PDA

View Full Version : " مُواطن في عالمين ! "



مدى ~
16-05-2010, 07:16 PM
.

” الإنسان مواطن في عالمين ” هكذا يُعرّف بعض الفلاسفة الإنسان .. وذلك لاتصالهِ بعالم الروح وعالم المادة في آنٍ واحدة , لأنهُ مخلوق مركّب من جسد وروح , شهوة وعقل , مشاعر وأفكار .. هوَ كيان يعيش في عالم السماء وعالم الأرض , وهذا هو الوصف الدقيق لـ ” حمُود ” الإنسان الذي يعيش مُشتتاً بين سماء مُثله وقيمه ومبادئه , وبينَ أرض الواقع المؤلم ومرارة الحاجة , ومرض الضنى .. والهوان على البشر .

يُصارع تزاحم الأرقام على فواتيرِ العلاج , ويتذوّق حنظلة قِصَر ذات اليد ومهانة النظر إلى أيدي الأغنياء .. حاولَ مراراً بعد إلحاح زوجته وأمه وأصدقاءه أن يكسر العزة المُتمثلة في ذاته , وأن يمسح معاني الكرامة والكبرياء المُزخرفة بماء وجهه .. فاتصل على صديقهِ يُخبره بأنهُ قد وافقَ أخيراً على استقبال الصحافي في بيته , إلا أنّ الصحافي قال لهُ بحدة : اسمك وصورتك هيَ مقياس مصداقية الخبر والحافز الأهم لتجاوب الآخرين مع قضيتك , من دونهما لا أستطيع أن أخدمك بشيء .. وخرج !

تلكَ الحادثة كانت بداية لمسلسلٍ يومي يتضمّن مُتابعة زوجته لأخبار تفاعل أهل الخير مع المُحتاجين في الصُحف تعقبُها محاضرات لومٍ وتعنيف قاسية , لم يكُن يُقاوم أسلوب زوجته الفض والبكاء والحرقة التي لا تكُف عنهما صبح مساء فيهرب إلى ابنته المريضة المُتلحفة في غرفتها , كان يجلس معها كثيراً يبكي ويندب حظه , يعتذر عن عجزهِ وضعفه .. يعتذر منها عن قسوة العالم وجبروت المادة .. عن قيمة الإنسان المُتدنية , عن الأغنياء الذين يُنفقون الملايين لهواً ولعباً , عن الجمعيات الخيرية ومراكز تبسمى بحقوق الإنسان , عن خطب الرحمة ومساعدة المُحتاج وتكافل المسلمين , عن أشخاص يلبسون ملابساً بيضاء يُنعتون زوراً بملائكة الرحمة والإنسانية وهم شياطينها !

يُمسك بيدها الصغيرة يُقبلها بألم .. ينتزع الكلمات من حلقهِ إنتزاعاً : إنهم يُضيّقون الخناق على أبيكِ يا بُنيتي , لم يعُد بوسعي الاحتمال أكثر , لا أستطيع أن أصمد مزيداً من الوقت , إنني أنهار .. أتلاشى مع كل لحظة ألم تمر بكِ دون أن أصنع لكِ شيئاً , أنا آسف لأنني خدعتكِ .. آسف على كُل القيم التي شربّتكِ إياها وأخوتكِ في المهد , على كُل المعاني السامية التي ربّيتكم عليها , لأنها أكبرُ منّا (!) نعم نحنُ لا زلنا في عالم ” الريال ” صغاراً , الكرامة والعزة والإنسانية كلمات مُزخرفة ندرسها في الكتب , هي معطف للأثرياء فقط .. وليسَ للفقراء أيُّ حظٍ فيها أو نصيب ..

ذنبنا الوحيد أننا نُريد أن نعيش مُتأبّطين كرامتنا ! وهم لا يُريدوننا كذلك , لأنهم يُريدون أن يُكفّروا عن سيئاتهم , أن يغفر الله لهُم , حبهم للمال لن يسمح لهُم ببذلهِ لنا إلا إن أثرنا شفقتهم وتوغلت صورنا البئيسة إلى قلوبهم القاسية الصلدة , كُلّما إزددنا حاجة وفاقة كُلما إزدادوا رحمةً وتعاطُفاً لنا , وأمدونا بفضلة أموالهم وفائضها .. هم يُعطوننا المال حتى يغسلوا شرورهم , حتى ندعوَ الله لهم , أرأيتِ ماذا يصنعُ الأثرياء ؛ حتى الدُعاء يشترونهُ بالمال !

الجريدة بحاجة إلى صفحة إنسانية حتى تبلُغ صفحاتها النصاب .. تملأها بفضائحنا , تكشف عوراتنا للعالم (!) لن تمتلىء صفحاتهم إلا بإنتقاصنا , فقرنا مكسبٌ لهم وغنيمة (!) لا بُدّ أن نجلس جميعاً أنا وأنتِ وإخوتكِ , وأمكِ أيضاً سترتدي عباءتها وستُشاركنا صورة البؤس والمهانة , يجب أن نجلس وننظر جميعاً لعدسة المصوّر .. لا ليسَ جميعاً أخيكِ محمد سينظر إلى الأرض , وخالد يجب أن يضع يدهُ على جبينه ليظهر بمظهر المسكين .. قد يطلبون منّي أن أعتصر قلبي وأتمخّض دموع الرّجال ! لا بأس .. هيَ المرة الأولى التي نقف فيها أمام (فلاش) آلة التصوير ولا يُطلب منّا أن نبتسم حتى تصير الصورة (أحلى) , لأنها بالبؤس أجمل ! هم يرونها هكذا أجمل .. مقاييسهم تختلف عنّا ..

يجب أن نظهر للعالم بقمة الإنهزامية والضعف حتى تعيشي يا بُنيتي , يجب أن نبذل صك كرامتنا بخنوع كيْ نُحرركِ من سراديب مرضكِ , سأفعل كُل ما يُريدون , سأسقي أرض القسوة اليابسة من ماء وجهي حتى ترتوي وتُنبت مالاً للمعوزين أمثالي , سأُفلس .. سيسْخرُ الكثير من الصبية على إخوتكِ في المدارس , سيتشاجرون معهم ويَضرِبون ويُضرَبون , سأُغيّر المسجد الذي أُصلّي فيه توارياً من أعين الناس , سأمشي في الطرقات مُلثماً حتى لا يراني أبو مصطفى وأبو سعيد , لا بأس .. لا مُشكلة من إكمال بقية مشوار الحياة بلا كرامة .. فالكثير يعيشون دُونها ! ستجدينهم حول كُتّاب (المعاريض) يطوفون حولَ القصُور .. الأرض مليئة بالمعوزين .. لسنا وحدنا .

بعد أيام يُكتب في الجريدة : إن الطفلة ” وئام ” إنتقلت صبيحة الأمس إلى رحمة الله تعالى بعد سنواتٍ عانتها مع المرض , ” حمود صالح ” والد الطفلة يتقدّم بالشكر الجزيل والدعاء الوفير لكُل من مدّ لهُ يد العَون والمُساعدة ولكل من تفاعل من القرّاء مع قصة ابنته وهمّ بالتواصل , سائلاً المولى أن يجزيهم خير الجزاء في الدنيا والآخرة ..



مجلة حياة – العدد 119

Abeer
16-05-2010, 08:08 PM
.

أنتِ " إنسان " حقيقي .. يا مدى .
تعازينا !

.

أشعار
17-05-2010, 05:42 AM
سورة الخيانة يا مدى .
رصدكِ دقيق مثل عدسة مستوية .

بافاريا همنغواي
17-05-2010, 07:09 AM
ـ
هذه عدسة الحقيقة ..مؤلم جدا ما شقه قلمك يا مدى .
أبدعتي وجدا

ـ

نوف الزائد
17-05-2010, 09:51 AM
تعب "
هذه الحياة مجرد تعب ..!

.

ماجد الصالح
24-05-2010, 11:29 PM
قصة جميلة سيدة "مدى"
العنوان ذكي جداً.. والصياغة جميلة.
الفكرة هي الأكثر ظهورا في قصتك هذه.. قمتِ بالتقاط مشاهدك بطريقة باختلاف زاوية النظر لديكِ عن كثير ممن يشاهدون ذات الأحداث..
كما جاءت النهاية موفقة للغاية.
قصة مدهشة.

أنـين
25-05-2010, 10:55 AM
للأسف ..
لا توجد زاوية لإلتقاط المشهد بصدق إلا زاويتك

رسمت بحرفك المشهد بكل بؤس وكان المداد ما نزف من دمع الرجال وماء الوجه ومرارة سكنت القلب

دراسينا
25-05-2010, 03:02 PM
ابدعتي يامدى

الغيمة
25-05-2010, 06:22 PM
مدى..
كانت صفحة القضايا الإنسانية من أبشع الصفحات لدي..
وكنت أرى فيها أشخاصا منزوعي الكرامة حينما يصفون أبناءهم لأخذ صورة تبين وضعهم المهترئ..
كثيرة هي الانطباعات التلقائية التي نبنيها عن الآخرين لمجرد أننا (لم نعش المعاناة)..
بصدق..ستتغير نظرتي تجاه هؤلاء الأشخاص من الآن وصاعدا..لن أعمم..فربما هناك من يستمريء العيش بلا كرامة..ولكن لم يكونون سببا في تشويه صورة هؤلاء الشرفاء؟
لا يوجد أصعب من أن يلوي ذراعك اثنان..
عزيز يحتاج إلى مساعدتك..
وصحافة تتاجر بكرامتك..
شكرا لك مدى..

مدى ~
27-05-2010, 06:36 PM
.

كل الشكر لكم جميعاً .. كلٌ بإسمه .
تشرفت بكم .

محمد مالك بنان
27-05-2010, 07:45 PM
ما شاء الله يا سيدة مدى
تقبلي تحياتي ...

على المينا
02-06-2010, 10:21 AM
عندما تكون الكرامة ثمنا لحبة الدواء

فاغسل يديك من ( الوطنية ) (والوسطية)

ومايجتر من بقية الأشياء

فهي هراء

ستبقى الصورة في ذاكرتي كلما طالعت الصحف

شكرا ..مدى..

مروان ميدع
02-06-2010, 02:11 PM
كيف تعيشون مع لغة حروفها 29 حرف ويوم ساعاته 25 ساعة فنحن بحاجة للغة ذات احرف اقل كي نتمكن من الفهم
والى يوم بساعات اقل كي تقل هزائمنا

cells
02-06-2010, 02:23 PM
اسأل الله لكم الصبر و السلوان, و ان جاز لي ان اتمتم خارج الموضوع قيلا فنحن العرب في العالم الثالث...

Cells

د.قلمـ
05-06-2010, 01:00 AM
هنا بكيت ...

"قلمٌ أديب .."

يا من يرى...!
12-06-2010, 12:58 AM
رائع والله
أول مره ارى الصورة من هذه الزاوية

أول مره اشع ربهذه المشاعر
كم هي مؤلمة فوق الوصف

احسن الله اليك
واحسن الله عزاءهم

لا تتوخ الهرب !
28-06-2010, 12:25 PM
هوايتي هي قراءة كلّ مافي الشريط ،، وليس جميعها يستحق كهذا .

نفيسة
10-07-2010, 01:00 AM
مؤثرة مؤلمة ناكئة للجروح المغطاة بالقشور ..

وهذه حال كثيرين احسنت وابدعتِ ..
تحية طيبة كما ابداعكِ

معفوس
14-07-2010, 08:35 PM
مبهمة مهملة تلك الزاوية اللتي نظرت منها....

وفقك الله

ساخرة بشدة
19-07-2010, 08:25 PM
القصة مشابهة تقريبا لقصة الأسد الذي أصبح قطة ..!!

wroood
31-07-2010, 02:23 PM
الى الروائع ..
وشكراً مدى