلاعب الأفكار القابعة في مظلة المتفق عليه ويثير الاسئلة الجبانة التي تخشاها الأجوبة الأكثر جبناً، وبطريقة مزعجة وبغيضة لا يفّوت فرصة لوضع أحدهم في مواجهة مع ذاته وكأن الناس لا تستطيع سبيلا لفعل هذا بأنفسهم . ينسج لهم المطبات التي تعيق سريانهم وتنقلاتهم من تصرف عفوي إلى آخر أقل عفوية، وفي كل منعطف يتجاسر ويشير إلى تسمية ما يراد التعمية عليه بمسمياته وتقبل القصور الإنساني على أنه الحتم رغم من كل الحضارة المادية مما يظهر في رزانة "ناصر" المصطنعة.

في البداية تبدو مواقف "صالح" مبنية على علم واحاطة، فمعرفته بتناثر الحقائق وانتفاء اشتمال عنصر بشري وحيد عليها يجعلك تعتدل في جلستك في حضرته. تظل تلك الفكرة قائمة على الصعيد النفسي، فحتى في تبادلاته الماسنجرية مع صديقة (سامي) بدى ما يوجه احترامه وجدارته لعدم استرخاصه لمشاعره، الأمر الذي جعلني اتخرص واتحدس بسقوط كبير في النهاية على غرار أي روائي يسير بكل الـ composition في اتجاه غير ما يراد في النهاية. طبعاً لم يحدث السقوط بمعناه المسترخص لذاته والجاثي على عتبات قلبه أو "نوف" والانفجار بالبكاء، عقل مكنه من رؤية كل شيء للحد الذي منع معه قلبه من الحب والتجانس، هذا هو مايسمى بالاغتراب داخل الوطن وهذا هو عدم الانسجام داخل الذات الواحدة . ثم عندما حصلت عملية التقزيم وتأطير هالة "صالح"، تناول الشعلة شخصية أخرى حملت اسماً اكثر دلالة على الكمال والصلاح_ محمد ذلك الرجل الذي في تجلياته مع صالح قد شابه الفلاسفة المشائين_. في حضرة "محمد" بدى "صالح" شيئا آخر بالإضافة إلى كونه صلصالاً مطاوعاً ، ذلك أن تركيزه على الجانب الاسوأ من الذات البشرية بدأ يخفت شيئا فشيئاً في معية من يؤمن بالمطلق والعدم ـ فهل كان محمد هو عقل إبراهيم وصالح هو قلب إبراهيم.

وعلى المقربة، مشهدٌ يمكن أن يختصر شخصية ابراهيم سنان ككاتب حين يرفض الأمرالواقع ولا يكون معه بديل بجانب النقد أو يكون معه بديل يمثل شذوذا على الانسجام الجماعي، فتراه في نفس اللحظة التي يظهر مؤمنا بمنطقه وأدواته العقلية متردداً ومنتقصاً لها بحيث لا يثمر عن مشروع فكري أو حتى عن منحه لقب "مفكر" على صعيد الفكريات الاجتماعية الصغيرة، بل يمكن رؤية مقالاته التي يكتبها ذاتياً _وليس كرد على مقالات أخرى_ في شؤون الوطن على أنها زفرات محتج صارخ وفي مرات فكرية أخرى على أنها رحلة "عبثية" لتركيع العقل واخباره بأن هناك نقطة يجب ألا تتمركز فيها حقائق منطقه الصغيرة، لأن تمركزها يعني التطاول على السياج الديني والمسّلمات التي لا تتوافق مع المعقول بكل حال.

يوجد في برزخ وغيرها من كتابات إبراهيم ما يدل على أنه _وكأي كاتب من الكتّاب_ بدأ مشواره الكتابي مرتباً بالشعر العمودي ثم القصة والرواية للإنتهاء بالفلسفة والآفاق اللامحدودة، في مرحلية يُلمحَ فيها آثار التحرر التدريجي من القيود الكتابية والإرتفاء على مستوى تناول الشموليات والغوص للفصوص والبؤر. بخلاف الطريقة المتوسعة بالإضافة نحو الخارج ، يُرى في "برزخ" بصمات لفلسفة تتحدد كثيراً بالحذف والتلخيص والنحت وثبات الإنسان في جنوحاته واحتياجاته رغم تطوير سبل وصوله إليها . احتواء السرد وابقاءه ضمن اجواء المدينة على صعيد الشهوة والصبابة اضاف _لي كقاري غير سعودي_ ماهية التواصل بين الجنسين وسط ذلك الضبط الاجتماعي المحكم والذي ما أن يتم تجاوزه إلا ويتم طي العباءات وتختفي الكثير من مظاهر الاحتشام . اختار لـ"صالح" محركاً من محركات التفاعل الحديثة التي تجاوزت الضبط وهي "النافذة الماسنجرية". تلك الأثيرية خففت من وطأة التخفّظ الاجتماعي، ومكنت لمرتاديها ما يمنح تقديم الذوات الحقيقية، ولكن وعلى العكس تماما تقوم العينة المذكورة في الرواية بممارسة تجارب سوسيوباثية في غالب الوقت وأخرى سيكوباثية ليس وراءها سوى اللعب وامتهان مشاعر الطرف الآخر على منعة من الرقيب الاخلافي.

الغريب أن "صالح" هو البروتاقنست الأوحد الذي لم يكن يشارك هذا اللعب أو يستبقى على مشاعره بشكل اظهره اسطورياً كامل السجايا والخلال: كريم ومسامح وسريع المعاونة لأصدقاءه وذويهم ويعرف الأصول وحاد العقل والتدبير ومتخرج قانون وكل شيء . الغريب الآخر أن هناك _ dichotomy _ شاسع في تواجد شخصيات متباعدة جداً عن بعضها البعض في حيز صغير عبارة عن شقة، بدأ من نظرتها للحياة والانتماء القبلي والمقدرة الاجتماعية إلى أوسع منظومة هوياتية، لم يكلف الرواي نفسه تبرير البعد السحيق بين "سالم" البروليتيرت و"ناصر" البورجوانزي ولا تواجدهم في شقة يتم فيها خلع كل الأحذية الاجتماعية ولا يرفع فيها غير آذان المنطق ـ الذي بال الإهمال في أُذن مؤذنه فنام إلا عن "صالح" .

الحبكة الفنية مفككة، ولا يوجد شيء يدل على ترابط الفصول أو حتى قيامها ضمن وحدة قصصية واحدة، لعل هذا هو الذي يجعل من القراء _كـ روح وبوح وغيرها_ جانحين لاقتباسات ذات نكهة سنانية يكتفون بها لدى الاستدلال على نقاط قوة عمله الفني. ولولا معرفتي وقربي من التقاسيم الاجتماعية السعودية، فإني وبكل تأكيد لن اتمكن من معرفة مصادر الصراع وطبيعة الإنقسام بأشكاله القبلية والطبقية والدينية. يقودنا هذا إلى ضعف واضح في الرواية على مستوى التلقي الضيق لأنها تخدم من في الداخل السعودي اكثر من القراء خارجها رغم أن الذين في الخارج يكادون يحصرونها في إيجابية مجاوزتها للمثير الجنسي وخروجها عن المألوف البذيء كما شاع عن باقي الروايات السعودية. بل واتشجع على القول بأن الإمعان في الرمزية _ليس على مستوى الكلام ولكن حتى على مستوى الاحداث_ نابع من خوف وتوجس المؤلف من تنقيب القراء أو أنه استخدم الرواية في ماهيتها الخيالية ليمرر واقعاً لا يمكن الاتفاق على تفسيره . لا يفهم من هذا تقليلا من شأن الرمزية، بالعكس، فتوظيف الرمزية بفعالية شيء من ركائز العمل الأدبي وخصوصا في رواية تهددنا مؤلفها جرعات منطقية في عنوانها، سواء قامت الرمزية على الاستعارة والمجاز والتشبيه وكل ما من شأنه أن يضيف للموصوف الهلامي بعداً محسوساً وحدوداً رغم اختلاف المتصورين في الداخل والخارج السعودي .

لكن الرمزية في برزخ جاءت فضفاضة جداً لتخفي من معالم أي خصوصية يمليها فن الرواية بجغرافيات لها تأثير على الاحداث والشخوص والمناخات والطقوس، فلم يتخاطر على الرواي ذكر مكان واستيعاب تفاصيله غير العاصمة _ مع أن مكة ايضاً عاصمة هي الأخرى_ فحتى عندما ذهب للمنطقة الشرقية للإلتقاء بـ "محمد" ذكر البحر وملوحته وتضاريسه الذاتية بما لا يجعله ممتازاً عن البحر في أي مكان سعوديٍ آخر كبحر ينبع والقنفذة وجدة، فهل كانا في الخبر أم في الجبيل الصناعية أم الدمام. رغم كل التصارع الهوياتي سواء المكتسب أو تلك التي اختارها بنفسه لا أدري لماذا لم يذكر "نجران" مثلاً عندما ذكر أنه لم يكن الأول في الحصول على الشهادة الجامعية من قبيلته وماهي قبيلته من الاساس؟ يشير إلى نجران بـ " مسقط رأسي" وبـ "مكان ما من الوطن" في الاتصال الهاتفي مع "نورة" . هل يحاول الاكتفاء ببدائيتها وبدويتها، فأين هو حيز الخصوصية في هذا وهو قابل للسحب والطرق على كل هجرة وبادية، وماهو المبرر لزج احداث جانبية أخرى عوضا عنها مع أن الاشتباك الهوياتي وعدم الانسجام في الكل حادث في جهويته. هنا تبدو الركاكة جلية والخلل واضحا براوي كتب على حسن نية كبيرة بالقراء وقدرتهم على التصور أو كتب لنخبة معينة. ايضاً ذكر تبرعم الشوارع واختلاف ساعات نوم واستيقاظ أهل شمال الرياض حسب امتلاء أرصدتهم البنكية، وترك ما يوحي بخصوصيته ككاتب فأصبح من الممكن إسقاط أوصاف قريته على كل قرية، ولو كان على اطرافها مقبرة ومطارها خمساً وعشرين كيلا للخارج. نسي الراوي أن يسمي عائلة (سالم) بما يوحي بعراقتها وأصالتها _ ما اذا كانت 110 أو 220 فولت_ سواء كان القحطاني أو الشيباني أو أي قبيلة أخرى لاتزال تتعنصر وتستبقي على انسابها معروفة على مر العصور، ولو أنه فعل فإن الفرصة ستسنح لاستثمار المفهوم القبيلي خلال الثورة البترولية وحصول الـ "شفت" فيه وأنه ما عاد مصدر للثراء والوجاهة بدليل قبيلة "ناصر" بل وامكن تفسير سبب تحييده عن "نوف" الذي بظني مرتبط باللحمة والقبيلة بنفس القدر التي انبثق عن جهويتيه وطائفيته.

وباختصار اتمم هذه المرئيات المتناثرة والتي اكتبها في الأغلب معتمدًا على الذاكرة .. فإن المخزون الفكري والاستعمال المسترسل والبسيط للغة العربية في برزخ عظيم وجليل، وفي مكنته تسليط الاشعة على الخطوط الحمراء، ليس على الصعيد الاجتماعي والديني فحسب ولكن ايضاً على الـ "تابو" السياسي والحكم، علاوة على ذلك فإن خصوبتها قادرة على توظيف التمدن وطرق التواصل الحديثة بشكل أفضل ويتجاوز التناول التسطيحي مع "عبدالعزيز" لعقيدة سياسية يراها الغرب والمتغربون رحمة مقارنة بالثيوقراطية . رغما عن التناول الحذر واللف المفاجئ بالحدث _كمن مل من الرواية فجأة وقرر الانتهار_ وغير ذلك مما يخبرني بأن ابراهيم لن يكتب رواية أخرى غيرها، فإني أود قراءة عمل روائي آخر .. ربما اكثر نضحاً واكثر شمولية وخصوصية.

إلى آخره!
08-07-2010, 08:52 PM
نسيت أقول ..
شكرا لك روح
واتمنى إني ما اكون سببا لتوقفك

مزار قلوب
08-07-2010, 11:09 PM
أردت أن أكتب عنها قبل أسبوعين من الزمن ..
أنا لم أٌقرأها ولكنني أردت أن آتي بنسخة من الحوار الذي أجرته
مجلة وهج النجرانية مع الروائي أو الكاتب أو المفكر :إبراهيم سنان .
كنت في ذلك الوقت في صالون للحلاقة في نجران - معقل الكاتب أو رأس مسقطه .
ووجدت بين يدي المجلة وتصفحتها ووجدت بين صفحاتها حوارا قد أجري
مع إبراهيم سنان مصحوبا بصور للكاتب في وقت الحوار .
ولو أنه هو وعبد الله القرني يتفقون في الوزن الزائد )kإلا أنني استمتعت بالحوار جدا .
وقد عرج المحاور على ذكر رواية إبراهيم سنان "بين قلب عذب وعقل أجاج"
ومع كونه مبدعا سابقا خاصة في المنتديات الإلكترونية
إلا أنه من الواضح قد استطاع أن يزيد من مساحة اطلاعه
وهذا ما انعكس أثره على عمق تفكيره ومتانة لغته المعبرة عن ذلك بشكل جيد .
ووعدت نفسي أن أقرأ روايته متى ما وجدت وقتا مناسبا .

تحية له ولك .

نوف الزائد
14-07-2010, 09:25 PM
إلى آخره أهلاً بك ..
يبدو لي بعد إضافتك أني لم أقرأ الرواية أبداً وأني ربما مررت عليها مرور الكرام لاغير , يؤسفني أني لم أقرأ بآلة حاسبة (:

في النهاية أعتقد أن ماتتحدث عنه وجهة نظرك أنت , ولو كنت أؤيدها في بعضها وأرفض البعض , لكن حتى قبولي ورفضي ماهو سوى وجهة نظر , لكن فعلاً أربكتني قراءتك "القراءة والربط بين أحداث الرواية وبين الواقع للكاتب , بين نفسية الكاتب والمحيط من حوله وأثره في حرفه , شيء ممتاز فعلاً , ربما سابق معرفة بينكم أو طول عهد وقراءة ساعدتك في ذلك , ولكن إبراهيم سنان والذي لا أعرف إلا هذه اللحظة أنه من يام , لم أقرأ له من قبل سوى هذه الرواية هكذا قضمة واحدة .."

وفي ظني أن ليس كل الكتاب يصدقون في قولهم للدرجة التي تكشف لنا كتاباتهم وحروفهم الوسط والبيئة التي تحويهم , البعض يعرف تماماً المرواغة , والبعض الآخر يزيد في المبالغة , يعني حتى الحقائق التي ستصلنا تصل بصورة مختلفة جداً عن الواقع ..

لايهم , لكن لم يكن غيابي لأن ماهنا أزعجنا , بالعكس ماهنا جميل وجداً , لكن هو الصيف فقط السبب ..

.

مزار قلوب ,
هي من قريب كما قلت ومن قريب كما ذكر إلى آخره , والذي جاء أجمل بكثير من الرواية , صبغة الساخر في حديثه مع نفسه , في تفكيك الأشياء وإعادة تركيبها , في مانسميه التجلي , رؤية العالم من برج عالي , يكشف تفاصيل تحركاتهم ..
هذا ما أثار دهشتي فعلاً في الرواية , وإلا فالأحداث ليست جديدة ..

.

في حفظ الله

في صمتك مرغم
17-07-2010, 01:57 AM
ثم عدت ..
اذا كان الإختيار الأمثل قابع في الإتيان على اسم مؤلف الرواية في العنوان ، فليس من التعنت المطالبة بعدم ممارسة الإجتزاء فيه، سواء منك أو منه ..
اسمه إبراهيم بن سنان اليامي

يحاول إبراهيم اكتساب حيز زماني وفكري يمحنه ما يثبت فيه ذاته وهويته بعيدا عن الإنطباع الذي يخلفه اسم عائلته واسماعيليته. يستظله ويهرب من حروره في نفس اللحظة التي لا يستعيب منها. يتواجد إبراهيم ثائرًا على كل العناوين التي أضيفت له دون أي خيار منه، حتى لو تحصّل لتلك المسميات امتيازات تاريخية واجتماعية في مكنتها الوسيلة والزلفى في الآخرة .

فعله هذا مفهوم جداً حين يتجلي في محيط اجتماعي مجحف يعمد إلى تجاهل كل كينوناته الأخرى ويحاكمه من خلال هوية طائفية . يزج بكامل هيئات ومدخرات هذا الإنسان في الجزء الذي لا يوجد ما يستدل بوقوعه فيه. يعني المحيط يفترض أن كل من تحدر من اصول شيعية فهو يتعامل مع السني على طوية "من قتل سنياً دخل الجنة" رغم أن الدشرة وعدم تمركز الدين في نفوس كثير من شباب تلك الأقلية متواردة بنفس القوة التي تتوادر لدى الأغلبية. وقد يستقطب هذا المحيط_ في سبيل تبرير تنميطه وكراهيته_ من التاريخ شواهد على وقوف هذا الإنسان أو جماعة هذا الإنسان في سرادق الذين قاموا بزفلتة الشارع أمام جيوش التتار في العهد العباسي وفي العهد البعثي الصدامي وما هو إلا من بقايا العلقميين.

هذا المحيط يتوارث الحقيقة وكذلك الأكاذيب والعداوت، هو منقسم عليه في كل ماهياته وجهوياته ومناطقياته، لكنه يسعى باقتدار إلى أوسع منظومة عقائدية خالقا منها سوراً وحدوياً يغتفر كل مادونه، ثم يحرّض تلك الجماعية _سواء في شكل الأقلية أو شكل الأغلبية _ للتحذير من الطرف "الآخر" منه، في كينونة كراهية تحت مسمى الفرقة الناجية أو الأجنبي الدخيل . ومن يستقرئ الأحداث في الذاكرة الاعلامية السعودية سيجد أن وصف "الآخر" كان مما جاء في الحوار الوطني بين جيران الوطن الواحد . فلم يكن مما استحدثه اللبراليون واستخدموه في سياق الحوار الموجه للخارج مع الآخر الغربي والآخر الإسرائيلي للتطبيع والمؤاخاة . شواهد محلية في مكنتها الإشارة إلى بؤر التخوين والمؤامرة التي تطغى على أي انتكاسة ومصيبة وفشل يمر به المواطن والمؤمن والإنسان في هذا القطر العربي مهيئا كل الظروف التي يتردد أمامها إبراهيم وغير إبراهيم .

أمكن شخصنة هذه القراءة لأنها عكست ماهية تواجدت على الأرض قبل أن تتماهى في الخيال وتحتبس على الورق، فما "برزخ" إلا صدى لذكريات في مرارتها ما يستبق المؤلف لكل ملجأ فيتبعبع لحاضره ويسرق منه المستقبل. الشخصيات والأسماء جاءت محملة بمضاداتها ، فـ ( صالح) الذي لا يصلي ولا يرخي وكاء ذاته الشابة وعنفوان مشاعره لتمددا غزلاً وهياماً في فؤاد انثى ظل "صالحا" حتى النهاية. مقاييس الصلاح على تلك الاسس التي وطد لها المؤلف ينبغي أن تكون الاستعدادات الذاتية الدافعة نحو المصارحة والاقرار بالبشرية وغيرها مما توفرت له كونه الغريب أكثر من البقية، فهادن ذاته وسالم المحيط الذي يرفض اعتباره جزءًا منهم، ظل صالحاً سواء في نظرته للأمور أو موقفه من كل ما يجري من حوله. "صالح" غريب من حيث لا يتباعد عن المؤلف اذا قررنا قياس المسافة بموقفه السلبي المتساوي تجاه الذات والاشياء. هذا الماتادور يلاعب الأفكار القابعة في مظلة المتفق عليه ويثير الاسئلة الجبانة التي تخشاها الأجوبة الأكثر جبناً، وبطريقة مزعجة وبغيضة لا يفّوت فرصة لوضع أحدهم في مواجهة مع ذاته وكأن الناس لا تستطيع سبيلا لفعل هذا بأنفسهم . ينسج لهم المطبات التي تعيق سريانهم وتنقلاتهم من تصرف عفوي إلى آخر أقل عفوية، وفي كل منعطف يتجاسر ويشير إلى تسمية ما يراد التعمية عليه بمسمياته وتقبل القصور الإنساني على أنه الحتم رغم من كل الحضارة المادية مما يظهر في رزانة "ناصر" المصطنعة.

في البداية تبدو مواقف "صالح" مبنية على علم واحاطة، فمعرفته بتناثر الحقائق وانتفاء اشتمال عنصر بشري وحيد عليها يجعلك تعتدل في جلستك في حضرته. تظل تلك الفكرة قائمة على الصعيد النفسي، فحتى في تبادلاته الماسنجرية مع صديقة (سامي) بدى ما يوجه احترامه وجدارته لعدم استرخاصه لمشاعره، الأمر الذي جعلني اتخرص واتحدس بسقوط كبير في النهاية على غرار أي روائي يسير بكل الـ composition في اتجاه غير ما يراد في النهاية. طبعاً لم يحدث السقوط بمعناه المسترخص لذاته والجاثي على عتبات قلبه أو "نوف" والانفجار بالبكاء، عقل مكنه من رؤية كل شيء للحد الذي منع معه قلبه من الحب والتجانس، هذا هو مايسمى بالاغتراب داخل الوطن وهذا هو عدم الانسجام داخل الذات الواحدة . ثم عندما حصلت عملية التقزيم وتأطير هالة "صالح"، تناول الشعلة شخصية أخرى حملت اسماً اكثر دلالة على الكمال والصلاح_ محمد ذلك الرجل الذي في تجلياته مع صالح قد شابه الفلاسفة المشائين_. في حضرة "محمد" بدى "صالح" شيئا آخر بالإضافة إلى كونه صلصالاً مطاوعاً ، ذلك أن تركيزه على الجانب الاسوأ من الذات البشرية بدأ يخفت شيئا فشيئاً في معية من يؤمن بالمطلق والعدم ـ فهل كان محمد هو عقل إبراهيم وصالح هو قلب إبراهيم.

وعلى المقربة، مشهدٌ يمكن أن يختصر شخصية ابراهيم سنان ككاتب حين يرفض الأمرالواقع ولا يكون معه بديل بجانب النقد أو يكون معه بديل يمثل شذوذا على الانسجام الجماعي، فتراه في نفس اللحظة التي يظهر مؤمنا بمنطقه وأدواته العقلية متردداً ومنتقصاً لها بحيث لا يثمر عن مشروع فكري أو حتى عن منحه لقب "مفكر" على صعيد الفكريات الاجتماعية الصغيرة، بل يمكن رؤية مقالاته التي يكتبها ذاتياً _وليس كرد على مقالات أخرى_ في شؤون الوطن على أنها زفرات محتج صارخ وفي مرات فكرية أخرى على أنها رحلة "عبثية" لتركيع العقل واخباره بأن هناك نقطة يجب ألا تتمركز فيها حقائق منطقه الصغيرة، لأن تمركزها يعني التطاول على السياج الديني والمسّلمات التي لا تتوافق مع المعقول بكل حال.

يوجد في برزخ وغيرها من كتابات إبراهيم ما يدل على أنه _وكأي كاتب من الكتّاب_ بدأ مشواره الكتابي مرتباً بالشعر العمودي ثم القصة والرواية للإنتهاء بالفلسفة والآفاق اللامحدودة، في مرحلية يُلمحَ فيها آثار التحرر التدريجي من القيود الكتابية والإرتفاء على مستوى تناول الشموليات والغوص للفصوص والبؤر. بخلاف الطريقة المتوسعة بالإضافة نحو الخارج ، يُرى في "برزخ" بصمات لفلسفة تتحدد كثيراً بالحذف والتلخيص والنحت وثبات الإنسان في جنوحاته واحتياجاته رغم تطوير سبل وصوله إليها . احتواء السرد وابقاءه ضمن اجواء المدينة على صعيد الشهوة والصبابة اضاف _لي كقاري غير سعودي_ ماهية التواصل بين الجنسين وسط ذلك الضبط الاجتماعي المحكم والذي ما أن يتم تجاوزه إلا ويتم طي العباءات وتختفي الكثير من مظاهر الاحتشام . اختار لـ"صالح" محركاً من محركات التفاعل الحديثة التي تجاوزت الضبط وهي "النافذة الماسنجرية". تلك الأثيرية خففت من وطأة التخفّظ الاجتماعي، ومكنت لمرتاديها ما يمنح تقديم الذوات الحقيقية، ولكن وعلى العكس تماما تقوم العينة المذكورة في الرواية بممارسة تجارب سوسيوباثية في غالب الوقت وأخرى سيكوباثية ليس وراءها سوى اللعب وامتهان مشاعر الطرف الآخر على منعة من الرقيب الاخلافي.

الغريب أن "صالح" هو البروتاقنست الأوحد الذي لم يكن يشارك هذا اللعب أو يستبقى على مشاعره بشكل اظهره اسطورياً كامل السجايا والخلال: كريم ومسامح وسريع المعاونة لأصدقاءه وذويهم ويعرف الأصول وحاد العقل والتدبير ومتخرج قانون وكل شيء . الغريب الآخر أن هناك _ dichotomy _ شاسع في تواجد شخصيات متباعدة جداً عن بعضها البعض في حيز صغير عبارة عن شقة، بدأ من نظرتها للحياة والانتماء القبلي والمقدرة الاجتماعية إلى أوسع منظومة هوياتية، لم يكلف الرواي نفسه تبرير البعد السحيق بين "سالم" البروليتيرت و"ناصر" البورجوانزي ولا تواجدهم في شقة يتم فيها خلع كل الأحذية الاجتماعية ولا يرفع فيها غير آذان المنطق ـ الذي بال الإهمال في أُذن مؤذنه فنام إلا عن "صالح" .

الحبكة الفنية مفككة، ولا يوجد شيء يدل على ترابط الفصول أو حتى قيامها ضمن وحدة قصصية واحدة، لعل هذا هو الذي يجعل من القراء _كـ روح وبوح وغيرها_ جانحين لاقتباسات ذات نكهة سنانية يكتفون بها لدى الاستدلال على نقاط قوة عمله الفني. ولولا معرفتي وقربي من التقاسيم الاجتماعية السعودية، فإني وبكل تأكيد لن اتمكن من معرفة مصادر الصراع وطبيعة الإنقسام بأشكاله القبلية والطبقية والدينية. يقودنا هذا إلى ضعف واضح في الرواية على مستوى التلقي الضيق لأنها تخدم من في الداخل السعودي اكثر من القراء خارجها رغم أن الذين في الخارج يكادون يحصرونها في إيجابية مجاوزتها للمثير الجنسي وخروجها عن المألوف البذيء كما شاع عن باقي الروايات السعودية. بل واتشجع على القول بأن الإمعان في الرمزية _ليس على مستوى الكلام ولكن حتى على مستوى الاحداث_ نابع من خوف وتوجس المؤلف من تنقيب القراء أو أنه استخدم الرواية في ماهيتها الخيالية ليمرر واقعاً لا يمكن الاتفاق على تفسيره . لا يفهم من هذا تقليلا من شأن الرمزية، بالعكس، فتوظيف الرمزية بفعالية شيء من ركائز العمل الأدبي وخصوصا في رواية تهددنا مؤلفها جرعات منطقية في عنوانها، سواء قامت الرمزية على الاستعارة والمجاز والتشبيه وكل ما من شأنه أن يضيف للموصوف الهلامي بعداً محسوساً وحدوداً رغم اختلاف المتصورين في الداخل والخارج السعودي .

لكن الرمزية في برزخ جاءت فضفاضة جداً لتخفي من معالم أي خصوصية يمليها فن الرواية بجغرافيات لها تأثير على الاحداث والشخوص والمناخات والطقوس، فلم يتخاطر على الرواي ذكر مكان واستيعاب تفاصيله غير العاصمة _ مع أن مكة ايضاً عاصمة هي الأخرى_ فحتى عندما ذهب للمنطقة الشرقية للإلتقاء بـ "محمد" ذكر البحر وملوحته وتضاريسه الذاتية بما لا يجعله ممتازاً عن البحر في أي مكان سعوديٍ آخر كبحر ينبع والقنفذة وجدة، فهل كانا في الخبر أم في الجبيل الصناعية أم الدمام. رغم كل التصارع الهوياتي سواء المكتسب أو تلك التي اختارها بنفسه لا أدري لماذا لم يذكر "نجران" مثلاً عندما ذكر أنه لم يكن الأول في الحصول على الشهادة الجامعية من قبيلته وماهي قبيلته من الاساس؟ يشير إلى نجران بـ " مسقط رأسي" وبـ "مكان ما من الوطن" في الاتصال الهاتفي مع "نورة" . هل يحاول الاكتفاء ببدائيتها وبدويتها، فأين هو حيز الخصوصية في هذا وهو قابل للسحب والطرق على كل هجرة وبادية، وماهو المبرر لزج احداث جانبية أخرى عوضا عنها مع أن الاشتباك الهوياتي وعدم الانسجام في الكل حادث في جهويته. هنا تبدو الركاكة جلية والخلل واضحا براوي كتب على حسن نية كبيرة بالقراء وقدرتهم على التصور أو كتب لنخبة معينة. ايضاً ذكر تبرعم الشوارع واختلاف ساعات نوم واستيقاظ أهل شمال الرياض حسب امتلاء أرصدتهم البنكية، وترك ما يوحي بخصوصيته ككاتب فأصبح من الممكن إسقاط أوصاف قريته على كل قرية، ولو كان على اطرافها مقبرة ومطارها خمساً وعشرين كيلا للخارج. نسي الراوي أن يسمي عائلة (سالم) بما يوحي بعراقتها وأصالتها _ ما اذا كانت 110 أو 220 فولت_ سواء كان القحطاني أو الشيباني أو أي قبيلة أخرى لاتزال تتعنصر وتستبقي على انسابها معروفة على مر العصور، ولو أنه فعل فإن الفرصة ستسنح لاستثمار المفهوم القبيلي خلال الثورة البترولية وحصول الـ "شفت" فيه وأنه ما عاد مصدر للثراء والوجاهة بدليل قبيلة "ناصر" بل وامكن تفسير سبب تحييده عن "نوف" الذي بظني مرتبط باللحمة والقبيلة بنفس القدر التي انبثق عن جهويتيه وطائفيته.

وباختصار اتمم هذه المرئيات المتناثرة والتي اكتبها في الأغلب معتمدًا على الذاكرة .. فإن المخزون الفكري والاستعمال المسترسل والبسيط للغة العربية في برزخ عظيم وجليل، وفي مكنته تسليط الاشعة على الخطوط الحمراء، ليس على الصعيد الاجتماعي والديني فحسب ولكن ايضاً على الـ "تابو" السياسي والحكم، علاوة على ذلك فإن خصوبتها قادرة على توظيف التمدن وطرق التواصل الحديثة بشكل أفضل ويتجاوز التناول التسطيحي مع "عبدالعزيز" لعقيدة سياسية يراها الغرب والمتغربون رحمة مقارنة بالثيوقراطية . رغما عن التناول الحذر واللف المفاجئ بالحدث _كمن مل من الرواية فجأة وقرر الانتهار_ وغير ذلك مما يخبرني بأن ابراهيم لن يكتب رواية أخرى غيرها، فإني أود قراءة عمل روائي آخر .. ربما اكثر نضحاً واكثر شمولية وخصوصية.

قراءة المؤلف لا تخرج عن كونها عملية تأويل, سواء أكنت على مقربة من المؤلف أو لا تعرف عنه سوى النذر اليسير. بل حتى المؤلف نفسه لا يستطيع أن يكتب عن نفسه إلا تأويلا. هناك جزء عميق غامض داخل كل منا, جزء مبدع, ما يخرج منه للسطح لا يصلح للحكم على الكل.
الكتابة ما هي إلا عملية تدوير للغة, لا يمكن أن تكون بحال من الأحوال تعبير عن شخصة المؤلف.
أقول دائما أن القارئ ما هو إلا أيديولوجي يبحث عن نفسه داخل النص, أكاد أجزم أن هذا رأيك عن ابراهيم سنان, حتى قبل أن تقرأ روايته, ما حصل – ربما – هو أنك وجدت داخل الرواية ما يؤكد رؤيتك, والإيجاد هنا ليس سوى تأويل فردي, يعتمد بالأساس على فكرتك السابقة عن المؤلف, وعما تمتلكه من مخذون انساني لديك. حتى ما اعتقدته أنت مبالغة في الرمزية, ربما بسبب رغبتك في ربط كل كلمة داخل الرواية بشخص ابراهيم نفسه. ربما الرمزية أوجدها - عندك - غياب الصلة - لديك - بين الألفاظ وبين المعنى الذي تريده. يعني في الأجزاء التي اعتقدت أنك عرفت غايتها, ربطت ذلك بشخص الكاتب, وما عجزت عن معرفة غايته قلت أن ذلك إغراق في الرمزية بسبب خوف الكاتب من أن تُكتَشَف حقيقته.

إن موت المؤلف أمر أصبح مسلم به, كما يقول رولان بارت, والحقيقة أن النص بعد كتابته "يخرج عن طوع كاتبه", بل ويعقه والسبب القارئ, برغم أنه من العسير الفصل بين شخص الكاتب وما يكتبه. إشكالية التوفيق بين ذلك إنما تأتي من أن الكاتب يكتب تجربة عايشها, ربما كمشاهد, وليس بالضرورة كبطل أو مشارك.
لا أنكر أن الكاتب نتاج مجتمعه, وبيئته, ولكن ليس هذا فقط, إنه إجحاف للكاتب – أي كاتب – أن نهمل بصمته ودرجة تأثيره على بيئته, أو درجة تجاوبه مع بيئته, لكل كاتب شخصيته المتفردة التي لا تتكرر. وهذا الاختلاف يجعل من العسير الحكم على شخصية الكاتب من خلال نصوصه, وكذلك الحكم على نصوصه من خلال شخصيته.
إن الله تعالى يقول أنه ((يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور))
ما تخفيه الصدور ليس فقط ما تحجم عن الإفصاح عنه, بل ماتخفيه خلف أقنعة اللغة وإيحاءاتها. خفايا الصدور أمر لن نكتشفه مهما حاولنا, قد نقترب من الحقيقة الخفية ولكن تظل تحت مسمى الظنون.

كن بخير يا محمد
.
.
.
وشكرا روح وبوح على هذه المختارات

إلى آخره!
17-07-2010, 11:45 PM
لا أنكر أن الكاتب نتاج مجتمعه, وبيئته, ولكن ليس هذا فقط, إنه إجحاف للكاتب – أي كاتب – أن نهمل بصمته ودرجة تأثيره على بيئته, أو درجة تجاوبه مع بيئته, لكل كاتب شخصيته المتفردة التي لا تتكرر. وهذا الاختلاف يجعل من العسير الحكم على شخصية الكاتب من خلال نصوصه, وكذلك الحكم على نصوصه من خلال شخصيته.جميل، لكن الصعوبة ليست مرادفة ولا تعني الاستحالة، كما أن التبريرية هنا باهتة وذائقية أكثر منها منطقية تقدم تفسيرا لعدم رجاحة شخصنتي للقراءة ولا قراءتي للشخصية من خلال برزخ .
جاء في ردك ورد روح_ ولو على استحياء_ ما يشير إن لم يرجح امكانية قيام معرفة شخصية مدتني بالثقة في شخصنة القراءة. هذا غير صحيح اطلاقاً وهو بالمناسبة نوع آخر من متلازمة الشخصنة. لا اعرف ابراهيم سنان شخصياً ولا يعرفني شخصياً إلا بعد كتابة قراءتي في مستند وورد وابدائي لمرئياتي بشكل ثنائي معه.

من السهل زيارة مدونته الشخصية وملاحظة أن عملاً أدبيا آخر معنون بـ " خمس دقائق آثمة" في الطريق للصدور_ إن لم يكن قدر صدر بالفعل عن دار الفارابي_ مما يعني أنه كان بإمكاني تغيير انطباعاتي في البراجراف الأخير عن عدم صدور عمل آخر له لو كنت فعلاً اكتب على معرفة شخصية أو حقائق شخصية خارج النص"برزخ" الذي مثل بجوار نصوص أخرى امامي. ايضاً توصلت لمعرفة "حقيقة" أن اكثر النسخ من الطبعة الأولى قد تم بيعها خارج السعودية، فلو كان كما طرأ لي أنها ضيقة تخدم فئام معينة في جغرافية معينة، فإن الرواج القرائي وانجفال المشترين سيكون من تلك البقعة الجغرافية المعينة، ومع ذلك لم اغير قناعتي حتى الآن. لم يحدث ذلك بسبب أني حين اقرأ عملاً ادبياً فإني ألغي ما قرأت عنه واقرأه هو، ولا اخفيك أني سعيد جدا بنفسي وباستقلالية احكامي وقدرتي على الايصال وملء الفراغات التي يتركها بشر_ لا أقول أمثالي ولكني مثلهم إن كان الفرق بينهما مهم جدًا _.

ولازلت اعتقد بأن كينونة إبراهيم بدت جبانة في "برزخ" تماما كما تبدو الكثير من كينونات الانترنت هنا في الساخر وغيره. جبنٌ يظهر في من يصل لثلثي الطريق ويتوقف رغما عن انطلاقاته المنطقية_ وليست الذائقية_ في الفكريات وغيرها، مقدماتٌ يتيمة تندب حظها المتعثر على النتائج الميتمة والعكس بالعكس. لعل الأولى والألبق تسميته بالنفاق الاجتماعي_ سواء كان مداهنة أو مداراة_ اكثر منه جباناً، لأن الجبن يحمل على جانب شخصي يتوراد عليه نقوص رجولية وفحولية في اللغة العربية. من موقعي اللندني اعرف ولو على نطاق نظري هامش التعبير المتاح له سعودياً _ولك انت مصرياً اذا كان ولابد_ لكن الملاحقات إن تواجدت لم تكن لتكون من دائرة المباحث العامة أو دار الافتاء لأن برزخ بثوبها الفضفاض الحالي لا ترقى لتكون محل عناية تلك الجهات، لكنها موضع عناية ما دون ذلك من أنساق اجتماعية لم أرى فيها ما يخيفه لهذا الحد. طبعا دون أن يفهم من ذلك تحديدا المطالبة بتحويل برزخ إلى ما يشابه التأريخ الإجتماعي. ثم إن هذا ليس سؤال الشطط من قارئ يبحث عنه فيها لتنعكس احباطاته في قراءة نقدية جاءت هنا مشدودة ومربوطة بشكل غير منساب مع قناعاته، بل في نطاق الممكن وما لن يكون خارجاً عن أي عمل إنساني أدبي جسور على تقديم التفاعل الاجتماعي بوضع القارئ في قلب الحدث ولا يطعمه النتائج أو يمارس الاقصاء على تلك التي تحصّل عليها وخلع عليها مسمى "اقرارات على مضض".

اكره عادة جلب مؤلف بين يدي آخر لعمل تقاربية_ benchmarking _ كونها تضع احتمال تفاضل التجارب البشرية على المشهد ، لكنها ضرورة الاضداد التي تظل الأقرب في تبيين توحد فعل الرؤية لا المرئيات . خذ خلود تشارلز دكنز والتوقعات العظيمة وستراه اجاد وضع القارئ في عمق الحدث_ كما تتبجح به قناة الجزيرة ايضاً_. بخلاف برزخ بنت إبراهيم، فقد ترصد دكنز تركه يخرج بما يشاء عن الطبقية الاجتماعية من خلال اعين الكادحين ورغم أنه لا ينتمي إليهم لم يحاول الدفاع عن طبقته ولا مارس الأنا بمثل ما مورست في برزخ فقللت من تورادها على واقع واسع يتجاوز قلب وعقل إبراهيم سنان اليامي. يغتفر للخيال الاستراتيجية التي يقوم عليها وما يتمدد بعد ذلك في تكتيتك يخلق الظروف والاجواء بما ينسجم مع الفكرة الكبرى لكن كيف يغفر أو يهمل توارد عدم الجدوى على الفكرة المحورية كونها تعاني_ ربما بسبب الفستان الواسع والبودرة الزائدة_ الاختفاء والضمور . عالمية النص تقوى بذاتية تضم ماهيات مشابهة لتلك التي تمحور حولها "صالح"، لكني لا اظن أنّ إبراهيم يفترض ندرة تجربته التي أودعها في ماهية صالح لأنه وقتها سيكون الافضل عنونتها بـ "سيرة شخصية" أو بعبارته الشائعة عنه بـ سيرة عقل. صحيح ربما وجدتني في تدّرجات إبراهيم لكن وبكل تأكيد لم اشاركني في صالح، ولأني لا اشك في إنسانيتي تسائلته. وكوني هنا استجلب كاتبا غربياً بما لا يرى فيه مباشرة الاتحاد فهذا ينسجم مع رؤيتي للتراث الإنساني بأنه شيء واحد على مستوى البشرية_ in essence_ وإن تعددت مخرجاته وقبائله واستأثر عرق ببئر دون آخر، وفي نفس الوقت لا اجرّد الانسانيات عن شخوصها وخصوصياتها ولا ادعم ذلك التجريد اطلاقاً.

والنص _يا زينة المتصفح_ خريت موثوق والقارئ مقتف حتى لو كانت المسافة والوجهة خيالية. وإبراهيم_ ليس صالح_ هو صاحب فلسفة حذف وانسنة، وهذا الاقتباس شاهد على ذلك ((الأدب يخرج عندما ينطلق الإنسان من داخل نفسه باتجاه العالم , لينظر إليه بطريقة تتناسب مع ذاته وصفاتها وظروفها التي خلقت بها , هكذا يكون الأدب معبراً وله معان كبيرة تشغل الآخرين وتدفعهم للتفكير .)) . فلو_ ولو تفتح عمل الخيال والافتراض_ اخذت مقولة روح وبوح " يؤسفني إني لم اقرأ بآلة حاسبة" بمفردها وبعيدا عن باقي الرد، فإنه يمكن اعتباره تعبيرا عن استياء أو رفض السمة التحقيقية الزائدة لقراءتي على برزخ، وهذا قد يكون _ لو كان_ لأنها ليست ممن يقرأ بقلم رصاصي ويكتب مرئياته على النص حسبما تتوارد ويستلهمها ويختصر كتابياً جملة الافكار التي يقرأها في أي كتاب. احتوي ظنوني ضمن جملة الاحتمالات ولا ألغيها بمجرد أنها سابقة في التكوين، لأن الاسبقية لا تترادف مع الخطأ والخلل بكل حال كما لا تعني ايضاً الدقة والصحة، وليس لأني ابحث عن بوارد اعتراف من الكاتب تجاه ظنوني لاطير بها فرحا مباهياً بفراستي وعبقريتي الخ الخ الخ. اذا كنت تشير إلى ظنوني المسبقة عن إبراهيم التي احاول التأكيد عليها وتراها كقصور في حقي، فإنه قد تحقق بعضها في تفسيري للنص أو تفسير النص ذاته لي ولم يتحقق البعض الآخر لأنني ببساطة كائن محدود يتعب لتحديد كائن مماثل، ضعف الطالب والمطلوب. وتلك فكرة معلبة لا تحتاج إلى استنطاق، كما لم اكن_ كما كان صالح مع باقي الشخصيات_ لاخلع ظنوني على إبراهيم بعيدا مقالاته التي قرأت اغلبها في الساخر. تلك الظنون المسبقة التي بسببها حكمتُ بالرمزية _ حسب كلامك_ وليس لأن النص يحتمله لم تنشأ مني ولم تتمدد من فراغ وهوى، بل مما فاض على قراءات حقيقية له في الساخر وغير الساخر، سواء خلال قراءة الرواية أو بعدها وقبل التعرف عليه شخصياً. مراحل تلك الظنون بهذه الطريقة في كينونة استمرارية تطرّد مع جرات قلم الكاتب، بمعنى آخر لا اعتبر شخصتيه وواقع خياله ثابتاً بحالة "ما قبل مقاله الأخير" ولا بحالة " ما واكب كتابته" ولا حالة "مابعد كتابته" الخ الخ الخ، ونفس الاحتمال ينطبق علي وقراءاتي، فالهوى والوجود كينونتان لاعتمادية واحدة توصف بالـ capricious.

وكن بخير ايضاً..

نوف الزائد
18-07-2010, 10:24 AM
صباح الخير ..
أهلاً بصمتك مرغم وكذلك إلى آخره ..
وأعرف تماماً أن كلام كلاً منكما في مكانه السليم , وصح , وحين أعود للقراءة لكم هنا تتكون فوق رأسي سحابة مكتوب فيها "لايزال أمامي الكثير وأظن أني لم أبدأ بعد " , شعور محبط ربما لكنه أيضاً محفز ودافع ..
وعندما علقت "أنا لم أقرأها بآلة حاسبه" , كنت أفكر أن ليس كل شيء وضع للدراسة والتخطيط وأقلام الرصاص والأقلام الملونة , هناك أشياء في الحياة للمتعة أيضاً , أن يمر عليها الكائن البشري وهو يبتسم يتقلب مع الأحداث والملامح والوجوه ثم يعود أخرى لحياته الطبيعية , نظرتي الخاصة ولربما تكون قاصرة وجداً , لكني أؤمن بها كثيراً ..

وهذا مايجعلني أعود مرة أخرى هنا وأعود أخرى للرواية أقرأها بعيد عن الدهشة الأولى والقراءة المتقطعة , ستكون أوضح أكثر بأرائكم وملاحظاتكم عليها , سأحاول العثور على حديثكم بين أسطر الرواية أخرى ..

ونود فعلاً لو يمنحنا "إلى آخره " , قراءة لرواية سهام الغامدي "مع سبق الإصرار والترصد " , ويكتب انطباعه قبل حصولنا على الرواية , سيكون جميل يصنعه ..

.

نوف الزائد
18-07-2010, 10:59 AM
برزخ / في صمتك مرغم (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=151278)

إلى آخره!
19-07-2010, 06:11 PM
عندما علقت "أنا لم أقرأها بآلة حاسبه" , كنت أفكر أن ليس كل شيء وضع للدراسة والتخطيط وأقلام الرصاص والأقلام الملونة , هناك أشياء في الحياة للمتعة أيضاً , أن يمر عليها الكائن البشري وهو يبتسم يتقلب مع الأحداث والملامح والوجوه ثم يعود أخرى لحياته الطبيعية , نظرتي الخاصة ولربما تكون قاصرة وجداً , لكني أؤمن بها كثيراً ..
.

بما أن الكلام هنا حصرياً يجري على برزخ بنت ابراهيم، فليس من الاعتساف القول بأن روح وبوح تعتبر رواية برزخ شيئاً كتب للمتعة ايضاً_ لا ادري تحديداً إلى أي مدى سيوافق المؤلف مع هذا الغرض كغاية ووسيلة_ وتواجد الجانب "المتعوي" في القراءة حينئذ يتحجم ويتعارض مع قلمي الرصاص أو أي من مظاهر الانتباه والتيقظ والدارسة. السؤال هنا : إذن لماذا الأسف والتحسر والاحباط على تفويتها لدى الحصول على المتعة إلا بغية الجمع ؟ catch-22 :)

دون أن اكون فظاً هنا، إن كانت اللغة لوحدها شاهداً عدلاً فسيكون هذا كلام صادر ممن لم يكتب قصة قصيرة فضلا عن رواية من 300 وكم صفحة استغرقت طاقة شعورية ومادية من مؤلف لا يمتهن الكتابة كوسيلة استرزاق . لا اعرف تحديدا الوقت الذي استغرقته برزخ للإكتمال لكنه يتداخل ويقاس بالشهور اكثر من الاسابيع . قرأت برزخ في اسبوعين ملأت علي رحلات القطار وعمرت سويعات البقاء في الحدائق العامة والمكتبة، وغدت مرحلة فكرية وشعورية انطبعت على جبين 2008 ضمن غيرها من الماتعات. من الكتب التي توجد في قائمتي الطويلة حالياً "The Enchantress of Florence" لسلمان رشدي وهو يقع في ثلاثمئة وثلاثين صفحة تقريباً، استغرقته ما يقارب السبعة أعوام من القراءة التاريخية الممحصة والتي مكنته من خلق شخصيات مثل ميكايفيلي وجنكيز خان والإمبراطور أكبر خان رغم أنه من عمل الخيال. اعتقد بأن حجم أو محورية التماهي والامتاع المستقى من أي كسل قرائي لا يستحق تعب السنين هذا حين يتحصل بغيره.

هذا الرد نبع حول "برزخ" لكن اذا كان لا يخدم برزخ من قريب أو بعيد، فأتمنى بصدق ومن القلب حذفه للصالح العام، كما اتمنى حذف رابط قراءة "في صمتك مرغم" لأنه رد هنا قبل ادراج الموضوع في المطابع مما يعني أنّه تقصّد التفرد بقراءته راداً وشاكراً من ردوا ويردون عليه على أن تكون قراءته "رداً" في موضوع "شخص آخر"، واحترام مسعاه مجاملة تترجح بهذا التمدد. مجرد اقتراح يعني _وإن شئت_ لقافة على الشوؤن التنظيمية. :sunglasses2:

نوف الزائد
20-07-2010, 01:28 AM
جلب موضوع في صمتك مرغم هنا , لحفظ الوقت لمن أراد وليس اعتراض في شيء ولا على أي شيء ..
وفي ردك الأخير بالفعل تمثلت لي صورة بنت أختي عندما أنصحها في رواية أو نص أو أي كتاب , تبدأ في تصفحه من الأخير وكأنها تريد الخلاص منه أو اسكاتي , هذا شيء يزعجني حقاً فيها وقد يصل بنا الأمر إلى قطع علاقتنا مؤقتاً ثأر لهذا الجهد وهذه الكتب .

والآن أنا أشعر أني أخذ مكانها , وأسبب نفس الإزعاج لغيري عندما استمتع في قراءة رواية ما , في حين صاحبها قضى أعوام أو شهور في كتابتها وهكذا انتهي منها في يومين أو ثلاثة , وبعض الساعات أكمل قراءتها أمام التلفاز.

ربك يعين ..
وشكراً مرة أخرى "