PDA

View Full Version : من أنا ؟



محمد إمام
24-07-2010, 03:46 PM
من أنا ؟




لا أحد يستطيع أن يصف نفسه, أو يعرِّفَ بها, فكلمات اللغات مجتمعة تعجز عن وصف ابتسامة, ما بالكم بشخصٍ كامل, الله سبحانه أقسم بضحكته وبكائِه !!


وأنا كغيري, إنْ وصفتُ نفسي اليوم بوصفٍ, سأجدني غدًا أزيله, وأكتب غيرَه مكانه, أما رأيتم قول الأصفهاني: ”إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قالَ في غَده: لو غَير هذا لكان أحسن, ولو زيد كذا لكان يُستحسن, ولو قدّم هذا لكان أفضل, ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".

كذلك ماذا أصف فيها ؟ وما الذي أعرِّفها به ؟, هل أعرّف نفسي بأبي وأمي, أهلي, دراستي وعملي, أم أعرِّفها بعقلي وفكري, أم بمشاعري ووجداني, أم أعرّفها بإخفاقاتي وآلامي وأحزاني, أم بأفراحي وأتراحي ونجاحاتي وأمنياتي... ؟؟


هل أكتب عن محيطي ؟, وكيف يُعرَّف الشخص بمحيطه (والفكرة هنا للدكتورة هبة رؤوف عزّت), وهو كيان أعجز العلم والعلماء عن الإحاطة به, لدرجة أن وصفه الشاعر بـ:



وتحسب أنَّكَ جرمٌ صغيرٌ .. وفيك انطوى العالم الأكبر


إذًا فلا يمكن أن تعرَّف النفس إلا بها, إلا أنّ الشيء لا يمكن أن يعرَّفَ بنفسه, فقد قال القائل مستنكرًا: "بعد جهدٍ وعناء, عرَّف الماء بالماء !", بينما البعض يقول: "إنّما يمكن تعريف الشيء بما يُشَاهَد عليه", والظاهر المُشَاهَد أحيانًا ما يُعطي حقائق مقلوبة تمامًا, ولنا في قصة موسى والخضر عليهما السلام العبرة والعظة.


نعم, إنّها حيرة تَصحبك أنّى ارتحلت, ومهما تعلّمت, أو حَوَت نفسك من خبرات, أو رأيت من طباع البشر, أو قرأت في علم النفس, وأحوال أهل الأثر, هي حيرة تجعلك تتحدّث بطلاقة, وحين يُطلب منك تعريف نفسك, تقف برهة, تفكّر, ثم تنطلق في شرح مالا يمكن شرحه, أو الصمت, أو قول: "لا أعرف".


قد يقول البعض: "يمكنك تعريف نفسك بالحديث عن أفكارك, إنجازاتك ونجاحاتك, ما كُرّمت من أجله, وما تعمل فيه, مشاعرك, أمنياتك, دراستك, خطتك في الحياة...", ويضيفون: "هذه الأشياء لها علاقة بك, وهي دليلٌ على صفاتك", وفي هذه معهم حق في جزئها الأول, فهي لها علاقة بي, لكنها ليست دليلاً عليّ, بل هي مجرّد قرائن قد تُثبت أو تكون غير قادرة على الإثبات.


لأنّي ربّما أضحك لمن حولي, وقلبي حزينٌ على حياتي التي تضيع بين يدي, لا لشيءٍ إلا لأنّ الحقائق قد اختلطت عليّ, وأصبحتُ كل يوم أغيّر في ثقافتي ومفاهيمي, فحقائق اليوم أصبحت ليس لها تلك القوة التي كانت لحقائق الأمس, كالعملة التي تكتشف فجأة أنها مزوّرة, أو معطّلة !


قد يعدّ البعض هذا التغيير تقدّمًا, ومن أدراك ؟, فلربما التقّدم للخلف, كحال الكثيرين, فلا وحي لديك, وما لديك محض اجتهاد, ولا شيء مؤكّد.


مشاعري تتغيّر وتتبدل كل يوم, فما يسرُّني اليوم يصبح غدًا من الأحزان, يكفيه أن تمر عليه يد القدر فتبدلّه من حالٍ إلى حال.


نجاحاتي ليس لها قيمة إن لم تستمر, كما أنّ قيمتها مؤقتّة لا تصلح أنْ تكون صفةً تلصق بي بقية حياتي.


آلامي, وأحزاني لا أجاهر بها, فربها مطلع عليها, هو حسبي ومولاي.


إذًا "فمن الصعب أن أتحدّث عن نفسي, قد أحتاج عمرًا كي أفهمها قبل أن أبدأ في الحديث عنها, وقد أتحدّث وأنا لم أعرفها بعمق بعد. وقد أسعى للإمساك بالمعنى لكن يُفلت مني، وأتغيّر وتتغيّر اللغة، وأحاول من جديد".(والفقرة هنا للدكتورة هبة رؤوف عزّت)


أمَّا ما دون ذلك فهو ثابت, فاسمي الذي عُرِفتُ به بين أهلي وأقراني ثابتٌ على رأس صفحتي وحياتي, حتى أنّي لم أختره, وهو الأقرب مني !, وسنين عمري تمشي دون إرادة مني بإيقافها أو تسريع وتيرتها, ودراستي لا تعبّر عنّي, بل عن علوم معينة مررت عليها, وإنجازات الماضي انقضت, فلم تعد إلا تاريخًا, وإنجازات حاضري أجاهد كي أوافيها, وبالكتمان أحيطها وأحميها, وإنجازات المستقبل.. ماذا عنها ؟ لا أظن أن أحدًا يدرك ما يمكن أن يحدث فيها !


إذا كُرِّمتُ, حزنت خوفًا ألاّ أكون أهلاً لهذا التكريم, وخوفًا من أن أصاب بالرياء, وإذا أُهنت عزّ علي, وحزنت, واستكنت.


إن تجاهلني الناس شعرت كأنّي طفلُ شريدٌ عزَّت عليه نفسه أن تطلب الناس, وإنْ طلبوني خفت على نفسي الفتنة.


هل الأمر معقَّد ؟


نعم, إنَّه بالفعل كذلك, لذا يقولون أنَّ النفس البشريَّة أعجز ما خلق الله, وأنَّ وصفها أشدُّ صعوبةً من وصفِ الكون وما يقع بين السماءِ والأرض, حتى أنَّهم حين اخترعوا الإنسان الآلي, في محاولة للاستعاضة به عن خدمات الإنسان الحقيقي, فشلوا في إكسابه الصفات النفسية للبشر, وفي جعله يشعر بالضحك, أو البكاء, فصدق الله ربنا حين أقسم قائلاً: "وأنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى".

الخطّاف
26-07-2010, 06:52 AM
..
إنه شيء جميل يا محمد فشكراً لك ..

محمد إمام
26-07-2010, 12:15 PM
أسعدني أن أعجبك..