PDA

View Full Version : عرض مغر بألا تأتي..



Athena
24-09-2010, 02:44 AM
أنتظرك منذ عام وثلاثة أشهر، ليست فترة انتظار طويلة بالمقارنة مع الأوقات التي اعتدت فيها انتظار ما أتمنى أن يأتي..
أعدك إن أتيت.. أن تكون آخر ما أتمناه وآخر ما أنتظره..
بإمكانك ألا تصدقني ويحق لك ذلك فقد وعدت قبلك كثيراً وتعهدت بأشياء كثيرة لم أنفذ شيئاً منها إلى أن بدأت أشعر أني أقرب بشكل ما إلى قوم موسى الذين كلما نجاهم الله واستجاب لدعائهم تناسوا وعودهم وعادوا لطغيانهم..

كنت فيما مضى أدعو الله كثيراً أن أتحرر من سلطة أمي ومطالبتها المستمرة بأن أقوم بأعمال المنزل في الأوقات التي تقررها هي وتحديدها لفترة نومي واستيقاظي وعدد صديقاتي.. دعوت الله كثيراً أن أعيش في بيت مستقل أقوم بتنظيفه وقتما يحلو لي وأطبخ ما أريد في الوقت الذي أقرر وبالطريقة التي أفضل وأضع كمية الفلفل التي أريد دون أن يطالبني أحد بوضع كميات أقل. الآن عندما أزورها أتساءل كيف تخلت هكذا فجأة عن كل مطالبها وكيف بمجرد زواجي سقطت كل سلطاتها لتتحول فجأة لصديقة تزورني وأزورها ولا نكف عن الحديث عن الأزواج وتصرفاتهم المستفزة التي لا حل لها سوى الصبر والاحتساب..

أتمنى الآن أن أسمعها في منتصف الليل تصرخ بي مطالبة أن أخلد للنوم باكراً وأتمنى لو أستطيع ذلك فعلاً.. يبدو أن لعنة أمومية حلت عليّ فتجعلني أنهض في منتصف الليل أتجول كشبح الليدي ماكبث التي كان ذنب قتل الملك يؤرقها ويمنعها من النوم، رغم أني لم أقتل أي ملك ولم أحتل عرشه بل على العكس لو كنت فعلت ذلك لما شعرت مثلها بالذنب وإنما كنت سأسهر الليل أفكر كيف أتحكم بشعبي وأذله، ولكن الأعمال اليومية التي أقوم بها كفيلة بأن تجعل أي كائن طبيعي يبدأ بالشخير بعد خمس دقائق من وضع رأسه على الوسادة.. أتمنى فعلاً أن أمارس يوماً الشخير وأزعج كل من حولي وأمنعه من النوم لأستمتع وحدي بنوم سيمفوني عميق.. أتمنى أن أتوقف عن عادة النهوض بعد محاولات نوم فاشلة لأبحث عن ديوان شعر وأفتحه على صفحة عشوائية كمن يطلب من منجم أن يقرأ له فنجانه..

أعرف أنها كلها أمنيات بمجرد أن تتحقق سأبدأ بالبحث عن غيرها وسأنسى كل وعودي قبلها.. أذكر عندما كنت أسمع شجارات المتزوجين والتي غالباً ما تكون لأسباب تافهة كنت أعاهد نفسي أمام الله أني إن تزوجت لن أتشاجر مع زوجي إطلاقاً لمثل هذه الأسباب التافهة وسأكون زوجة حكيمة وسأجعله أسعد زوج وسأثبت للعالم كيف يمكن تأسيس حياة هادئة وسعيدة بعيداً عن الصراخ والشجار.. كنت أعاهد نفسي أن أثبت لكل المتزوجات كيف يمكن بسهولة إقامة علاقة ودية مع أم الزوج وأخواته وقد كنت أستنكر موقفهن المعادي لهن وأعتبره مجرد صورة اجتماعية مترسبة فينا وعلي كإنسانة مثقفة أن لا أسمح لها بالسيطرة علي.. حسناً ها أنا أعترف أني كنت أكذب ولكن صدقني لم أكن أعرف حينها أني أكذب، ولا أعرف حتى لم أصبح مجرد سماع شيء عن أهل الزوج سبباً كافياً لإصابتي بالهستيريا والتوتر العصبي، فضلاً عن كوني الآن لا أحتاج لأي أسباب على الإطلاق، سواء الوجيهة منها أم التافهة، لأمارس الشجار والنكد والصراخ..

قد يجعلك هذا تترد في قرار المجيء.. لن ألومك فحتى أنا أتساءل كيف أستطيع احتمال نفسي.. لكني أعدك أن أكون أماً مثالية وأحاول أن أكون صديقتك قبل حتى أن تتزوج.. عندما أسمع صراخ طفل جارتنا الحاد المستمر أتعجب كيف تستطيع أن تحتمل سماع بكاءه دون أن تسرع إليه لتضمه وتهدأ من روعه.. وأعاهد نفسي أمام الله أني عندما سأصبح أماً لن أتركك تبكي أبداً وسأدللك حتى إفسادك.. سأسمح لك بأن تأكل بمفردك وأن تلطخ ملابسك وتشارك في حملة الطعام أصابعك العشرة الصغيرة.. صدقني سأسمح لك بتناول الحلوى بالكميات التي تشاء ولن أفرض عليك أي نظام غذائي ولن أقسم طعامك إلى وجبات منظمة ومحددة كما تفعل الأمهات الحديثات بل سأترك لك القرار وسأربيك على طريقة جان جاك روسو حتى وإن تحولت لفتى أدغال.. إنه ينصح أن نترك الطفل للطبيعة لتربيه كما تشاء وألا نتدخل في تربيته وطبيعته.. سأحررك حتى من ملابسك وستكون دائماً بملابسك الداخلية لكني لم أقرر بعد الفترات التي يمكنني فيها تحريرك أيضاً من تقييد "بامبرز" لحركتك.. سيكون بإمكانك في السنوات الخمس الأولى من مناداتي باسمي المجرد دون أي ألقاب، وفيما يليها من سنوات يمكنك أن تناديني باسمي فقط عندما أكون غاضبة منك كما كان يفعل خالك عندما أكون مستاءة منه فيحاول إضحاكي بهذه الطريقة.. على اعتبار أن مسألة شبهك بخالك أمر مفروغ منه ولن أسمح بالنقاش فيه مطلقاً..

سيكون بإمكانك أيضاً أن تفتح جميع الأدراج والخزانات وتخرج كل ما فيها لتجرب متعة الاكتشاف بل ويمكنك أيضاً أن ترمي الأحذية من الشرفة ولن أصرخ بك حتى وإن رميت حذائي المفضل.. أعتقد أنك لن تجد عرضاً مغرياً ومقنعاً أكثر من هذا.. عليك فقط أن تأتي قليلاً لتستمع بنفسك لصراخ الأطفال وبكاءهم ورغباتهم المكبوتة من حولنا لتقتنع أني سأكون أماً مثالية وأنك لن تحصل على عرض كهذا كل يوم.. أنصحك باتخاذ القرار والإسراع بالمجيء فالعرض لفترة محدودة فقط وقد أغير رأيي في أي لحظة فوالدك بات لا يحتمل.. تخيل أنه اليوم اتصل بي من عمله ليسألني إن كان الزيت عندنا قد نفذ وأنه قرأ في النشرة الاقتصادية أن أسعار الزيت سترتفع لذلك سيحضر كميات كبيرة منه تحسباً لهذا الارتفاع الغير مفاجئ بالنسبة له.. تخيل أنه بات عليّ أنا التي لم أكن أفرق بين المازوت والبنزين أن أستمع يومياً لنشرته الاقتصادية التي يتوقع فيها أن يرتفع أسعار الذهب ويهبط سعر اليورو ويرتفع سعر البندورة والكوسا والبصل والثوم لأنهم يصدّرون كل شيء ولكنهم بالمقابل سيرفعون الرواتب 17 بالمئة..تخيل.. يحق لك ألا تصدقني فحتى في هذه أنا أكذب عندما أدعي أن النشرة الاقتصادية لم تصبح من اهتماماتي.. فعندما أذهب لزيارة جديك أبدأ دون شعور بالحديث عن أسعار الزيت والبنزين والبندورة والبصل ولا أسكت إلا عندما يعبر خالك عن غضبه من هذه النشرة الاقتصادية التي تليت فجأة عليهم في غير وقتها المحدد..

حتى أنا لم أعد أصدق نفسي.. كيف تحولت هكذا من متابعة للنشرة الثقافية التي تصدر كل ثلاثاء لمتابعة للنشرة الاقتصادية التي تصدر كل أربعاء، كيف تحولت من متابعة للشريط الأخباري الثقافي لأقنع نفسي أني مهتمة بالشأن الثقافي وأشعر بالذنب إن مر شهر دون أن أفتح كتاباً جديداً وكأن هذا الكتاب سيدخلني الجنة مثلاً.. إلى متابعة للشريط الاقتصادي وأسعار الذهب لأعرف نسبة أرباحي مقارنة بالسنة الماضية..

لن أعدك بأي شيء آخر لكن ربما لو جئت أنت لغيرت عاداتنا وجعلتنا بدل الاختلاف حول متابعة نشرات الثلاثاء والأربعاء نتابع صفحات الأسرة والصحة وهذا حل وسطي سنقبل به جميعا.. وإن قررت المجيء فعليك أن تضع بحسبانك أني قد لا ألتزم ببعض الوعود التي تعهدت لك بها رغم أني أتمنى فعلاً أن أحققها لك ومع هذا عليك أن تتحلى بشهامة الرجال وتحتمل كل ما يبدر مني.. هل تعلم ماذا تقول ميديا.. إنها إحدى شخصيات يوريبيديس وسأشرح لك فيما بعد من هو يوريبيديس فأرجو ألا تقاطعني مرة ثانية بأسئلتك.. تقول ميديا: "لا أقول أن نفوسنا قد فطرت على الشر.. وإنما أقول أننا معشر النساء.. لسنا إلا نساء.. ومع هذا.. لا ينبغي على الرجال أن يردوا لنا الإساءة بالإساءة أو أن يتصدوا لنا أو أن يقابلوا صغائرنا بمثلها.." أتعلم ماذا فعلت ميديا.. لقد قتلت ولديها بيديها لتنتقم من زوجها.. نظرت في عينيهما مباشرة وذبحتهما من الوريد إلى الوريد لتحرق قلب والدهما.. لا تخف هي مجرد قصة وهمية من مؤلف يكره النساء ولكني أخبرك بها فقط لتسامحني إن لم أنفذ كل ما وعدتك به وكنت أسوأ بكثير مما كنت تتمنى.. وتتذكر دائماً أنه ما يزال هناك الأسوأ بكثير..

إلى آخره!
25-09-2010, 03:31 PM
Boethius
Desdemona
misanthropy
Iago
omnipotence

تحية طيبة،،،
بعد اتمام القراءة تواردت علي تلك الاسماء والمفاهيم ...

مهدي سيد مهدي
25-09-2010, 03:55 PM
صدق من قال أن هناك أشياء تستحق الانتظار

سرد جميل

شُكرًا لكِ

نوف الزائد
26-09-2010, 02:53 PM
بني ..
لاتعجل , فالعجلة من الشيطان ..
وماهنا جميل (:

بلا ذاكره
27-09-2010, 06:27 PM
هي أشياء
لاندركها قبل االانتظار
ونتفاني في تهيئة الدروب والأماكن والقلوب لها حين الانتظار
ثم لانلبث أن نهملها بعد الانتظار

جميل جداً
شكراً لك

قس بن ساعدة
27-09-2010, 09:50 PM
شيء يملأ العابر هنا برغبة في الارتماء بحضن امه
الحمد لله الحجة نايمة عنا اليوم
فإلى هناك

نص جميل فعلا فكرة ولغة
وحياك الله

خلف الرحيل
28-09-2010, 05:16 AM
كلمات جميلة.. ثقيلة بالإنتظار..

جيلان زيدان
28-09-2010, 10:55 AM
مرحبا أثينا,

مختلف محوى محبرتك , فواح بكاتبتة مختلفة المذاق
أترك لك هذين الملاحظتين :
لتستمع بنفسك لصراخ الأطفال وبكاءهم =بكائهم
وتجوز الأولى ولكنها هكذا أبلغ لعطف الجملتين.

كان الزيت عندنا قد نفذ = وإنما هي نفد بالدال, فنفذ أي جاز أو اخترق أو..


شكرا لك ولجمالك


كوني بخير

...

حكايات
01-10-2010, 12:16 AM
نص جميل , بل أن " جميل " وحدها لاتكفي ..!
فكرة ومعنى ولغة .. شكراً لأنك هنا ..